تفسير القرآن الكريم — ابن عثيمين
عن الكتاب
)فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضاً وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ ) ( البقرة : ١٠ )
التفسير :
قوله تعالى :﴿في قلوبهم مرض﴾ : هذه الجملة جملة اسمية تدل على مكث وتمكنُّ هذا المرض في قلوبهم ؛ ولكنه مرض على وجه قليل أثّر بهم حتى بلغوا النفاق ؛ ومن أجل هذا المرض قال سبحانه وتعالى :﴿فزادهم الله مرضاً﴾ : الفاء هنا عاطفة ؛ ولكنها تفيد معنى السببية : زادهم الله مرضاً على مرضهم ؛ لأنهم. والعياذ بالله. يريدون الكفر ؛ وهذه الإرادة مرض أدى بهم إلى زيادة المرض ؛ لأن الإرادات التي في القلوب عبارة عن صلاح القلوب، أو فسادها ؛ فإذا كان القلب يريد خيراً فهو دليل على سلامته، وصحته ؛ وإذا كان يريد الشر فهو دليل على مرضه، وعلته..
وهؤلاء قلوبهم تريد الكفر ؛ لأنهم يقولون لشياطينهم إذا خلوا إليهم :﴿إنا معكم إنما نحن مستهزئون﴾ [البقرة: ١٤]، أي بهؤلاء المؤمنين السذج. على زعمهم. ويرون أن المؤمنين ليسوا بشيء، وأن العِلْية من القوم هم الكفار ؛ ولهذا جاء التعبير ب ﴿إنا معكم﴾ [البقرة: ١٤] الذي يفيد المصاحبة، والملازمة..
فهذا مرض زادهم الله به مرضاً إلى مرضهم حتى بلغوا إلى موت القلوب، وعدم إحساسها، وشعورها..
قوله تعالى في مجازاتهم :﴿ولهم عذاب﴾ أي عقوبة ؛ ﴿أليم﴾ أي مؤلم ؛ فهو شديد، وعظيم، وكثير ؛ لأن الأليم قد يكون مؤلماً لقوته، وشدته : فضربة واحدة بقوة تؤلم الإنسان ؛ وقد يكون مؤلماً لكثرته : فقد يكون ضرباً خفيفاً ؛ ولكن إذا كثر، وتوالى آلَم ؛ وقد اجتمع في هؤلاء المنافقين الأمران ؛ لأنهم في الدرك الأسفل من النار. وهذا ألم حسي. ؛ وقال تعالى في أهل النار :﴿كلما أرادوا أن يخرجوا منها أعيدوا فيها وقيل لهم ذوقوا عذاب النار الذي كنتم به تكذبون﴾ [السجدة: ٢٠]، وهذا ألم قلبي يحصل بتوبيخهم..
قوله تعالى :﴿بما كانوا يكذبون﴾ : الباء للسببية. أي بسبب كذبهم. ، أو تكذيبهم ؛ و " ما " مصدرية تؤول وما بعدها بمصدر ؛ فيكون التقدير : بكونهم كاذبين ؛ أو : بكونهم مكذبين ؛ لأن في الآية قراءتين ؛ الأولى : بفتح الياء، وسكون الكاف، وكسر الذال مخففة ؛ ومعناها : يَكْذِبون بقولهم : آمنا بالله، وباليوم الآخر. وما هم بمؤمنين. ؛ والقراءة الثانية : بضم الياء، وفتح الكاف، وكسر الذال مشددة ؛ ومعناها : يُكَذِّبون الله، ورسوله ؛ وقد اجتمع الوصفان في المنافقين ؛ فهم كاذبون مكذِّبون..
الفوائد :
. ١ من فوائد الآية : أن الإنسان إذا لم يكن له إقبال على الحق، وكان قلبه مريضاً فإنه يعاقب بزيادة المرض ؛ لقوله تعالى :﴿في قلوبهم مرض فزادهم الله مرضاً﴾ ؛ وهذا المرض الذي في قلوب المنافقين : شبهات، وشهوات ؛ فمنهم من علم الحق، لكن لم يُرِده ؛ ومنهم من اشتبه عليه ؛ وقد قال الله تعالى في سورة النساء :﴿إن الذين آمنوا ثم كفروا ثم آمنوا ثم كفروا ثم ازدادوا كفراً لم يكن الله ليغفر لهم ولا ليهديهم سبيلًا﴾ [النساء: ١٣٧]، وقال تعالى في سورة المنافقين :﴿ذلك بأنهم آمنوا ثم كفروا فطبع على قلوبهم فهم لا يفقهون﴾ [المنافقون: ٣]..
. ٢ ومن فوائد الآية : أن أسباب إضلال اللَّهِ العبدَ هو من العبد ؛ لقوله تعالى :﴿في قلوبهم مرض فزادهم الله مرضاً﴾ ؛ ومثل ذلك قوله تعالى :﴿فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم﴾ [الصف: ٥]، وقوله تعالى :﴿ونقلب أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا به أول مرة﴾ [الأنعام: ١١٠]، وقوله تعالى :﴿فإن تولوا فاعلم أنما يريد الله أن يصيبهم ببعض ذنوبهم﴾ [المائدة: ٤٩]..
. ٣ ومنها : أن المعاصي والفسوق، تزيد وتنقص، كما أن الإيمان يزيد وينقص ؛ لقوله تعالى :﴿فزادهم الله مرضاً﴾ ؛ والزيادة لا تُعقل إلا في مقابلة النقص ؛ فكما أن الإيمان يزيد وينقص، كذلك الفسق يزيد، وينقص ؛ والمرض يزيد، وينقص..
. ٤ ومنها : الوعيد الشديد للمنافقين ؛ لقوله تعالى :( ولهم عذاب أليم )
. ٥ ومنها : أن العقوبات لا تكون إلا بأسباب. أي أن الله لا يعذب أحداً إلا بذنب. ؛ لقوله تعالى :
( بما كانوا يكذبون )
. ٦ ومنها : أن هؤلاء المنافقين جمعوا بين الكذب، والتكذيب ؛ وهذا شر الأحوال..
. ٧ ومنها : ذم الكذب، وأنه سبب للعقوبة ؛ فإن الكذب من أقبح الخصال ؛ وقد بين رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الكذب من خصال المنافقين، فقال صلى الله عليه وسلم " آية المنافق ثلاث : إذا حدَّث كذب... " (١) الحديث ؛ والكذب مذموم شرعاً، ومذموم عادة، ومذموم فطرة أيضاً..
مسألة :-
إن قيل : كيف يكون خداعهم لله وهو يعلم ما في قلوبهم ؟
فالجواب : أنهم إذا أظهروا إسلامهم فكأنما خادعوا الله ؛ لأنهم حينئذ تُجرى عليهم أحكام الإسلام، فيلوذون بحكم الله. تبارك وتعالى. حيث عصموا دماءهم وأموالهم بذلك..
التفسير :
قوله تعالى :﴿في قلوبهم مرض﴾ : هذه الجملة جملة اسمية تدل على مكث وتمكنُّ هذا المرض في قلوبهم ؛ ولكنه مرض على وجه قليل أثّر بهم حتى بلغوا النفاق ؛ ومن أجل هذا المرض قال سبحانه وتعالى :﴿فزادهم الله مرضاً﴾ : الفاء هنا عاطفة ؛ ولكنها تفيد معنى السببية : زادهم الله مرضاً على مرضهم ؛ لأنهم. والعياذ بالله. يريدون الكفر ؛ وهذه الإرادة مرض أدى بهم إلى زيادة المرض ؛ لأن الإرادات التي في القلوب عبارة عن صلاح القلوب، أو فسادها ؛ فإذا كان القلب يريد خيراً فهو دليل على سلامته، وصحته ؛ وإذا كان يريد الشر فهو دليل على مرضه، وعلته..
وهؤلاء قلوبهم تريد الكفر ؛ لأنهم يقولون لشياطينهم إذا خلوا إليهم :﴿إنا معكم إنما نحن مستهزئون﴾ [البقرة: ١٤]، أي بهؤلاء المؤمنين السذج. على زعمهم. ويرون أن المؤمنين ليسوا بشيء، وأن العِلْية من القوم هم الكفار ؛ ولهذا جاء التعبير ب ﴿إنا معكم﴾ [البقرة: ١٤] الذي يفيد المصاحبة، والملازمة..
فهذا مرض زادهم الله به مرضاً إلى مرضهم حتى بلغوا إلى موت القلوب، وعدم إحساسها، وشعورها..
قوله تعالى في مجازاتهم :﴿ولهم عذاب﴾ أي عقوبة ؛ ﴿أليم﴾ أي مؤلم ؛ فهو شديد، وعظيم، وكثير ؛ لأن الأليم قد يكون مؤلماً لقوته، وشدته : فضربة واحدة بقوة تؤلم الإنسان ؛ وقد يكون مؤلماً لكثرته : فقد يكون ضرباً خفيفاً ؛ ولكن إذا كثر، وتوالى آلَم ؛ وقد اجتمع في هؤلاء المنافقين الأمران ؛ لأنهم في الدرك الأسفل من النار. وهذا ألم حسي. ؛ وقال تعالى في أهل النار :﴿كلما أرادوا أن يخرجوا منها أعيدوا فيها وقيل لهم ذوقوا عذاب النار الذي كنتم به تكذبون﴾ [السجدة: ٢٠]، وهذا ألم قلبي يحصل بتوبيخهم..
قوله تعالى :﴿بما كانوا يكذبون﴾ : الباء للسببية. أي بسبب كذبهم. ، أو تكذيبهم ؛ و " ما " مصدرية تؤول وما بعدها بمصدر ؛ فيكون التقدير : بكونهم كاذبين ؛ أو : بكونهم مكذبين ؛ لأن في الآية قراءتين ؛ الأولى : بفتح الياء، وسكون الكاف، وكسر الذال مخففة ؛ ومعناها : يَكْذِبون بقولهم : آمنا بالله، وباليوم الآخر. وما هم بمؤمنين. ؛ والقراءة الثانية : بضم الياء، وفتح الكاف، وكسر الذال مشددة ؛ ومعناها : يُكَذِّبون الله، ورسوله ؛ وقد اجتمع الوصفان في المنافقين ؛ فهم كاذبون مكذِّبون..
الفوائد :
. ١ من فوائد الآية : أن الإنسان إذا لم يكن له إقبال على الحق، وكان قلبه مريضاً فإنه يعاقب بزيادة المرض ؛ لقوله تعالى :﴿في قلوبهم مرض فزادهم الله مرضاً﴾ ؛ وهذا المرض الذي في قلوب المنافقين : شبهات، وشهوات ؛ فمنهم من علم الحق، لكن لم يُرِده ؛ ومنهم من اشتبه عليه ؛ وقد قال الله تعالى في سورة النساء :﴿إن الذين آمنوا ثم كفروا ثم آمنوا ثم كفروا ثم ازدادوا كفراً لم يكن الله ليغفر لهم ولا ليهديهم سبيلًا﴾ [النساء: ١٣٧]، وقال تعالى في سورة المنافقين :﴿ذلك بأنهم آمنوا ثم كفروا فطبع على قلوبهم فهم لا يفقهون﴾ [المنافقون: ٣]..
. ٢ ومن فوائد الآية : أن أسباب إضلال اللَّهِ العبدَ هو من العبد ؛ لقوله تعالى :﴿في قلوبهم مرض فزادهم الله مرضاً﴾ ؛ ومثل ذلك قوله تعالى :﴿فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم﴾ [الصف: ٥]، وقوله تعالى :﴿ونقلب أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا به أول مرة﴾ [الأنعام: ١١٠]، وقوله تعالى :﴿فإن تولوا فاعلم أنما يريد الله أن يصيبهم ببعض ذنوبهم﴾ [المائدة: ٤٩]..
. ٣ ومنها : أن المعاصي والفسوق، تزيد وتنقص، كما أن الإيمان يزيد وينقص ؛ لقوله تعالى :﴿فزادهم الله مرضاً﴾ ؛ والزيادة لا تُعقل إلا في مقابلة النقص ؛ فكما أن الإيمان يزيد وينقص، كذلك الفسق يزيد، وينقص ؛ والمرض يزيد، وينقص..
. ٤ ومنها : الوعيد الشديد للمنافقين ؛ لقوله تعالى :( ولهم عذاب أليم )
. ٥ ومنها : أن العقوبات لا تكون إلا بأسباب. أي أن الله لا يعذب أحداً إلا بذنب. ؛ لقوله تعالى :
( بما كانوا يكذبون )
. ٦ ومنها : أن هؤلاء المنافقين جمعوا بين الكذب، والتكذيب ؛ وهذا شر الأحوال..
. ٧ ومنها : ذم الكذب، وأنه سبب للعقوبة ؛ فإن الكذب من أقبح الخصال ؛ وقد بين رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الكذب من خصال المنافقين، فقال صلى الله عليه وسلم " آية المنافق ثلاث : إذا حدَّث كذب... " (١) الحديث ؛ والكذب مذموم شرعاً، ومذموم عادة، ومذموم فطرة أيضاً..
مسألة :-
إن قيل : كيف يكون خداعهم لله وهو يعلم ما في قلوبهم ؟
فالجواب : أنهم إذا أظهروا إسلامهم فكأنما خادعوا الله ؛ لأنهم حينئذ تُجرى عليهم أحكام الإسلام، فيلوذون بحكم الله. تبارك وتعالى. حيث عصموا دماءهم وأموالهم بذلك..
١ أخرجه البخاري ص٥، كتاب الإيمان، باب ٢٤: علامات المنافق، حديث رقم ٣٣؛ وأخرجه مسلم ص٦٩٠، كتاب الإيمان، باب ٢٥: خصال المنافق، حديث رقم ٢١١ [١٠٧] ٥٩..