كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحدادي اليمني

عن الكتاب
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَقُولُواْ رَاعِنَا﴾ ؛ وذلك أنَّ المسلمين كانوا يقولون لرسولِ الله ﷺ : راعِنا يا رسولَ الله، وارعِنا سَمْعَك، يعنون من المراعاةِ ؛ وكانت هذه اللفظةُ شيئاً قبيحاً باليهوديةِ. قيل : معناها عندهم اسْمَعْ لا سَمعتَ ؛ فلما سَمِعَهَا اليهودُ اغتنموها ؛ وقالوا فيما بينهم : كنَّا نَسُبُّ محمَّداً سرّاً فأعلِنوا له الآن بالشَّتم، وكانوا يأتونه ويقولون : راعِنا يا محمدُ ؛ ويضحكون فيما بينهم. فسمعها سعدُ بن معاذ رضي الله عنه فَفَطِنَ لَها ؛ وكان يعرفُ لغتهم، فقال لليهودِ : عليكم لعنةُ الله، والذي نفسي بيده يا معشرَ اليهود لئن نَسْمَعْهَا من رجلٍ منكم يقولُها لرسولِ الله ﷺ لأضربنَّ عُنُقَهُ. قالوا : أوَلَسْتُمْ تقولونَها؟! فأنزلَ الله هذه الآيةَ :﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَقُولُواْ رَاعِنَا﴾ لكيلا تجدَ اليهودُ سبيلاً إلى سَب رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وقيل معناها :﴿يَا أيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقُولُوا﴾ للنبيِّ ﷺ ﴿رَاعِنا﴾ أي اسْمَعْ إلينا نَسْتَمِعْ إليكَ. وَقِيْلَ : إنَّ اليهودَ قالوا للنبيِّ ﷺ : إسْمَعْ إلى كلامنا حتى نَسْمَعَ إلى كلامكِ ؛ فنهَى اللهُ عنه ؛ إذ لا يجوزُ لأحدٍ أن يخاطِبَ أحداً من الأنبياءِ إلا على وجه التوقيرِ والإعظام.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَقُولُواْ انْظُرْنَا﴾ ؛ يحتمل أن يكون من النَّظَرِ الذي هو الرؤيةُ، ويحتملُ أن يكون انظرنا حتى تبيِّن لنا ما تعلِّمنا. وقال مجاهدُ :(مَعْنَاهُ فَهِّمْنَا) وقال بعضهم : معناه بيِّن لنا. وقَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَاسْمَعُواْ﴾ ؛ أي اسمعوا ما تؤمرون به. والمرادُ أطيعوا. وقَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَلِلكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ ؛ تفسيره قد تقدَّم.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى