البحر المحيط في التفسير — أبو حيان الأندلسي
عن الكتاب
الظهر : معروف، وجمع فعل الاسم غير المعتل العين على فعول قياس : كظهور، وعلى فعلان : كظهران، وهو مشتق من الظهور.
تقول : ظهر الشيء ظهوراً، إذا بدا.
﴿ولما جاءهم رسول﴾ : الضمير في جاءهم عائد على بني إسرائيل، أو على علمائهم، والرسول، محمد ﷺ، أو عيسى على نبينا وعليه أفضل الصلاة والسلام، أو معناه الرسالة، فيكون مصدراً، كما فسروا بذلك قوله :
أي برسالة، أقوال ثلاثة.
والظاهر الأول، لأن الكلام مع اليهود إنما سيق بالنسبة إلى محمد ﷺ.
ألا ترى إلى قوله :﴿قل﴾ قل، و ﴿فإنه نزله على قلبك﴾، ﴿ولقد أنزلنا إليك﴾، فصار ذلك كالالتفات، إذ هو خروج من خطاب إلى اسم غائب، ووصف بقوله :﴿من عند الله مصدّق﴾ : تفخيماً لشأنه، إذ الرسول على قدر المرسل.
ثم وصف أيضاً بكونه مصدّقاً لما معهم، قالوا : وتصديقه أنه خلق على الوصف الذي ذكر في التوراة، أو تصديقه على قواعد التوحيد وأصول الدين وأخبار الأمم والمواعظ والحكم، أو تصديقه : إخباره بأن الذي معهم هو كلام الله، وأنه المنزل على موسى، أو تصديقه : إظهار ما سألوا عنه من غوامض التوراة، أقوال أربعة.
وإذا فسر بعيسى، فتصديقه هو بالتوراة، وإذا فسر بالرسالة، فنسبة المجيء والتصديق إلى الرسالة على سبيل التوسع والمجاز.
وقرأ ابن أبي عبلة : مصدّقاً بالنصب على الحال، وحسن مجيئها من النكرة كونها قد وصفت بقوله :﴿من عند الله﴾ ﴿لما معهم﴾ : هو التوراة.
وقيل : جميع ما أنزل إليهم من الكتب، كزبور داود، وصحف الأنبياء التي يؤمنون بها.
﴿نبذ فريق من الذين أوتوا الكتاب﴾ : الكتاب الذي أوتوه هو التوراة، وهو مفعول ثانٍ لأتوا، على مذهب الجمهور، ومفعول أول على مذهب السهيلي.
وقد تقدّم القول في ذلك.
﴿كتاب الله﴾ : هو مفعول بنبذ.
فقيل : كتاب الله هو التوراة.
ومعنى نبذهم له : اطراح أحكامه، أو اطراح ما فيه من صفة رسول الله ﷺ، إذ الكفر ببعض، كفر بالجميع.
وقيل : الإنجيل، ونبذهم له : اطراحه بالكلية.
وقيل : القرآن، وهذا أظهر، إذ الكلام مع الرسول.
فصار المعنى : أنه يصدّق ما بين أيديهم من التوراة، وهم بالعكس، يكذبون ما جاء به من القرآن ويطرحونه.
وأضاف الكتاب إلى الله تعظيماً له، كما أضاف الرسول إليه بالوصف السابق، فصار ذلك غاية في ذمهم، إذ جاءهم من عند الله بكتابه الصدّق لكتابهم، وهو شاهد بالرسول والكتاب، فنبذوه ﴿وراء ظهورهم﴾، وهذا مثل يضرب لمن أعرض عن الشيء جملة.
تقول العرب : جعل هذا الأمر وراء ظهره ودبر أذنه، وقال الفرزدق :
وقالت العرب ذلك، لأن ما جعل وراء الظهر فلا يمكن النظر إليه، ومنه :﴿واتخذتموه وراءكم ظهرياً﴾ وقال في المنتخب : النبذ والطرح والإلقاء متقاربة، لكن النبذ أكثر ما يقال فيما يئس، والطرح أكثر ما يقال في المبسوط وما يجري مجراه، والإلقاء فيما يعتبر فيه ملاقاة بين شيئين.
﴿كأنهم لا يعلمون﴾ : جملة حالية، وصاحب الحال فريق، والعامل في الحال نبذ، وهو تشبيه لمن يعلم بمن يجهل، لأن الجاهل بالشيء لا يحفل به ولا يعتد به، لأنه لا شعور له بما فيه من المنفعة.
ومتعلق العلم محذوف، أي كأنهم لا يعلمون أنه كتاب الله، لا يداخلهم فيه شك لثبوت ذلك عندهم وتحققه، وإنما نبذوه على سبيل المكابرة والعناد.
وقال الشعبي : هو بين أيديهم يقرأونه، ولكنهم نبذوا العمل به.
وعن سفيان أدرجوه في الديباج والحرير، وحلوه بالذهب، ولم يحلوا حلاله، ولم يحرموا حرامه.
انتهى كلامه.
وقول الشعبي وسفيان يدل على أن كتاب الله هو التوراة.
وقال الماوردي : كأنهم لا يعلمون ما أمروا به من اتباع محمد ﷺ.
وقيل : معناه كأنهم لا يعلمون أنه نبي صادق.
وقيل : معناه كأنهم لا يعلمون أن القرآن والتوراة والإنجيل كتب الله، وأن كل واحد منها حق، والعمل به واجب.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: وقد تضمنت هذه الآيات الشريفة ما كان عليه اليهود من خبث السريرة، وعدم التوفيق والطواعية لأنبياء الله، ونصب المعاداة لهم، حتى انتهى ذلك إلى عداوتهم من لا يلحقه ضرر عداوتهم، وهو من لا ينبغي أن يعادى، لأنه السفير بين الله وبين خلقه، وهو جبريل.
أتى بالقرآن المصدّق لكتابهم، والمشتمل على الهدى والبشارة لمن آمن به، فكان ينبغي المبادرة إلى ولائه ومحبته.
ثم أعقب ذلك بأن من كان عدوًّا لله، أي مخالفاً لأمره وملائكته ورسله، أي مبغضاً لهم، فالله عدوّه، أي معامله بما يناسب فعله القبيح.
ثم التفت إلى رسوله بالخطاب، فأخبره بأنه أنزل عليه آيات واضحات، وأنها لوضوحها، لا يكفر بها إلا متمرد في فسقه.
ثم أخذ يسليه بأن عادة هؤلاء نكث عهودهم، فلا تبال بمن طريقته هذه، وأنهم سلكوا هذه الطريقة معك، إذ أتيتهم من عند الله تعالى بالرسالة، فنبذوا كتابه تعالى وراء ظهورهم، بحيث صاروا لا ينظرون فيه، ولا يلتفتون لما انطوى عليه من التبشير بك، وإلزامهم اتباعك، حتى كأنهم لم يطلعوا على الكتاب، ولا سبق لهم بك علم منه.
ثم ذكر من مخازيهم أنهم تركوا كتاب الله واتبعوا ما ألقت إليهم الشياطين من كتب السحر على عهد سليمان.
ثم نزه نبيه سليمان عن الكفر، وأن الشياطين هم الذين كفروا.
ثم استطرد في أخبار هاروت وماروت، وأنهما لا يعلمان أحداً حتى ينصحاه بأنهما جعلا ابتلاءً واختباراً، وأنهما لمبالغتهما في النصيحة ينهيان عن الكفر.
ثم ذكر أن قصارى ما يتعلمون منهما هو تفريق بين المرء وزوجه.
ثم ذكر أن ضرر ذلك لا يكون إلا بإذن من الله تعالى، لأنه تعالى هو الضار النافع.
ثم أثبت أن ما يتعلمون هو ضرر لملابسة ومتعلمه.
ثم أخبر أنهم قد علموا بحقيقة الضرر، وإن متعاطي ذلك لا نصيب له في الآخرة.
ثم بالغ في ذم ما باعوا به أنفسهم، إذ ما تعوضوه مآله إلى الخسران.
ثم ختم ذلك بما لو سلكوه، وهو الإيمان والتقوى، لحصل لهم من الله الثواب الجزيل على ذلك، وأن جميع ما اجترموه من المآثم، واكتسبوه من الجرائم، يعفي على آثاره جرّ ذيل الإيمان، ويبدّل بالإساءة جميل الإحسان.
ولما كانت الآيات السابقة فيها ما يتضمن الوعيد من قوله :﴿فإن الله عدوّ للكافرين﴾، وقوله :﴿وما يكفر بها إلا الفاسقون﴾، وذكر نبذ العهود، ونبذ كتاب الله، واتباع الشياطين، وتعلم ما يضر ولا ينفع، والإخبار عنهم بأنهم علموا أنه لا نصيب لهم في الآخرة، أتبع ذلك بآية تتضمن الوعد الجميل لمن آمن واتقى.
فجمعت هذه الآيات بين الوعيد والوعد، والترغيب والترهيب، والإنذار والتبشير، وصار فيها استطراد من شيء إلى شيء، وإخبار بمغيب بعد مغيب، متناسقاً تناسق اللآلىء في عقودها، متضحة اتضاح الدراري في مطالع سعودها، معلمة صدق من أتى بها، وهو ما قرأ الكتب، ولا دارس، ولا رحل، ولا عاشر الأحبار، ولا مارس ﴿وما ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحي، علمه شديد القوى﴾ صلى الله عليه وأوصل أزكى تحية إليه.
تقول : ظهر الشيء ظهوراً، إذا بدا.
﴿ولما جاءهم رسول﴾ : الضمير في جاءهم عائد على بني إسرائيل، أو على علمائهم، والرسول، محمد ﷺ، أو عيسى على نبينا وعليه أفضل الصلاة والسلام، أو معناه الرسالة، فيكون مصدراً، كما فسروا بذلك قوله :
| لقد كذب الواشون ما بحت عنده | بليلي ولا أرسلتهم برسول |
والظاهر الأول، لأن الكلام مع اليهود إنما سيق بالنسبة إلى محمد ﷺ.
ألا ترى إلى قوله :﴿قل﴾ قل، و ﴿فإنه نزله على قلبك﴾، ﴿ولقد أنزلنا إليك﴾، فصار ذلك كالالتفات، إذ هو خروج من خطاب إلى اسم غائب، ووصف بقوله :﴿من عند الله مصدّق﴾ : تفخيماً لشأنه، إذ الرسول على قدر المرسل.
ثم وصف أيضاً بكونه مصدّقاً لما معهم، قالوا : وتصديقه أنه خلق على الوصف الذي ذكر في التوراة، أو تصديقه على قواعد التوحيد وأصول الدين وأخبار الأمم والمواعظ والحكم، أو تصديقه : إخباره بأن الذي معهم هو كلام الله، وأنه المنزل على موسى، أو تصديقه : إظهار ما سألوا عنه من غوامض التوراة، أقوال أربعة.
وإذا فسر بعيسى، فتصديقه هو بالتوراة، وإذا فسر بالرسالة، فنسبة المجيء والتصديق إلى الرسالة على سبيل التوسع والمجاز.
وقرأ ابن أبي عبلة : مصدّقاً بالنصب على الحال، وحسن مجيئها من النكرة كونها قد وصفت بقوله :﴿من عند الله﴾ ﴿لما معهم﴾ : هو التوراة.
وقيل : جميع ما أنزل إليهم من الكتب، كزبور داود، وصحف الأنبياء التي يؤمنون بها.
﴿نبذ فريق من الذين أوتوا الكتاب﴾ : الكتاب الذي أوتوه هو التوراة، وهو مفعول ثانٍ لأتوا، على مذهب الجمهور، ومفعول أول على مذهب السهيلي.
وقد تقدّم القول في ذلك.
﴿كتاب الله﴾ : هو مفعول بنبذ.
فقيل : كتاب الله هو التوراة.
ومعنى نبذهم له : اطراح أحكامه، أو اطراح ما فيه من صفة رسول الله ﷺ، إذ الكفر ببعض، كفر بالجميع.
وقيل : الإنجيل، ونبذهم له : اطراحه بالكلية.
وقيل : القرآن، وهذا أظهر، إذ الكلام مع الرسول.
فصار المعنى : أنه يصدّق ما بين أيديهم من التوراة، وهم بالعكس، يكذبون ما جاء به من القرآن ويطرحونه.
وأضاف الكتاب إلى الله تعظيماً له، كما أضاف الرسول إليه بالوصف السابق، فصار ذلك غاية في ذمهم، إذ جاءهم من عند الله بكتابه الصدّق لكتابهم، وهو شاهد بالرسول والكتاب، فنبذوه ﴿وراء ظهورهم﴾، وهذا مثل يضرب لمن أعرض عن الشيء جملة.
تقول العرب : جعل هذا الأمر وراء ظهره ودبر أذنه، وقال الفرزدق :
| تميم بن مرّ لا تكونن حاجتي | بظهر ولا يعيا عليك جوابها |
﴿كأنهم لا يعلمون﴾ : جملة حالية، وصاحب الحال فريق، والعامل في الحال نبذ، وهو تشبيه لمن يعلم بمن يجهل، لأن الجاهل بالشيء لا يحفل به ولا يعتد به، لأنه لا شعور له بما فيه من المنفعة.
ومتعلق العلم محذوف، أي كأنهم لا يعلمون أنه كتاب الله، لا يداخلهم فيه شك لثبوت ذلك عندهم وتحققه، وإنما نبذوه على سبيل المكابرة والعناد.
وقال الشعبي : هو بين أيديهم يقرأونه، ولكنهم نبذوا العمل به.
وعن سفيان أدرجوه في الديباج والحرير، وحلوه بالذهب، ولم يحلوا حلاله، ولم يحرموا حرامه.
انتهى كلامه.
وقول الشعبي وسفيان يدل على أن كتاب الله هو التوراة.
وقال الماوردي : كأنهم لا يعلمون ما أمروا به من اتباع محمد ﷺ.
وقيل : معناه كأنهم لا يعلمون أنه نبي صادق.
وقيل : معناه كأنهم لا يعلمون أن القرآن والتوراة والإنجيل كتب الله، وأن كل واحد منها حق، والعمل به واجب.
أتى بالقرآن المصدّق لكتابهم، والمشتمل على الهدى والبشارة لمن آمن به، فكان ينبغي المبادرة إلى ولائه ومحبته.
ثم أعقب ذلك بأن من كان عدوًّا لله، أي مخالفاً لأمره وملائكته ورسله، أي مبغضاً لهم، فالله عدوّه، أي معامله بما يناسب فعله القبيح.
ثم التفت إلى رسوله بالخطاب، فأخبره بأنه أنزل عليه آيات واضحات، وأنها لوضوحها، لا يكفر بها إلا متمرد في فسقه.
ثم أخذ يسليه بأن عادة هؤلاء نكث عهودهم، فلا تبال بمن طريقته هذه، وأنهم سلكوا هذه الطريقة معك، إذ أتيتهم من عند الله تعالى بالرسالة، فنبذوا كتابه تعالى وراء ظهورهم، بحيث صاروا لا ينظرون فيه، ولا يلتفتون لما انطوى عليه من التبشير بك، وإلزامهم اتباعك، حتى كأنهم لم يطلعوا على الكتاب، ولا سبق لهم بك علم منه.
ثم ذكر من مخازيهم أنهم تركوا كتاب الله واتبعوا ما ألقت إليهم الشياطين من كتب السحر على عهد سليمان.
ثم نزه نبيه سليمان عن الكفر، وأن الشياطين هم الذين كفروا.
ثم استطرد في أخبار هاروت وماروت، وأنهما لا يعلمان أحداً حتى ينصحاه بأنهما جعلا ابتلاءً واختباراً، وأنهما لمبالغتهما في النصيحة ينهيان عن الكفر.
ثم ذكر أن قصارى ما يتعلمون منهما هو تفريق بين المرء وزوجه.
ثم ذكر أن ضرر ذلك لا يكون إلا بإذن من الله تعالى، لأنه تعالى هو الضار النافع.
ثم أثبت أن ما يتعلمون هو ضرر لملابسة ومتعلمه.
ثم أخبر أنهم قد علموا بحقيقة الضرر، وإن متعاطي ذلك لا نصيب له في الآخرة.
ثم بالغ في ذم ما باعوا به أنفسهم، إذ ما تعوضوه مآله إلى الخسران.
ثم ختم ذلك بما لو سلكوه، وهو الإيمان والتقوى، لحصل لهم من الله الثواب الجزيل على ذلك، وأن جميع ما اجترموه من المآثم، واكتسبوه من الجرائم، يعفي على آثاره جرّ ذيل الإيمان، ويبدّل بالإساءة جميل الإحسان.
ولما كانت الآيات السابقة فيها ما يتضمن الوعيد من قوله :﴿فإن الله عدوّ للكافرين﴾، وقوله :﴿وما يكفر بها إلا الفاسقون﴾، وذكر نبذ العهود، ونبذ كتاب الله، واتباع الشياطين، وتعلم ما يضر ولا ينفع، والإخبار عنهم بأنهم علموا أنه لا نصيب لهم في الآخرة، أتبع ذلك بآية تتضمن الوعد الجميل لمن آمن واتقى.
فجمعت هذه الآيات بين الوعيد والوعد، والترغيب والترهيب، والإنذار والتبشير، وصار فيها استطراد من شيء إلى شيء، وإخبار بمغيب بعد مغيب، متناسقاً تناسق اللآلىء في عقودها، متضحة اتضاح الدراري في مطالع سعودها، معلمة صدق من أتى بها، وهو ما قرأ الكتب، ولا دارس، ولا رحل، ولا عاشر الأحبار، ولا مارس ﴿وما ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحي، علمه شديد القوى﴾ صلى الله عليه وأوصل أزكى تحية إليه.