البحر المحيط في التفسير — أبو حيان الأندلسي
عن الكتاب
الرعاية والمراعاة : النظر في مصالح الإنسان وتدبير أموره.
والرعونة والرعن : الجهل والهوج.
﴿يا أيها الذين آمنوا﴾ : هذا أول خطاب خوطب به المؤمنون في هذه السورة، بالنداء الدال على الإقبال عليهم، وذلك أن أول نداء جاء أتى عامًّا :﴿يا أيها الناس اعبدوا ربكم﴾ وثاني نداء أتى خاصاً :﴿يا بني إسرائيل اذكروا﴾ وهي الطائفة العظيمة التي اشتملت على الملتين : اليهودية والنصرانية، وثالث نداء لأمة محمد ﷺ المؤمنين.
فكان أول نداء عامًّا، أمروا فيه بأصل الإسلام، وهو عبادة الله.
وثاني نداء، ذكروا فيه بالنعم الجزيلة، وتعبدوا بالتكاليف الجليلة، وخوّفوا من حلول النقم الوبيلة وثالث نداء : علموا فيه أدباً من آداب الشريعة مع نبيهم، إذ قد حصلت لهم عبادة الله، والتذكير بالنعم، والتخويف من النقم، والاتعاظ بمن سبق من الأمم، فلم يبق إلا ما أمروا به على سبيل التكميل، من تعظيم من كانت هدايتهم على يديه.
والتبجيل والخطاب بيا أيها الذين آمنوا متوجه إلى من بالمدينة من المؤمنين، قيل : ويحتمل أن يكون إلى كل مؤمن في عصره.
وروي عن ابن عباس : أنه حيث جاء هذا الخطاب، فالمراد به أهل المدينة، وحيث ورد يا أيها الناس، فالمراد أهل مكة.
﴿لا تقولوا راعنا وقولوا انظرنا﴾ : بدئ بالنهي، لأنه من باب التروك، فهو أسهل.
ثم أتى بالأمر بعده الذي هو أشق لحصول الاستئناس، قبل بالنهي.
ثم لم يكن نهياً عن شيء سبق تحريمه، ولكن لما كانت لفظة المفاعلة تقتضي الاشتراك غالباً، فصار المعنى : ليقع منك رعي لنا ومنا رعي لك، وهذا فيه ما لا يخفى مع من يعظم نهوا عن هذه اللفظة لهذه العلة، وأمروا بأن يقولوا : انظرنا، إذ هو فعل من النبي ﷺ، لا مشاركة لهم فيه معه.
وقراءة الجمهور : راعنا.
وفي مصحف عبد الله وقراءته، وقراءة أبي : راعونا، على إسناد الفعل لضمير الجمع.
وذكر أيضاً أن في مصحف عبد الله : ارعونا.
خاطبوه بذلك إكباراً وتعظيماً، إذ أقاموه مقام الجمع.
وتضمن هذا النهي، النهي عن كل ما يكون فيه استواء مع النبي ﷺ.
وقرأ الحسن، وابن أبي ليلى، وأبو حياة، وابن محيصن : راعنا بالتنوين، جعله صفة لمصدر محذوف، أي قولاً راعناً، وهو على طريق النسب كلابن وتامر.
لما كان القول سبباً في السبب، اتصف بالرعن، فنهوا في هذه القراءة عن أن يخاطبوا الرسول بلفظ يكون فيه، أو يوهم شيئاً من الغض، مما يستحقه ﷺ من التعظيم وتلطيف القول وأدبه.
وقد ذكر أن سبب نزول هذه الآية أن اليهود كانت تقصد بذلك، إذ خاطبوا رسول الله ﷺ الرعونة، وكذا قيل في راعونا، إنه فاعولاً من الرعونة، كعاشورا.
وقيل : كانت لليهود كلمة عبرانية، أو سريانية يتسابون بها وهي : راعينا، فلما سمعوا بقول المؤمنين راعنا، اقترضوه وخاطبوا بها رسول الله ﷺ، وهم يعنون تلك المسبة، فنهي المؤمنون عنها، وأمروا بما هو في معناها.
ومن زعم أن راعنا لغة مختصة بالأنصار، فليس قوله بشيء، لأن ذلك محفوظ في جميع لغة العرب.
وكذلك قول من قال : إن هذه الآية ناسخة لفعل قد كان مباحاً، لأن الأول لم يكن شرعاً متقرراً قبل.
وقيل في سبب نزولها غير ذلك.
وبالجملة، فهي كما قال محمد بن جرير : كلمة كرهها الله أن يخاطب بها نبيه، كما قال ﷺ :
« لا تقولوا عبدي وأمتي وقولوا فتاي وفتاتي ولا تسموا العنب الكرم » وذكر في النهي وجوه : إن معناها اسمع لا سمعت، أو إن أهل الحجاز كانوا يقولونها عند المفر، قاله قطرب، أو أن اليهود كانوا يقولون : راعينا أي راعي غنمنا، أو أنه مفاعلة فيوهم مساواة، أو معناه راع كلامنا ولا تغفل عنه، أو لأنه يتوهم أنه من الرعونة.
وقوله : انظرنا، قراءة الجمهور، موصول الهمزة، مضموم الظاء، من النظرة، وهي التأخير، أي انتظرنا وتأنّ علينا، نحو قوله :
فإنكما إن تنظراني ساعة***
من الدهر تنفعني لدى أم جندب
أو من النظر، واتسع في الفعل فعدى بنفسه، وأصله أن يتعدى بإلى، كما قال الشاعر :
ظاهرات الجمال والحسن ينظر***
ن كما ينظر الأراك الظباء
يريد : إلى الأراك، ومعناه : تفقدنا بنظرك.
وقال مجاهد : معناه فهمنا وبين لنا، فسر باللازم في الأصل، وهو انظر، لأنه يلزم من الرفق والإمهال على السائل، والتأني به أن يفهم بذلك.
وقيل : هو من نظر البصيرة بالتفكر والتدبر فيما يصلح للمنظور فيه، فاتسع في الفعل أيضاً، إذ أصله أن يتعدى بفي، ويكون أيضاً على حذف مضاف، أي انظر في أمرنا.
قال ابن عطية : وهذه لفظة مخلصة لتعظيم النبي ﷺ، والظاهر عندي استدعاء نظر العين المقترن بتدبر الحال، وهذا هو معنى : راعنا، فبدلت للمؤمنين اللفظة، ليزول تعلق اليهود. انتهى.
وقرأ أبي والأعمش : أنظرنا، بقطع الهمزة وكسر الظاء، من الإنظار، ومعناه : أخرنا وأمهلنا حتى نتلقى عنك.
وهذه القراءة تشهد للقول الأول في قراءة الجمهور.
﴿واسمعوا﴾ : أي سماع قبول وطاعة.
وقيل : معناه اقبلوا.
وقيل : فرغوا أسماعكم حتى لا تحتاجوا إلى الاستعادة.
وقيل : اسمعوا ما أمرتم به حتى لا ترجعوا تعودون إليه.
أكد عليهم ترك تلك الكلمة.
وروي أن سعد بن معاذ سمعها منهم فقال : يا أعداء الله، عليكم لعنة الله، فوالذي نفسي بيده، لئن سمعتها من رجل منكم يقولها لرسول الله ﷺ لأضربن عنقه.
﴿وللكافرين عذاب أليم﴾ : ظاهره العموم، فيدخل فيه اليهود.
وقيل : المراد به اليهود، أي ولليهود الذين تهاونوا بالرسول وسبوه.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: وقد تضمنت هذه الآيات الشريفة أشياء منها : افتتاحها بحسن النداء، وإثبات وصف الإيمان لهم، وتنبيههم على تعلم أدب من آداب الشريعة، بأن نهوا عن قول لفظ لإيهام مّا إلى لفظ أنص في المقصود، وأصرح في المطلوب.
ثم ذكر ما للمخالف من العذاب الذي يذله ويهينه.
ثم نبه على أن هذا الذي أمرتم به هو خير، وأن الكفار لا يودّون أن ينزل عليكم شيء من الخير.
ثم ذكر أن ذلك ليس راجعاً لشهواتهم، ولا لتمنيهم، بل ذلك أمر إلهي يختص به من يشاء، وأنه تعالى هو صاحب الفضل الواسع.
ولما كان صدر الآية فيه انتقال من لفظ إلى لفظ، وأن الثاني صار أنص في المقصود بين أن ما يفعله الله تعالى من النسخ، فإنما ذلك لحكمة منه، فيأتي بأفضل مما نسخ أو بما ماثله.
وإن من كان قادراً على كل شيء، فله التصرّف بما يريد من نسخ وغيره.
ونبه المخاطب على علمه بقدرة الله تعالى، وبملكه الشامل لسائر المخلوقات، وإنما نحن ما لنا من دونه من مانع يمنعنا منه.
فمن ينصرنا من بأس الله إن جاءنا، ثم أنكر على من تعلقت إرادته بأن يسأل رسول الله ﷺ سؤالاً غير جائز، كسؤالات قوم موسى له.
ثم ذكر أن من آثر الكفر على الإيمان، فقد خرج عن قصد المنهج.
ثم ذكر أن الكثير من أهل الكتاب يودون ارتدادكم، وأن الحامل لهم على ذلك الحسد.
ثم أمروا بالموادعة والصفح، وغيا ذلك بأمر الله، فإذا أتى أمر الله ارتفع الأمر بالعفو والصفح.
ثم اختتم الآية بذكر قدره الله تعالى على كل شيء، لأن قبله وعداً بتغيير حال، فناسب ذلك ذكر القدرة.
ثم أمرهم بما يقطع عنهم تلفت أقوال الكفار، وهي الصلاة والزكاة، وأخبر أن ما قدمتموه من الخير فإنه لا يضيع عند الله، بل تجدوه مذخوراً لكم.
ثم اختتم ذلك حيث نبه على أن ما عمل من الخير هو عند الله، بذكر صفة البصر التي تدل على مشاهدة الأشياء ومعاينتها.
ثم نعى على اليهود والنصارى من دعواهم أنهم مختصون بدخول الجنة، وأن ذلك أكذوبة من أكاذيبهم المعروفة، وأنهم طولبوا بإقامة البرهان على دعوى الاختصاص.
ثم ذكر أن من انقاد ظاهراً وباطناً لله تعالى فله أجره وهو آمن، فلا يخاف مما يأتي ولا يحزن على ما مضى.
ثم أخذ يذكر مقالات النصارى واليهود بعضهم في بعض، وأنها مقالة من أظهر التبرّؤ مما جاءت به الرسل وأفصحت عنه الكتب المنزلة، وذلك كله على جهة العناد، لأنهم تالون للكتب عالمون بما انطوت عليه، فصاروا في الحياة الدنيا على مثل حالهم في الآخرة.
كما أخبر تعالى عنهم بقوله :﴿يوم القيامة يكفر بعضكم ببعض ويلعن بعضكم بعضاً﴾ ثم ذكر أن مقالتهم تلك، وإن كانوا عالمين، فهي مماثلة لمقالة من لا يعلم، ثم ختم ذلك بالوعيد الذي يتضمن الحكم وفصل الباطل من الحق، وأنه تعالى هو المتولي ذلك ليجازيهم على كفرهم.
والرعونة والرعن : الجهل والهوج.
﴿يا أيها الذين آمنوا﴾ : هذا أول خطاب خوطب به المؤمنون في هذه السورة، بالنداء الدال على الإقبال عليهم، وذلك أن أول نداء جاء أتى عامًّا :﴿يا أيها الناس اعبدوا ربكم﴾ وثاني نداء أتى خاصاً :﴿يا بني إسرائيل اذكروا﴾ وهي الطائفة العظيمة التي اشتملت على الملتين : اليهودية والنصرانية، وثالث نداء لأمة محمد ﷺ المؤمنين.
فكان أول نداء عامًّا، أمروا فيه بأصل الإسلام، وهو عبادة الله.
وثاني نداء، ذكروا فيه بالنعم الجزيلة، وتعبدوا بالتكاليف الجليلة، وخوّفوا من حلول النقم الوبيلة وثالث نداء : علموا فيه أدباً من آداب الشريعة مع نبيهم، إذ قد حصلت لهم عبادة الله، والتذكير بالنعم، والتخويف من النقم، والاتعاظ بمن سبق من الأمم، فلم يبق إلا ما أمروا به على سبيل التكميل، من تعظيم من كانت هدايتهم على يديه.
والتبجيل والخطاب بيا أيها الذين آمنوا متوجه إلى من بالمدينة من المؤمنين، قيل : ويحتمل أن يكون إلى كل مؤمن في عصره.
وروي عن ابن عباس : أنه حيث جاء هذا الخطاب، فالمراد به أهل المدينة، وحيث ورد يا أيها الناس، فالمراد أهل مكة.
﴿لا تقولوا راعنا وقولوا انظرنا﴾ : بدئ بالنهي، لأنه من باب التروك، فهو أسهل.
ثم أتى بالأمر بعده الذي هو أشق لحصول الاستئناس، قبل بالنهي.
ثم لم يكن نهياً عن شيء سبق تحريمه، ولكن لما كانت لفظة المفاعلة تقتضي الاشتراك غالباً، فصار المعنى : ليقع منك رعي لنا ومنا رعي لك، وهذا فيه ما لا يخفى مع من يعظم نهوا عن هذه اللفظة لهذه العلة، وأمروا بأن يقولوا : انظرنا، إذ هو فعل من النبي ﷺ، لا مشاركة لهم فيه معه.
وقراءة الجمهور : راعنا.
وفي مصحف عبد الله وقراءته، وقراءة أبي : راعونا، على إسناد الفعل لضمير الجمع.
وذكر أيضاً أن في مصحف عبد الله : ارعونا.
خاطبوه بذلك إكباراً وتعظيماً، إذ أقاموه مقام الجمع.
وتضمن هذا النهي، النهي عن كل ما يكون فيه استواء مع النبي ﷺ.
وقرأ الحسن، وابن أبي ليلى، وأبو حياة، وابن محيصن : راعنا بالتنوين، جعله صفة لمصدر محذوف، أي قولاً راعناً، وهو على طريق النسب كلابن وتامر.
لما كان القول سبباً في السبب، اتصف بالرعن، فنهوا في هذه القراءة عن أن يخاطبوا الرسول بلفظ يكون فيه، أو يوهم شيئاً من الغض، مما يستحقه ﷺ من التعظيم وتلطيف القول وأدبه.
وقد ذكر أن سبب نزول هذه الآية أن اليهود كانت تقصد بذلك، إذ خاطبوا رسول الله ﷺ الرعونة، وكذا قيل في راعونا، إنه فاعولاً من الرعونة، كعاشورا.
وقيل : كانت لليهود كلمة عبرانية، أو سريانية يتسابون بها وهي : راعينا، فلما سمعوا بقول المؤمنين راعنا، اقترضوه وخاطبوا بها رسول الله ﷺ، وهم يعنون تلك المسبة، فنهي المؤمنون عنها، وأمروا بما هو في معناها.
ومن زعم أن راعنا لغة مختصة بالأنصار، فليس قوله بشيء، لأن ذلك محفوظ في جميع لغة العرب.
وكذلك قول من قال : إن هذه الآية ناسخة لفعل قد كان مباحاً، لأن الأول لم يكن شرعاً متقرراً قبل.
وقيل في سبب نزولها غير ذلك.
وبالجملة، فهي كما قال محمد بن جرير : كلمة كرهها الله أن يخاطب بها نبيه، كما قال ﷺ :
« لا تقولوا عبدي وأمتي وقولوا فتاي وفتاتي ولا تسموا العنب الكرم » وذكر في النهي وجوه : إن معناها اسمع لا سمعت، أو إن أهل الحجاز كانوا يقولونها عند المفر، قاله قطرب، أو أن اليهود كانوا يقولون : راعينا أي راعي غنمنا، أو أنه مفاعلة فيوهم مساواة، أو معناه راع كلامنا ولا تغفل عنه، أو لأنه يتوهم أنه من الرعونة.
وقوله : انظرنا، قراءة الجمهور، موصول الهمزة، مضموم الظاء، من النظرة، وهي التأخير، أي انتظرنا وتأنّ علينا، نحو قوله :
فإنكما إن تنظراني ساعة***
من الدهر تنفعني لدى أم جندب
أو من النظر، واتسع في الفعل فعدى بنفسه، وأصله أن يتعدى بإلى، كما قال الشاعر :
ظاهرات الجمال والحسن ينظر***
ن كما ينظر الأراك الظباء
يريد : إلى الأراك، ومعناه : تفقدنا بنظرك.
وقال مجاهد : معناه فهمنا وبين لنا، فسر باللازم في الأصل، وهو انظر، لأنه يلزم من الرفق والإمهال على السائل، والتأني به أن يفهم بذلك.
وقيل : هو من نظر البصيرة بالتفكر والتدبر فيما يصلح للمنظور فيه، فاتسع في الفعل أيضاً، إذ أصله أن يتعدى بفي، ويكون أيضاً على حذف مضاف، أي انظر في أمرنا.
قال ابن عطية : وهذه لفظة مخلصة لتعظيم النبي ﷺ، والظاهر عندي استدعاء نظر العين المقترن بتدبر الحال، وهذا هو معنى : راعنا، فبدلت للمؤمنين اللفظة، ليزول تعلق اليهود. انتهى.
وقرأ أبي والأعمش : أنظرنا، بقطع الهمزة وكسر الظاء، من الإنظار، ومعناه : أخرنا وأمهلنا حتى نتلقى عنك.
وهذه القراءة تشهد للقول الأول في قراءة الجمهور.
﴿واسمعوا﴾ : أي سماع قبول وطاعة.
وقيل : معناه اقبلوا.
وقيل : فرغوا أسماعكم حتى لا تحتاجوا إلى الاستعادة.
وقيل : اسمعوا ما أمرتم به حتى لا ترجعوا تعودون إليه.
أكد عليهم ترك تلك الكلمة.
وروي أن سعد بن معاذ سمعها منهم فقال : يا أعداء الله، عليكم لعنة الله، فوالذي نفسي بيده، لئن سمعتها من رجل منكم يقولها لرسول الله ﷺ لأضربن عنقه.
﴿وللكافرين عذاب أليم﴾ : ظاهره العموم، فيدخل فيه اليهود.
وقيل : المراد به اليهود، أي ولليهود الذين تهاونوا بالرسول وسبوه.
ثم ذكر ما للمخالف من العذاب الذي يذله ويهينه.
ثم نبه على أن هذا الذي أمرتم به هو خير، وأن الكفار لا يودّون أن ينزل عليكم شيء من الخير.
ثم ذكر أن ذلك ليس راجعاً لشهواتهم، ولا لتمنيهم، بل ذلك أمر إلهي يختص به من يشاء، وأنه تعالى هو صاحب الفضل الواسع.
ولما كان صدر الآية فيه انتقال من لفظ إلى لفظ، وأن الثاني صار أنص في المقصود بين أن ما يفعله الله تعالى من النسخ، فإنما ذلك لحكمة منه، فيأتي بأفضل مما نسخ أو بما ماثله.
وإن من كان قادراً على كل شيء، فله التصرّف بما يريد من نسخ وغيره.
ونبه المخاطب على علمه بقدرة الله تعالى، وبملكه الشامل لسائر المخلوقات، وإنما نحن ما لنا من دونه من مانع يمنعنا منه.
فمن ينصرنا من بأس الله إن جاءنا، ثم أنكر على من تعلقت إرادته بأن يسأل رسول الله ﷺ سؤالاً غير جائز، كسؤالات قوم موسى له.
ثم ذكر أن من آثر الكفر على الإيمان، فقد خرج عن قصد المنهج.
ثم ذكر أن الكثير من أهل الكتاب يودون ارتدادكم، وأن الحامل لهم على ذلك الحسد.
ثم أمروا بالموادعة والصفح، وغيا ذلك بأمر الله، فإذا أتى أمر الله ارتفع الأمر بالعفو والصفح.
ثم اختتم الآية بذكر قدره الله تعالى على كل شيء، لأن قبله وعداً بتغيير حال، فناسب ذلك ذكر القدرة.
ثم أمرهم بما يقطع عنهم تلفت أقوال الكفار، وهي الصلاة والزكاة، وأخبر أن ما قدمتموه من الخير فإنه لا يضيع عند الله، بل تجدوه مذخوراً لكم.
ثم اختتم ذلك حيث نبه على أن ما عمل من الخير هو عند الله، بذكر صفة البصر التي تدل على مشاهدة الأشياء ومعاينتها.
ثم نعى على اليهود والنصارى من دعواهم أنهم مختصون بدخول الجنة، وأن ذلك أكذوبة من أكاذيبهم المعروفة، وأنهم طولبوا بإقامة البرهان على دعوى الاختصاص.
ثم ذكر أن من انقاد ظاهراً وباطناً لله تعالى فله أجره وهو آمن، فلا يخاف مما يأتي ولا يحزن على ما مضى.
ثم أخذ يذكر مقالات النصارى واليهود بعضهم في بعض، وأنها مقالة من أظهر التبرّؤ مما جاءت به الرسل وأفصحت عنه الكتب المنزلة، وذلك كله على جهة العناد، لأنهم تالون للكتب عالمون بما انطوت عليه، فصاروا في الحياة الدنيا على مثل حالهم في الآخرة.
كما أخبر تعالى عنهم بقوله :﴿يوم القيامة يكفر بعضكم ببعض ويلعن بعضكم بعضاً﴾ ثم ذكر أن مقالتهم تلك، وإن كانوا عالمين، فهي مماثلة لمقالة من لا يعلم، ثم ختم ذلك بالوعيد الذي يتضمن الحكم وفصل الباطل من الحق، وأنه تعالى هو المتولي ذلك ليجازيهم على كفرهم.