كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحدادي اليمني

عن الكتاب
قوله عَزَّ وَجَلَّ :﴿وَللَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ﴾ ؛ قيل : معناه لا يَمنعكم تخريبُ من خرَّب مساجد الله أن تذكروهُ حيث كنتم من أرضه. وقال ابن عباس :(نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ فِي نَفَرٍ مِنَ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُمْ فِي سَفَرٍ قَبْلَ تَحْوِيْلِ الْقِبْلَةِ إلَى الْكَعْبَةِ، فَأَصَابَهُمُ الضَّبَابُ، وَحَضَرَتِ الصَّلاَةُ، فَتَحَرَّوا الْقِبْلَةَ فَصَلُّوا ؛ فَمِنْهُمْ مَنْ صَلَّى قِبَلَ الْمَشْرِقِ ؛ وَمِنْهُمْ مَنْ صَلَّى قِبَلَ الْمَغْرِب. فَلَمَّا ذَهَبَ الضَّبَابُ اسْتَنَارَ لَهُمْ أنَّهُمْ لَمْ يُصِيْبُوا، فَلَمَّا قَدِمُواْ ؛ سَأَلُواْ رَسُولَ اللهِ ﷺ عَنْ ذلِكَ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ). وقال عبدُالله بن عامر :[كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي لَيْلَةٍ سَوْدَاءَ مُظْلِمَةٍ ؛ فَنَزَلْنَا مَنْزِلاً، فَجَعَلَ الرَّجُلُ يَأْخُذُ الأَحْجَارَ فَيَعْمَلُ مَسْجِداً فَيُصَلِّي فِيْهِ، فَلَمَّا أصْبَحْنَا إذَا نَحْنُ قَدْ صَلَّيْنَا إلَى غَيْرِ الْقِبْلَةِ، فَأَنْزَلَ اللهُ هَذِهِ الآيَةَ).
وقال عبدُالله بن عمرَ : نَزَلَتْ فِي صَلاَةِ الْمُسَافِرِ يُصَلِّي حَيْثُمَا تَوَجَّهَتْ بهِ رَاحِلَتُهُ تَطَوُّعاً ؛ " كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُصَلِّي عَلَى رَاحِلَتِهِ فِي السَّفَرِ أيْنَمَا تَوَجَّهَتْ بهِ " وقال عكرمةُ :(نَزَلَتْ فِي تَحْوِيْلِ الْقِبْلَةِ إلَى الْكَعْبَةِ لَمَّا صَلَّى إلَيْهَا الْمُسْلِمُونَ بَعْدَمَا كَانَتْ قِبْلَتُهُمْ بَيْتَ الْمَقْدِسِ، قَالَتِ الْيَهُودُ : يُصَلُّونَ مَرَّةً هَكَذَا، وَمَرَّةً يُصَلُّونَ هَكَذَا! فَأَنْزَلَ اللهُ هَذِهِ الآيَةَ).
فإنْ قِيْلَ : لِمَ قال :﴿الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ﴾ على التوحيد وله المشارق والمغارب ؟ قيل : لأنه أخرجهُ مخرجَ الجنس كما يقال : أهلَكَ اللهُ الدينارَ والدرهم.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ ؛ أي رضَى اللهِ كقوله تعالى :﴿إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ﴾[الإنسان: ٩] أي لرضَاه. وقيل : معناه ﴿فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ أي عِلْمُهُ محيطٌ بهم. وقيل : معناه : فأينما تُوَلُّوا وجوهَكم أيها المؤمنون في سفرِكم وحضَرِكم فثمَّ قِبْلَةُ اللهِ التي وجَّهتكم إليها فاستقبلُوها ؛ يعني الكعبةَ.
وقال الكلبيُّ :(مَعْنَاهُ : فَثَمَّ وَجْهُ اللهِ تَعَالَى يَرَى وَيَعْلَمُ). والوجهُ صلةٌ كقوله :﴿تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ﴾[الروم: ٣٩] أي تريدونه بالدعاء. وقوله :﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ﴾[القصص: ٨٨] أي إلا هُو. وقوله :﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ﴾[الرحمن: ٢٧] أي يبقى ربُّكَ.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ ؛ قال الكلبيُّ :(يَعْنِي : وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ). وقال أبو عُبيدة :(الْوَاسِعُ : الْغَنِيُّ). يقال : فلان يُعْطِي مِن سَعتهِ ؛ أي من غِنَاهُ. وقال الفرَّاء :(الْوَاسِعُ : الْجَوَادُ الَّذِي يَسَعُ عَطَاؤُهُ كُلَّ شَيْءٍ). وقيل : الواسعُ : الرحيمُ ؛ دليله﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾[الأعراف: ١٥٦]. وقيل : الواسع : العالِم الذي يسعُ علمه كل شيء. وقال الله تعالى :﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ﴾[البقرة: ٢٥٥]. وقوله ﴿عَلِيمٌ﴾ أي عالِم بنيَّاتِهم حيثما صَلَّوا ودَعَوا.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى