البحر المحيط في التفسير — أبو حيان الأندلسي
عن الكتاب
﴿في قلوبهم مرض فزادهم الله مرضاً ولهم عذاب أليم بما كانوا يكذبون﴾، المرض : مصدر مرض، ويطلق في اللغة على الضعف والفتور، ومنه قيل : فلان يمرض الحديث أي يفسده ويضعفه.
وقال ابن عرفة : المرض في القلب : الفتور عن الحق، وفي البدن : فتور الأعضاء، وفي العين : فتور النظر، ويطلق ويراد به الظلمة، قال :
وقيل : المرض : الفساد، وقال أهل اللغة : المرض والألم والوجع نظائر.
الزيادة : قبلها يتعدى إلى اثنين من باب أعطى وكسى، وقد تستعمل لازماً نحو : زاد المال.
أليم : فعيل من الألم بمعنى مفعل، كالسميع بمعنى المسمع، أو للمبالغة وأصله ألم.
كان : فعل يدخل على المبتدأ والخبر بالشروط التي ذكرت في النحو، فيدل على زمان مضمون الجملة فقط، أو عليه وعلى الصيرورة، وتسمى ناقصة وتكتفي بمرفوع فتارة تكون فعلاً لازماً وتارة متعدياً، بمعنى كفل أو غزل : كنت الصبي كفلت، وكنت الصوف غزلته، وهذا من غريب اللغات، وقد تزاد ولا فاعل لها إذ ذاك خلافاً لأبي سعيد، وأحكامها مستوفاة في النحو.
التكذيب : مصدر كذب، والتضعيف فيه للرمي به كقولك : شجعته وجبنته، أي رميته بالشجاعة والجبن، وهي أحد المعاني التي جاءت لها فعل وهي أربعة عشرة : الرمي، والتعدية، والتكثير، والجعل على صفة، والتسمية، والدعاء للشيء أو عليه، والقيام على الشيء، والإزالة، والتوجه، واختصار الحكاية، وموافقة تفعل وفعل، والإغناء عنهما، مثل ذلك : جبنته، وفرحته، وكثرته، وفطرته، وفسقته، وسقيته، وعقرته، ومرضته، وقذيت عينه، وشوق، وأمن، قال : آمين، وولى : موافق تولى، وقدر : موافق قدر، وحمر : تكلم بلغة حمير، وعرد في القتال.
وأما الكذب فسيأتي الكلام عليه.
والقراء على فتح راء مرض في الموضعين إلا الأصمعي، عن أبي عمرو، فإنه قرأ بالسكون فيهما، وهما لغتان كالحلب والحلب، والقياس الفتح، ولهذا قرأ به الجمهور، ويحتمل أن يراد بالمرض الحقيقة، وأن المرض الذي هو الفساد أو الظلمة أو الضعف أو الألم كائن في قلوبهم حقيقة، وسبب إيجاده في قلوبهم هو ظهور الرسول ﷺ وأتباعه، وفشو الإسلام ونصر أهله.
ويحتمل أن يراد به المجاز، فيكون قد كنى به عما حل القلب من الشك، قاله ابن عباس، أو عن الحسد والغل، كما كان عبد الله بن أبي بن سلول، أو عن الضعف والخور لما رأوا من نصر دين الله وإظهاره على سائر الأديان، وحمله على المجاز أولى لأن قلوبهم لو كان فيها مرض لكانت أجسامهم مريضة بمرضها، أو كان الحمام عاجلهم، قال : بعض المفسرين يشهد لهذا الحديث النبوي والقانون الطبي، أما الحديث، فقوله ﷺ :« إن في جسد ابن آدم لمضغة إذا صلحت صلح الجسد جميعه، وإذا فسدت فسد الجسد جميعه، ألا وهي القلب »
وأما القانون الطبي، فإن الحكماء وصفو القلب على ما اقتضاه علم التشريح، ثم قالوا : إذا حصلت فيه مادة غليظة، فإن تملكت منه ومن غلافه أو من أحدهما فلا يبقى مع ذلك حياة وعاجلت المنية صاحبه، وربما تأخرت تأخيراً يسيراً، وإن لم تتمكن منه المادة المنصبة إليه ولا من غلافه، أخرت الحياة مدة يسيرة ؟ وقالوا : لا سبيل إلى بقاء الحياة مع مرض القلب، وعلى هذا الذي تقرر لا تكون قلوبهم مريضة حقيقة.
وقد تلخص في القرآن من المعاني السببية التي تحصل في القلب سبعة وعشرون مرضاً، وهي : الرين، والزيغ، والطبع، والصرف، والضيق، والحرج، والختم، والإقفال، والإشراب، والرعب، والقساوة، والإصرار، وعدم التطهير، والنفور، والاشمئزاز، والإنكار، والشكوك، والعمى، والإبعاد بصيغة اللعن، والتأبى، والحمية، والبغضاء، والغفلة، والغمزة، واللهو، والارتياب، والنفاق.
وظاهر آيات القرآن تدل على أن هذه الأمراض معان تحصل في القلب فتغلب عليه، وللقلب أمراض غير هذه من الغل والحقد والحسد، ذكرها الله تعالى مضافة إلى جملة الكفار.
والزيادة تجاوز المقدار المعلوم، وعلم الله محيط بما أضمروه ومن سوء الاعتقاد والبغض والمخادعة، فهو معلوم عنده، كما قال تعالى :﴿وكل شيء عنده بمقدار﴾ وفي كل وقت يقذف في قلوبهم من ذلك القدر المعلوم شيئاً معلوم المقدار عنده، ثم يقذف بعد ذلك شيئاً آخر، فيصير الثاني زيادة على الأول، إذ لو لم يكن الأول معلوم المقدار لما تحققت الزيادة، وعلى هذا المعنى يحمل :﴿فزادتهم رجساً إلى رجسهم﴾ وزيادة المرض إما من حيث أن ظلمات كفرهم تحل في قلوبهم شيئاً فشيئاً، وإلى هذا أشار بقوله تعالى :﴿ظلمات بعضها فوق بعض﴾ أو من حيث أن المرض حصل في قلوبهم بطريق الحسد أو الهم، بما يجدد الله سبحانه لدينه من علو الكلمة ولرسوله وللمؤمنين من النصر ونفاذ الأمر، أو لما يحصل في قلوبهم من الرعب، وإسناد الزيادة إلى الله تعالى إسناد حقيقي بخلاف الإسناد في قوله تعالى :
﴿فزادتهم رجساً إلى رجسهم﴾ ﴿أيكم زادته هذه إيماناً﴾
وقالت المعتزلة : لا يجوز أن تكون زيادة المرض من جنس المزيد عليه، إذ المزيد عليه هو الكفر، فتأولوا ذلك على أن يحمل المرض على الغم لأنهم كانوا يغتمون بعلو أمر رسول الله ﷺ، أو على منع زيادة الألطاف، أو على ألم القلب، أو على فتور النية في المحاربة لأنهم كانت أولاً قلوبهم قوية على ذلك، أو على أن كفرهم كان يزداد بسبب ازدياد التكليف من الله تعالى.
وهذه التأويلات كلها إنما تكون إذا كان قوله :﴿فزادهم الله مرضاً﴾ خبراً، وأما إذا كان دعاء فلا، بل يحتمل أن يكون الدعاء حقيقة فيكون دعاء بوقوع زيادة المرض، أو مجازاً فلا تقصد به الإجابة لكون المدعو به واقعاً، بل المراد به السب واللعن والنقص، كقوله تعالى :﴿قاتلهم الله أنى يؤفكون﴾ ﴿ثم انصرفوا صرف الله قلوبهم بأنهم قوم لا يفقهون﴾ وكقوله : لعن الله إبليس وأخزاه، ومعلوم أن ذلك قد وقع، وأنه قد باء بخزي ولعن لا مزيد عليه لأنه لا انتهاء له، وتنكير مرض من قوله :﴿في قلوبهم مرض﴾ لا يدل على أن جميع أجناس المرض في قلوبهم، كما زعم بعض المفسرين، لأن دلالة النكرة على ما وضعت له إنما هي دلالة على طريقة البدل، لأنها دلالة تنتظم كل فرد فرد على جهة العموم، ولم يحتج إلى جمع مرض لأن تعداد المحال يدل على تعداد الحال عقلاً، فاكتفى بالمفرد عن الجمع، وتعدية الزيادة إليهم لا إلى القلوب، إذ قال تعالى :﴿فزادهم﴾، ولم يقل : فزادها، يحتمل وجهين : أحدهما : أن يكون على حذف مضاف، أي فزاد الله قلوبهم مرضاً، والثاني : أنه زاد ذواتهم مرضاً لأن مرض القلب مرض لسائر الجسد، فصح نسبة الزيادة إلى الذوات، ويكون ذلك تنبيهاً على أن في ذواتهم مرضاً، وإنما أضاف ذلك إلى قلوبهم لأنها محل الإدراك والعقل.
وأمال حمزة فزادهم في عشرة أفعال ألفها منقلبة عن ياء إلا فعلاً واحداً ألفه منقلبة عن واو ووزنه فعل بفتح العين، إلا ذلك الفعل فإن وزنه فعل بكسر العين، وقد جمعتها في بيتين في قصيدتي المسماة، بعقد اللآلي في القراءآت السبع العوالي، وهما :
يعني أنه قد استثنى حمزة، ﴿وإذ زاغت الأبصار﴾ في سورة الأحزاب، ﴿وإذ زاغت عنهم الأبصار﴾ في سورة ص، فلم يملها.
ووافق ابن ذكوان حمزة على إمالة جاء وشاء في جميع القرآن، وعلى زاد في أول البقرة، وعنه خلاف في زاد هذه في سائر القرآن، وبالوجهين قرأته له، والإمالة لتميم، والتفخيم للحجاز.
وأليم : تقدم تفسيره.
فإذا قلنا إنه للمبالغة فيكون محوّلاً من فعل لها ونسبته إلى العذاب مجاز، لأن العذاب لا يألم، إنما يألم صاحبه، فصار نظير قولهم : شعر شاعر، والشعر لا يشعر إنما الشاعر ناظمه.
وإذا قلنا إنه بمعنى : مؤلم، كما قال عمرو بن معدي كرب :
أمن ريحانة الداعي السميع***
أي المسمع، وفعيل : بمعنى مفعل مجاز، لأن قياس أفعل مفعل، فالأول مجاز في التركيب، وهذا مجاز في الإفراد.
وقد حصل للمنافقين مجموع العذابين : العذاب العظيم المذكور في الآية، قيل لانخراطهم معهم ولانتظامهم فيهم.
ألا ترى أن الله تعالى في تلك الآية قد أخبر أنهم لا يؤمنون في قوله : لا يؤمنون، وأخبر بذلك في هذه الآية بقوله : وما هم بمؤمنين ؟ والعذاب الأليم، فصار المنافقون أشد عذاباً من غيرهم من الكفار، بالنص على حصول العذابين المذكورين لهم، ولذلك قال تعالى :﴿إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار﴾ ثم ذكر تعالى أن كينونة العذاب الأليم لهؤلاء سببها كذبهم وتكذيبهم وما منسوية أي بكونهم يكذبون، ولا ضمير يعود عليها لأنها حرف، خلافاً لأبي الحسن.
ومن زعم أن كان الناقصة لا مصدر لها، فمذهبه مردود، وهو مذهب أبي علي الفارسي.
وقد كثر في كتاب سيبويه المجيء بمصدر كان الناقصة، والأصح أنه لا يلفظ به معها، فلا يقال : كان زيد قائماً كوناً، ومن أجاز أن تكون ما موصولة بمعنى الذي، فالعائد عنده محذوف تقديره يكذبونه أو يكذبونه.
وزعم أبو البقاء أن كون ما موصولة أظهر، قال : لأن الهاء المقدرة عائدة إلى الذي دون المصدر، ولا يلزم أن يكون، ثم هاء مقدرة، بل من قرأ : يكذبون، بالتخفيف، وهم الكوفيون، فالفعل غير متعد، ومن قرأ بالتشديد، وهم الحرميان، والعربيان، فالمفعول محذوف لفهم المعنى تقديره فكونهم يكذبون الله في أخباره والرسول فيما جاء به، ويحتمل أن يكون المشدد في معنى المخفف على جهة المبالغة، كما قالوا في : صدق صدق، وفي : بان الشيء بين، وفي : قلص الثوب قلص.
والكذب له محامل في لسان العرب : أحدها : الإخبار بالشيء على خلاف ما هو عليه، وعمرو بن بحر يزيد في ذلك أن يكون المخبر عالماً بالمخالفة، وهي مسألة تكلموا عليها في أصول الفقه.
الثاني : الإخبار بالذي يشبه الكذب ولا يقصد به إلا الحق، قالوا : ومنه ما ورد في الحديث عن إبراهيم صلوات الله عليه وعلى نبينا.
الثالث : الخطأ، كقول عبادة فيمن زعم : أن الوتر واجب، كذب أبو محمد أي أخطأ.
الرابع : البطول، كقولهم : كذب الرجل، أي بطل عليه أمله وما رجا وقدر.
الخامس : الإغراء بلزوم المخاطب الشيء المذكور، كقولهم : كذب عليك العسل، أي أكل العسل، والمغرى به مرفوع بكذب، وقالوا : لا يجوز نصبه إلا في حرف شاذ، ورواه القاسم بن سلام عن معمر بن المثنى، والمؤثم هو الأول.
وقد اختلف الناس في الكذب فقال قوم : الكذب كله قبيح لا خير فيه، وقالوا : سئل مالك عن الرجل يكذب لزوجته ولابنه تطييباً للقلب فقال : لا خير فيه.
وقال قوم : الكذب محرم ومباح، فالمحرم الإخبار بالشيء على خلاف ما هو عليه إذا لم يكن في مراعاته مصلحة شرعية، والمباح ما كان فيه ذلك، كالكذب لإصلاح ذات البين.
وذكر المفسرون في سبب نزول هذه الآيات خلافاً، قال قوم : نزلت في منافقي أهل الكتاب، كعبد الله بن أبي بن سلول، ومعتب بن قشير، والجد بن قيس، ح
وقال ابن عرفة : المرض في القلب : الفتور عن الحق، وفي البدن : فتور الأعضاء، وفي العين : فتور النظر، ويطلق ويراد به الظلمة، قال :
| في ليلة مرضت من كل ناحية | فما يحس به نجم ولا قمر |
الزيادة : قبلها يتعدى إلى اثنين من باب أعطى وكسى، وقد تستعمل لازماً نحو : زاد المال.
أليم : فعيل من الألم بمعنى مفعل، كالسميع بمعنى المسمع، أو للمبالغة وأصله ألم.
كان : فعل يدخل على المبتدأ والخبر بالشروط التي ذكرت في النحو، فيدل على زمان مضمون الجملة فقط، أو عليه وعلى الصيرورة، وتسمى ناقصة وتكتفي بمرفوع فتارة تكون فعلاً لازماً وتارة متعدياً، بمعنى كفل أو غزل : كنت الصبي كفلت، وكنت الصوف غزلته، وهذا من غريب اللغات، وقد تزاد ولا فاعل لها إذ ذاك خلافاً لأبي سعيد، وأحكامها مستوفاة في النحو.
التكذيب : مصدر كذب، والتضعيف فيه للرمي به كقولك : شجعته وجبنته، أي رميته بالشجاعة والجبن، وهي أحد المعاني التي جاءت لها فعل وهي أربعة عشرة : الرمي، والتعدية، والتكثير، والجعل على صفة، والتسمية، والدعاء للشيء أو عليه، والقيام على الشيء، والإزالة، والتوجه، واختصار الحكاية، وموافقة تفعل وفعل، والإغناء عنهما، مثل ذلك : جبنته، وفرحته، وكثرته، وفطرته، وفسقته، وسقيته، وعقرته، ومرضته، وقذيت عينه، وشوق، وأمن، قال : آمين، وولى : موافق تولى، وقدر : موافق قدر، وحمر : تكلم بلغة حمير، وعرد في القتال.
وأما الكذب فسيأتي الكلام عليه.
والقراء على فتح راء مرض في الموضعين إلا الأصمعي، عن أبي عمرو، فإنه قرأ بالسكون فيهما، وهما لغتان كالحلب والحلب، والقياس الفتح، ولهذا قرأ به الجمهور، ويحتمل أن يراد بالمرض الحقيقة، وأن المرض الذي هو الفساد أو الظلمة أو الضعف أو الألم كائن في قلوبهم حقيقة، وسبب إيجاده في قلوبهم هو ظهور الرسول ﷺ وأتباعه، وفشو الإسلام ونصر أهله.
ويحتمل أن يراد به المجاز، فيكون قد كنى به عما حل القلب من الشك، قاله ابن عباس، أو عن الحسد والغل، كما كان عبد الله بن أبي بن سلول، أو عن الضعف والخور لما رأوا من نصر دين الله وإظهاره على سائر الأديان، وحمله على المجاز أولى لأن قلوبهم لو كان فيها مرض لكانت أجسامهم مريضة بمرضها، أو كان الحمام عاجلهم، قال : بعض المفسرين يشهد لهذا الحديث النبوي والقانون الطبي، أما الحديث، فقوله ﷺ :« إن في جسد ابن آدم لمضغة إذا صلحت صلح الجسد جميعه، وإذا فسدت فسد الجسد جميعه، ألا وهي القلب »
وأما القانون الطبي، فإن الحكماء وصفو القلب على ما اقتضاه علم التشريح، ثم قالوا : إذا حصلت فيه مادة غليظة، فإن تملكت منه ومن غلافه أو من أحدهما فلا يبقى مع ذلك حياة وعاجلت المنية صاحبه، وربما تأخرت تأخيراً يسيراً، وإن لم تتمكن منه المادة المنصبة إليه ولا من غلافه، أخرت الحياة مدة يسيرة ؟ وقالوا : لا سبيل إلى بقاء الحياة مع مرض القلب، وعلى هذا الذي تقرر لا تكون قلوبهم مريضة حقيقة.
وقد تلخص في القرآن من المعاني السببية التي تحصل في القلب سبعة وعشرون مرضاً، وهي : الرين، والزيغ، والطبع، والصرف، والضيق، والحرج، والختم، والإقفال، والإشراب، والرعب، والقساوة، والإصرار، وعدم التطهير، والنفور، والاشمئزاز، والإنكار، والشكوك، والعمى، والإبعاد بصيغة اللعن، والتأبى، والحمية، والبغضاء، والغفلة، والغمزة، واللهو، والارتياب، والنفاق.
وظاهر آيات القرآن تدل على أن هذه الأمراض معان تحصل في القلب فتغلب عليه، وللقلب أمراض غير هذه من الغل والحقد والحسد، ذكرها الله تعالى مضافة إلى جملة الكفار.
والزيادة تجاوز المقدار المعلوم، وعلم الله محيط بما أضمروه ومن سوء الاعتقاد والبغض والمخادعة، فهو معلوم عنده، كما قال تعالى :﴿وكل شيء عنده بمقدار﴾ وفي كل وقت يقذف في قلوبهم من ذلك القدر المعلوم شيئاً معلوم المقدار عنده، ثم يقذف بعد ذلك شيئاً آخر، فيصير الثاني زيادة على الأول، إذ لو لم يكن الأول معلوم المقدار لما تحققت الزيادة، وعلى هذا المعنى يحمل :﴿فزادتهم رجساً إلى رجسهم﴾ وزيادة المرض إما من حيث أن ظلمات كفرهم تحل في قلوبهم شيئاً فشيئاً، وإلى هذا أشار بقوله تعالى :﴿ظلمات بعضها فوق بعض﴾ أو من حيث أن المرض حصل في قلوبهم بطريق الحسد أو الهم، بما يجدد الله سبحانه لدينه من علو الكلمة ولرسوله وللمؤمنين من النصر ونفاذ الأمر، أو لما يحصل في قلوبهم من الرعب، وإسناد الزيادة إلى الله تعالى إسناد حقيقي بخلاف الإسناد في قوله تعالى :
﴿فزادتهم رجساً إلى رجسهم﴾ ﴿أيكم زادته هذه إيماناً﴾
وقالت المعتزلة : لا يجوز أن تكون زيادة المرض من جنس المزيد عليه، إذ المزيد عليه هو الكفر، فتأولوا ذلك على أن يحمل المرض على الغم لأنهم كانوا يغتمون بعلو أمر رسول الله ﷺ، أو على منع زيادة الألطاف، أو على ألم القلب، أو على فتور النية في المحاربة لأنهم كانت أولاً قلوبهم قوية على ذلك، أو على أن كفرهم كان يزداد بسبب ازدياد التكليف من الله تعالى.
وهذه التأويلات كلها إنما تكون إذا كان قوله :﴿فزادهم الله مرضاً﴾ خبراً، وأما إذا كان دعاء فلا، بل يحتمل أن يكون الدعاء حقيقة فيكون دعاء بوقوع زيادة المرض، أو مجازاً فلا تقصد به الإجابة لكون المدعو به واقعاً، بل المراد به السب واللعن والنقص، كقوله تعالى :﴿قاتلهم الله أنى يؤفكون﴾ ﴿ثم انصرفوا صرف الله قلوبهم بأنهم قوم لا يفقهون﴾ وكقوله : لعن الله إبليس وأخزاه، ومعلوم أن ذلك قد وقع، وأنه قد باء بخزي ولعن لا مزيد عليه لأنه لا انتهاء له، وتنكير مرض من قوله :﴿في قلوبهم مرض﴾ لا يدل على أن جميع أجناس المرض في قلوبهم، كما زعم بعض المفسرين، لأن دلالة النكرة على ما وضعت له إنما هي دلالة على طريقة البدل، لأنها دلالة تنتظم كل فرد فرد على جهة العموم، ولم يحتج إلى جمع مرض لأن تعداد المحال يدل على تعداد الحال عقلاً، فاكتفى بالمفرد عن الجمع، وتعدية الزيادة إليهم لا إلى القلوب، إذ قال تعالى :﴿فزادهم﴾، ولم يقل : فزادها، يحتمل وجهين : أحدهما : أن يكون على حذف مضاف، أي فزاد الله قلوبهم مرضاً، والثاني : أنه زاد ذواتهم مرضاً لأن مرض القلب مرض لسائر الجسد، فصح نسبة الزيادة إلى الذوات، ويكون ذلك تنبيهاً على أن في ذواتهم مرضاً، وإنما أضاف ذلك إلى قلوبهم لأنها محل الإدراك والعقل.
وأمال حمزة فزادهم في عشرة أفعال ألفها منقلبة عن ياء إلا فعلاً واحداً ألفه منقلبة عن واو ووزنه فعل بفتح العين، إلا ذلك الفعل فإن وزنه فعل بكسر العين، وقد جمعتها في بيتين في قصيدتي المسماة، بعقد اللآلي في القراءآت السبع العوالي، وهما :
| وعشرة أفعال تمال لحمزة | فجاء وشاء ضاق ران وكملا |
| بزاد وخاب طاب خاف معاً | وحاق زاغ سوى الأحزاب مع صادها فلا |
ووافق ابن ذكوان حمزة على إمالة جاء وشاء في جميع القرآن، وعلى زاد في أول البقرة، وعنه خلاف في زاد هذه في سائر القرآن، وبالوجهين قرأته له، والإمالة لتميم، والتفخيم للحجاز.
وأليم : تقدم تفسيره.
فإذا قلنا إنه للمبالغة فيكون محوّلاً من فعل لها ونسبته إلى العذاب مجاز، لأن العذاب لا يألم، إنما يألم صاحبه، فصار نظير قولهم : شعر شاعر، والشعر لا يشعر إنما الشاعر ناظمه.
وإذا قلنا إنه بمعنى : مؤلم، كما قال عمرو بن معدي كرب :
أمن ريحانة الداعي السميع***
أي المسمع، وفعيل : بمعنى مفعل مجاز، لأن قياس أفعل مفعل، فالأول مجاز في التركيب، وهذا مجاز في الإفراد.
وقد حصل للمنافقين مجموع العذابين : العذاب العظيم المذكور في الآية، قيل لانخراطهم معهم ولانتظامهم فيهم.
ألا ترى أن الله تعالى في تلك الآية قد أخبر أنهم لا يؤمنون في قوله : لا يؤمنون، وأخبر بذلك في هذه الآية بقوله : وما هم بمؤمنين ؟ والعذاب الأليم، فصار المنافقون أشد عذاباً من غيرهم من الكفار، بالنص على حصول العذابين المذكورين لهم، ولذلك قال تعالى :﴿إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار﴾ ثم ذكر تعالى أن كينونة العذاب الأليم لهؤلاء سببها كذبهم وتكذيبهم وما منسوية أي بكونهم يكذبون، ولا ضمير يعود عليها لأنها حرف، خلافاً لأبي الحسن.
ومن زعم أن كان الناقصة لا مصدر لها، فمذهبه مردود، وهو مذهب أبي علي الفارسي.
وقد كثر في كتاب سيبويه المجيء بمصدر كان الناقصة، والأصح أنه لا يلفظ به معها، فلا يقال : كان زيد قائماً كوناً، ومن أجاز أن تكون ما موصولة بمعنى الذي، فالعائد عنده محذوف تقديره يكذبونه أو يكذبونه.
وزعم أبو البقاء أن كون ما موصولة أظهر، قال : لأن الهاء المقدرة عائدة إلى الذي دون المصدر، ولا يلزم أن يكون، ثم هاء مقدرة، بل من قرأ : يكذبون، بالتخفيف، وهم الكوفيون، فالفعل غير متعد، ومن قرأ بالتشديد، وهم الحرميان، والعربيان، فالمفعول محذوف لفهم المعنى تقديره فكونهم يكذبون الله في أخباره والرسول فيما جاء به، ويحتمل أن يكون المشدد في معنى المخفف على جهة المبالغة، كما قالوا في : صدق صدق، وفي : بان الشيء بين، وفي : قلص الثوب قلص.
والكذب له محامل في لسان العرب : أحدها : الإخبار بالشيء على خلاف ما هو عليه، وعمرو بن بحر يزيد في ذلك أن يكون المخبر عالماً بالمخالفة، وهي مسألة تكلموا عليها في أصول الفقه.
الثاني : الإخبار بالذي يشبه الكذب ولا يقصد به إلا الحق، قالوا : ومنه ما ورد في الحديث عن إبراهيم صلوات الله عليه وعلى نبينا.
الثالث : الخطأ، كقول عبادة فيمن زعم : أن الوتر واجب، كذب أبو محمد أي أخطأ.
الرابع : البطول، كقولهم : كذب الرجل، أي بطل عليه أمله وما رجا وقدر.
الخامس : الإغراء بلزوم المخاطب الشيء المذكور، كقولهم : كذب عليك العسل، أي أكل العسل، والمغرى به مرفوع بكذب، وقالوا : لا يجوز نصبه إلا في حرف شاذ، ورواه القاسم بن سلام عن معمر بن المثنى، والمؤثم هو الأول.
وقد اختلف الناس في الكذب فقال قوم : الكذب كله قبيح لا خير فيه، وقالوا : سئل مالك عن الرجل يكذب لزوجته ولابنه تطييباً للقلب فقال : لا خير فيه.
وقال قوم : الكذب محرم ومباح، فالمحرم الإخبار بالشيء على خلاف ما هو عليه إذا لم يكن في مراعاته مصلحة شرعية، والمباح ما كان فيه ذلك، كالكذب لإصلاح ذات البين.
وذكر المفسرون في سبب نزول هذه الآيات خلافاً، قال قوم : نزلت في منافقي أهل الكتاب، كعبد الله بن أبي بن سلول، ومعتب بن قشير، والجد بن قيس، ح