محتويات صفحة تفسير الآية

تجد في هذه الصفحة تفسير الآية ١٠٤ من سورة البقرة في ١٢٢ كتابًا من كتب التفسير، ومعاني غريب كلماتها، وإعرابها، وقراءات القراء العشرة فيها، و٣١ قولًا من التفسير بالمأثور، وما يتصل بها من الموضوعات والوقفات والترجمات.

تفسير الآية ١٠٤ من سورة البقرة

١٢٢ كتابًا من كتب التفسير

جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري

عن الكتاب

القول في تأويل قوله تعالى :


﴿يا أيها الّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَقُولُواْ رَاعِنَا وَقُولُواْ انْظُرْنَا وَاسْمَعُواْ وَلِلكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾
اختلف أهل التأويل في تأويل قوله : لاَ تَقُولُوا رَاعِنَا فقال بعضهم : تأويله لا تقولوا خلافا. ذكر من قال ذلك :
حدثنا محمد بن بشار، قال : حدثنا مؤمل، قال : حدثنا سفيان، عن ابن جريج، عن عطاء في قوله :﴿لاَ تَقُولُوا رَاعِنا﴾ قال : لا تقولوا خلافا.
حدثني محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد :﴿لاَ تَقُولُوا رَاعِنا﴾ لا تقولوا خلافا.
وحدثني المثنى، قال : حدثنا أبو حذيفة، قال : حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.
حدثنا أحمد بن إسحاق الأهوازي، قال : حدثنا أبو أحمد الزبيري، قال : حدثنا سفيان، عن رجل عن مجاهد، مثله.
حدثني المثنى، قال : حدثنا أبو نعيم، قال : حدثنا سفيان، عن مجاهد، مثله.
وقال آخرون : تأويله : أرعنا سمعك : أي اسمع منا ونسمع منك. ذكر من قال ذلك :
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا سلمة، قال : حدثني ابن إسحاق، عن محمد بن أبي محمد، عن عكرمة، أو عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قوله :﴿رَاعِنَا﴾ أي أَرْعِنَا سمعك.
حدثني محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، قال : حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله جلّ وعزّ :﴿يا أيّها الّذِينَ آمَنُوا لاَ تَقُولُوا رَاعِنا﴾ لا تقولوا اسمع منا ونسمع منك.
وحدثت عن الحسين بن الفرج، قال : سمعت أبا معاذ يقول : أخبرنا عبيد بن سليمان، قال : سمعت الضحاك يقول في قوله :﴿رَاعِنا﴾ قال : كان الرجل من المشركين يقول : أرْعني سمعك.
ثم اختلف أهل التأويل في السبب الذي من أجله نهى الله المؤمنين أن يقولوا راعنا، فقال بعضهم : هي كلمة كانت اليهود تقولها على وجه الاستهزاء والمسبّة، فنهى الله تعالى ذكره المؤمنين أن يقولوا ذلك للنبيّ ﷺ. ذكر من قال ذلك :
حدثنا بشر بن معاذ، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة :﴿يا أيّها الّذِينَ آمَنُوا لا تَقُولُوا رَاعِنا﴾ قولٌ كانت تقوله اليهود استهزاءً، فزجر الله المؤمنين أن يقولوا كقولهم.
حدثنا أحمد بن إسحاق، قال : حدثنا أبو أحمد الزبيري، عن فضيل بن مرزوق، عن عطية :﴿لا تَقُولُوا رَاعِنا﴾ قال : كان أناس من اليهود يقولون : أرعنا سمعك، حتى قالها أناس من المسلمين. فكره الله لهم ما قالت اليهود، فقال :﴿يا أيّها الّذِينَ آمَنُوا لاَ تَقُولُوا رَاعِنا﴾ كما قالت اليهود والنصارى.
حدثنا الحسن بن يحيى، قال : أخبرنا عبد الرزاق، قال : أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله :﴿لا تَقُولوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا﴾ قال : كانوا يقولون راعنا سمعك، فكان اليهود يأتون فيقولون مثل ذلك مستهزئين، فقال الله :﴿لاَ تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا﴾.
وحدثت عن المنجاب، قال : حدثنا بشر بن عمارة، عن أبي روق، عن الضحاك، عن ابن عباس في قوله :﴿لاَ تَقُولُوا رَاعِنا﴾قال : كانوا يقولون للنبيّ ﷺ : راعنا سمعك وإنما راعنا كقولك عَاطِنَا.
وحدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : قال ابن زيد في قوله :﴿يا أيّهَا الّذِينَ آمَنُوا لا تَقُولُوا رَاعِنا وَقُولُوا انْظُرْنَا﴾ قال : راعنا القول الذي قاله القوم قَالُوا ﴿سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا واسمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَاعِنَا لَيّا بألسِنَتِهِمْ وَطَعْنَا في الدّينِ﴾ قال : قال هذا الراعن، والراعن : الخطّاء. قال : فقال للمؤمنين : لا تقولوا خطاء كما قال القوم وقولوا انظرنا واسمعوا، قال : كانوا ينظرون إلى النبيّ ﷺ ويكلمونه ويسمع منهم، ويسألونه ويجيبهم.
وقال آخرون : بل هي كلمة كانت الأنصار في الجاهلية تقولها، فنهاهم الله في الإسلام أن يقولوها لنبيه ﷺ. ذكر من قال ذلك :
حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال : حدثني هشيم، قال : أخبرنا عبد الرزاق، عن عطاء في قوله :﴿لاَ تَقُولُوا رَاعِنا﴾ قال : كانت لغة في الأنصار في الجاهلية، فنزلت هذه الآية :﴿لا تَقُولُوا رَاعِنا وَلكن قُولُوا انْظُرْنَا﴾إلى آخر الآية.
حدثنا أحمد بن إسحاق، قال : حدثنا أبو أحمد، قال : حدثنا هشيم، عن عبد الملك، عن عطاء قال :﴿لاَ تَقُولُوا رَاعِنا﴾ قال : كانت لغة في الأنصار.
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا جرير، عن عبد الملك، عن عطاء، مثله.
وحدثني المثنى، قال : حدثنا إسحاق، عن ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، عن أبي العالية في قوله :﴿لاَ تَقُولُوا رَاعِنا﴾قال : إن مشركي العرب كانوا إذا حدّث بعضهم بعضا يقول أحدهم لصاحبه : أَرْعني سمعك فنهوا عن ذلك.
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : حدثني حجاج، قال : قال ابن جريج، راعنا قول الساخر، فنهاهم أن يسخروا من قول محمد ﷺ.
وقال بعضهم : بل كان ذلك كلام يهودي من اليهود بعينه يقال له رفاعة بن زيد، كان يكلم النبيّ ﷺ به على وجه السبّ له، وكان المسلمون أخذوا ذلك عنه، فنهى الله المؤمنين عن قيله للنبي ﷺ. ذكر من قال ذلك :
حدثني موسى، قال حدثنا عمرو، قال : حدثنا أسباط، عن السدي :﴿يا أيّها الّذِينَ آمَنُوا لاَ تَقُولُوا رَاعِنا وَقُولُوا انْظُرْنَا﴾كان رجل من اليهود من قبيلة من اليهود يقال لهم بنو قينقاع كان يُدْعَى رفاعة بن زيد بن السائب.
قال أبو جعفر : هذا خطأ إنما هو ابن التابوت ليس ابن السائب كان يأتي النبيّ ﷺ، فإذا لقيه فكلمه قال : أرعني سمعك واسمع غير مسمع. فكان المسلمون يحسبون أن الأنبياء كانت تفخّم بهذا، فكان ناس منهم يقولون : اسمع غير مسمع، كقولك اسمع غير صاغر، وهي التي في النساء :﴿مِنَ الّذِينَ هَادُوا يحَرّفُونَ الكَلمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصيْنا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَاعِنَا لَيّا بألْسِنَتِهِمْ وَطَعْنا فِي الدّينِ﴾ يقول : إنما يريد بقوله : طَعْنا فِي الدّينِ. ثم تقدم إلى المؤمنين فقال : لا تقولوا راعنا.
والصواب من القول في نهي الله جل ثناؤه المؤمنين أن يقولوا لنبيه : راعنا، أن يقال إنها كلمة كرهها الله لهم أن يقولوها لنبيه ﷺ، نظير الذي ذكر عن النبيّ ﷺ أنه قال :«لاَ تَقُولُوا للعِنَبِ الكَرْمَ ولَكِنْ قُولُوا الحَبلَة »، و«لا تَقُولُوا عبْدِي وَلَكِنْ قُولُوا فَتَايَ » وما أشبه ذلك من الكلمتين اللتين تكونان مستعملتين بمعنى واحد في كلام العرب، فتأتي الكراهة أو النهي باستعمال إحداهما واختيار الآخرى عليها في المخاطبات.
فإن قال لنا قائل : فإنا قد علمنا معنى نهي النبيّ ﷺ في العنب أن يقال له كرم، وفي العبد أن يقال له عبد، فما المعنى الذي في قوله : راعِنا حينئذٍ الذي من أجله كان النهي من الله جل ثناؤه للمؤمنين عن أن يقولوه، حتى أمرهم أن يؤثروا قوله : انْظُرْنا ؟ قيل : الذي فيه من ذلك، نظير الذي في قول القائل الكرم للعنب، والعبد للمملوك، وذلك أن قول القائل عبدي، لجميع عباد الله، فكره النبيّ ﷺ أن يضاف بعض عباد الله، بمعنى العبودية إلى غير الله، وأمر أن يضاف ذلك إلى غيره بغير المعنى الذي يضاف إلى الله عزّ وجل، فيقال : فتاي. وكذلك وجه نهيه في العنب أن يقال كرما خوفا من توهم وصفه بالكرم، وإن كانت مسكّنة، فإن العرب قد تسكن بعض الحركات إذا تتابعت على نوع واحد، فكره أن يتصف بذلك العنب. فكذلك نهى الله عزّ وجل المؤمنين أن يقولوا «راعنا »، لما كان قول القائل «راعنا » محتملاً أن يكون بمعنى احفظنا ونحفظك وارقبنا ونرقبك، من قول العرب بعضهم لبعض : رعاك الله بمعنى حفظك الله وكلأك. ومحتملاً أن يكون بمعنى أرعنا سمعك، من قولهم : أرعيت سمعي إرعاءً، أو راعيته سمعي رعاء أو مراعاة، بمعنى : فرّغته لسماع كلامه. كما قال الأعشى ميمون بن قيس :
يَرْعَى إلى قَوْلِ ساداتِ الرّجالِ إذَا أبْدَوْا لَهُ الحَزْمَ أوْ مَا شَاءهُ ابْتَدعَا.
يعني بقوله يرعى : يصغي بسمعه إليه مُفْرِغَهُ لذلك.
وكأن الله جل ثناؤه قد أمر المؤمنين بتوقير نبيه ﷺ وتعظيمه، حتى نهاهم جلّ ذكره فيما نهاهم عنه عن رفع أصواتهم فوق صوته وأن يجهروا له بالقوْل كجهر بعضهم لبعض وخوّفهم على ذلك حبوط أعمالهم، فتقدّم إليهم بالزجر لهم عن أن يقولوا له من القول ما فيه جفاء، وأمرهم أن يتخيروا لخطابه من الألفاظ أحسنها، ومن المعاني أرقها، فكان من ذلك قولهم : راعِنا لِمَا فِيهِ من احتمال معنى ارعنا نرعاك، إذْ كانت المفاعلة لا تكون إلا من اثنين، كما يقول القائل : عاطنا وحادثنا وجالسنا، بمعنى افعل بنا ونفعل بك. ومعنى أرعنا سمعك حتى نفهمك وتفهم عنا. فنهى الله تعالى ذكره أصحاب محمد أن يقولوا ذلك كذلك وأن يفردوا مسألته بانتظارهم وإمهالهم ليعقلوا عنه بتبجيل منهم له وتعظيم، وأن لا يسألوه ما سألوه من ذلك على وجه الجفاء والتجهم منهم له، ولا بالفظاظة والغلظة، تشبها منهم باليهود في خطابهم نبيّ الله ﷺ بقولهم له : اسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَاعِنا. يدلّ على صحة ما قلنا في ذلك قوله :﴿مَا يَوَدّ الّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الكِتابِ وَلاَ المُشْرِكِينَ أنْ يُنْزّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبّكُمْ﴾ فدلّ بذلك أن الذي عاتبهم عليه مما يسرّ اليهود والمشركين.
فأما التأويل الذي حكي عن مجاهد في قوله : رَاعِنا أنه بمعنى خلافا، فمما لا يعقل في كلام العرب لأن «راعيت » في كلام العرب إنما هو على أحد وجهين : أحدهما بمعنى فاعلت من «الرّعْية »، وهي الرّقْبة والكلاءة. والآخر بمعنى إفراغ السمع، بمعنى أرعيته سمعي. وأما «راعيت » بمعنى «خالفت »، فلا وجه له مفهوم في كلام العرب، إلا أن يكون قرأ ذلك بالتنوين ثم وجهه إلى معنى الرعونة والجهل والخطأ، على النحو الذي قال في ذلك عبد الرحمن بن زيد، فيكون لذلك وإن كان مخالفا قراءة القراء معنى مفهوم حينئذٍ.
وأما القول الاَخر الذي حكي عن عطية ومن حَكَى ذلك عنه، أن قوله : رَاعِنا كانت كلمة لليهود بمعنى السبّ والسخرية، فاستعملها المؤمنون أخذا منهم ذلك عنهم، فإن ذلك غير جائز في صفة المؤمنين أن يأخذوا من كلام أهل الشرك كلاما لا يعرفون معناه ثم يستعملونه بينهم وفي خطاب نبيهم ﷺ، ولكنه جائز أن يكون ذلك مما روي عن قتادة أنها كانت كلمة صحيحة مفهومة من كلام العرب وافقت كلمة من كلام اليهود بغير اللسان العربي هي عند اليهود سبّ، وهي عند العرب : أرْعنِي سمعك وفرّغه لتفهم عني. فعلم الله جل ثناؤه معنى اليهود في قيلهم ذلك للنبيّ ﷺ، وأن معناها منهم خلاف معناها في كلام العرب، فنهى الله عزّ وجلّ
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
وبما قلنا في تأويل"المثوبة" قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك:
١٧١٧ - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله: (لمثوبة من عند الله)، يقول: ثواب من عند الله.
١٧١٨ - حدثني يونس قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط، عن السدي: (ولو أنهم آمنوا واتقوا لمثوبة من عند الله)، أما"المثوبة"، فهو الثواب.
١٧١٩ - حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع: (ولو أنهم آمنوا واتقوا لمثوبة من عند الله خير)، يقول: لثواب من عند الله.
* * *

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقُولُوا رَاعِنَا﴾


قال أبو جعفر: اختلف أهل التأويل في تأويل قوله: (لا تقولوا راعنا). فقال بعضهم: تأويله: لا تقولوا خلافا.
* ذكر من قال ذلك:
١٧٢٠ - حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا مؤمل قال، حدثنا سفيان، عن ابن جريج، عن عطاء في قوله: (لا تقولوا راعنا)، قال: لا تقولوا خلافا.
١٧٢١ - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: (لا تقولوا راعنا)، لا تقولوا خلافا.
١٧٢٢ - وحدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.
١٧٢٣ - حدثنا أحمد بن إسحاق الأهوازي قال، حدثنا أبو أحمد الزبيري قال، حدثنا سفيان، عن رجل عن مجاهد مثله.
١٧٢٤ - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو نعيم قال، حدثنا سفيان، عن مجاهد مثله.
* * *
وقال آخرون: تأويله: أَرْعِنَا سمعك. أي: اسمع منا ونسمع منك.
* ذكر من قال ذلك:
١٧٢٥ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة قال، حدثني ابن إسحاق، عن محمد بن أبي محمد، عن عكرمة، أو عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قوله: (راعنا)، أي: أَرْعِنا سمعك.
١٧٢٦ - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله جل وعز: (يا أيها الذين آمنوا لا تقولوا راعنا)، لا تقولوا اسمع منا ونسمع منك.
١٧٢٧ - وحدثت عن الحسين بن الفرج قال، سمعت أبا معاذ يقول، أخبرنا عبيد بن سليمان قال، سمعت الضحاك يقول في قوله: (راعنا)، قال: كان الرجل من المشركين يقول: أَرْعِني سمعك.
* * *
ثم اختلف أهل التأويل في السبب الذي من أجله نهى الله المؤمنين أن يقولوا"راعنا". فقال بعضهم: هي كلمة كانت اليهود تقولها على وجه الاستهزاء والمسبة، فنهى الله تعالى ذكره المؤمنين أن يقولوا ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم.
* ذكر من قال ذلك:
١٧٢٨ - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة: (يا أيها الذين آمنوا لا تقولوا راعنا) قول كانت تقوله اليهود استهزاء، فزجر الله المؤمنين أن يقولوا كقولهم.
١٧٢٩ - حدثنا أحمد بن إسحاق قال، حدثنا أبو أحمد الزبيري، عن فضيل بن مرزوق، عن عطية: (لا تقولوا راعنا)، قال: كان أناس من اليهود يقولون أرعنا سمعك! حتى قالها أناس من المسلمين: فكره الله لهم ما قالت اليهود فقال: (يا أيها الذين آمنوا لا تقولوا راعنا)، كما قالت اليهود والنصارى.
١٧٣٠ - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله: (لا تقولوا راعنا وقولوا انظرنا)، قال: كانوا يقولون: راعنا سمعك! فكان اليهود يأتون فيقولون مثل ذلك مستهزئين، فقال الله: (لا تقولوا راعنا وقولوا انظرنا).
١٧٣١ - وحدثت عن المنجاب قال، حدثنا بشر بن عمارة، عن أبي روق، عن الضحاك، عن ابن عباس في قوله: (لا تقولوا راعنا)، قال: كانوا يقولون للنبي صلى الله عليه وسلم: راعنا سمعك! وإنما"راعنا" كقولك، عاطنا.
١٧٣٢ - وحدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: (يا أيها الذين آمنوا لا تقولوا راعنا وقولوا انظرنا) قال:"راعنا" القول الذي قاله القوم، قالوا: (سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَاعِنَا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْنًا فِي الدِّينِ) [سورة النساء: ٤٦] قال:"قال: هذا الراعن" - والراعن: الخطاء - قال: فقال للمؤمنين: لا تقولوا خطاء، كما قال القوم، وقولوا: انظرنا واسمعوا. قال: كانوا ينظرون إلى النبي ﷺ ويكلمونه، ويسمع منهم، ويسألونه ويجيبهم. (١)
* * *
وقال آخرون: بل هي كلمة كانت الأنصار في الجاهلية تقولها، فنهاهم الله في الإسلام أن يقولوها لنبيه صلى الله عليه وسلم.
* ذكر من قال ذلك:
١٧٣٣ - حدثني يعقوب بن إبراهيم قال، حدثني هشيم قال، أخبرنا عبد الرزاق، عن عطاء في قوله: (لا تقولوا راعنا)، قال: كانت لغة في الأنصار في الجاهلية، فنزلت هذه الآية: (لا تقولوا راعنا) ولكن قولوا انظرنا) إلى آخر الآية.
(١) قوله"الراعن: الخطاء" لم أجده في غيره بعد. والذي في كتب التفسير واللغة. وربما كانت"الخطأ". وقد قالوا: "راعنا: الهجر من القول". وقالوا اشتقوه من الرعونة: وهي الحمق والجهل والاسترخاء.
١٧٣٤ - حدثنا أحمد بن إسحاق قال، حدثنا أبو أحمد قال، حدثنا هشيم، عن عبد الملك، عن عطاء قال: (لا تقولوا راعنا)، قال: كانت لغة في الأنصار.
١٧٣٥ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا جرير، عن عبد الملك، عن عطاء مثله.
١٧٣٦ - وحدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق، عن ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، عن أبي العالية في قوله: (لا تقولوا راعنا)، قال: إن مشركي العرب كانوا إذا حدث بعضهم بعضا يقول أحدهم لصاحبه: أَرْعِني سمعك! فنهوا عن ذلك.
١٧٣٧ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج قال، قال ابن جريج:"راعنا"، قول الساخر. فنهاهم أن يسخروا من قول محمد صلى الله عليه وسلم.
* * *
وقال بعضهم: بل كان ذلك كلام يهودي من اليهود بعينه، يقال له: رفاعة بن زيد. كان يكلم النبي ﷺ به على وجه السب له، وكان المسلمون أخذوا ذلك عنه، فنهى الله المؤمنين عن قيله للنبي صلى الله عليه وسلم.
* ذكر من قال ذلك:
١٧٣٨ - حدثني موسى قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط، عن السدي: (يا أيها الذين آمنوا لا تقولوا راعنا وقولوا انظرنا)، كان رجل من اليهود - من قبيلة من اليهود يقال لهم بنو قينقاع - كان يدعى رفاعة بن زيد بن السائب - قال أبو جعفر: هذا خطأ، إنما هو ابن التابوت، ليس ابن السائب - كان يأتي النبي صلى الله عليه وسلم، فإذا لقيه فكلمه قال: (١) أَرْعِني سمعك، واسمع غير مسمع = فكان المسلمون يحسبون أن الأنبياء كانت تفخم بهذا، فكان
(١) في المطبوعة: "فقال"، والفاء لا مكان لها.
ناس منهم يقولون:"اسمع غير مسمع"، كقولك اسمع غير صاغر = وهي التي في النساء (مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَاعِنَا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْنًا فِي الدِّينِ) [سورة النساء: ٤٦]، يقول: إنما يريد بقوله طعنا في الدين. ثم تقدم إلى المؤمنين فقال:"لا تقولوا راعنا". (١)
* * *
قال أبو جعفر: والصواب من القول في نهي الله جل ثناؤه المؤمنين أن يقولوا لنبيه:"راعنا" أن يقال: إنها كلمة كرهها الله لهم أن يقولوها لنبيه صلى الله عليه وسلم، نظير الذي ذكر عن النبي ﷺ أنه قال:
١٧٣٩ -"لا تقولوا للعنب الكرم، ولكن قولوا: الحبَلة". (٢)
١٧٤٠ - و"لا تقولوا: عبدي، ولكن قولوا: فتاي". (٣)
وما أشبه ذلك، من الكلمتين اللتين تكونان مستعملتين بمعنى واحد في كلام العرب، فتأتي الكراهة أو النهي باستعمال إحداهما، واختيار الأخرى عليها في المخاطبات.
* * *
فإن قال لنا قائل: فإنا قد علمنا معنى نهي النبي ﷺ في "العنب" أن يقال له"كرم"، وفي"العبد" أن يقال له"عبد"، فما المعنى الذي في قوله: (راعنا) حينئذ، الذي من أجله كان النهي من الله جل ثناؤه للمؤمنين
(١) تقدم إليه: أمره.
(٢) الحديث: ١٧٣٩ - ذكره الطبري معلقا دون إسناد. وقد رواه أحمد في المسند: ٧٥٠٩، من حديث أبي هريرة، مرفوعا: "ولا تسموا العنب الكرم". ورواه الشيخان وغيرهما، كما بينا هناك. ورواه أيضًا قبل ذلك إشارة موجزا: ٧٢٥٦.
وروى مسلم ٢: ١٩٧، من حديث علقمة بن وائل، عن أبيه، مرفوعا: "لا تقولوا الكرم، ولكن قولوا: الحبلة، يعني العنب".
(٣) الحديث: ١٧٤٠ - وهذا معلق أيضًا. وهو جزء من حديث طويل. رواه البخاري ومسلم وغيرهما، من حديث أبي هريرة، مرفوعا: ".. ولا يقل أحدكم عبدي، أمتي، وليقل: فتاى، فتاتي، غلامي". انظر البخاري ٥: ١٢٨ - ١٣١ (فتح)، ومسلم ٢: ١٩٧.
عن أن يقولوه، حتى أمرهم أن يؤثروا قوله: (انظرنا) ؟
قيل: الذي فيه من ذلك، نظير الذي في قول القائل:"الكرم" للعنب، و"العبد" للمملوك. وذلك أن قول القائل:"عبدي" لجميع عباد الله، فكره للنبي ﷺ أن يضاف بعض عباد الله - بمعنى العبودية - إلى غير الله، وأمر أن يضاف ذلك إلى غيره، بغير المعنى الذي يضاف إلى الله عز وجل، فيقال:"فتاي". وكذلك وجه نهيه في"العنب" أن يقال:"كرم" خوفا من توهم وصفه بالكرَم، وإن كانت مُسَكَّنَة، فإن العرب قد تسكن بعض الحركات إذا تتابعت على نوع واحد. فكره أن يتصف بذلك العنب. فكذلك نهى الله عز وجل المؤمنين أن يقولوا:"راعنا"، لما كان قول القائل:"راعنا" محتملا أن يكون بمعنى احفظنا ونحفظك، وارقبنا ونرقبك. من قول العرب بعضهم لبعض:"رعاك الله": بمعنى حفظك الله وكلأك - ومحتملا أن يكون بمعنى: أَرْعنا سمعك، من قولهم:"أرعيت سمعي إرعاء - أو راعيته - سمعي رِعاء أو مراعاة"، بمعنى: فرغته لسماع كلامه. كما قال الأعشى ميمون بن قيس:
يُرْعِي إلى قول سادات الرجال إذاأبدوا له الحزم أو ما شاءه ابتدعا (١)
يعني بقوله"يرعى"، يصغي بسمعه إليه مفرغه لذلك.
وكان الله جل ثناؤه قد أمر المؤمنين بتوقير نبيه ﷺ وتعظيمه، حتى نهاهم جل ذكره فيما نهاهم عنه عن رفع أصواتهم فوق صوته، وأن يجهروا له بالقول كجهر بعضهم لبعض، وخوفهم على ذلك حبوط أعمالهم. (٢)
(١) ديوانه: ٨٦، وسيأتي في هذا الجزء ٢: ٥٤٠ وقد سلف تخريج أبيات من هذه القصيدة في ١: ١٠٦، ٢: ٩٤، وهي في هوذة بن علي كما سلف. يقول قبله:
يا هوذ، يا خير من يمشي على قدمبحر المواهب للوراد والشرعا
وابتدع: أحدث ما شاء.
(٢) اقرأ قول الله تعالى في صدر"سورة الحجرات".
فتقدم إليهم بالزجر لهم عن أن يقولوا له من القول ما فيه جفاء، وأمرهم أن يتخيروا لخطابه من الألفاظ أحسنها، ومن المعاني أرقها. فكان من ذلك قولهم: (راعنا) لما فيه من احتمال معنى: ارعنا نرعاك، إذ كانت المفاعلة لا تكون إلا من اثنين، كما يقول القائل:"عاطنا، وحادثنا، وجالسنا"، بمعنى: افعل بنا ونفعل بك - (١) ومعنى: أرعنا سمعك، حتى نفهمك وتفهم عنا. فنهى الله تعالى ذكره أصحاب محمد أن يقولوا ذلك كذلك، وأن يفردوا مسألته بانتظارهم وإمهالهم، ليعقلوا عنه بتبجيل منهم له وتعظيم، وأن لا يسألوه ما سألوه من ذلك على وجه الجفاء والتجهم منهم له، ولا بالفظاظة والغلظة، تشبها منهم باليهود في خطابهم نبي الله صلى الله عليه وسلم، بقولهم له: (اسمع غير مسمع وراعنا).
يدل على صحة ما قلنا في ذلك قوله: (ما يود الذين كفروا من أهل الكتاب ولا المشركين أن ينزل عليكم من خير من ربكم)، (٢) فدل بذلك أن الذي عاتبهم عليه، مما يسر اليهود والمشركين.
* * *
فأما التأويل الذي حكي عن مجاهد في قوله: (راعنا) أنه بمعنى: خلافا، فمما لا يعقل في كلام العرب. لأن"راعيت" في كلام العرب إنما هو على أحد وجهين: أحدهما بمعنى"فاعلت" من "الرِّعْية" وهي الرِّقبة والكَلاءة. والآخر بمعنى إفراغ السمع، بمعنى"أرعيته سمعي". وأما"راعيت" بمعنى"خالفت"، فلا وجه له مفهوم في كلام العرب. إلا أن يكون قرأ ذلك بالتنوين، ثم وجهه إلى معنى الرعونة والجهل والخطأ، على النحو الذي قال في ذلك عبد الرحمن بن زيد، فيكون لذلك - وإن كان مخالفا قراءة القراء - معنى مفهوم حينئذ.
* * *
وأما القول الآخر الذي حكي عن عطية ومن حكي ذلك عنه: أن قوله: (راعنا)
(١) قوله: "ومعنى" معطوف على قوله آنفًا: "لما فيه من احتمال معنى: ارعنا نرعاك.. ".
(٢) وهي الآية التي تلي الآية التي يفسرها.
كانت كلمة لليهود بمعنى السب والسخرية، فاستعملها المؤمنون أخذا منهم ذلك عنهم، فإن ذلك غير جائز في صفة المؤمنين: أن يأخذوا من كلام أهل الشرك كلاما لا يعرفون معناه، ثم يستعملونه بينهم وفي خطاب نبيهم صلى الله عليه وسلم. ولكنه جائز أن يكون ذلك مما روي عن قتادة، أنها كانت كلمة صحيحة مفهومة من كلام العرب، وافقت كلمة من كلام اليهود بغير اللسان العربي، هي عند اليهود سب، وهي عند العرب: أرعني سمعك وفرغه لتفهم عني. فعلم الله جل ثناؤه معنى اليهود في قيلهم ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم، وأن معناها منهم خلاف معناها في كلام العرب، فنهى الله عز وجل المؤمنين عن قيلها للنبي صلى الله عليه وسلم، لئلا يجترئ من كان معناه في ذلك غير معنى المؤمنين فيه، أن يخاطب رسول الله ﷺ به. وهذا تأويل لم يأت الخبر بأنه كذلك، من الوجه الذي تقوم به الحجة. وإذ كان ذلك كذلك، فالذي هو أولى بتأويل الآية ما وصفنا، إذ كان ذلك هو الظاهر المفهوم بالآية دون غيره.
* * *
وقد حكي عن الحسن البصري أنه كان يقرؤه: (لا تقولوا راعنا) بالتنوين، بمعنى: لا تقولوا قولا"راعنا"، من"الرعونة" وهي الحمق والجهل. وهذه قراءة لقراء المسلمين مخالفة، فغير جائز لأحد القراءة بها لشذوذها وخروجها من قراءة المتقدمين والمتأخرين، وخلافِها ما جاءت به الحجة من المسلمين.
ومن نون"راعنا" نونه بقوله: (لا تقولوا)، لأنه حينئذ عامل فيه. ومن لم ينونه فإنه ترك تنوينه لأنه أمر محكي. لأن القوم كأنهم كانوا يقولون للنبي صلى الله عليه وسلم: (راعنا)، بمعنى مسألته: إما أن يرعيهم سمعه، وإما أن يرعاهم ويرقبهم - على ما قد بينت فيما قد مضى - فقيل لهم: لا تقولوا في مسألتكم إياه"راعنا". فتكون الدلالة على معنى الأمر في"راعنا" حينئذ سقوط الياء التي كانت
تكون في"يراعيه" ويدل عليها - أعني على"الياء" الساقطة - كسرة"العين" من"راعنا".
* * *
وقد ذكر أن قراءة ابن مسعود: (لا تقولوا راعونا)، بمعنى حكاية أمر صالحة لجماعة بمراعاتهم. فإن كان ذلك من قراءته صحيحا، وجه أن يكون القوم كأنهم نهوا عن استعمال ذلك بينهم في خطاب بعضهم بعضا، كان خطابهم للنبي ﷺ أو لغيره. ولا نعلم ذلك صحيحا من الوجه الذي تصح منه الأخبار.
* * *

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَقُولُوا انْظُرْنَا﴾


قال أبو جعفر: يعني بقوله جل ثناؤه: (وقولوا انظرنا)، وقولوا يا أيها المؤمنون لنبيكم صلى الله عليه وسلم: انظرنا وارقبنا، نفهم ونتبين ما تقول لنا، وتعلمنا، كما:
١٧٤١ - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: (وقولوا انظرنا) فهمنا، بين لنا يا محمد.
١٧٤٢ - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: (وقولوا انظرنا) فهمنا، بين لنا يا محمد.
١٧٤٣ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد مثله.
* * *
يقال منه:"نظرت الرجل أنظره نظرة" بمعنى انتظرته ورقبته، ومنه قول الحطيئة:
وقد نَظَرتكمُ أَعْشاء صادرةٍللخِمس، طال بها حَوْزي وتَنْساسي (١)
ومنه قول الله عز وجل: (يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ) [سورة الحديد: ١٣]، يعني به: انتظرونا.
* * *
وقد قرئ"أنظرنا" و"أنظرونا" بقطع"الألف" في الموضعين جميعا (٢) فمن قرأ ذلك كذلك أراد: أخرنا، كما قال الله جل ثناؤه: (قَالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ) [سورة ص: ٧٩]، أي أخرني. ولا وجه لقراءة ذلك كذلك في هذا الموضع. لأن أصحاب رسول الله ﷺ إنما أمروا بالدنو من رسول الله صلى الله عليه وسلم، والاستماع منه، وإلطاف الخطاب له، وخفض الجناح - لا بالتأخر عنه، ولا بمسألته تأخيرهم عنه. فالصواب - إذْ كان ذلك كذلك - (٣) من القراءة قراءة من وصل الألف من قوله: (انظرنا)، ولم يقطعها بمعنى: انتظرنا.
* * *
وقد قيل: إن معنى (أنظرنا) بقطع الألف بمعنى: أمهلنا. حكي عن بعض
(١) ديوانه: ٥٣، واللسان (نظر) (حوز) (نس) (عشا). من قصيدة يهجو بها الزبرقان ابن بدر، ويمدح بغيض بن عامر من شماس. والأعشاء جمع عشى (بكسر فسكون) : وهو ما تتعشاه الإبل. والصادرة: الإبل التي تصدر عن الماء. والخمس: من أظماء الإبل، وهو أن تظل في المرعى بعد يوم ورودها ثلاثة أيام، ثم ترد في الرابع. والحوز: السوق اللين، حاز الإبل: ساقها سوقا رويدا. والتنساس والنس، مصدر قولك: نس الإبل بينها: ساقها سوقا شديدا لورود الماء. ويروى"إيتاء صادرة". والإيتاء مصدر آنيت الشيء: إذ أخرته. يقول للزبرقان، حين نزل بداره، ثم تحول عنها إلى دار بغيض (انظر خبرهما في طبقات فحول الشعراء: ٩٦ - ٩٨) : انتظرت خيركم انتظار الإبل الخوامس لعشائها. وذلك أن الإبل إذا صدرت تعشت طويلا، وفي بطونها ماء كثير، فهي تحتاج إلى بقل كثير. يصف طول انتظاره حين لا صبر له على طول الانتظار. وقد شكاه الزبرقان إلى عمر لهذه القصيدة، ولقوله فيها:
دع المكارم لا ترحل لبغيتهاواقعد، فإنك أنت الطاعم الكاسي
(٢) زدت قول الله تعالى: "أنظرونا"، من أجل اختلاف" الحرفين.
(٣) في المطبوعة: "إن كان ذلك.. "، ليست بشيء.
العرب سماعا:"أنظرني أكلمك"، وذكر سامع ذلك من بعضهم أنه استثبته في معناه، فأخبره أنه أراد أمهلني. فإن يكن ذلك صحيحا عنهم"فانظرنا" و"أنظرنا" - بقطع"الألف" ووصلها - متقاربا المعني. غير أن الأمر وإن كان كذلك، فإن القراءة التي لا أستجيز غيرها، قراءة من قرأ: (وقولوا انظرنا)، بوصل"الألف" بمعنى: انتظرنا، لإجماع الحجة على تصويبها، ورفضهم غيرها من القراآت.
* * *

القول في تأويل قوله تعالى ﴿وَاسْمَعُوا وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١٠٤)﴾


قال أبو جعفر: يعني بقوله جل ثناؤه: (واسمعوا)، واسمعوا ما يقال لكم ويتلى عليكم من كتاب ربكم، وعُوه وافهموه، كما:-
١٧٤٤ - حدثني موسى قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط، عن السدي: (واسمعوا)، اسمعوا ما يقال لكم.
* * *
فمعنى الآية إذًا: يا أيها الذين آمنوا لا تقولوا لنبيكم: راعنا سمعك وفرغه لنا نفهمك وتفهم عنا ما نقول. ولكن قولوا: انتظرنا وترقبنا حتى نفهم عنك ما تعلمنا وتبينه لنا. واسمعوا منه ما يقول لكم، فعوه واحفظوه وافهموه. ثم أخبرهم جل ثناؤه أن لمن جحد منهم ومن غيرهم آياته، وخالف أمره ونهيه، وكذب رسوله، العذاب الموجع في الآخرة، فقال: وللكافرين بي وبرسولي عذاب أليم. يعني بقوله:"الأليم"، الموجع. وقد ذكرنا الدلالة على ذلك فيما مضى قبل، وما فيه من الآثار. (١)
* * *
(١) انظر ما سلف ١: ٢٨٣، ثم هذا الجزء ٢: ١٤٠، ٣٧٧.

تفسير القرآن العظيم — ابن كثير

عن الكتاب
نهى الله تعالى المؤمنين أن يتشبهوا بالكافرين في مقالهم وفعالهم، وذلك أن اليهود كانوا يُعَانُون من الكلام ما فيه تورية لما يقصدونه من التنقيص - عليهم لعائن الله - فإذا أرادوا أن يقولوا : اسمع لنا يقولون : راعنا. يورون(١) بالرعونة، كما قال تعالى :﴿مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَاعِنَا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْنًا فِي الدِّينِ وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاسْمَعْ وَانْظُرْنَا لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَقْوَمَ وَلَكِنْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلا يُؤْمِنُونَ إِلا قَلِيلا﴾ [النساء: ٤٦] وكذلك جاءت الأحاديث بالإخبار عنهم، بأنهم كانوا إذا سَلَّموا إنما يقولون : السامُ عليكم. والسام هو : الموت. ولهذا(٢) أمرنا أن نرد عليهم ب " وعليكم ". وإنما يستجاب لنا فيهم، ولا يستجاب لهم فينا.
والغرض : أن الله تعالى نهى المؤمنين عن مشابهة الكافرين قولا وفعلا. فقال :﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا وَاسْمَعُوا وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾
وقال الإمام أحمد : حدثنا أبو النضر، حدثنا عبد الرحمن بن ثابت، حدثنا حسان بن عطية، عن أبي مُنيب الجُرَشي، عن ابن عمر، رضي الله عنهما، قال : قال رسول الله ﷺ :" بعثت بين يدي الساعة بالسيف، حتى يُعبد الله وحده لا شريك له. وجعل رزقي تحت ظل رمحي، وجعلت الذلة والصَّغارُ على من خالف أمري، ومن تشبه بقوم فهو منهم ".
وروى أبو داود، عن عثمان بن أبي شيبة، عن أبي النضر هاشم بن القاسم به(٣) " من تشبه بقوم فهو منهم " ففيه دلالة على النهي الشديد والتهديد والوعيد، على التشبه بالكفار في أقوالهم وأفعالهم، ولباسهم وأعيادهم، وعباداتهم وغير ذلك من أمورهم التي لم تشرع لنا ولا نُقَرر عليها.
وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي، حدثنا نعيم بن حماد، حدثنا عبد الله بن المبارك، حدثنا مِسْعَر، عن مَعْن وعَوْن - أو أحدهما - أن رجلا أتى عبد الله بن مسعود، فقال : اعهد إلي. فقال : إذا سمعت الله يقول ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ فأرعها سَمْعك، فإنه خير يأمر به أو شر ينهى عنه(٤).
وقال الأعمش، عن خيثمة، قال : ما تقرؤون في القرآن :﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ فإنه في التوراة :" يا أيها المساكين ".
وقال محمد بن إسحاق : حدثني محمد بن أبي محمد، عن سعيد بن جبير أو عكرمة، عن ابن عباس :﴿راعنا﴾ أي : أرعنا (٥) سمعك.
وقال الضحاك، عن ابن عباس :﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقُولُوا رَاعِنَا﴾ قال : كانوا يقولون للنبي ﷺ أرعنا سمعك. وإنما ﴿راعنا﴾ كقولك : عاطنا.
وقال ابن أبي حاتم : وروي عن أبي العالية، وأبي مالك، والربيع بن أنس، وعطية العوفي، وقتادة، نحو ذلك.
وقال مجاهد :﴿لا تَقُولُوا رَاعِنَا﴾ لا تقولوا خلافا. وفي رواية : لا تقولوا : اسمع منا ونسمع منك.
وقال عطاء :﴿لا تَقُولُوا رَاعِنَا﴾ كانت لُغة تقولها الأنصار فنهى الله عنها.
وقال الحسن :﴿لا تَقُولُوا رَاعِنَا﴾ قال : الراعن من القول السخري منه. نهاهم الله أن يسخروا من قول محمد ﷺ، وما يدعوهم إليه من الإسلام. وكذا روي عن ابن جُرَيج أنه قال مثله.
وقال أبو صخر :﴿لا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا وَاسْمَعُوا﴾ قال : كان رسول الله ﷺ، إذا أدبر ناداه من كانت له حاجة من المؤمنين، فيقول : أرعنا(٦) سمعك. فأعظم الله رسوله ﷺ أن يقال ذلك له(٧).
وقال السدي : كان رجل من اليهود من بني قينقاع، يدعى رفاعة بن زيد(٨) يأتي النبي ﷺ، فإذا لقيه فكلمه قال : أرعني سمعك واسمع غير مُسْمع. وكان المسلمون يحسبون أن الأنبياء كانت تُفَخم بهذا، فكان ناس منهم يقولون : اسمع غير مسمع : غَيْرَ صاغر. وهي كالتي(٩) في سورة النساء. فتقدم الله إلى المؤمنين أن لا يقولوا : راعنا.
وكذا قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، بنحو من هذا.
قال ابن جرير : والصواب من القول في ذلك عندنا : أن الله نهى المؤمنين أن يقولوا لنبيه ﷺ : راعنا ؛ لأنها كلمة كرهها الله تعالى أن يقولها لنبيه ﷺ، نظير الذي ذكر عن النبي قال :" لا تقولوا للعنب الكرم، ولكن قولوا : الحَبَلَة. ولا تقولوا : عبدي، ولكن قولوا : فتاي ". وما أشبه ذلك.
١ في جـ، ط، ب: "ويورون"، وفي أ: "ويرون"..
٢ في جـ: "ولقد"..
٣ المسند (٢/٩٢) وسنن أبي دواد برقم (٤٠٣١)..
٤ تفسير ابن أبي حاتم (١/٣١٧)..
٥ في أ: "أى راعنا"..
٦ في أ: "فيقول راعنا"..
٧ في جـ: "أن يقال له ذلك"..
٨ في جـ: "بن يزيد"..
٩ في جـ: "هي التي"..
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
خلافًا للمعتزلة وأبي إسحاق الإسفرايني مِنَ الشَّافِعِيَّةِ حَيْثُ قَالُوا: إِنَّهُ تَمْوِيهٌ وَتَخَيُّلٌ. قَالَ: وَمِنَ السِّحْرِ مَا يَكُونُ بِخِفَّةِ الْيَدِ كَالشَّعْوَذَةِ وَالشَّعْوَذِيُّ الْبَرِيدُ؛ لِخِفَّةِ سَيْرِهِ. قَالَ ابْنُ فَارِسٍ: هَذِهِ الْكَلِمَةُ مِنْ كَلَامِ أَهْلِ الْبَادِيَةِ. قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: وَمِنْهُ مَا يَكُونُ كَلَامًا يُحْفَظُ وَرُقًى مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى، وَقَدْ يَكُونُ مِنْ عُهُودِ الشَّيَاطِينِ وَيَكُونُ أَدْوِيَةً وَأَدْخِنَةً وَغَيْرَ ذَلِكَ. قَالَ: وَقَوْلُهُ، عَلَيْهِ السَّلَامُ: "إِنَّ مِنَ الْبَيَانِ لَسِحْرًا" (١) يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مَدْحًا كَمَا تَقَوَّلَهُ طَائِفَةٌ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ ذَمًّا لِلْبَلَاغَةِ. قَالَ: وَهَذَا الْأَصَحُّ. قَالَ: لِأَنَّهَا تُصَوِّبُ الْبَاطِلَ حِينَ يُوهَمُ السَّامِعُ أَنَّهُ حَقٌّ كَمَا قَالَ: "فلعل بعضكم أن يكون ألحن لحجته مِنْ بَعْضٍ" فَاقْتَضَى لَهُ، الْحَدِيثَ.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا وَاسْمَعُوا وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١٠٤) مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنزلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (١٠٥)﴾
نَهَى اللَّهُ تَعَالَى الْمُؤْمِنِينَ أَنْ يَتَشَبَّهُوا بِالْكَافِرِينَ فِي مَقَالِهِمْ وَفِعَالِهِمْ، وَذَلِكَ أَنَّ الْيَهُودَ كَانُوا يُعَانُون مِنَ الْكَلَامِ مَا فِيهِ تَوْرِيَةٌ لِمَا يَقْصِدُونَهُ مِنَ التَّنْقِيصِ -عَلَيْهِمْ لَعَائِنُ اللَّهِ-فَإِذَا أَرَادُوا أَنْ يَقُولُوا: اسْمَعْ لَنَا يَقُولُونَ: رَاعِنَا. يُورُونَ (٢) بِالرُّعُونَةِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَاعِنَا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْنًا فِي الدِّينِ وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاسْمَعْ وَانْظُرْنَا لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَقْوَمَ وَلَكِنْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلا يُؤْمِنُونَ إِلا قَلِيلا﴾ [النِّسَاءِ: ٤٦] وَكَذَلِكَ جَاءَتِ الْأَحَادِيثُ بِالْإِخْبَارِ عَنْهُمْ، بِأَنَّهُمْ كَانُوا إِذَا سَلَّموا إِنَّمَا يَقُولُونَ: السامُ عَلَيْكُمْ. وَالسَّامُ هُوَ: الْمَوْتُ. وَلِهَذَا (٣) أُمِرْنَا أَنْ نَرُدَّ عَلَيْهِمْ بِـ "وَعَلَيْكُمْ". وَإِنَّمَا يُسْتَجَابُ لَنَا فِيهِمْ، وَلَا يُسْتَجَابُ لَهُمْ فِينَا.
وَالْغَرَضُ: أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى نَهَى الْمُؤْمِنِينَ عَنْ مُشَابَهَةِ الْكَافِرِينَ قَوْلًا وَفِعْلًا. فَقَالَ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا وَاسْمَعُوا وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا أَبُو النَّضْرِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ ثَابِتٍ، حَدَّثَنَا حَسَّانُ بْنُ عَطِيَّةَ، عَنْ أَبِي مُنيب الجُرَشي، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "بُعِثْتُ بَيْنَ يَدَيِ السَّاعَةَ بِالسَّيْفِ، حَتَّى يُعبد اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ. وَجُعِلَ رِزْقِي تَحْتَ ظِلِّ رُمْحِي، وَجُعِلَتِ الذِّلَّةُ والصَّغارُ عَلَى مَنْ خَالَفَ أَمْرِي، وَمَنْ تَشَبَّهَ بِقَوْمٍ فَهُوَ مِنْهُمْ".
وَرَوَى أَبُو دَاوُدَ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ، عَنْ أَبِي النَّضْرِ هَاشِمِ بْنِ الْقَاسِمِ بِهِ (٤) "مَنْ تَشَبَّهَ بِقَوْمٍ فَهُوَ منهم"
(١) رواه أبو داود في السنن برقم (٥٠١١) والترمذي في السنن برقم (٢٨٤٥) من حديث ابن عباس رضي الله عنه، ورواه أبو داود في السنن برقم (٥٠١٢) من حديث بريده رضي الله عنه.
(٢) في جـ، ط، ب: "ويورون"، وفي أ: "ويرون".
(٣) في جـ: "ولقد".
(٤) المسند (٢/٩٢) وسنن أبي دواد برقم (٤٠٣١).
فَفِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى النَّهْيِ الشَّدِيدِ وَالتَّهْدِيدِ وَالْوَعِيدِ، عَلَى التَّشَبُّهِ بِالْكُفَّارِ فِي أَقْوَالِهِمْ وَأَفْعَالِهِمْ، وَلِبَاسِهِمْ وَأَعْيَادِهِمْ، وَعِبَادَاتِهِمْ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ أُمُورِهِمُ التِي لم تشرع لنا ولا نُقَرر عَلَيْهَا.
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا نُعَيْمُ بْنُ حَمَّادٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ، حَدَّثَنَا مِسْعَر، عَنْ مَعْن وعَوْن -أَوْ أَحَدِهِمَا-أَنَّ رَجُلًا أَتَى عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ، فَقَالَ: اعْهَدْ إِلِيَّ. فَقَالَ: إِذَا سَمِعْتَ اللَّهَ يَقُولُ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ فَأَرْعِهَا سَمْعك، فَإِنَّهُ خَيْرٌ يَأْمُرُ بِهِ أَوْ شَرٌّ يَنْهَى عَنْهُ (١).
وَقَالَ الْأَعْمَشُ، عَنْ خَيْثَمَةَ، قَالَ: مَا تَقْرَؤُونَ فِي الْقُرْآنِ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ فَإِنَّهُ فِي التَّوْرَاةِ: "يَا أَيُّهَا الْمَسَاكِينُ".
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي مُحَمَّدٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ أَوْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿رَاعِنَا﴾ أَيْ: أَرْعِنَا (٢) سَمْعَكَ.
وَقَالَ الضَّحَّاكُ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا﴾ قَالَ: كَانُوا يَقُولُونَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَرْعِنَا سَمْعَكَ. وَإِنَّمَا ﴿رَاعِنَا﴾ كَقَوْلِكَ: عَاطِنَا.
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: وَرُوِيَ عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ، وَأَبِي مَالِكٍ، وَالرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ، وَعَطِيَّةَ الْعَوْفِيِّ، وَقَتَادَةَ، نَحْوَ ذَلِكَ.
وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿لَا تَقُولُوا رَاعِنَا﴾ لَا تَقُولُوا خِلَافًا. وَفِي رِوَايَةٍ: لَا تَقُولُوا: اسْمَعْ مِنَّا وَنَسْمَعُ مِنْكَ.
وَقَالَ عَطَاءٌ: ﴿لَا تَقُولُوا رَاعِنَا﴾ كَانَتْ لُغة تَقُولَهَا الْأَنْصَارُ فَنَهَى اللَّهُ عَنْهَا.
وَقَالَ الْحَسَنُ: ﴿لَا تَقُولُوا رَاعِنَا﴾ قَالَ: الرَّاعِنُ مِنَ الْقَوْلِ السُّخْرِيُّ مِنْهُ. نَهَاهُمُ اللَّهُ أَنْ يَسْخَرُوا مِنْ قَوْلِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَمَا يَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ مِنَ الْإِسْلَامِ. وَكَذَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ جُرَيج أَنَّهُ قَالَ مِثْلُهُ.
وَقَالَ أَبُو صَخْرٍ: ﴿لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا وَاسْمَعُوا﴾ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، إِذَا أَدْبَرَ نَادَاهُ مَنْ كَانَتْ لَهُ حَاجَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ، فَيَقُولُ: أَرْعِنَا (٣) سَمْعَكَ. فَأَعْظَمَ اللَّهُ رَسُولَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُقَالَ ذَلِكَ لَهُ (٤).
وَقَالَ السُّدِّيُّ: كَانَ رَجُلٌ مِنَ الْيَهُودِ مِنْ بَنِي قَيْنُقَاعَ، يُدْعَى رِفَاعَةُ بْنُ زَيْدٍ (٥) يَأْتِي النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَإِذَا لَقِيَهُ فَكَلَّمَهُ قَالَ: أَرْعِنِي سَمْعَكَ وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمع. وَكَانَ الْمُسْلِمُونَ يَحْسَبُونَ أَنَّ الْأَنْبِيَاءَ كَانَتْ تُفَخم بِهَذَا، فَكَانَ نَاسٌ مِنْهُمْ يَقُولُونَ: اسْمَعْ غَيْرَ مَسْمَعٍ: غَيْرَ صَاغِرٍ. وَهِيَ كَالتِي (٦) فِي سُورَةِ النِّسَاءِ. فَتَقَدَّمُ اللَّهُ إِلَى المؤمنين أن لا يقولوا: راعنا.
(١) تفسير ابن أبي حاتم (١/٣١٧).
(٢) في أ: "أى راعنا".
(٣) في أ: "فيقول راعنا".
(٤) في جـ: "أن يقال له ذلك".
(٥) في جـ: "بن يزيد".
(٦) في جـ: "هي التي".
وَكَذَا قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، بِنَحْوٍ مِنْ هَذَا.
قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وَالصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ عِنْدَنَا: أَنَّ اللَّهَ نَهَى الْمُؤْمِنِينَ أَنْ يَقُولُوا لَنَبِيِّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: رَاعِنَا؛ لِأَنَّهَا كَلِمَةٌ كَرِهَهَا اللَّهُ تَعَالَى أَنْ يَقُولَهَا لَنَبِيِّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، نَظِيرَ الذِي ذُكِرَ عَنِ النَّبِيِّ قَالَ: "لَا تَقُولُوا لِلْعِنَبِ الْكَرْمَ، وَلَكِنْ قُولُوا: الحَبَلَة. وَلَا تَقُولُوا: عَبْدِي، وَلَكِنْ قُولُوا: فَتَايَ". وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ.
وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنزلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ يُبَيِّنُ بِذَلِكَ تَعَالَى شِدَّةَ عَدَاوَةِ (١) الْكَافِرِينَ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ، الَّذِينَ حَذَّرَ تَعَالَى مِنْ مُشَابِهَتِهِمْ لِلْمُؤْمِنِينَ؛ لِيَقْطَعَ الْمَوَدَّةَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَهُمْ. وينبِّه تَعَالَى عَلَى مَا أَنْعَمَ بِهِ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ مِنَ الشَّرْعِ التَّامِّ الْكَامِلِ، الذِي شَرَعَهُ لَنَبِيِّهِمْ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، حَيْثُ يَقُولُ تَعَالَى: ﴿وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾
(١) في أ: "شدة عداوته".

تيسير الكريم الرحمن — السعدي

عن الكتاب
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا وَاسْمَعُوا وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ * مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾
كان المسلمون يقولون حين خطابهم للرسول عند تعلمهم أمر الدين :﴿رَاعِنَا﴾ أي : راع أحوالنا، فيقصدون بها معنى صحيحا، وكان اليهود يريدون بها معنى فاسدا، فانتهزوا الفرصة، فصاروا يخاطبون الرسول بذلك، ويقصدون المعنى الفاسد، فنهى الله المؤمنين عن هذه الكلمة، سدا لهذا الباب، ففيه النهي عن الجائز، إذا كان وسيلة إلى محرم، وفيه الأدب، واستعمال الألفاظ، التي لا تحتمل إلا الحسن، وعدم الفحش، وترك الألفاظ القبيحة، أو التي فيها نوع تشويش أو احتمال لأمر غير لائق، فأمرهم بلفظة لا تحتمل إلا الحسن فقال :﴿وَقُولُوا انْظُرْنَا﴾ فإنها كافية يحصل بها المقصود من غير محذور، ﴿وَاسْمَعُوا﴾ لم يذكر المسموع، ليعم ما أمر باستماعه، فيدخل فيه سماع القرآن، وسماع السنة التي هي الحكمة، لفظا ومعنى واستجابة، ففيه الأدب والطاعة.
ثم توعد الكافرين بالعذاب المؤلم الموجع،
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
{١٠٤ - ١٠٥} ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا وَاسْمَعُوا وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ * مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾.
كان المسلمون يقولون حين خطابهم للرسول عند تعلمهم أمر الدين: ﴿رَاعِنَا﴾ أي: راع أحوالنا، فيقصدون بها معنى صحيحا، وكان اليهود يريدون بها معنى فاسدا، فانتهزوا الفرصة، فصاروا يخاطبون الرسول بذلك، ويقصدون المعنى الفاسد، فنهى الله المؤمنين عن هذه الكلمة، سدا لهذا الباب، ففيه النهي عن الجائز، إذا كان وسيلة إلى محرم، وفيه الأدب، واستعمال الألفاظ، التي لا تحتمل إلا الحسن، وعدم الفحش، وترك الألفاظ القبيحة، أو التي فيها نوع تشويش أو احتمال لأمر غير لائق، فأمرهم بلفظة لا تحتمل إلا الحسن فقال: ﴿وَقُولُوا انْظُرْنَا﴾ فإنها كافية يحصل بها المقصود من غير محذور، ﴿وَاسْمَعُوا﴾ لم يذكر المسموع، ليعم ما أمر باستماعه، فيدخل فيه سماع القرآن، وسماع السنة التي هي الحكمة، لفظا ومعنى واستجابة، ففيه الأدب والطاعة.
ثم توعد الكافرين بالعذاب المؤلم الموجع، وأخبر عن عداوة اليهود والمشركين للمؤمنين، أنهم ما يودون ﴿أَنْ يُنزلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ﴾ أي: لا قليلا ولا كثيرا ﴿مِنْ رَبِّكُمْ﴾ حسدا منهم، وبغضا لكم أن يختصكم بفضله فإنه ﴿ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ ومن فضله عليكم، إنزال الكتاب على رسولكم، ليزكيكم ويعلمكم الكتاب والحكمة، ويعلمكم ما لم تكونوا تعلمون، فله الحمد والمنة.
جميع كتب التفسير لهذه الآية (١٢٢ كتابًا)
جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري تفسير القرآن العظيم — ابن كثير تفسير القرآن العظيم — ابن كثير تيسير الكريم الرحمن — السعدي تيسير العلي القدير لاختصار تفسير ابن كثير — محمد نسيب الرفاعي أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير — أبو بكر الجزائري التفسير الميسر — مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور — حكمت بشير ياسين المختصر في تفسير القرآن الكريم — مركز تفسير للدراسات القرآنية تفسير مجاهد — مجاهد بن جبر غريب القرآن — زيد بن علي تفسير مقاتل بن سليمان — مقاتل بن سليمان معاني القرآن — الفراء معاني القرآن للفراء — الفراء مجاز القرآن — أبو عبيدة معمر بن المثنى مجاز القرآن — أبو عبيدة تفسير القرآن — الصنعاني غريب القرآن — ابن قتيبة الدِّينَوري تفسير التستري — سهل التستري تفسير ابن أبي حاتم — ابن أبي حاتم الرازي تأويلات أهل السنة — أبو منصور المَاتُرِيدي أحكام القرآن — الجصاص بحر العلوم — أبو الليث السمرقندي تفسير القرآن العزيز — ابن أبي زَمَنِين الكشف والبيان عن تفسير القرآن — الثعلبي الهداية الى بلوغ النهاية — مكي بن أبي طالب النكت والعيون — الماوردي النكت والعيون — الماوردي تفسير القشيري — القشيري لطائف الإشارات — القشيري التفسير البسيط — الواحدي الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — الواحدي تفسير السمعاني — أبو المظفر السمعاني تفسير الراغب الأصفهاني — الراغب الأصفهاني معالم التنزيل — البغوي معالم التنزيل — البغوي الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — الزمخشري المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز — ابن عطية أحكام القرآن — ابن العربي إيجاز البيان عن معاني القرآن — بيان الحق النيسابوري أحكام القرآن — ابن الفرس تذكرة الاريب في تفسير الغريب — ابن الجوزي زاد المسير في علم التفسير — ابن الجوزي مفاتيح الغيب — فخر الدين الرازي تفسير العز بن عبد السلام — عز الدين بن عبد السلام أنوار التنزيل وأسرار التأويل — البيضاوي مدارك التنزيل وحقائق التأويل — أبو البركات النسفي التسهيل لعلوم التنزيل — ابن جُزَيِّ لباب التأويل في معاني التنزيل — الخازن البحر المحيط في التفسير — أبو حيان الأندلسي النهر الماد من البحر المحيط — أبو حيان الأندلسي الدر المصون في علوم الكتاب المكنون — السمين الحلبي اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحداد اليمني كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحداد اليمني تفسير ابن عرفة — ابن عرفة تفسير ابن عرفة — ابن عرفة التبيان في تفسير غريب القرآن — ابن الهائم تنوير المقباس من تفسير ابن عباس — الفيروزآبادي غرائب القرآن ورغائب الفرقان — نظام الدين القمي النيسابوري تفسير الجلالين — المَحَلِّي الجواهر الحسان في تفسير القرآن — الثعالبي نظم الدرر في تناسب الآيات والسور — برهان الدين البقاعي جامع البيان في تفسير القرآن — الإيجي محيي الدين الدر المنثور في التأويل بالمأثور — السُّيوطي الدر المنثور في التأويل بالمأثور — السُّيوطي الصراط المستقيم في تبيان القرآن الكريم — الكَازَرُوني فتح الرحمن في تفسير القرآن — مجير الدين العُلَيْمي السراج المنير في الإعانة على معرفة بعض معاني كلام ربنا الحكيم الخبير — الشربيني إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم — أبو السعود روح البيان — إسماعيل حقي التفسير المظهري — المظهري البحر المديد في تفسير القرآن المجيد — ابن عجيبة البحر المديد في تفسير القرآن المجيد — ابن عجيبة التفسير المظهري — محمد ثناء الله المظهري حاشية الصاوي على تفسير الجلالين — الصاوي فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير — الشوكاني فتح البيان في مقاصد القرآن — صديق حسن خان محاسن التأويل — جمال الدين القاسمي روح المعاني — الألوسي تفسير المنار — محمد رشيد رضا تفسير المنار — رشيد رضا تفسير المراغي — أحمد بن مصطفى المراغي تفسير المراغي — المراغي المصحف المفسّر — فريد وجدي التفسير القرآني للقرآن — عبد الكريم يونس الخطيب تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد من تفسير الكتاب المجيد — ابن عاشور زهرة التفاسير — محمد أبو زهرة زهرة التفاسير — أبو زهرة بيان المعاني — ملا حويش أوضح التفاسير — محمد عبد اللطيف الخطيب إعراب القرآن وبيانه — محيي الدين الدرويش التفسير الحديث — محمد عزة دروزة التفسير الحديث — دروزة تيسير التفسير — إبراهيم القطان تيسير التفسير — إبراهيم القطان صفوة البيان لمعاني القرآن — حسنين مخلوف الموسوعة القرآنية — إبراهيم الإبياري تفسير الشعراوي — الشعراوي تفسير الشعراوي — الشعراوي تفسير القرآن الكريم — ابن عثيمين تفسير القرآن الكريم — عبد الله محمود شحاتة التفسير الوسيط — محمد سيد طنطاوي التفسير المنير — وهبة الزحيلي التفسير الوسيط — وهبة الزحيلي حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن — محمد الأمين الهرري فتح الرحمن في تفسير القرآن — تعيلب التفسير الشامل — أمير عبد العزيز الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور — بشير ياسين التفسير الميسر — التفسير الميسر المنتخب في تفسير القرآن الكريم — المنتخب أيسر التفاسير — أسعد حومد التفسير الميسر — مجموعة من المؤلفين التفسير الواضح — محمد محمود حجازي المنتخب في تفسير القرآن الكريم — مجموعة من المؤلفين تفسير سفيان الثوري — عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي تفسير غريب القرآن - الكواري — كَامِلَة بنت محمد الكَوارِي صفوة التفاسير — محمد علي الصابوني كتاب نزهة القلوب — أبى بكر السجستاني كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحدادي اليمني مختصر تفسير ابن كثير — محمد علي الصابوني معاني الكلمات من كتاب السراج في بيان غريب القرآن — محمد الخضيري

غريب الكلمات ومعانيها

معاني الكلمات الغريبة في الآية

السراج في بيان غريب القرآن
رَاعِنَا
كَلِمَةٌ كَانَ الْيَهُودُ يَقُولُونَهَا لِلنَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - بِقَصْدِ السَّبِّ، وَنِسْبَتِهِ إِلَى الرُّعونَةِ.
انظُرْنَا
انْظُرْ إِلَيْنَا، وَتَعَهَّدْنَا.

إعراب الآية ١٠٤ من سورة البقرة

من كتاب: إعراب القرآن

رفع على أنه خبر ثان. النَّاسَ السِّحْرَ مفعولان. بِبابِلَ لا ينصرف لأنه أعجمي معرفة. هارُوتَ وَمارُوتَ مثله والجمع هواريت مثل طواغيت، ويقال: هوارتة وهوار وموارتة وموار فاعلم ومثله جالوت وطالوت. وَما يُعَلِّمانِ مِنْ أَحَدٍ من زائدة للتوكيد والتقدير وما يعلمان أحدا. حَتَّى يَقُولا نصب بحتّى فلذلك حذفت منه النون ولغة هذيل وثقيف عتّى. فَلا تَكْفُرْ جزم بالنهي. فَيَتَعَلَّمُونَ أحسن ما قيل فيه أنه مستأنف، وقول الفراء «١» : أنه نسق على «يعلّمون» غلط لأنه لو كان كذا لوجب أن يكون فيتعلمون منهم، فقوله منهما يمنع أن يكون التقدير: «ولكن الشياطين كفروا يعلّمون الناس السحر فيتعلّمون» إلّا على قول من قال: الشياطين هاروت وماروت، وللفراء «٢» قول آخر قال: يكون محمولا على المعنى لأن معنى (فلا تكفر) فلا تتعلّم السحر أي فيأتون فيتعلّمون، وقيل: التقدير يعلّمان الناس فيتعلّمون. مِنْهُما ما يُفَرِّقُونَ بِهِ في موضع نصب بيفرّقون وَما هُمْ بِضارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ «من» زائدة وقول أبي إسحاق إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ: إلّا بعلم الله غلط لأنه إنما يقال في العلم: إذن وقد أذنت به إذنا ولكن لمّا لم يحل فيما بينهم وبينه وخلّوا يفعلونه كان كأنّه إباحة مجازا. وَلَقَدْ عَلِمُوا لام توكيد. لَمَنِ اشْتَراهُ لام يمين وهي للتوكيد أيضا، وموضع «من» رفع بالابتداء، لأنه لا يعمل ما قبل اللام فيما بعدها ومن بمعنى الذي. قال الفراء: هي للمجازاة. قال أبو إسحاق: ليس هذا موضع شرط ومن بمعنى الذي كما تقول: لقد علمت لمن جاءك ما له عقل. ما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ «من» زائدة، والتقدير ما له في الآخرة خلاق، ولا تزاد من في الواجب.

[سورة البقرة (٢) : آية ١٠٣]

وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ خَيْرٌ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ (١٠٣)
وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا موضع أنّ موضع رفع أي لو وقع إيمانهم، ولَوْلا يليها إلا الفعل ظاهرا أو مضمرا لأنها بمنزلة حروف الشرط إذ كانت لا بدلها من جواب وأن يليها الفعل. قال محمد بن يزيد: وإنما لم يجاز بها لأن سبيل حروف المجازاة كلّها أن تقلب الماضي إلى معنى المستقبل فلمّا لم يكن هذا في «لو» لم يجز أن يجازى بها. قال الأخفش سعيد: ليس «للو» هنا جواب في اللفظ ولكن في المعنى، والمعنى لأثيبوا.

[سورة البقرة (٢) : آية ١٠٤]

يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقُولُوا راعِنا وَقُولُوا انْظُرْنا وَاسْمَعُوا وَلِلْكافِرِينَ عَذابٌ أَلِيمٌ (١٠٤)
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقُولُوا راعِنا أمر فلذلك حذفت منه الياء، وأحسن ما
(١) انظر معاني الفراء ١/ ٦٤، والبحر المحيط ١/ ٥٠٠.
(٢) انظر البحر المحيط ١/ ٥٠٠. [.....]
الإعراب الكامل من جميع الكتب مع تحليل الكلمات ←

سبب نزول الآية ١٠٤ من سورة البقرة

من كتاب: أسباب نزول القرآن - الواحدي

قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَقُولُواْ رَاعِنَا﴾ الآية. [١٠٤].
قال ابن عباس في رواية عطاء: وذلك أن العرب كانوا يتكلمون بها، فلما سمعتهم اليهود يقولونها للنبي صلى الله عليه وسلم، أعجبهم ذلك. وكان راعنا في كلام اليهود السب القبيح فقالوا: إنا كنا نسب محمداً سراً، فالآن أعلنوا السب لمحمد لأنه من كلامهم. فكانوا يأتون نبي الله صلى الله عليه وسلم، فيقولون: يا محمد، راعنا ويضحكون، ففطن بها رجل من الأنصار، وهو سعد بن عبادة، وكان عارفاً بلغة اليهود، فقال: يا أعداء الله، عليكم لعنة الله، والذي نفس محمد بيده، لئن سمعتها من رجل منكم لأضربنّ عنقه. فقالوا: الستم تقولونها [له؟] فأنزل الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَقُولُواْ رَاعِنَا وَقُولُواْ ٱنْظُرْنَا﴾ الآية.

القراءات في الآية ١٠٤ من سورة البقرة

اختلاف القراء العشرة في كلمات الآية

وَلِلْكَافِرِينَ

بالإمالة

الدوري عن أبي عمرو السوسي عن أبي عمرو رويس عن يعقوب الدوري عن الكسائي

بالتقليل

ورش عن نافع

بالفتح

إدريس عن خلف قالون عن نافع إسحاق عن خلف روح عن يعقوب ابن جمّاز عن أبي جعفر ابن وردان عن أبي جعفر أبو الحارث عن الكسائي خلاد عن حمزة خلف عن حمزة حفص عن عاصم شعبة عن عاصم ابن ذكوان عن ابن عامر هشام عن ابن عامر قنبل عن ابن كثير البزي عن ابن كثير
صفحة القراءات الكاملة لهذه الآية ←

الموضوعات القرآنية للآية ١٠٤ من سورة البقرة

موضوعانِ تتناولها هذه الآية

أقوال المفسرين في الآية — التفسير بالمأثور

٣١ قولًا من موسوعة التفسير بالمأثور

تفسير الآية

١٨ قولًا
١
عن عطاء [بن أبي رباح] -من طريق عبد الملك- في قوله: ﴿لا تقولوا راعنا﴾، قال: كانت لغة في الأنصار في الجاهلية، فنهاهم الله أن يقولوها، وقال: قولوا: ﴿انظرنا واسمعوا﴾١٢
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٢‏/‏٣٧٧، وابن أبي حاتم ١‏/‏١٩٧، والنحاس في ناسخه ص١٠٤. وعزاه السيوطي إلى عبد بن حميد.
تعليقات المحققين
  1. ٢علَّقَ ابن عطية (١/٣٠٦) على قول عطاء هذا، فقال مُنتَقِدًا: «ووَقْفُ هذه اللغة على الأنصار تقصير، بل هي لغة لجميع العرب، (فاعل) من المراعاة، فكانت اليهود تصرفها إلى الرعونة، يُظْهِرُون أنهم يريدون المراعاة، ويُبْطِنُون أنهم يريدون الرعونة التي هي الجهل. وحكى المهدويُّ عن قوم أنّ هذه الآية على هذا التأويل ناسخة لفعل قد كان مباحًا، وليس في هذه الآية شروط النسخ؛ لأن الأول لم يكن شرعًا متقررًا».
٢
عن عطاء [بن أبي رباح] -من طريق ابن جريج- قال: ﴿لا تقولوا راعنا﴾، قال: لا تقولوا خلافًا١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٢‏/‏٣٧٣، كما أخرجه سفيان الثوري في تفسيره ص٤٧ من طريق عبد الملك بن سليمان.
٣
قال مقاتل بن سليمان: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تقولوا راعنا﴾، وذلك أن المؤمنين قالوا للنبي ﷺ: راعنا سمعك. كقولهم في الجاهلية بعضهم لبعض. و«راعنا» في كلام اليهود: الشتم، فلما سمعت ذلك اليهودُ من المشركين أعجبهم، فقالوا مثلَ ذلك للنبي ﷺ، فقال رجل من الأنصار -وهو سعد بن عُبادة الأنصاري- لليهود: لَئِن قالها رجلٌ منكم للنبي ﷺ لَأَضْرِبَنَّ عنقَه. فوعظ الله عز وجل المؤمنين، فقال: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تقولوا﴾ للنبي ﷺ: ﴿راعنا و﴾ لكن ﴿قولوا انظرنا﴾ قولوا للنبي ﷺ: اسمع منا١
التخريج
  1. ١تفسير مقاتل بن سليمان ١‏/‏١٢٨-١٢٩.
٤
قال عبد الملك ابن جريج -من طريق حجاج-: ﴿راعنا﴾ قول الساخر. فنهاهم أن يسخروا من قول محمد ﷺ١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٢‏/‏٣٧٧.
٥
عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم -من طريق ابن وهْب- في قوله: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تقولوا راعنا وقولوا انظرنا﴾، قال: ﴿راعنا﴾ القول الذي قاله القوم، قالوا: ﴿سَمِعْنا وعَصَيْنا واسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وراعِنا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وطَعْنًا فِي الدِّينِ﴾ [النساء:٤٦]. قال: قال: هذا الراعن -والراعن: الخطأ-. قال: فقال للمؤمنين: لا تقولوا خطأً كما قال القوم، ﴿وقولوا انظرنا واسمعوا﴾، قال: كانوا ينظرون إلى النبي ﷺ ويكلمونه، ويسمع منهم، ويسألونه ويجيبهم١٢
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٢‏/‏٣٧٦.
تعليقات المحققين
  1. ٢ذكر ابن عطية (١/٣٠٧) أن لفظة ﴿وانظرنا﴾ تحتمل احتمالين: الأول: انتظرنا وأمهل علينا. الثاني: أن يكون المعنى: تفقدنا من النظر. ثم علَّق بقوله: «وهذه لفظة مخلصة لتعظيم النبي ﷺ على المعنيين». ثم قال: «والظاهر عندي استدعاء نظر العين المقترن بتدبر الحال، وهذا هو معنى ﴿راعنا﴾، فبدلت للمؤمنين اللفظة ليزول تعلق اليهود».
٦
عن عبد الله بن عباس، في قوله: ﴿لا تقولوا راعنا﴾، قال: وذلك أنها سُبَّة بلغة اليهود، فقال تعالى: ﴿قولوا انظرنا﴾، يريد: اسمعنا، فقال المؤمنون بعدها: من سمعتموه يقولها فاضربوا عنقه. فانتهت اليهود بعد ذلك١
التخريج
  1. ١عزاه السيوطي إلى أبي نعيم في الدلائل.
٧
عن عبد الله بن عباس -من طريق ابن إسحاق بسنده- في قوله: ﴿لا تقولوا راعنا﴾، أي: أرعنا سمعك١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن إسحاق -كما في سيرة ابن هشام ١‏/‏٥٦٠-، وابن جرير ٢‏/‏٣٧٤.
٨
عن عبد الله بن عباس -من طريق أبي رَوْق، عن الضحاك- في قوله: ﴿لا تقولوا راعنا﴾، قال: كانوا يقولون للنبي ﷺ: أرْعِنا سمعك. وإنما ﴿راعنا﴾ كقولك: عاطِنا١٢
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٢‏/‏٣٧٥-٣٧٦، وابن أبي حاتم ١‏/‏١٩٦، والطبراني في المعجم الكبير (١٢٦٥٩).
تعليقات المحققين
  1. ٢قال ابن عطية (١/٣٠٦) مُعَلِّقًا على هذا القول: «قرأ جمهور الناس: ﴿راعنا﴾ من المراعاة، بمعنى: فاعِلْنا، أي: أرعنا نرعك، وفي هذا جفاءٌ أن يخاطب به أحدٌ نبيَّه، وقد حض الله تعالى على خفض الصوت عنده وتعزيره وتوقيره، فقال من ذهب إلى هذا المعنى: إن الله تعالى نهى المؤمنين عنه لهذه العلة. ولا مدخل لليهود في هذه الآية على هذا التأويل، بل هو نهي عن كل مخاطبة فيها استواء مع النبي ﷺ».
٩
عن أبي العالية -من طريق الربيع بن أنس-، والربيع بن أنس -من طريق أبي جعفر-، نحو ذلك١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٢/ ٣٧٧ عن أبي العالية، وابن أبي حاتم ١/ ١٩٧.
١٠
وعن أبي مالك، وعطية العوفي، وقتادة بن دعامة، نحو ذلك١
التخريج
  1. ١علَّقه ابن أبي حاتم ١/ ١٩٧.
١١
عن الضحاك بن مزاحم -من طريق عبيد بن سليمان- في قوله: ﴿راعنا﴾، قال: كان الرجل من المشركين يقول: أرْعِني سمعك١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٢‏/‏٣٧٤.
١٢
عن مجاهد بن جبر -من طريق عيسى، عن ابن أبي نَجِيح- في قوله: ﴿لا تقولوا راعنا﴾، قال: خلافًا١٢
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٢‏/‏٣٧٣، وابن أبي حاتم ١‏/‏١٩٧. وعزاه السيوطي إلى عبد بن حميد.
تعليقات المحققين
  1. ٢انتَقَد ابن جرير (٢/٣٨١) قولَ مجاهد هذا بكونه ليس له وجه مفهوم في كلام العرب، فقال: «فأما التأويل الذي حكي عن مجاهد في قوله: ﴿راعنا﴾ أنه بمعنى: خلافًا. فمِمّا لا يُعْقَل في كلام العرب؛ لأنّ»راعيت«في كلام العرب إنما هو على أحد وجهين: أحدهما بمعنى: فاعلت من الرعية، وهي الرقبة والكلاءة. والآخر بمعنى: إفراغ السمع، بمعنى: أرعيته سمعي. وأما راعيت بمعنى: خالفت، فلا وجه له مفهوم في كلام العرب، إلا أن يكون قرأ ذلك بالتنوين، ثم وجهه إلى معنى الرعونة والجهل والخطأ، على النحو الذي قال في ذلك عبد الرحمن بن زيد، فيكون لذلك -وإن كان مخالفًا قراءة القراء- معنى مفهومٌ حينئذ».
١٣
عن مجاهد بن جبر -من طريق عيسى وشِبْل، عن ابن أبي نَجِيح- في قوله: ﴿لا تقولوا راعنا﴾ قال: لا تقولوا: اسمع منا ونسمع منك، ﴿وقولوا انظرنا﴾ أفْهِمْنا، بَيِّن لنا١
التخريج
  1. ١تفسير مجاهد ص٢١٠، وأخرجه ابن جرير ٢‏/‏٣٧٤، ٣٨٣، وابن أبي حاتم ١‏/‏١٩٨ الشطر الثاني.
١٤
عن مجاهد بن جبر، في قول الله: ﴿راعنا﴾، قال: سمعنا١
التخريج
  1. ١علقه سفيان الثوري في تفسيره ص٤٨.
١٥
عن مجاهد بن جبر، وعطاء -من طريق جابر- ﴿انظرنا﴾، قال: اسمع مِنّا١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي حاتم ١/ ١٩٧.
١٦
عن الحسن البصري -من طريق عَبّاد بن منصور- أنّه قرأ: (راعِنًا). وقال: الراعن من القول: السخري منه. نهاهم الله عز وجل أن يسخروا من قول محمد ﷺ، وما يدعوهم إليه من الإسلام١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي حاتم ١‏/‏١٩٧. ولم أجد القراءة في المطبوع من تفسير ابن أبي حاتم.
١٧
عن عبد الله بن مسعود -من طريق مَعْن، أو عون- أنّ رجلًا أتاه، فقال: اعهد إليَّ. فقال: إذا سمعت الله يقول: ﴿يا أيها الذين آمنوا﴾ فأَرْعِها سمعَك؛ فإنه خيرٌ يأمُرُ به، أو شرٌّ يَنْهى عنه١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن المبارك في الزهد (٣٦)، وأبو عبيد في فضائله ص٣١، وسعيد بن منصور في سننه (٥٠، ٨٤٨)، وأحمد في الزهد ص١٥٨، وابن أبي حاتم ١‏/‏١٩٦، وأبو نعيم في الحلية ١‏/‏١٣٠، والبيهقي في شعب الإيمان (٢٠٤٥).
١٨
عن محمد ابن شهاب الزهري -من طريق الأوزاعي- قال: إذا قال الله تعالى:﴿يا أيها الذين آمنوا﴾ افعلوا، فالنبي ﷺ منهم١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي حاتم ٣‏/‏٩٨٧.

تفسير

قول واحد
١
قال مقاتل بن سليمان: ﴿وللكافرين﴾ يعني: اليهود ﴿عذاب أليم﴾ يعني: وجيعًا١
التخريج
  1. ١تفسير مقاتل بن سليمان ١‏/‏١٢٩.

نزول الآية

٩ أقوال
١
عن إسماعيل السُّدِّي -من طريق أسباط- ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تقولوا راعنا وقولوا انظرنا﴾، قال: كان رجل من اليهود من قبيلة من اليهود يقال لهم: بنو قينقاع، كان يدعى رِفاعَة بن زيد بن السائب١؛ كان يأتي النبي ﷺ، فإذا لَقِيَه فكَلَّمه قال: أرْعِنِي سمعَك، واسمع غير مُسْمَع. فكان المسلمون يحسبون أن الأنبياء كانت تُفَخَّم بهذا، فكان ناس منهم يقولون: اسمع غير مُسْمَع. كقولك: اسمع غير صاغر. وهي التي في النساء: ﴿من الذين هادوا يحرفون الكلم عن مواضعه ويقولون سمعنا وعصينا واسمع غير مسمع وراعنا ليا بألسنتهم وطعنا في الدين﴾ [النساء:٤٦] يقول: إنما يريد بقوله: ﴿وطعنا في الدين﴾ [النساء:٤٦] ثم تقدم إلى المؤمنين فقال: لا تقولوا راعنا٢
التخريج
  1. ١قال ابن جرير: هذا خطأ، إنما هو ابن التابوت، ليس ابن السائب.
  2. ٢أخرجه ابن جرير ٢‏/‏٣٧٧-٣٧٨ مرسلًا، وكذلك ابن المنذر ٢‏/‏٧٣٣ (١٨٣٧)، وابن أبي حاتم ١‏/‏١٩٨ مختصرًا. وعزاه السيوطي إليهم مختصرًا، وفي أوله: كان رجلان من اليهود -مالك بن الصَّيْف، ورِفاعَة بن زيد- إذا لَقِيا النبيَّ ﷺ قالا له وهما يكلمانه: راعِنا سمعك.
٢
عن أبي صخر، قال: كان رسول الله ﷺ إذا أدْبَر ناداه مَن كانت له حاجة من المؤمنين، فقالوا: أرْعِنا سمعك. فأعظم الله رسولَه أن يُقال له ذلك، وأمرهم أن يقولوا: انظرنا. ليعززوا رسولَه، ويُوَقِّرُوه١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي حاتم ١‏/‏١٩٧ (١٠٤٢)، ١‏/‏١٩٨ (١٠٤٥). وأبو صخر هو حميد بن زياد المدني الخراط من أتباع التابعين، قال عنه الحافظ في التقريب (١٥٥٥): «صدوق يهم». وعليه فالإسناد معضل.
٣
عن مَعْمَر١، والكلبي: في قوله: ﴿لا تقولوا راعنا وقولوا انظرنا واسمعوا﴾، قال: كانوا يقولون: راعِنا سمعك. قال: فكان اليهود يأتون فيقولون مثل ذلك، يستهزئون، فقال الله: ﴿لا تقولوا راعنا﴾٢
التخريج
  1. ١كذا في المطبوع، ولعله: «عن معمر عن قتادة والكلبي»؛ فهذه هي الجادة في تفسير عبد الرزاق.
  2. ٢أخرجه عبد الرزاق ١‏/‏٥٤.
٤
عن ابن مسعود -من طريق عَلْقَمَة- قال: ما كان ﴿يا أيها الذين آمنوا﴾ أُنزِل بالمدينة، وما كان ﴿يا أيُّها النّاسُ﴾ فبمكة١
التخريج
  1. ١أخرجه البزار (١٥٣١)، والحاكم ٣‏/‏١٨، والبيهقي في الدلائل ٧‏/‏١٤٤. وعزاه السيوطي إلى ابن مردويه. وتقدمت آثار عديدة في هذا المعنى عند قوله تعالى: ﴿يا أيُّها النّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾ [البقرة:٢١].
٥
عن ابن مسعود -من طريق عبد الرحمن بن يزيد- قال: قرأنا المُفَصَّل حِجَجًا ونحن بمكة، ليس فيها: ﴿يا آيها الذين آمنوا﴾١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي شيبة ١٠/ ٥٢٢، والطبراني في الأوسط (٦٣٤٤)، والحاكم ٣‏/‏١٩. وعزاه السيوطي إلى عبد بن حميد.
٦
عن عبد الله بن عباس، قال: ﴿راعنا﴾ بلسان اليهود: السب القبيح، فكان اليهود يقولون لرسول الله ﷺ سرًّا، فلمّا سمعوا أصحابه يقولون أعْلَنُوا بها، فكانوا يقولون ذلك ويضحكون فيما بينهم، فأنزل الله الآية١
التخريج
  1. ١عزاه السيوطي إلى أبي نعيم في الدلائل. قال ابن حجر في الفتح ٨‏/‏١٦٣: «وروى أبو نعيم في الدلائل بسند ضعيف جدًّا عن ابن عباس قال: ﴿راعنا﴾ بلسان اليهود السب القبيح، فسمع سعد بن معاذ ناسًا من اليهود خاطبوا بها النبي ﷺ، فقال: لئن سمعتها من أحد منكم لأضربن عنقه». وقال في الكافي الشاف ١‏/‏١٧٤: «فيه السدي الصغير، متروك، وكذا شيخه الكلبي».
٧
عن أبي العالية -من طريق الربيع بن أنس- قال: إنّ مشركي العرب كانوا إذا حَدَّث بعضهم بعضًا يقول أحدهم لصاحبه: أرْعِنِي سمعَك. فنُهُوا عن ذلك١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٢‏/‏٣٧٧.
٨
عن قتادة بن دعامة -من طريق سعيد- في قوله: ﴿لا تقولوا راعنا﴾، قال: قولًا كانت اليهود تقوله استهزاء، فكرهه الله للمؤمنين أن يقولوا كقولهم١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٢‏/‏٣٧٥. وعزاه السيوطي إلى عبد بن حميد، وأبي نعيم في الدلائل.
٩
عن عطية العوفي -من طريق فُضَيْل بن مرزوق- في قوله: ﴿لا تقولوا راعنا﴾، قال: كان أناس من اليهود يقولون: راعنا سمعك. حتى قالها أناس من المسلمين، فكره الله لهم ما قالت اليهود١٢
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٢‏/‏٣٧٥. وعزاه السيوطي إلى أبي نعيم في الدلائل.
تعليقات المحققين
  1. ٢رجَّحَ ابن جرير (٢/٣٨١-٣٨٢) أن يكون ﴿راعنا﴾ كلمة كره الله أن يقولها المؤمنون لنبيه ﷺ، نظير الذي ذُكِرَ عن النبيّ ﷺ أنه قال: «لا تقولوا للعنب الكَرْمَ، ولكن قولوا الحَبَلَةَ»، و«لا تقولوا عبدي، ولكن قولوا فتايَ». ثم انتَقَد الأثر المروي عن عطية ومن وافقه بأنها كانت كلمة لليهود بمعنى السب والسخرية، فاستعملها المؤمنون أخذًا منهم ذلك عنهم، فقال مُعَلِّلًا ذلك بدليل العقل: «غير جائز في صفة المؤمنين أن يأخذوا من كلام أهل الشرك كلامًا لا يعرفون معناه، ثم يستعملونه بينهم وفي خطاب نبيهم ﷺ، ولكنه جائز أن يكون ذلك مما روي عن قتادة أنها كانت كلمة صحيحة مفهومة من كلام العرب وافقت كلمة من كلام اليهود بغير اللسان العربي، هي عند اليهود سبٌّ، وهي عند العرب: أرْعِنِي سمعك وفَرِّغْه لِتفهم عنِّي، فعَلِم اللهُ -جل ثناؤه- معنى اليهود في قيلهم ذلك للنبي ﷺ، وأن معناها منهم خلافُ معناها في كلام العرب، فنهى الله عز وجل المؤمنين عن قيلها للنبي ﷺ؛ لئلا يجترئ مَن كان معناه في ذلك غير معنى المؤمنين فيه أن يخاطب رسول الله ﷺ به. وهذا تأويل لم يأتِ الخبر بأنه كذلك من الوجه الذي تقوم به الحجة؛ وإذ كان ذلك كذلك فالذي هو أولى بتأويل الآية ما وصفنا، إذ كان ذلك هو الظاهر المفهوم بالآية دون غيره».

آثار متعلقة بالآية

قولانِ
١
عن عبد الله بن عباس -من طريق عكرمة-: ما أنزل الله آيةً في القرآن يقول فيها: ﴿يا أيها الذين آمنوا﴾ إلّا كان عليٌّ شريفها وأميرها١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي حاتم ١‏/‏١٩٦. كما أخرجه أبو نعيم في الحلية مرفوعًا ١‏/‏٦٤. وقال: «لم نكتبه مرفوعًا إلا من حديث ابن أبي خيثمة، والناس رووه موقوفًا».
٢
عن خَيْثَمَة -من طريق الأعمش- قال: ما تقرؤون في القرآن: ﴿يا أيها الذين آمنوا﴾ فإنّه في التوراة: يا أيها المساكين١
التخريج
  1. ١أخرجه عبد الرزاق ٢‏/‏١٢٢، وابن أبي شيبة ١٣‏/‏٤٤٩، وابن أبي حاتم ١‏/‏١٩٦، وأبو نعيم في الحلية ٤‏/‏١١٦. وعزاه السيوطي إلى عبد بن حميد، وابن المنذر، كما عزا إلى عبد بن حميد، وأبي الشيخ لفظًا آخر: ما كان في القرآن: ﴿يا أيها الذين آمنوا﴾ فهو في التوراة والإنجيل: يا أيها المساكين.

قراءات

قول واحد
١
عن الحسن البصري أنّه قرأ: (راعِنًا)١٢
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي حاتم ١‏/‏١٩٧. وهي قراءة شاذة. انظر: مختصر ابن خالويه ص١٦.
تعليقات المحققين
  1. ٢وجَّهَ ابن عطية (١/٣٠٧) قراءةَ الحسن، فقال: «وقرأ الحسن بن أبي الحسن، وابن أبي ليلى، وابن محيصن، وأبو حيوة (راعِنًا) بالتنوين، وهذه من معنى الجهل، وهذا محمول على أنّ اليهود كانت تقوله، فنهيُ الله تعالى المؤمنين عن القول المباح سدُّ ذريعة؛ لئلا يتطرق منه اليهود إلى المحظور؛ إذ المؤمنون إنما كانوا يقولون: راعِنا، دون تنوين». وانتَقَدها ابن جرير (٢/٣٨٢) لشذوذها، وخلافها ما جاءت به الحجة من المسلمين، فقال: «وقد حكي عن الحسن البصري أنه كان يقرؤه: (لا تَقُولُوا راعِنًا) بالتنوين، بمعنى: لا تقولوا قولًا راعِنًا، من الرعونة، وهي: الحمق والجهل. وهذه قراءة لقراء المسلمين مخالفة، فغير جائز لأحد القراءة بها لشذوذها وخروجها من قراءة المتقدمين والمتأخرين، وخلافها ما جاءت به الحجة من المسلمين. ومَن نوَّن (راعِنًا) نوَّنه بقوله: ﴿لا تقولوا﴾؛ لأنه حينئذ عامل فيه. ومن لم ينوّنه فإنه ترك تنوينه؛ لأنه أمر محكي؛ لأن القوم كأنهم كانوا يقولون للنبي ﷺ: ﴿راعنا﴾ بمعنى مسألته؛ إما أن يرعيهم سمعه، وإما أن يرعاهم ويرقبهم».
التفسير بالمأثور لسورة البقرة كاملة ←

وقفات تدبرية في الآية ١٠٤ من سورة البقرة

١٤ وقفةً في هذه الآية

  • "لا تقولوا راعنا وقولوا انظرنا" تأمّل عباراتك.

    — علي الفيفي

  • " يا أيها الذين آمنوا لا تقولوا راعنا وقولوا انظرنا " هذه الآية أصل في اجتناب الألفاظ التي توهم معنى فاسدا.

    — ابو حمزة الكناني

  • البديل الشرعي:(لاَ تَقُولُواْ رَاعِنَا وَقُولُواْ انظُرْنَا)جرت العادة أن الله في كتابه إذا نهى عن شيء، بيّن وجهًا آخرَ غير منهيٍ عنه؛ فلا ينبغي للإنسان إذا تصدَّى لتعليم أحكام الشريعة أن ينهاهم عن شيء، حتى يبين لهم بابَ الحلال.

    — ابن عاشور

  • هذا أول نداء في القرآن لأهل الإيمان -في ترتيب المصحف-. وقد اشتمل على الآتي: ١- أصل عقدي: النهي عن التشبه بالكفار، وخاصة اليهود ٢- قاعدة شرعية: قاعدة سد الذرائع ٣- أدب شريف: انتقاء أنسب الألفاظ والعبارات ٤- طريقة تربوية: وهي إيجاد البدائل لما ننهى عنه قدر الإمكان

    — محمد القحطاني

  • مجالس في تدبر القران تدبر أية 104 سورة البقرة

    — خالد السبت

  • سورة البقرة (104)

    — محمد الربيعة

  • {يا أيها الذين آمنوا لا تقولوا راعنا وقولوا انظرنا} تأسَّ بالقرآن فأي عبارة تحتمل وجهين حسن وقبيح فاستبدلها بأطيب وأنقى

    — مجالس التدبر

  • آية (١٠٤) : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا وَاسْمَعُوا وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ) * ما مناسبة نزول هذه الآية عقب آيات السحر؟ نُهيَ المؤمنون عن التلفظ بكلمة راعنا لأنها تعني المسبّة في العبرانية ، وكشف الله عمل اليهود والمنافقين ، ولو رجعنا إلى أصل السحر لرأيناه يرجع إلى التمويه وأن من ضروب السحر ما هو تمويه الألفاظ بأذى الشخص بقول أو فعل لا يُعلم مغزاهما .

    — مختصر لمسات بيانية

  • *(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَقُولُواْ رَاعِنَا وَقُولُواْ انظُرْنَا وَاسْمَعُوا)ما مناسبة نزول هذه الآية عقب آيات السحر؟ نُهيَ المؤمنون عن التلفظ بكلمة راعنا وهذه كلمة تشبه كلمة في العبرانية تعني المسبّة فقال المنافقون واليهود كنا نسبّ الرسول  سرّاً فأعلنوا بها الآن فأنزل الله تعالى النهي عن هذه الكلمة وكشف عمل اليهود والمنافقين لكن ما مناسبة نزول هذه الآية عقب آيات السحر؟ لو رجعنا إلى أصل السحر لرأيناه يرجع إلى التمويه وأن من ضروب السحر ما هو تمويه الألفاظ فأذى الشخص بقول أو فعل لا يُعلم مغزاهما كخطابه بلفظ يفيد معنى ومقصود المتكلم به أذى كما فعل المنافقون بقولهم (راعنا) فهم يظهرون معنى ويبطنون غيره.

    — برنامج ورتل القران ترتيلا

  • قوله تعالى:{يا أيها الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَقُولُواْ رَاعِنَا وَقُولُواْ انظُرْنَا وَاسْمَعُوا ْوَلِلكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيم}[البقرة:104]. حيث نادى الله تعالى المؤمنين بقوله:{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ}، ولم يقل:(يا أيها المؤمنون)، مع أنها أخصر، بحذف الاسم الموصول، وبالتعبير بالاسم بدلا من الفعل؟ والجواب عن ذلك من وجهين– والله أعلم -: الوجه الأول: أن التعبير بقوله:{الَّذِينَ آمَنُواْ} يشعر بتقدم حدوث إيمانهم؛ لأنه عبر عنه بالفعل الماضي، فهم قد آمنوا، وامتحن إيمانهم، وليسوا من المؤمنين قريبا، فلم يقع عليهم قول الله سبحانه تعالى: {الم(1) أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لاَ يُفْتَنُون (2)}[العنكبوت:1-2]، ولو قال: (يا أيها المؤمنون) لم يدل على ذلك ، ولم يرد في القرآن: ( يا أيها المؤمنون) قط. الوجه الثاني: أن (أل) تستعمل للدلالة على كمال الشيء، فإذا قيل: (يا أيها المؤمنون) دل على أن المخاطبين هم الذين كَمل إيمانهم، فإذا جاء بعد النداء أمر أو نهي تُوهم أن ذلك مخصوص بمن هم كاملو الإيمان، بخلاف ما إذا عبر بالاسم الموصول، فقيل:{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ}، فإن الفعل لا يشعر إلا بمطلق الصفة، ومما وردت فيه (أل) دالة على الكمال قوله:{يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ}[يوسف:46]، وقوله:{قَالُواْ يَاأَيُّهَا الْعَزِيزُ}[يوسف:78]، ولعل من ذلك قوله: {قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُون}[الكافرون:1]، والله أعلم. وتأملوا قوله تعالى:{لاَ تَقُولُواْ رَاعِنَا}،فـ{رَاعِنَا} بمعنى: راقبنا ، وانتظرنا ، وتأن بنا ، يا رسول الله حتى نفهم ما تتلو علينا من كلام الله تعالى، ونحفظه ، ولم يكن في هذه اللفظة مأخذ، فينهى المؤمنون عن استعمالها مع رسول الله ، لكن اليهود حرفوا المراد بها، حيث جعلوه من الرعونة، فهم يعنون بها المسبة له ، فيقصدون بها الحمق، فض الله أفواههم. وأخيرا تدبروا قوله تعالى:{لاَ تَقُولُواْ راعنا وقولوا انظُرْنَا} حيث بدأ بالنهي، ثم أتى بالأمر ، وهذا مما عُرف لدى العرب بالتخلية قبل التحلية ، فنهى عن قول: (راعنا) ، ثم أتى بما هو أشق وأصعب ، حيث قيد الخطاب بقول:{انظُرْنَا} بعد أن حصل الاستئناس بالنهي.

    — صالح العايد

  • (لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انظُرْنَا ) قوله تعالي (مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا)مع قوله تعالي

    — عدنان عبدالقادر

  • من أحكام القرآن الكريم سورة البقرة الآية 104

    — محمد بن صالح ابن عثيمين

ووقفتانِ أخرى لهذه الآية في الوقفات التدبرية.

الناسخ والمنسوخ في الآية ١٠٤ من سورة البقرة

من كتاب: الإيضاح لناسخ القرآن ومنسوخه

﴿يَٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَقُولُواْ رَاعِنَا وَقُولُواْ ٱنْظُرْنَا وَٱسْمَعُواْ وَلِلكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾

قوله تعالى: ﴿لاَ تَقُولُوا رَاعِنَا﴾:
هذه الآية - عندَ عطاء - ناسخةٌ لما كانَ عليه الأنصارُ في الجاهلية وبرهة من الإِسلام، كانوا يقولون للنبي - صلى الله عليه وسلم -: راعِنا سمعَك، أي، فرغ لنا سمعَك لما نقولُ لك. وكانت هذه الكلمةُ عندَ اليهود سبا فنسخها الله من كلامِ المسلمين، ونهى أن تقالَ لئَلاّ يجدَ اليهود سبباً إلى سبِّ النبي - عليه السلام -.
وقد كان حقُّ هذا ألاّ يُذْكَرَ في الناسخ لأنهُ لم يَنْسَخ قرآناً؛ إنما نسخ ما كانوا (عليه). وأكثرُ القرآن على ذلك. وقد بيَّنا هذا.

ترجمات معاني الآية ١٠٤ من سورة البقرة

ترجمة معاني الآية إلى ٦٠ لغةً

(104) O you who have believed, say not [to Allāh's Messenger], "Rāʿinā" but say, "Unẓurnā"[35] and listen. And for the disbelievers is a painful punishment.
[35]- The word "rāʿinā" in Arabic literally means "consider us," i.e., give us time to hear you and listen to us. The Jews used to use the same word with the meaning of an insult. Therefore, the believers were ordered to avoid this expression and use instead the word "unẓurnā," i.e., "wait for us [so that we may understand]."
— الترجمة الإنجليزية - صحيح انترناشونال