فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير — الشوكاني

عن الكتاب
﴿أَمْ﴾ هذه هي المنقطعة التي بمعنى بل، أي : بل تريدون، وفي هذا توبيخ، وتقريع، والكاف في قوله :﴿كَمَا سُئِلَ﴾ في موضع نصب نعت لمصدر محذوف، أي : سؤالاً مثل ما سئل موسى من قبل، حيث سألوه أن يريهم الله جهرة، وسألوا محمداً ﷺ : أن يأتي بالله، والملائكة قبيلاً. وقوله :﴿سَوَآء﴾ هو الوسط من كل شيء قاله أبو عبيدة، ومنه قوله تعالى :﴿فِى سَوَاء الجحيم﴾ [الصافات: ٥٥] ومنه قول حسان يرثي النبيّ ﷺ :
يَا وَيْحَ أصْحابِ النَّبيّ وَرهْطِهبَعْد المُغَيَّبِ فِي سَوَاءِ المُلْحَدِ
وقال الفراء : السواء : القصد، أي : ذهب عن قصد الطريق، وسمته أي : طريق طاعة الله.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:وقد أخرج ابن إسحاق، وابن جرير، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس، أنه قال : قال رافع بن حُريَمْلة، ووهب بن زيد لرسول الله ﷺ : يا محمد ائتنا بكتاب يَنزَّل علينا من السماء نقرأه، أو فجِّر لنا أنهاراً نتَّبعك، ونصدقك، فأنزل الله في ذلك :﴿أَمْ تُرِيدُونَ أَن تَسْئَلُوا رَسُولَكُمْ﴾ الى قوله ﴿سَوَاء السبيل﴾ وكان حيي بن أخطب [ وأبو ياسر بن أخطب ] من أشدّ اليهود حسداً للعرب، إذ خصهم الله برسوله، وكانا جاهدين في ردّ الناس عن الإسلام ما استطاعا، فأنزل الله فيهما :﴿وَدَّ كَثِيرٌ منْ أَهْلِ الكتاب﴾ الآية.
وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن السدي ؛ قال : سألت العرب محمداً ﷺ أن يأتيهم بالله فيروه جهرةً، فنزلت هذه الآية. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن أبي العالية قال : قال رجل : لو كانت كفَّاراتنا كفَّارات بني إسرائيل، فقال النبي ﷺ :«ما أعطاكم الله خيرٌ، كانت بنو إسرائيل إذا أصاب أحدهم الخطيئة وجدها مكتوبة على بابه، وكفَّارتَها، فإن كفَّرها كانت له خزاياً في الدنيا، وإن لم يكفرها كانت له خزاياً في الآخرة. وقد أعطاكم الله خيراً من ذلك قال ﴿وَمَن يَعْمَلْ سُوءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ﴾ [النساء: ١٠] الآية، والصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة كفارات لما بينهن، فأنزل الله :﴿أَمْ تُرِيدُونَ أَن تَسْئَلُوا رَسُولَكُمْ﴾» الآية. وأخرج ابن جرير، وعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن مجاهد قال : سألت قريش محمداً ﷺ أن يجعل لهم الصفا ذهباً، فقال :«نعم، وهو : لكم كالمائدة لبني إسرائيل إن كفرتم» فأبوا ورجعوا، فأنزل الله :﴿أَمْ تُرِيدُونَ أَن تَسْئَلُوا رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ موسى مِن قَبْلُ﴾ أن يريهم الله جهرة. وأخرج ابن جرير، عن أبي العالية في قوله :﴿وَمَن يَتَبَدَّلِ الكفر بالإيمان﴾ قال : يتبدل الشدّة بالرخاء. وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي في قوله :﴿فَقَدْ ضَلَّ سَوَاء السبيل﴾ قال : عدل عن السبيل.
وأخرج أبو داود، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي في الدلائل عن كعب بن مالك، قال : كان اليهود والمشركون من أهل المدينة يؤذون رسول الله ﷺ، وأصحابه أشدّ الأذى، فأمر الله بالصبر على ذلك، والعفو عنهم، وأنزل الله :﴿وَدَّ كَثِيرٌ مّنْ أَهْلِ الكتاب﴾ وفي الصحيحين، وغيرهما عن أسامة بن زيد، قال : كان رسول الله ﷺ، وأصحابه يعفون عن المشركين، وأهل الكتاب كما أمرهم الله، ويصبرون على الأذى، قال الله تعالى :﴿وَلَتَسْمَعنَّ مِنَ الذين أُوتُوا الكتاب مِن قَبْلِكُمْ وَمِنَ الذين أَشْرَكُوا أَذىً كَثِيراً﴾ [آل عمران: ١٨٦] وقال :﴿وَدَّ كَثِيرٌ منْ أَهْلِ الكتاب لَوْ يَرُدُّونَكُم﴾ الآية، وكان رسول الله ﷺ يتأوّل في العفو ما أمره الله به حتى أذن الله فيهم بقتل، فقتل الله به من قتل من صناديد قريش. وأخرج ابن جرير، عن الربيع بن أنس في قوله :﴿منْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ﴾ قال : من قبل أنفسهم :﴿من بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الحق﴾ يقول : إن محمداً رسول الله. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، عن قتادة، نحوه وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، وابن مردويه، والبيهقي في الدلائل عن ابن عباس في قوله :﴿فاعفوا واصفحوا﴾ وقوله ﴿وَأَعْرِضْ عَنِ المشركين﴾ [الأنعام: ١٠٦] ونحو هذا في العفو عن المشركين قال : نسخ ذلك كله بقوله ﴿قاتلوا الذين لاَ يُؤْمِنُونَ بالله﴾ [التوبة: ٢٩] الآية، وقوله ﴿اقتلوا المشركين حَيْثُ وَجَدتمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥]. وأخرج ابن جرير، عن السدي نحوه. وأخرج ابن أبي حاتم، عن سعيد بن جبير في قوله :﴿وَمَا تُقَدّمُوا لأنْفُسِكُم منْ خَيْرٍ﴾ يعنى من الأعمال من الخير في الدنيا. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن أبي العالية في قوله :﴿تَجِدُوهُ عِندَ الله﴾ قال : تجدوا ثوابه.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى