الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — الزمخشري
عن الكتاب
كان المسلمون يقولون لرسول الله ﷺ إذا ألقى عليهم شيئاً من العلم : راعنا يا رسول الله، أي راقبنا وانتظرنا وتأن بنا حتى نفهمه ونحفظه. وكانت لليهود كلمة يتسابون بها عبرانية أو سريانية وهي «راعينا » فلما سمعوا بقول المؤمنين : راعنا. افترصوه وخاطبوا به الرسول ﷺ وهم يعنون به تلك المسبة، فنهى المؤمنون عنها وأُمروا بما هو في معناها وهو ﴿انظرنا﴾ من نظره إذا انتظره. وقرأ أُبيّ :«انظرنا » من النظرة، أي أمهلنا حتى نحفظ وقرأ عبد الله بن مسعود :«راعونا »، على أنهم كانوا يخاطبونه بلفظ الجمع للتوقير : وقرأ الحسن :«راعناً »، بالتنوين من الرعن وهو الهوج، أي لا تقولوا قولاً راعنا منسوباً إلى الرعن رعينّاً، كدارع ولابن لأنه لما أشبه قولهم : راعينا، وكان سبباً في السب اتصف بالرعن ﴿واسمعوا﴾ وأحسنوا سماع ما يكلمكم به رسول الله ﷺ ويلقي عليكم من المسائل بآذان واعية وأذهان حاضرة، حتى لا تحتاجوا إلى الاستعانة وطلب المراعاة، أو اسمعوا سماع قبول وطاعة، ولا يكن سماعكم مثل سماع اليهود حيث قالوا : سمعنا وعصينا، أو واسمعوا ما أمرتم به بجدّ حتى لا ترجعوا إلى ما نهيتم عنه، تأكيداً عليهم ترك تلك الكلمة. وروي : أن سعد بن معاذ سمعها منهم فقال : يا أعداء الله، عليكم لعنة الله، والذي نفسي بيده لئن سمعتها من رجل منكم يقولها لرسول الله ﷺ لأضربن عنقه. فقالوا : أولستم تقولونها فنزلت. ﴿وللكافرين﴾ ولليهود الذين تهاونوا برسول الله ﷺ وسبوه ﴿عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ من الأولى للبيان لأنّ الذين كفروا جنس تحته نوعان : أهل الكتاب، والمشركون ؛ كقوله تعالى :﴿لَمْ يَكُنِ الذين كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ الكتاب والمشركين﴾ [البينة: ١] والثانية مزيدة لاستغراق الخير، والثالثة لابتداء الغاية.