الدر المصون في علوم الكتاب المكنون — السمين الحلبي

عن الكتاب
قوله تعالى :﴿لاَ تَقُولُواْ رَاعِنَا﴾ : الجمهورُ على " راعِنا " أمرٌ من المُراعاة، وهي النظرُ في مصالحِ الإِنسانِ وتَدَبُّرِ أمورِه، و " راعِنا " يقتضي المشاركةَ لأنَّ معناه : ليكن منك رعايةٌ لنا وليكن منا رعايةٌ لك، فَنُهوا عن ذلك لأنَّ فيه مساواتِهم به عليه السلام. وقرأ الحسنُ وأبو حَيْوَة :" راعِناً " بالتنوين، ووجهُه أنه صفةٌ لمصدرٍ محذوفٍ، أي : قولاً راعناً، وهو على طَريقِ النَسَب كلابن وتامر، والمعنى : لا تقولوا قولاً ذا رُعونة. والرُّعونة : الجَهْل والحُمْق والهَوَج، وأصلُ الرُّعونة : التفرُّقُ، ومنه :" جَيْشٌ أَرْعَنُ " أي : متفرِّقٌ في كل ناحية، ورجلٌ أَرْعَنُ : أي ليس له عَقْلٌ مجتمعٌ، وامرأةٌ رَعْنَاءٌ، وقيل للبَصْرةِ : الرَّعْناء، قال :
لولا ابنُ عُتْبَةَ عمروٌ والرجاءُ لهما كانَتِ البصرةُ الرَّعْناءُ لي وَطَنا
قيل : سُمِّيت بذلك لأنها أَشْبَهت " رَعْنَ الجبلِ " وهو الناتِيءُ منه، وقال ابن فارس :" يقال : رَعَن الرجلُ يَرْعَنُ رَعَناً ". وقرأ أُبَيّ : راعُونا، وفي مصحف عبد الله كذلك، خاطَبوه بلفظِ الجمعِ تعظيماً، وفي مصحفِ عبدِ الله أيضاً، " ارْعَوْنا " لِما تقدَّم. والجملةُ في محل نصبٍ بالقول، وقَدَّم النهيَ على الأمرِ لأنه من باب التروك فهو أَسْهَلُ.
قوله :" انظُرْنا " الجملةُ أيضاً في محلِّ نَصْبٍ بالقولِ، والجمهورُ على " انظُرْنا " بوصلِ الهمزةِ وضَمِّ الظاء أمراً من الثلاثي، وهو نظرٌ من النَّظِرَة وهي التأخير، أي : أَخِّرْنا وتأنَّ علينا، قال امرؤ القيس :
فإنَّكما إنْ تَنْظُرانيَ ساعةًمن الدَّهْرِ يَنْفَعْني لدى أمِّ جُنْدَبِ
وقيل : هو من نَظَر أي : أبْصَرَ، ثم اتُّسِعَ فيه فَعُدِّيَ بنفسِه لأنه في الأصلِ يَتَعدَّى ب " إلى "، ومنه :
ظاهراتُ الجَمالِ والحُسْنِ يَنْظُرْنَ كما يَنْظُرُ الأَراكَ الظباءُ
أي : إلى الأراك، وقيل : مِنْ نَظَر أي : تفكر ثم اتُّسِعَ فيه أيضاً فإنَّ أصلَه أَنْ يتعدَّى بفي، ولا بدَّ من حَذْفِ مضافٍ على هذا أي : انظُرْ في أمرنا وقرأ أُبيّ والأعمش :" أَنْظِرْنَا " بفتحِ الهمزةِ وكسرِ الظاءِ أمراً من الرباعي بمعنى : أَمْهِلْنا وأخِّرْنا، قال الشاعر :
أبا هندٍ فلا تَعْجَلْ عَلَيْناوأَنْظِرْنا نُخْبِّرْكَ اليَقينا
أي : أَمْهِلْ علينا، وهذا القراءةُ تؤيِّد أنَّ الأولَ من النَّظْرةِ بمعنى التأخير لا من البصرِ ولا من البصيرةِ، وهذه الآيةُ نَظيرُ التي في الحديد :: انظُرونا نقتبسْ " فإنها قُرِئَتْ بالوَجْهَيْنِ.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى