الدر المصون في علوم الكتاب المكنون — السمين الحلبي

عن الكتاب
قوله تعالى :﴿الْكِتَابَ كِتَابَ اللَّهِ﴾ :" الكتابَ " مفعولٌ ثانٍ ل " أُوْتُوا " لأنه يتعدَّى في الأصلِ إلى اثنين. فأُقيم الأولُ مُقام الفاعلِ وهو الواوُ، وبقي الثاني منصوباً، وقد تَقَدَّم أنه عند السهيلي مفعولٌ أوَّلُ، و " كتابَ الله " مفعولُ نَبَذَ، و " وراءَ " منصوبٌ على الظرفِ وناصبُه " نَبَذَ "، وهذا مَثَلٌ لإِهمالِهم التوراةَ، تقولُ العرب :" جَعَلَ هذا الأمرَ وراءَ ظهره ودَبْرَ أذنِه " أي : أهمله، قال الفرزدق :
تَميمُ بنُ مُرٍّ لا تكونَنَّ حاجتيبِظَهْرٍ فلا يَعْيَا عليَّ جوابُها
والنَّبْذُ : الطَّرْحُ - كما تقدَّم -. وقال بعضُهم :" النَّبْذ والطَّرْح والإلقاء متقاربة، إلا أن النبذَ أكثرُ ما يقال في المبسوط والجاري مَجْراه، والإِلقاء فيما يُعْتبر فيه ملاقاةٌ بين شيئين " ومن مجيء النَّبْذ بمعنى الطرح قوله :
إنَّ الذين أَمَرْتَهُمْ أَنْ يَعْدِلُوانَبَذُوا كتابَك واسْتَحَلُّوا المَحْرَما
وقال أبو الأسود :
وخَبَّروني مَنْ كنتُ أرسلْتُ أنَّماأَخَذْتَ كتابي مُعْرِضاً بشِمالكا
نظْرتَ إلى عنوانِه فنبذْتَهكنَبْذِكَ نَعْلاً أَخْلَقَتْ مِنْ نِعالِكا
قوله :﴿كَأَنَّهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ﴾ جملةٌ في محلِّ نَصْبٍ على الحال، وصاحبُها، فريقٌ، وإنْ كان نكرةً لتخصيص بالوصفِ، والعاملُ فيها : نَبَذَ، والتقدير : مُشْبهين للجُهَّال. ومتعلَّقُ العلمِ محذوفٌ تقديرُه : أنه كتابُ الله لا يُداخِلُهم فيه شكٌّ، والمعنى : أنهم كفروا عِناداً.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى