محتويات صفحة تفسير الآية

تجد في هذه الصفحة تفسير الآية ١١٥ من سورة البقرة في ١٢٦ كتابًا من كتب التفسير، ومعاني غريب كلماتها، وإعرابها، و٤١ قولًا من التفسير بالمأثور، وما يتصل بها من الموضوعات والوقفات والترجمات.

تفسير الآية ١١٥ من سورة البقرة

١٢٦ كتابًا من كتب التفسير

جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري

عن الكتاب

القول في تأويل قوله تعالى :


﴿وَللّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلّواْ فَثَمّ وَجْهُ اللّهِ إِنّ اللّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾
يعني جل ثناؤه بقوله : ولِلّهِ المَشْرِقُ وَالمَغْرِبُ : لله ملكهما وتدبيرهما، كما يقال : لفلان هذه الدار، يعني بها أنها له ملكا، فذلك قوله : ولِلّهِ المَشْرِقُ وَالمَغْرِبُ يعني أنهما له ملكا وخلقا. والمشرق : هو موضع شروق الشمس، وهو موضع طلوعها، كما يقال لموضع طلوعها منه مَطْلِع بكسر اللام، وكما بينا في معنى المساجد آنفا.
فإن قال قائل : أوَ ما كان لله إلا مشرق واحد ومغرب واحد حتى قيل : ولِلّهِ المَشْرِقُ والمَغْرِبُ ؟ قيل : إن معنى ذلك غير الذي ذهبت إليه، وإنما معنى ذلك : ولله المشرق الذي تشرق منه الشمس كل يوم، والمغرب الذي تغرب فيه كل يوم. فتأويله إذا كان ذلك معناه : ولله ما بين قُطْرَي المشرق، وما بين قُطري المغرب، إذ كان شروق الشمس كل يوم من موضع منه لا تعود لشروقها منه إلى الحَوْلِ الذي بعده، وكذلك غروبها كل يوم.
فإن قال : أَوَ ليس وإن كان تأويل ذلك ما ذكرت فللّه كل ما دونه ؟ الخلقُ خلقُه قيل : بلى.
فإن قال : فكيف خصّ المشارق والمغارب بالخبر عنها أنها له في هذا الموضع دون سائر الأشياء غيرها ؟ قيل : قد اختلف أهل التأويل في السبب الذي من أجله خَصّ الله ذكر ذلك بما خصه به في هذا الموضع، ونحن مبينو الذي هو أولى بتأويل الآية بعد ذكرنا أقوالهم في ذلك. فقال بعضهم : خصّ الله جل ثناؤه ذلك بالخبر من أجل أن اليهود كانت توجه في صلاتها وجوهَها قِبَلَ بيت المقدس، وكان رسول الله ﷺ يفعل ذلك مدة، ثم حُوّلوا إلى الكعبة، فاستنكرت اليهود ذلك من فعل النبيّ ﷺ فقالوا :﴿ما وَلاّهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ التي كانُوا عَلَيْهَا﴾ فقال الله تبارك وتعالى لهم : المشارق والمغارب كلها لي أُصرّفُ وجوه عبادي كيف أشاء منها، فحيثما تُوَلّوا فثم وجه الله. ذكر من قال ذلك :
حدثني المثنى، قال : حدثنا أبو صالح، قال : حدثني معاوية بن صالح، عن عليّ، عن ابن عباس، قال : كان أوّل ما نسخ من القرآن القبلة، وذلك أن رسول الله ﷺ لما هاجر إلى المدينة، وكان أكثر أهلها اليهود، أمره الله عزّ وجلّ أن يستقبل بيت المقدس، ففرحت اليهود، فاستقبلها رسول الله ﷺ بضعة عشر شهرا، فكان رسول الله ﷺ يحبّ قبلة إبراهيم عليه السلام فكان يدعو وينظر إلى السماء، فأنزل الله تبارك وتعالى :﴿قَدْ نَرَى تَقَلّبَ وَجْهِكَ فِي السّمَاءِ﴾ إلى قوله :﴿فَوَلّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ ارتاب من ذلك اليهود، وقالوا : ما وَلاّهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ التي كانُوا عَلَيْهَا فأنزل الله عزّ وجلّ : قُلِ لِلّهِ المَشْرِقُ وَالمَغْرِبُ وقال :﴿أيْنَما تُوَلّوا فَثَمّ وَجْهُ اللّهِ﴾.
حدثني موسى، قال : حدثنا عمرو، قال : حدثنا أسباط، عن السدي نحوه.
وقال آخرون : بل أنزل الله هذه الآية قبل أن يفرض على نبيه ﷺ وعلى المؤمنين به التوجه شطر المسجد الحرام. وإنما أنزلها عليه معلما نبيه عليه الصلاة والسلام بذلك وأصحابه أن لهم التوجه بوجوههم للصلاة حيث شاءوا من نواحي المشرق والمغرب لأنهم لا يوجهون وجوههم وجها من ذلك وناحية، إلا كان جل ثناؤه في ذلك الوجه وتلك الناحية لأن له المشارق والمغارب، وأنه لا يخلو منه مكان، كما قال جل وعزّ : ولا أدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلا أكْثَرَ إلا هُوَ مَعَهُمْ أيْنَمَا كانُوا قالوا : ثم نسخ ذلك بالفرض الذي فرض عليهم في التوجه شطر المسجد الحرام. ذكر من قال ذلك :
حدثنا بشر بن معاذ، قال : حدثنا يزيد بن زريع، قال : حدثنا سعيد عن قتادة : قوله جل وعز :﴿ولِلّهِ المَشْرِقُ والمَغْرِبُ فَأيْنَمَا تُوَلّوا فَثَمّ وَجْهُ اللّهِ﴾ ثم نسخ ذلك بعد ذلك، فقال الله :﴿ومِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلّ وَجْهَكَ شَطْرَ المَسْجِدِ الحَرَامِ﴾.
حدثت عن الحسن قال : أخبرنا عبد الرزاق، قال : أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله :﴿فأيْنَمَا تُوَلّوا فَثَمّ وَجْهُ اللّهِ﴾ قال : هي القبلة، ثم نسختها القبلة إلى المسجد الحرام.
حدثني المثنى، قال : حدثنا الحجاج بن المنهال، قال : حدثنا همام، قال : حدثنا يحيى، قال : سمعت قتادة في قول الله :﴿فأيْنَمَا تُولّوا فَثَمّ وَجْهُ اللّهِ﴾ قال : كانوا يصلون نحو بيت المقدس ورسول الله ﷺ بمكة قبل الهجرة، وبعد ما هاجر رسول الله ﷺ صلى نحو بيت المقدس ستة عشر شهرا، ثم وجه بعد ذلك نحو الكعبة البيت الحرام، فنسخها الله في آية أخرى :﴿فَلْنُوَلّيَنّكَ قِبْلَةَ تَرْضَاها﴾ إلى :﴿وَحَيْثُمَا كُنْتُمُ فَولّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ قال : فنسخت هذه الآية ما كان قبلها من أمر القبلة.
حدثنا يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : سمعته يعني زيدا يقول : قال عز وجل لنبيه ﷺ :﴿فَأينَمَا تُوَلّوا فَثَمّ وَجْهُ اللّهِ إِنّ اللّهَ وَاسِع عَلِيم﴾ قال : فقال رسول الله ﷺ :«هؤلاء قَوْمُ يَهُود يَسْتَقْبِلُونَ بَيْتا مِنْ بُيُوتِ اللّهِ لَوْ أنّا اسْتَقْبَلْنَاهُ » فاستقبله النبيّ ﷺ ستة عشر شهرا. فبلغه أن يهود تقول : والله ما درى محمد وأصحابه أين قبلتهم حتى هديناهم فكره ذلك النبيّ ﷺ، ورفع وجهه إلى السماء، فقال الله عز وجل :﴿قَدْ نَرى تَقَلّبَ وَجْهِكَ فِي السّمَاءِ﴾ الآية.
وقال آخرون : نزلت هذه الآية على النبيّ ﷺ إذنا من الله عز وجل له أن يصلي التطوّع حيث توجه وجهه من شرق أو غرب، في مسيره في سفره، وفي حال المسايفة، وفي شدّة الخوف، والتقاء الزحوف في الفرائض. وأعلمه أنه حيث وجه وجهه فهو هنالك، بقوله :﴿ولِلّهِ المَشْرِقُ وَالمَغْرِبُ فَأيْنَمَا تُولّوا فَثَمّ وَجْهُ اللّهِ﴾. ذكر من قال ذلك :
حدثنا أبو كريب، قال : حدثنا ابن إدريس، قال : حدثنا عبد الملك، عن سعيد بن جبير، عن ابن عمر أنه كان يصلي حيث توجهت به راحلته، ويذكر أن رسول الله ﷺ كان يفعل ذلك، ويتأول هذه الآية :﴿أيْنَمَا تُولّوا فَثَمّ وَجْهُ اللّهِ﴾.
حدثني أبو السائب، قال : حدثنا ابن فضيل، عن عبد الملك بن أبي سليمان، عن سعيد بن جبير، عن ابن عمر أنه قال :«إنما نزلت هذه الآية :﴿أيْنَمَا تُوَلّوا فَثَمّ وَجْهُ اللّهِ﴾ أن تصلي حيثما توجهتْ بك راحلتك في السفر تطوعا، كان رسول الله ﷺ إذا رجع من مكة يصلي على راحلته تطوّعا يومئ برأسه نحو المدينة ».
وقال آخرون : بل نزلت هذه الآية في قوم عميت عليهم القبلة فلم يعرفوا شَطْرَها، فصلوا على أنحاء مختلفة، فقال الله عزّ وجلّ لهم : لي المشارق والمغارب، فأنّى وليتم وجوهكم فهنالك وجهي، وهو قِبْلَتُكم معلمهم بذلك أن صلاتهم ماضية. ذكر من قال ذلك :
حدثنا أحمد، قال : حدثنا أبو أحمد، قال : حدثنا أبو الربيع السمان، عن عاصم بن عبيد الله، عن عبد الله بن عامر بن ربيعة، عن أبيه، قال :«كنا مع رسول الله ﷺ في ليلة سوداء مظلمة، فنزلنا منزلاً، فجعل الرجل يأخذ الأحجار فيعمل مسجدا يصلي فيه. فلما أصبحنا، إذا نحن قد صلينا على غير القبلة، فقلنا : يا رسول الله لقد صلينا ليلتنا هذه لغير القبلة فأنزل الله عز وجل :﴿ولِلّهِ المَشْرِقُ وَالمَغْرِبُ فَأيْنَما تُولّوا فَثَمّ وَجْهُ اللّهِ إِنّ اللّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾.
حدثني المثنى، قال : حدثني الحجاج، قال : حدثنا حماد، قال : قلت للنخعي : إني كنت استيقظت أو قال أُوقِظْتُ، ( شكّ الطبري ) فكان في السماء سحاب، فصليت لغير القبلة. قال : مضت صلاتك، يقول الله عزّ وجلّ :﴿فأيْنَمَا تُوَلّوا فَثَمّ وَجْهُ اللّهِ﴾.
حدثنا سفيان بن وكيع، قال : حدثنا أبي عن أشعث السمان، عن عاصم بن عبيد الله، عن عبد الله بن عامر بن ربيعة، عن أبيه، قال : كنا مع النبيّ ﷺ في ليلة مظلمة في سفر، فلم ندر أين القبلة فصلينا، فصلى كل واحد منا على حياله. ثم أصبحنا فذكرنا للنبيّ ﷺ، فأنزل الله عزّ وجلّ :﴿فأيْنَمَا تُوَلّوا فَثَمّ وَجْهُ اللّهِ﴾.
وقال آخرون : بل نزلت هذه الآية في سبب النجاشي لأن أصحاب رسول الله ﷺ تنازعوا في أمره من أجل أنه مات قبل أن يصلي إلى القبلة، فقال الله عز وجل : المشارق والمغارب كلها لي، فمن وجّه وَجْهَه نحو شيء منها يريدني به ويبتغي به طاعتي، وجدني هنالك. يعني بذلك أن النجاشي وإن لم يكن صلى إلى القبلة، فإنه قد كان يوجه إلى بعض وجوه المشارق والمغارب وجهه، يبتغي بذلك رضا الله عزّ وجل في صلاته. ذكر من قال ذلك :
حدثنا ابن بشار، قال : حدثنا هشام بن معاذ، قال : حدثني أبي، عن قتادة أن النبيّ ﷺ قال :«إِنّ أخاكُمْ النّجاشِيّ قَدْ ماتَ فَصَلّوا عَلَيْهِ » قالوا : نصلي على رجل ليس بمسلم قال : فنزلت : وَإِنّ مِنْ أَهْلِ الكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللّهِ وَمَا أُنْزِلَ إلَيْكُمْ وَمَا أُنْزِلَ إلَيْهِمْ خاشعِينَ لِلّهِ قال قتادة : فقالوا إنه كان لا يصلي إلى القبلة، فأنزل الله عزّ وجل :﴿ولِلّهِ المَشْرِقُ وَالمَغْرِبُ فَأيْنَمَا تُوَلّوا فَثَمّ وَجْهُ اللّهِ﴾.
قال أبو جعفر : والصواب من القول في ذلك : أن الله تعالى ذكره إنما خصّ الخبر عن المشرق والمغرب في هذه الآية بأنهما له ملكا وإن كان لا شيء إلا وهو له ملك، إعلاما منه عباده المؤمنين أن له ملكهما وملك ما بينهما من الخلق، وأن على جميعهم إذْ كان له ملكهم طاعته فيما أمرهم ونهاهم، وفيما فرض عليهم من الفرائض، والتوجه نحو الوجه الذي وجهوا إليه، إذْ كان من حكم المماليك طاعة مالكهم. فأخرج الخبر عن المشرق والمغرب، والمراد به من بينهما من الخلق، على النحو الذي قد بينت من الاكتفاء بالخبر عن سبب الشيء من ذكره والخبر عنه، كما قيل :﴿وأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ العِجْل﴾ وما أشبه ذلك.
ومعنى الآية إذا : ولله ملك الخلق الذي بين المشرق والمغرب يتعبدهم بما شاء، ويحكم فيهم ما يريد عليهم طاعته فولّوا وجوهكم أيها المؤمنون نحو وجهي، فإنكم أينما تولوا وجوهكم فهنالك وجهي.
فأما القول في هذه الآية ناسخة أم منسوخة، أم لا هي ناسخة ولا منسوخة ؟ فالصواب فيه من القول أن يقال : إنها جاءت مجيء العموم، والمراد الخاص وذلك أن قوله :﴿فأيْنَمَا تُوَلّوا فَثَمّ وَجْهُ اللّهِ﴾محتمل : أينما تولوا في حال سيركم في أسفاركم، في صلاتكم التطوّع، وفي حال مسايفتكم عدوّكم، في تطوّعكم ومكتوبتكم، فَثمّ وجه الله كما قال ابن عمر والنخعي ومن قال ذلك ممن ذكرنا عنه آنفا.
ومحتمل : فأينما تُولّوا من أرض الله فتكونوا بها فَثَمّ قِبْلَةُ الله التي توجهون وجوهكم إليها لأن الكعبة
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
في خرابها، ولهم = على معصيتهم وكفرهم بربهم وسعيهم في الأرض فسادا = عذاب جهنم، وهو العذاب العظيم.
* * *

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾


قال أبو جعفر: يعني جل ثناؤه بقوله: (ولله المشرق والمغرب)، لله ملكهما وتدبيرهما، كما يقال:"لفلان هذه الدار"، يعني بها: أنها له، ملكا. فذلك قوله: (ولله المشرق والمغرب)، يعني أنهما له، ملكا وخلقا.
* * *
و"المشرق" هو موضع شروق الشمس، وهو موضع طلوعها، كما يقال: لموضع طلوعها منه"مطلع" بكسر اللام، وكما بينا في معنى"المساجد" آنفا. (١)
* * *
فإن قال قائل: أو ما كان لله إلا مشرق واحد ومغرب واحد، حتى قيل: (ولله المشرق والمغرب) ؟ قيل: إن معنى ذلك غير الذي ذهبت إليه، وإنما معنى ذلك: ولله المشرق الذي تشرق منه الشمس كل يوم، والمغرب الذي تغرب فيه كل يوم. فتأويله إذْ كان ذلك معناه: ولله ما بين قطري المشرق، وما بين قطري المغرب، إذ كان شروق الشمس كل يوم من موضع منه لا تعود لشروقها منه إلى الحول الذي بعده، وكذلك غروبها كل يوم.
فإن قال: أو ليس وإن كان تأويل ذلك ما ذكرت، فلله كل ما دونه (٢) الخلق خلقه!
(١) انظر ما سلف قريبا: ٥١٩.
(٢) قوله: "فلله كل ما دونه"، أي كل ما سواه من شيء.
قيل: بلى!
فإن قال: فكيف خص المشارق والمغارب بالخبر عنها أنها له في هذا الموضع، دون سائر الأشياء غيرها؟
قيل: قد اختلف أهل التأويل في السبب الذي من أجله خص الله ذكر ذلك بما خصه به في هذا الموضع. ونحن مبينو الذي هو أولى بتأويل الآية بعد ذكرنا أقوالهم في ذلك. فقال بعضهم: خص الله جل ثناؤه ذلك بالخبر، من أجل أن اليهود كانت توجه في صلاتها وجوهها قبل بيت المقدس، وكان رسول الله ﷺ يفعل ذلك مدة، ثم حولوا إلى الكعبة. فاستنكرت اليهود ذلك من فعل النبي صلى الله عليه وسلم، فقالوا: ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها؟ فقال الله تبارك وتعالى لهم: المشارق والمغارب كلها لي، أصرف وجوه عبادي كيف أشاء منها، فحيثما تُوَلوا فثم وجه الله.
* ذكر من قال ذلك:
١٨٣٣- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو صالح قال، حدثني معاوية بن صالح، عن علي، عن ابن عباس قال، كان أول ما نسخ من القرآن القبلة، وذلك أن رسول الله ﷺ لما هاجر إلى المدينة، وكان أكثر أهلها اليهود، أمره الله عز وجل أن يستقبل بيت المقدس، ففرحت اليهود. فاستقبلها رسول الله ﷺ بضعة عشر شهرا، فكان رسول الله ﷺ يحب قبلة إبراهيم عليه السلام، فكان يدعو وينظر إلى السماء، فأنزل الله تبارك وتعالى: (قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ) [سورة البقرة: ١٤٤] إلى قوله: (فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ) [سورة البقرة: ١٤٤-١٥٠]، فارتاب من ذلك اليهود، وقالوا: (مَا وَلاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا) [سورة البقرة: ١٤٢]، فأنزل الله عز وجل: (قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ)، وقال: (فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ). (١)
(١) الحديث: ١٨٣٣ - علي: هو ابن أبي طلحة الهاشمي: ثقة، تكلموا فيه. والراجح أن كلامهم فيه من أجل تشيعه. ولكن لم يسمع من ابن عباس، فروى ابن أبي حاتم في المراسيل، ص: ٥٢، عن دحيم قال:"إن علي بن أبي طلحة لم يسمع من ابن عباس التفسير". وروي عن أبيه أبي حاتم مثل ذلك. وفي التهذيب أنه ذكره ابن حبان في الثقات، وقال:"روى عن ابن عباس، ولم يره". فهذا إسناد ضعيف، لانقطاعه.
ولكن معناه ثابت عن ابن عباس، من وجه صحيح. فرواه أبو عبيد القاسم بن سلام، في كتاب الناسخ والمنسوخ - فيما نقل ابن كثير ١: ٢٨٨ -"أخبرنا حجاج بن محمد، أخبرنا ابن جريج، وعثمان بن عطاء، عن عطاء، عن ابن عباس.." فذكر نحوه. وهذا إسناد صحيح، من جهة رواية ابن جريج عن عطاء، وهو ابن أبي رباح. وأما"عثمان ابن عطاء"، فإنه"الخراساني". وهو ضعيف. وحجاج بن محمد: سمعه منهما، من ثقة ومن ضعيف، فلا بأس. ورواه الحاكم ٢: ٢٦٧ - ٢٦٨، من طريق ابن جريج، عن عطاء، عن ابن عباس. وقال:"هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه بهذه السياقة". ووافقه الذهبي. وهو كما قالا. وذكره السيوطي ١: ١٠٨، ونسبه لأبي عبيد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والحاكم وصححه، والبيهقي في سننه.
١٨٣٤- حدثني موسى قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط، عن السدي نحوه.
* * *
وقال آخرون: بل أنزل الله هذه الآية قبل أن يفرض على نبيه ﷺ وعلى المؤمنين به التوجه شطر المسجد الحرام. وإنما أنزلها عليه معلما نبيه عليه الصلاة والسلام بذلك وأصحابه أن لهم التوجه بوجوههم للصلاة حيث شاءوا من نواحي المشرق والمغرب، لأنهم لا يوجهون وجوههم وجها من ذلك وناحية، إلا كان جل ثناؤه في ذلك الوجه وتلك الناحية، لأن له المشارق والمغارب، وأنه لا يخلو منه مكان، (١) كما قال جل وعز: (وَلا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا) [سورة المجادلة: ٧] قالوا: ثم نسخ ذلك بالفرض الذي
(١) قال ابن كثير في تفسيره ١: ٢٨٩ تعليقا على كلمة أبي جعفر رحمه الله: "في قوله: وأنه تعالى لا يخلو منه مكان - إن أراد علمه تعالى، فصحيح. فإن علمه تعالى، محيط بجميع المعلومات، وأما ذاته تعالى فلا تكون محصورة في شيء من خلقه، تعالى الله على ذلك علوا كبيرا". قلت: الذي قاله ابن كثير هو عقيدة أبي جعفر رحمه الله، وقد بين ذلك في تفسير سورة المجادلة من تفسيره ٢٨: ١٠، فلا معنى لتشكك ابن كثير في كلام إمام ضابط من أئمة أهل الحق، وعبارته صحيحة اللفظ، ولكن أهل الأهواء جعلوا الناس يفهمون من عربية الفصحاء معنى غير المعنى الذي تدل عليه.
فرض عليهم في التوجه شطر المسجد الحرام.
* ذكر من قال ذلك:
١٨٣٥- حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد بن زريع قال، حدثنا سعيد عن قتادة: قوله جل وعز: (ولله المشرق والمغرب فأينما تولوا فثم وجه الله)، ثم نسخ ذلك بعد ذلك، فقال الله: (ومن حيث خرجت فول وجهك شطر المسجد الحرام) [سورة البقرة: ١٤٩-١٥٠]
١٨٣٦- حدثنا الحسن قال (١) أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله: (فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ)، قال: هي القبلة، ثم نسختها القبلة إلى المسجد الحرام.
١٨٣٧- حدثني المثنى قال، حدثنا الحجاج بن المنهال قال، حدثنا همام قال، حدثنا يحيى قال، سمعت قتادة في قول الله: (فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ)، قال: كانوا يصلون نحو بيت المقدس ورسول الله ﷺ بمكة قبل الهجرة، وبعد ما هاجر رسول الله ﷺ صلى نحو بيت المقدس ستة عشر شهرا، ثم وجه بعد ذلك نحو الكعبة البيت الحرام. فنسخها الله في آية أخرى: (فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا) إِلَى (وَحَيْثُمَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ) [سورة البقرة: ١٤٤]، قال: فنسخت هذه الآية ما كان قبلها من أمر القبلة.
١٨٣٨- حدثنا يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، سمعته - يعني زيدا - يقول: قال عز وجل لنبيه صلى الله عليه وسلم: (فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ) قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"هؤلاء قوم يهود يستقبلون بيتا من بيوت الله لو أنا استقبلناه! فاستقبله النبي ﷺ ستة عشر شهرا، فبلغه أن يهود تقول: والله ما درى محمد وأصحابه أين قبلتهم حتى هديناهم! فكره ذلك النبي صلى الله عليه وسلم، ورفع وجهه إلى السماء، فقال الله عز وجل:
(١) في المطبوعة: "حدثت عن الحسن"، والصواب ما أثبت، وهو إسناد دائر في تفسيره أقربه رقم: ١٧٣١.
(قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ) الآية [سورة البقرة: ١٤٤].
* * *
وقال آخرون: نزلت هذه الآية على النبي صلى الله عليه وسلم، إذنا من الله عز وجل له أن يصلي التطوع حيث توجه وجهه من شرق أو غرب، في مسيره في سفره، وفي حال المسايفة، وفي شدة الخوف، والتقاء الزحوف في الفرائض. وأعلمه أنه حيث وجه وجهه فهو هنالك، بقوله: (ولله المشرق والمغرب فأينما تولوا فثم وجه الله).
* ذكر من قال ذلك:
١٨٣٩- حدثنا أبو كريب قال، حدثنا ابن إدريس قال، حدثنا عبد الملك، عن سعيد بن جبير، عن ابن عمر أنه كان يصلي حيث توجهت به راحلته، ويذكر أن رسول الله ﷺ كان يفعل ذلك، ويتأول هذه الآية: (أينما تولوا فثم وجه الله). (١)
١٨٤٠- حدثني أبو السائب قال، حدثنا ابن فضيل، عن عبد الملك بن أبي سليمان، عن سعيد بن جبير، عن ابن عمر أنه قال:"إنما نزلت هذه الآية: (أينما تولوا فثم وجه الله) أن تصلي حيثما توجهت بك راحلتك في السفر تطوعا، كان رسول الله ﷺ إذا رجع من مكة يصلي على راحلته تطوعا يومئ برأسه نحو المدينة". (٢)
* * *
(١) الحديث: ١٨٣٩ - ابن إدريس: هو عبد الله بن إدريس الأودي، سبق توثيقه: ٤٣٨. عبد الملك: هو ابن أبي سليمان، كما سيأتي في الإسناد التالي لهذا، وقد سبق توثيقه: ١٤٥٥.
والحديث رواه أحمد في المسند: ٥٠٠١، عن عبد الله بن إدريس، بهذا الإسناد. وسيأتي تمام تخريجه في الذي بعده.
(٢) الحديث: ١٨٤٠ - ابن فضيل: هو محمد بن فضيل بن غزوان الضبي، وهو ثقة، من شيوخ أحمد وإسحاق وغيرهما. بل روى عنه الثوري، وهو أكبر منه. مترجم في التهذيب، والكبير ١ / ١ / ١٢٠٧ -٢٠٨، وابن أبي حاتم ٤/١/٥٧ -٥٨.
والحديث رواه أحمد أيضًا: ٤٧١٤، عن يحيى القطان، عن عبد الملك بن أبي سليمان، بنحوه. ورواه مسلم ١: ١٩٥، من طريق يحيى، وآخرين. وكذلك رواه البيهقي في السنن الكبرى ٢: ٤، بأسانيد من طريق عبد الملك.
وقد رجحنا في شرح المسند الرواية السابقة، بأن هذه الآية لم تنزل في ذلك، بل هي في معنى أعم، وإنما تصلح شاهدا ودليلا، كما يتبين ذلك من فقه تفسيرها في سياقها.
وقال آخرون بل نزلت هذه الآية في قوم عُمِّيت عليهم القبلة فلم يعرفوا شطرها، فصلوا على أنحاء مختلفة، فقال الله عز وجل لهم: لي المشارق والمغارب، فأنى وليتم وجوهكم فهنالك وجهي، (١) وهو قبلتكم - معلمهم بذلك أن صلاتهم ماضية.
* ذكر من قال ذلك:
١٨٤١- حدثنا أحمد قال، حدثنا أبو أحمد قال، حدثنا أبو الربيع السمان، عن عاصم بن عبيد الله، عن عبد الله بن عامر بن ربيعة، عن أبيه قال،"كنا مع رسول الله ﷺ في ليلة سوداء مظلمة، فنزلنا منزلا فجعل الرجل يأخذ الأحجار فيعمل مسجدا يصلي فيه، فلما أصبحنا، إذا نحن قد صلينا على غير القبلة، فقلنا: يا رسول الله لقد صلينا ليلتنا هذه لغير القبلة. فأنزل الله عز وجل: (ولله المشرق والمغرب فأينما تولوا فثم وجه الله إن الله واسع عليم). (٢)
(١) في المطبوعة: "فإن وليتم وجوهكم". والصواب ما أثبت.
(٢) الحديث: ١٨٤١ - أحمد، شيخ الطبري: هو أحمد بن إسحاق بن عيسى الأهوازي، كما سبق نسبه كاملا في: ١٥٩، وهو صدوق، من شيوخ أبي داود، مترجم في التهذيب، وأبو أحمد: هو الزبيري. واسمه: محمد بن عبد الله بن الزبير بن عمر بن درهم، وهو ثقة حافظ، من شيوخ الإمام أحمد. مترجم في التهذيب. والكبير ١/١/١٣٣ - ١٣٤، وابن سعد ٦: ٢٨١، وابن أبي حاتم ٣ /٢ /٢٩٧. أبو الربيع السمان. هو أشعث بن سعيد، سبق في: ٢٤ أنه ضعيف جدا. عاصم بن عبيد الله بن عاصم بن عمر بن الخطاب: هو ضعيف، وقد بينا ضعفه في شرح المسند: ٥٢٢٩.
عبد الله بن عامر بن ربيعة: ثقة من كبار التابعين. وأبوه صحابي معروف، من المهاجرين الأولين، هاجر الهجرتين، وشهد بدرا والمشاهد كلها.
والحديث ذكره ابن كثير ١: ٢٨٩ - ٢٩٠، عن هذا الموضع. ووقع فيه خطأ في اسم شيخ الطبري، كتب"محمد بن إسحاق"، بدل"أحمد". وهو خطأ ناسخ أو طابع. ثم أشار ابن كثير إلى روايته الآتية: ١٨٤٣. ثم ذكر أنه رواه أيضًا الترمذي، وابن ماجه، وابن أبي حاتم. ثم نقل كلام الترمذي قال:"هذا حديث ليس إسناده بذاك، لا نعرفه إلا من حديث أشعث السمان، وأشعث بن سعيد أبو الربيع السمان: يضعف في الحديث". قال ابن كثير:"قلت: وشيخه عاصم، أيضًا ضعيف قال البخاري: منكر الحديث. وقال ابن معين: ضعيف لا يحتج به. وقال ابن حبان: متروك.
وقد ذهبت في شرحي للترمذي، رقم: ٣٤٥، إلى تحسين إسناده. ولكني أستدرك الآن، وأرى أنه حديث ضعيف.
ونقله السيوطي ١: ١٠٩، مع تخريجه وبيان ضعفه.
١٨٤٢- حدثني المثنى قال، حدثني الحجاج قال، حدثنا حماد قال، قلت للنخعي: إني كنت استيقظت - أو قال أيقظت، شك الطبري - (١) فكان في السماء سحاب، فصليت لغير القبلة. قال: مضت صلاتك، يقول الله عز وجل: (فأينما تولوا فثم وجه الله).
١٨٤٣- حدثنا سفيان بن وكيع قال، حدثنا أبي، عن أشعث السمان، عن عاصم بن عبيد الله، عن عبد الله بن عامر بن ربيعة، عن أبيه قال، كنا مع النبي ﷺ في ليلة مظلمة في سفر، فلم ندر أين القبلة فصلينا، فصلى كل واحد منا على حياله، (٢) ثم أصبحنا فذكرنا للنبي صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله عز وجل: (فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ). (٣)
* * *
وقال آخرون: بل نزلت هذه الآية في سبب النجاشي، لأن أصحاب رسول الله ﷺ تنازعوا في أمره، من أجل أنه مات قبل أن يصلي إلى القبلة، فقال الله عز وجل: المشارق والمغارب كلها لي، فمن وجه وجهه نحو شيء منها يريدني به ويبتغي به طاعتي، وجدني هنالك. يعني بذلك أن النجاشي وإن لم يكن صلى إلى القبلة، فإنه قد كان يوجه إلى بعض وجوه المشارق والمغارب وجهه، يبتغي بذلك رضا الله عز وجل في صلاته.
* ذكر من قال ذلك:
١٨٤٤- حدثنا ابن بشار قال، حدثنا هشام بن معاذ قال، حدثني أبي، عن قتادة أن النبي ﷺ قال: إن أخاكم النجاشي قد مات فصلوا عليه. قالوا: نصلي على رجل ليس بمسلم! قال فنزلت (وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنزلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنزلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ لِلَّهِ) [سورة
(١) لم يرد في كتب اللغة: "أيقظت" لازما، وأخشى أن يكون الطبري يصححها، وأشباهها في العربية كثير.
(٢) في لسان العرب"فصلى كل منا حياله"، أي تلقاء وجهه، وزيادة"علي" لا تضر المعنى.
(٣) الحديث: ١٨٤٣ - هو مكرر الحديث: ١٨٤١.
آل عمران: ١٩٩]، قال: قتادة، فقالوا: إنه كان لا يصلي إلى القبلة، فأنزل الله عز وجل: (ولله المشرق والمغرب فأينما تولوا فثم وجه الله). (١)
* * *
قال أبو جعفر: والصواب من القول في ذلك: أن الله تعالى ذكره إنما خص الخبر عن المشرق والمغرب في هذه الآية بأنهما له ملكا، وإن كان لا شيء إلا وهو له ملك - إعلاما منه عباده المؤمنين أن له ملكهما وملك ما بينهما من الخلق، وأن على جميعهم = إذ كان له ملكهم = طاعته فيما أمرهم ونهاهم، وفيما فرض عليهم من الفرائض، والتوجهِ نحو الوجه الذي وجهوا إليه، إذْ كان من حكم المماليك طاعة مالكهم. فأخرج الخبر عن المشرق والمغرب، والمراد به من بينهما من الخلق، على النحو الذي قد بينت من الاكتفاء بالخبر عن سبب الشيء من ذكره والخبر عنه، كما قيل: (وأشربوا في قلوبهم العجل)، وما أشبه ذلك. (٢)
ومعنى الآية إذًا: ولله ملك الخلق الذي بين المشرق والمغرب يتعبدهم بما شاء، ويحكم فيهم ما يريد عليهم طاعته، فولوا وجوهكم - أيها المؤمنون - نحو وجهي، فإنكم أينما تولوا وجوهكم فهنالك وجهي.
* * *
فأما القول في هذه الآية ناسخة أم منسوخة، أم لا هي ناسخة ولا منسوخة؟ فالصواب فيه من القول أن يقال: إنها جاءت مجيء العموم، والمراد الخاص، وذلك أن قوله: (فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ)، محتمل: أينما تولوا - في حال سيركم في أسفاركم، في صلاتكم التطوع، وفي حال مسايفتكم عدوكم، في تطوعكم ومكتوبتكم، فثم وجه الله، كما قال ابن عمر والنخعي، ومن قال ذلك ممن ذكرنا عنه آنفا.
(١) الحديث: ١٨٤٤ - هو حديث ضعيف، لأنه مرسل وقد نقله السيوطي ١: ١٠٩، ونسبه لابن جرير: وابن المنذر. ونقله ابن كثير ١: ٢٩١، عن هذا الموضع. ثم قال: "هذا غريب". وأقول: وسياقته تدل على ضعفه ونكارته.
(٢) انظر ما سلف في هذا الجزء ٢: ٣٥٧ - ٣٦٠، ٤٨٣.
= ومحتمل: فأينما تولوا - من أرض الله فتكونوا بها - فثم قبلة الله التي توجهون وجوهكم إليها، لأن الكعبة ممكن لكم التوجه إليها منها. كما قال:-
١٨٤٥ - أبو كريب قال حدثنا وكيع، عن أبي سنان، عن الضحاك، والنضر بن عربي، عن مجاهد في قول الله عز وجل: (فأينما تولوا فثم وجه الله)، قال: قبلة الله، فأينما كنت من شرق أو غرب فاستقبلها.
١٨٤٦- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثنا حجاج، عن ابن جريج قال، أخبرني إبراهيم، عن ابن أبي بكر، عن مجاهد قال، حيثما كنتم فلكم قبلة تستقبلونها قال، الكعبة.
= ومحتمل: فأينما تولوا وجوهكم في دعائكم فهنالك وجهي أستجيب لكم دعاءكم، كما:-
١٨٤٧- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج قال، قال ابن جريج، قال مجاهد: لما نزلت: (ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ) [سورة غافر: ٦٠]، قالوا: إلى أين؟ فنزلت: (فأينما تولوا فثم وجه الله).
* * *
فإذ كان قوله عز وجل: (فأينما تولوا فثم وجه الله)، محتملا ما ذكرنا من الأوجه، لم يكن لأحد أن يزعم أنها ناسخة أو منسوخة إلا بحجة يجب التسليم لها.
لأن الناسخ لا يكون إلا بمنسوخ، ولم تقم حجة يجب التسليم لها بأن قوله: (فأينما تولوا فثم وجه الله)، مَعْنِيٌّ به: فأينما توجهوا وجوهكم في صلاتكم فثم قبلتكم؛ ولا أنها نزلت بعد صلاة رسول الله ﷺ وأصحابه نحو بيت المقدس، أمرا من الله عز وجل لهم بها أن يتوجهوا نحو الكعبة، فيجوز أن يقال: هي ناسخة الصلاة نحو بيت المقدس، إذ كان من أهل العلم من أصحاب رسول الله ﷺ وأئمة التابعين، من ينكر أن تكون نزلت في ذلك المعنى، ولا خبر عن رسول الله ﷺ ثابت بأنها نزلت فيه، وكان الاختلاف في أمرها موجودا على ما وصفت.
= ولا هي - إذ لم تكن ناسخة لما وصفنا - قامت حجتها بأنها منسوخة، إذ كانت محتملة ما وصفنا: بأن تكون جاءت بعموم، ومعناها: في حال دون حال - (١) إن كان عني بها التوجه في الصلاة، وفي كل حال إن كان عني بها الدعاء، وغير ذلك من المعاني التي ذكرنا.
وقد دللنا في كتابنا:"كتاب البيان عن أصول الأحكام"، على أن لا ناسخ من آي القرآن وأخبار رسول الله ﷺ إلا ما نفى حكما ثابتا، وألزم العباد فرضه، غير محتمل بظاهره وباطنه غير ذلك. (٢) فأما إذا ما احتمل غير ذلك من أن يكون بمعنى الاستثناء أو الخصوص والعموم، أو المجمل، أو المفسر، فمن الناسخ والمنسوخ بمعزل، بما أغنى عن تكريره في هذا الموضع. ولا منسوخ إلا المنفي الذي كان قد ثبت حكمه وفرضه.
ولم يصح واحد من هذين المعنيين لقوله: (فأينما تولوا فثم وجه الله)، بحجة يجب التسليم لها، فيقال فيه: هو ناسخ أو منسوخ.
* * *
وأما قوله: (فأينما)، فإن معناه: حيثما.
* * *
وأما قوله: (تولوا) فإن الذي هو أولى بتأويله أن يكون: تولون نحوه وإليه، كما يقول القائل:"وليته وجهي ووليته إليه"، (٣) بمعنى: قابلته وواجهته. وإنما قلنا ذلك أولى بتأويل الآية، لإجماع الحجة على أن ذلك تأويله وشذوذ من تأوله بمعنى: تولون عنه فتستدبرونه، فالذي تتوجهون إليه وجه الله، بمعنى قبلة الله.
* * *
وأما قوله: (فثم) فإنه بمعنى: هنالك.
* * *
(١) في المطبوعة: "أو معناها في حال دون حال"، وهو فاسد. ومراده أن الآية جاءت عامة، وتحتمل أحد معنيين: إما في حال دون حال_ وإما في كل حال، كما فصل بعد.
(٢) في المطبوعة: "لظاهره"، وانظر ما سلف في معنى"الظاهر والباطن" ٢: ١٥ والمراجع
(٣) في المطبوعة: "وليت وجهي"، والصواب ما أثبت.
واختلف في تأويل قوله: (فثم وجه الله) (١) فقال بعضهم: تأويل ذلك: فثم قبلة الله، يعني بذلك وجهه الذي وجههم إليه.
* ذكر من قال ذلك:
١٨٤٨- حدثنا أبو كريب قال، حدثنا وكيع، عن النضر بن عربي، عن مجاهد: (فثم وجه الله) قال: قبلة الله.
١٨٤٩- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج قال، أخبرني إبراهيم، عن مجاهد قال، حيثما كنتم فلكم قبلة تستقبلونها.
* * *
وقال آخرون: معنى قول الله عز وجل: (فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ)، فثم الله تبارك وتعالى.
* * *
وقال آخرون: معنى قوله: (فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ)، فثم تدركون بالتوجه إليه رضا الله الذي له الوجه الكريم.
* * *
وقال آخرون: عنى بـ "الوجه" ذا الوجه. وقال قائلو هذه المقالة: وجه الله صفة له.
* * *
فإن قال قائل: وما هذه الآية من التي قبلها؟
قيل: هي لها مواصلة. وإنما معنى ذلك: ومن أظلم من النصارى الذين منعوا عباد الله مساجده أن يذكر فيها اسمه، وسعوا في خرابها، ولله المشرق والمغرب، فأينما توجهوا وجوهكم فاذكروه، فإن وجهه هنالك، يسعكم فضله وأرضه وبلاده، ويعلم ما تعملون، ولا يمنعكم تخريب من خرب مسجد بيت المقدس، ومنعهم من منعوا من ذكر الله فيه - أن تذكروا الله حيث كنتم من أرض الله، تبتغون به وجهه.
* * *
(١) في المطبوعة: "فثم، فقال بعضهم"، والصواب إثبات"وجه الله".

القول في تأويل قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾


قال أبو جعفر: يعني جل ثناؤه بقوله: (واسع) يسع خلقه كلهم بالكفاية والإفضال والجود والتدبير.
وأما قوله: (عليم)، فإنه يعني أنه عليم بأفعالهم لا يغيب عنه منها شيء ولا يعزب عن علمه، بل هو بجميعها عليم.
* * *

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ (١١٦)﴾


قال أبو جعفر: يعني بقوله جل ثناؤه: (وقالوا اتخذ الله ولدا)، الذين منعوا مساجد الله أن يذكر فيها اسمه، (وقالوا) : معطوف على قوله: (وَسَعَى فِي خَرَابِهَا).
* * *
وتأويل الآية: ومن أظلم ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه وسعى في خرابها، وقالوا اتخذ الله ولدا، وهم النصارى الذين زعموا أن عيسى ابن الله؟ فقال الله جل ثناؤه مكذبا قيلهم ما قالوا من ذلك ومنتفيا مما نحلوه وأضافوا إليه بكذبهم وفريتهم: (١) (سبحانه)، يعني بها: تنزيها وتبريئا من أن يكون له ولد، وعلوا وارتفاعا عن ذلك. وقد دللنا فيما مضى على معنى قول القائل:"سبحان الله"، بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع. (٢)
* * *
ثم أخبر جل ثناؤه أن له ما في السموات والأرض ملكا وخلقا. ومعنى ذلك:
(١) في المطبوعة: "ومنفيا ما نحلوه". وانتفى من الشيء: تبرأ منه. ونحله الشيء: نسبه إليه. والفرية: الكذب المختلق.
(٢) انظر ما سلف ١: ٤٧٤، ٤٩٥.

تفسير القرآن العظيم — ابن كثير

عن الكتاب
وهذا - والله أعلم - فيه تسلية للرسول ﷺ وأصحابه الذين أخرجوا(١) من مكة وفارقوا مسجدهم ومُصَلاهم، وقد كان رسول الله ﷺ يصلي بمكةَ إلى بيت المقدس والكعبةُ بين يديه. فلما قدم المدينة وُجه إلى بيت المقدس ستة عشر شهرًا، أو سبعة عشر شهرًا، ثم صرفه الله إلى الكعبة بعدُ، ولهذا يقول(٢) تعالى :﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾
قال أبو عبيد القاسم بن سلام، في كتاب الناسخ والمنسوخ : أخبرنا حجاج بن محمد، أخبرنا ابن جريج وعثمان بن عطاء، عن عطاء، عن ابن عباس، قال : أول ما نسخ من القرآن فيما ذكر لنا - والله أعلم - شأنُ القبلة : قال(٣) تعالى :﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ فاستقبل رسول الله ﷺ فصلى نحو بيت المقدس، وترك البيت العتيق، ثم صرفه إلى بيته(٤) العتيق ونسخها، فقال :﴿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُمَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾(٥).
وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس قال : كان أول ما نسخ من القرآن القبلة. وذلك أن رسول ﷺ لما هاجر إلى المدينة - وكان أهلُها اليهودَ - أمره الله أن يستقبل بيت المقدس. ففرحت اليهود فاستقبلها رسول الله ﷺ بضعة عشر شهرا، وكان رسول الله ﷺ يحب قبلة إبراهيم، فكان يدعو وينظر إلى السماء، فأنزل الله :﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ [ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا ]﴾(٦) إلى قوله :﴿فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ فارتاب من ذلك اليهود، وقالوا : ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها، فأنزل الله :﴿قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ [ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ]﴾(٧) وقال :﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾
وقال عكرمة عن ابن عباس :﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ قال : قبلة الله أينما توجهت شرقًا أو غربًا. وقال مجاهد :﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ [ قال : قبلة الله ](٨) حيثما كنتم فلكم قبلة تستقبلونها : الكعبة.
وقال ابن أبي حاتم بعد روايته الأثر المتقدم، عن ابن عباس، في نسخ القبلة، عن عطاء، عنه : وروي عن أبي العالية، والحسن، وعطاء الخراساني، وعكرمة، وقتادة، والسدي، وزيد بن أسلم، نحو ذلك.
وقال ابن جرير : وقال آخرون : بل أنزل الله هذه الآية قبل أن يفرض التوجه إلى الكعبة، وإنما أنزلها(٩) تعالى ليعلم نبيه ﷺ وأصحابه أن لهم التوجه بوجوههم للصلاة، حيث شاؤوا من نواحي المشرق والمغرب ؛ لأنهم لا يوجهون وجوههم وجهًا من ذلك وناحية إلا كان جل ثناؤه في ذلك الوجه(١٠) وتلك الناحية ؛ لأن له تعالى المشارق والمغارب، وأنه لا يخلو منه مكان، كما قال تعالى :﴿وَلا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا﴾ [المجادلة: ٧] قالوا : ثم نسخ ذلك بالفرض الذي فَرَضَ عليهم التوجُّهَ إلى المسجد الحرام.
هكذا قال، وفي قوله :" وإنه تعالى لا يخلو منه مكان " : إن أراد علمه تعالى فصحيح ؛ فإن علمه تعالى محيط بجميع المعلومات، وأما ذاته تعالى فلا تكون محصورة في شيء من خلقه، تعالى الله
عن ذلك علوًا كبيرًا.
قال ابن جرير : وقال آخرون : بل نزلت هذه الآية على رسول الله ﷺ إذنا من الله أن يصلي التطوع حيث توجه من شرق أو غرب، في مسيره في سفره، وفي حال المسايفة وشدة الخوف.
حدثنا أبو كُرَيْب، حدثنا ابن إدريس، حدثنا عبد الملك - هو ابن أبي سليمان - عن سعيد بن جبير، عن ابن عمر : أنه كان يصلي حيث توجهت به راحلته. ويذكر أن رسول الله ﷺ كان يفعل ذلك، ويتأول هذه الآية :﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾
ورواه مسلم والترمذي والنسائي وابن أبي حاتم وابن مَرْدُوَيه، من طرق، عن عبد الملك بن أبي سليمان، به(١١). وأصله في الصحيحين من حديث ابن عمر وعامر بن ربيعة، من غير ذكر الآية.
وفي صحيح البخاري من حديث نافع، عن ابن عمر : أنه كان إذا سئل عن صلاة الخوف وصفها. ثم قال : فإن كان خوف أشد من ذلك صلوا رجالا قياما على أقدامهم، وركبانا مستقبلي القبلة وغير مستقبليها.
قال نافع : ولا أرى ابن عمر ذكر ذلك إلا عن النبي صلى الله عليه وسلم(١٢).
مسألة : ولم يفرق الشافعي في المشهور عنه، بين سفر المسافة وسفر العدوى، فالجميع عنه يجوز التطوع فيه على الراحلة، وهو قول أبي حنيفة خلافا لمالك وجماعته، واختار أبو يوسف وأبو سعيد الإصطخري، التطوع على الدابة في المصر، وحكاه أبو يوسف عن أنس بن مالك، رضي الله عنه، واختاره أبو جعفر الطبري، حتى للماشي أيضا.
قال ابن جرير : وقال آخرون : بل نزلت هذه الآية في قوم عُمِّيتْ عليهم القبلة، فلم يعرفوا شَطرها، فصلوا على أنحاء مختلفة، فقال الله(١٣) لي المشارق والمغارب فأين وليتم وجوهكم فهنالك وجهي، وهو قبلتكم فيعلمكم بذلك أن صلاتكم ماضية.
حدثنا أحمد بن إسحاق الأهوازي، حدثنا أبو أحمد الزبيري، حدثنا أبو الربيع السمان، عن عاصم بن عبيد الله، عن عبد الله بن عامر بن ربيعة، عن أبيه، قال : كنا مع رسول الله ﷺ في ليلة سوداء مظلمة، فنزلنا منزلا فجعل الرَّجل يأخذُ الأحجارَ فيعمل مسجدا يصلي فيه. فلما [ أن ](١٤) أصبحنا إذا نحن قد صلينا على غير القبلة. فقلنا : يا رسول الله، لقد صلينا ليلتنا هذه لغير القبلة ؟ فأنزل الله تعالى :﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ الآية.
ثم رواه عن سفيان بن وَكِيع، عن أبيه، عن أبي الربيع السمان، بنحوه(١٥).
ورواه الترمذي، عن محمود بن غيلان، عن وَكِيع. وابن ماجه، عن يحيى بن حكيم، عن أبي داود، عن أبي الربيع السمان(١٦).
ورواه ابن أبي حاتم، عن الحسن بن محمد بن الصباح، عن سعيد(١٧) بن سليمان، عن أبي الربيع السمان(١٨) - واسمه أشعث بن سعيد البصري - وهو ضعيف الحديث.
وقال الترمذي : هذا حديث حسن. ليس إسناده بذاك، ولا نعرفه إلا من حديث أشعث السمان، وأشعث يُضَعَّف في الحديث.
قلت : وشيخه عاصم أيضًا ضعيف(١٩).
قال البخاري : منكر الحديث. وقال ابن معين : ضعيف لا يحتج به. وقال ابن حبان : متروك، والله أعلم.
وقد روي من طرق أخرى، عن جابر.
وقال الحافظ أبو بكر بن مَرْدُويه في تفسير هذه الآية : حدثنا إسماعيل بن علي بن إسماعيل، حدثنا الحسن بن علي بن شبيب، حدثني أحمد بن عبيد الله(٢٠) بن الحسن، قال : وجدت في كتاب أبي : حدثنا عبد الملك العرزمي، عن عطاء، عن جابر، قال : بَعَث رسولُ الله ﷺ سَرِيَّة كنت فيها، فأصابتنا ظلمة فلم نعرف القبلة، فقالت طائفة منا : قد عرفنا القبلة، هي هاهنا قبل السماك(٢١). فصلُّوا وخطُّوا خطوطًا، فلما أصبحوا وطلعت الشمس أصبحت تلك الخطوط لغير القبلة. فلما قفلنا من سفرنا(٢٢) سألنا النبي ﷺ، فسكت، وأنزل الله تعالى :﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾
ثم رواه من حديث محمد بن عبيد الله العَرْزَمي، عن عطاء، عن جابر، به(٢٣).
وقال الدارقطني : قرئ على عبد الله بن عبد العزيز - وأنا أسمع - حدثكم داود بن عمرو، حدثنا محمد بن يزيد(٢٤) الواسطي، عن محمد بن سالم، عن عطاء، عن جابر، قال : كنا مع رسول الله
صلى الله عليه وسلم في مسير فأصابنا غيم، فتحيرنا فاختلفنا في القبلة، فصلى كل(٢٥) منا على حدة، وجعل أحدنا يخط بين يديه لنعلم أمكنتنا، فذكرنا ذلك للنبي ﷺ فلم يأمرنا بالإعادة، وقال :" قد أجزأت صلاتكم ".
ثم قال الدارقطني : كذا قال : عن محمد بن سالم، وقال غيره : عن محمد بن عبد الله العرزمي، عن عطاء، وهما ضعيفان(٢٦).
ثم رواه ابن مَرْدُويه أيضا من حديث الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس : أن رسول الله ﷺ بعث سرِيَّة فأخذتهم ضبابة، فلم يهتدوا إلى القبلة، فصلوا لغير القبلة. ثم استبان لهم بعد طلوع(٢٧) الشمس أنهم صلوا لغير القبلة. فلما جاؤوا إلى رسول الله ﷺ حدَّثُوه، فأنزل الله عز وجل، هذه الآية :﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾
وهذه الأسانيد فيها ضعف، ولعله يشد بعضها بعضا. وأما إعادة الصلاة لمن تبين له خطؤه ففيها قولان للعلماء، وهذه دلائل على عدم القضاء، والله أعلم.
قال ابن جرير : وقال آخرون : بل نزلت هذه الآية في سبب النجاشي، كما حدثنا محمد بن بشار، حدثنا هشام بن معاذ(٢٨) حدثني أبي، عن قتادة : أن النبي ﷺ قال :" إن أخا لكم قد مات فصلوا عليه ". قالوا : نصلي على رجل ليس بمسلم ؟ قال : فنزلت :﴿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنزلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنزلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ لِلَّهِ﴾ [آل عمران: ١٩٩] قال قتادة : فقالوا : فإنه كان لا يصلي إلى القبلة. فأنزل الله :﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾(٢٩).
وهذا غريب والله أعلم.
وقد قيل : إنه كان يصلي إلى بيت المقدس قبل أن يبلغه الناسخ إلى الكعبة، كما حكاه القرطبي عن قتادة، وذكر القرطبي أنه لما مات صلى عليه رسول الله ﷺ فأخذ بذلك من ذهب إلى الصلاة على الغائب، قال : وهذا خاص عند أصحابنا من ثلاثة أوجه : أحدها : أنه عليه السلام، شاهده حين صلى عليه طويت له الأرض. الثاني : أنه لما لم يكن عنده من يصلي عليه صلى عليه، واختاره ابن العربي، قال القرطبي : ويبعد أن يكون ملك مسلم ليس عنده أحد من قومه على دينه، وقد أجاب ابن العربي عن هذا لعلهم لم يكن عندهم شرعية الصلاة على الميت. وهذا جواب جيد. الثالث : أنه عليه الصلاة والسلام إنما صلى عليه ليكون ذلك كالتأليف لبقية الملوك، والله أعلم.
وقد أورد الحافظ أبو بكر بن مَرْدُويه في تفسير هذه الآية من حديث أبي معشر، عن محمد بن عمرو بن علقمة، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، قال : قال رسول الله ﷺ :" ما بين المشرق والمغرب قبْلَة لأهل المدينة وأهل الشام وأهل العراق ".
وله مناسبة هاهنا، وقد أخرجه الترمذي وابن ماجه من حديث أبي معشر، واسمه(٣٠) نَجِيح بن عبد الرحمن السَّندي المدني، به(٣١) " ما بين المشرق والمغرب قبلة ".
وقال الترمذي : وقد روي من غير وجه عن أبي هريرة. وتكلم بعض أهل العلم في أبي معشر من قبل حفظه، ثم قال الترمذي : حدثني الحسن بن [ أبي ](٣٢) بكر المروزي، حدثنا المعلى بن منصور، حدثنا عبد
١ في أ: "الذين خرجوا"..
٢ في جـ: "يقول الله"..
٣ في جـ، ب، و: "قال الله"..
٤ في جـ، أ، و: "البيت"..
٥ ورواه ابن أبي حاتم في تفسيره (١/٣٤٦) من طريق حجاج بن محمد به، ورواه الحاكم في المستدرك (٢/٢٦٧) من طريق ابن جريج عن عطاء به وقال: "هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه بهذا السياق"..
٦ زيادة من جـ..
٧ زيادة من جـ، ط..
٨ زيادة من جـ..
٩ في جـ: "أنزلها الله"..
١٠ في أ: "التوجيه"..
١١ تفسير الطبري (٢/٥٣٠) وصحيح مسلم برقم (٧٠٠) وسنن الترمذي برقم (٢٩٥٨) وسنن النسائي (١/٢٤٤) وتفسير ابن أبي حاتم (١/٣٤٤)..
١٢ صحيح البخاري برقم (٤٥٣٥)..
١٣ في أ: "فقال الله لهم"..
١٤ زيادة من ط..
١٥ تفسير الطبري (٢/ ٥٣١، ٥٣٢)..
١٦ سنن الترمذي برقم (٣٤٥) وسنن ابن ماجة برقم (١٠٢٠)..
١٧ في و: "عن سعد"..
١٨ تفسير ابن أبي حاتم (١/٣٤٤)..
١٩ في أ: "ضعيف الحديث"..
٢٠ في هـ: "عبد الله"..
٢١ في جـ، ط، ب، أ، و: "قبل الشمال"..
٢٢ في أ: "سيرنا"..
٢٣ ورواه الدارقطني في السنن (١/٢٧١) من طريق إسماعيل بن علي عن الحسن بن علي بن شبيب به، ورواه البيهقي في السنن الكبرى (٢/١٢) من طريق محمد بن الحارث عن أحمد بن عبيد الله قال: وجدت في كتاب أبي فذكر مثله، ورواه أيضا (٢/١٠) من طريق محمد بن يزيد الواسطي، عن محمد بن عبيد الله العرزمي عن عطاء به..
٢٤ ي جـ: "بن زيد"..
٢٥ في جـ، ط، ب، أ، و: "كل رجل"..
٢٦ سنن الدارقطني (١/٢٧١) ورواه الحاكم في المستدرك (١/٢٠٦) من طريق داود بن عمرو به، وقال: "هذا حديث صحيح رواته كلهم ثقات غير محمد بن سالم فإني لا أعرفه بعدالة ولا جرح". قال الذهبي: قلت: "هو أبو سهل واه"..
٢٧ في جـ، ط، ب، أ، و: "بعدما طلعت"..
٢٨ في جـ، ط، ب، أ: "معاذ بن هشام"..
٢٩ تفسير الطبري (٢/٥٣٢)..
٣٠ في و: "وابن"..
٣١ سنن الترمذي برقم (٣٤٢) وسنن ابن ماجة برقم (١٠١١)..
٣٢ زيادة من جـ..
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
وَقَالَ قَتَادَةُ: لَا يَدْخُلُونَ الْمَسَاجِدَ إِلَّا مُسَارَقَةً.
قُلْتُ: وَهَذَا لَا يَنْفِي أَنْ يَكُونَ دَاخِلًا في معنى عموم الآية فإن النصارى ما ظَلَمُوا بَيْتَ الْمَقْدِسِ، بِامْتِهَانِ الصَّخْرَةِ التِي كَانَتْ يُصَلِّي (١) إِلَيْهَا الْيَهُودُ، عُوقِبُوا شَرْعًا وقَدَرا بِالذِّلَّةِ فِيهِ، إِلَّا فِي أَحْيَانٍ مِنَ الدَّهْرِ امْتُحِنَ (٢) بِهِمْ بَيْتُ الْمَقْدِسِ وَكَذَلِكَ اليهودُ لَمَّا عَصَوا اللَّهَ فِيهِ أَيْضًا أَعْظَمَ مِنْ عِصْيَانِ النَّصَارَى كَانَتْ عُقُوبَتُهُمْ أَعْظَمَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَفَسَّرَ هَؤُلَاءِ الْخِزْيَ مِنَ الدُّنْيَا، بِخُرُوجِ الْمُهْدِيِّ عِنْدَ السُّدِّيِّ، وَعِكْرِمَةَ، وَوَائِلِ بْنِ دَاوُدَ. وَفَسَّرَهُ قَتَادَةُ بِأَدَاءِ الْجِزْيَةِ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ.
وَالصَّحِيحُ أَنَّ الْخِزْيَ فِي الدُّنْيَا أَعَمُّ مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ، وَقَدْ وَرَدَ الْحَدِيثُ بِالِاسْتِعَاذَةِ مِنْ خِزْيِ الدُّنْيَا وَعَذَابِ الْآخِرَةِ كَمَا قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا الْهَيْثَمُ بْنُ خَارِجَةَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَيُّوبَ بْنِ مَيْسَرَةَ بْنِ حَلبس (٣) سَمِعْتُ أَبِي يُحَدِّثُ، عَنْ بُسْر (٤) بْنِ أَرْطَاةَ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَدْعُو: "اللَّهُمَّ أَحْسِنْ عَاقِبَتَنَا فِي الْأُمُورِ كُلِّهَا، وَأَجِرْنَا مِنْ خِزْيِ الدُّنْيَا وَعَذَابِ الْآخِرَةِ" (٥).
وَهَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ، وَلَيْسَ فِي شَيْءٍ مِنَ الْكُتُبِ السِّتَّةِ، وَلَيْسَ لِصَحَابِيِّهِ وَهُوَ بُسْرُ (٦) بْنُ أَرْطَاةَ -وَيُقَالُ: ابْنُ أَبِي أَرْطَاةَ-حَدِيثٌ سِوَاهُ، وَسِوَى [حَدِيثِ] (٧) "لَا تُقْطَعُ الْأَيْدِي فِي الْغَزْوِ".
﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (١١٥)﴾
وَهَذَا -وَاللَّهُ أَعْلَمُ-فِيهِ تَسْلِيَةٌ لِلرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابِهِ
الَّذِينَ أُخْرِجُوا (٨) مِنْ مَكَّةَ وَفَارَقُوا مَسْجِدَهُمْ ومُصَلاهم، وَقَدْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي بمكةَ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ والكعبةُ بَيْنَ يَدَيْهِ. فَلَمَّا قَدِمَ الْمَدِينَةَ وُجه إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ سِتَّةَ عَشَرَ شَهْرًا، أَوْ سَبْعَةَ عَشَرَ شَهْرًا، ثُمَّ صَرَفَهُ اللَّهُ إِلَى الْكَعْبَةِ بعدُ، وَلِهَذَا يَقُولُ (٩) تَعَالَى: ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾
قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ الْقَاسِمُ بْنُ سَلَّامٍ، فِي كِتَابِ النَّاسِخِ وَالْمَنْسُوخِ: أَخْبَرَنَا حَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّدٍ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ وَعُثْمَانُ بْنُ عَطَاءٍ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: أَوَّلُ مَا نُسِخَ مِنَ الْقُرْآنِ فِيمَا ذُكِرَ لَنَا -وَاللَّهُ أَعْلَمُ-شأنُ الْقِبْلَةِ: قَالَ (١٠) تَعَالَى: ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ فاستقبل
(١) في جـ، ب، و: "كانت تصلى"، وفي أ: "كانت تصل".
(٢) في أ: "سخر".
(٣) في جـ، ط، ب: "بن حابس".
(٤) في أ: "عن بشر".
(٥) المسند (٤/١٨١).
(٦) في أ: "وهو بشر".
(٧) زيادة من جـ، ط، ب، أ، و.
(٨) في أ: "الذين خرجوا".
(٩) في جـ: "يقول الله".
(١٠) في جـ، ب، و: "قال الله".
رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَصَلَّى نَحْوَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ، وَتَرَكَ الْبَيْتَ الْعَتِيقَ، ثُمَّ صَرَفَهُ إِلَى بَيْتِهِ (١) الْعَتِيقِ وَنَسَخَهَا، فَقَالَ: ﴿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُمَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ (٢).
وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عباس قال: كان أول ما نسخ من القرآن القبلة. وَذَلِكَ أَنَّ رَسُولَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا هَاجَرَ إِلَى الْمَدِينَةِ -وَكَانَ أهلُها اليهودَ-أَمَرَهُ اللَّهُ أَنْ يَسْتَقْبِلَ بَيْتَ الْمَقْدِسِ. فَفَرِحَتِ الْيَهُودُ فَاسْتَقْبَلَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِضْعَةَ عَشَرَ شَهْرًا، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُحِبُّ قِبْلَةَ إِبْرَاهِيمَ، فَكَانَ يَدْعُو وَيَنْظُرُ إِلَى السَّمَاءِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ [فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا]﴾ (٣) إِلَى قَوْلِهِ: ﴿فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ فَارْتَابَ مِنْ ذَلِكَ الْيَهُودُ، وَقَالُوا: مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ التِي كَانُوا عَلَيْهَا، فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ [يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ]﴾ (٤) وَقَالَ: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾
وَقَالَ عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ قَالَ: قِبْلَةُ اللَّهِ أَيْنَمَا تَوَجَّهْتَ شَرْقًا أَوْ غَرْبًا. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ [قَالَ: قِبْلَةُ اللَّهِ] (٥) حَيْثُمَا كُنْتُمْ فَلَكُمْ قِبْلَةٌ تَسْتَقْبِلُونَهَا: الْكَعْبَةُ.
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ بَعْدَ رِوَايَتِهِ الْأَثَرَ الْمُتَقَدِّمَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، فِي نَسْخِ الْقِبْلَةِ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْهُ: وَرُوِيَ عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ، وَالْحَسَنِ، وَعَطَاءٍ الْخُرَاسَانِيِّ، وَعِكْرِمَةَ، وَقَتَادَةَ، وَالسُّدِّيِّ، وَزَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، نَحْوَ ذَلِكَ.
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ أَنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الْآيَةَ قَبْلَ أَنْ يَفْرِضَ التَّوَجُّهَ إِلَى الْكَعْبَةِ، وَإِنَّمَا أَنْزَلَهَا (٦) تَعَالَى لِيُعْلِمَ نَبِيَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابَهُ أَنَّ لَهُمُ التَّوَجُّهَ بِوُجُوهِهِمْ للصلاة، حيث شاؤوا مِنْ نَوَاحِي الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ؛ لِأَنَّهُمْ لَا يُوَجِّهُونَ وُجُوهَهُمْ وَجْهًا مِنْ ذَلِكَ وَنَاحِيَةً إِلَّا كَانَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ فِي ذَلِكَ الْوَجْهِ (٧) وَتِلْكَ النَّاحِيَةِ؛ لِأَنَّ لَهُ تَعَالَى الْمَشَارِقَ وَالْمَغَارِبَ، وَأَنَّهُ لَا يَخْلُو مِنْهُ مَكَانٌ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا﴾ [الْمُجَادَلَةِ: ٧] قَالُوا: ثُمَّ نَسَخَ ذَلِكَ بِالْفَرْضِ الذِي فَرَضَ عَلَيْهِمُ التوجُّهَ إِلَى الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ.
هَكَذَا قَالَ، وَفِي قَوْلِهِ: "وَإِنَّهُ تَعَالَى لَا يَخْلُو مِنْهُ مَكَانٌ": إِنْ أَرَادَ عِلْمَهُ تَعَالَى فَصَحِيحٌ؛ فَإِنَّ عِلْمَهُ تَعَالَى مُحِيطٌ بِجَمِيعِ الْمَعْلُومَاتِ، وَأَمَّا ذَاتُهُ تَعَالَى فَلَا تَكُونُ مَحْصُورَةً فِي شَيْءٍ مِنْ خَلْقِهِ، تَعَالَى الله
(١) في جـ، أ، و: "البيت".
(٢) وَرَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ فِي تَفْسِيرِهِ (١/٣٤٦) مِنْ طريق حجاج بن محمد به، ورواه الحاكم في المستدرك (٢/٢٦٧) من طريق ابن جريج عن عطاء بِهِ وَقَالَ: "هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ وَلَمْ يخرجاه بهذا السياق".
(٣) زيادة من جـ.
(٤) زيادة من جـ، ط.
(٥) زيادة من جـ.
(٦) في جـ: "أنزلها الله".
(٧) في أ: "التوجيه".
عَنْ ذَلِكَ عُلُوًّا كَبِيرًا.
قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلم إِذْنًا مِنَ اللَّهِ أَنْ يُصَلِّيَ التَّطَوُّعَ حَيْثُ تَوَجَّهَ مِنْ شَرْقٍ أَوْ غَرْبٍ، فِي مَسِيرِهِ فِي سَفَرِهِ، وَفِي حَالِ الْمُسَايَفَةِ وَشَدَّةِ الْخَوْفِ.
حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب، حَدَّثَنَا ابْنُ إِدْرِيسَ، حَدَّثَنَا عبد الملك -هو ابن أبي سليمان-عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّهُ كَانَ يُصَلِّي حَيْثُ تَوَجَّهَتْ بِهِ رَاحِلَتُهُ. وَيَذْكُرُ أن رسول الله ﷺ كَانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ، وَيَتَأَوَّلُ هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾
وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ وَابْنُ مَرْدُوَيه، مِنْ طُرُقٍ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ، بِهِ (١). وَأَصْلُهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ وَعَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ، مِنْ غَيْرِ ذِكْرِ الْآيَةِ.
وَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ مِنْ حَدِيثِ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّهُ كَانَ إِذَا سُئِلَ عَنْ صَلَاةِ الْخَوْفِ وَصَفَهَا. ثُمَّ قَالَ: فَإِنْ كان خوف أشد من ذلك صلوا رجالا قِيَامًا عَلَى أَقْدَامِهِمْ، وَرُكْبَانًا مُسْتَقْبَلِي الْقِبْلَةَ وَغَيْرَ مُسْتَقْبِلِيهَا.
قَالَ نَافِعٌ: وَلَا أَرَى ابْنَ عُمَرَ ذَكَرَ ذَلِكَ إِلَّا عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (٢).
مَسْأَلَةٌ: وَلَمْ يُفَرِّقِ الشَّافِعِيُّ فِي الْمَشْهُورِ عَنْهُ، بَيْنَ سَفَرِ الْمَسَافَةِ وَسَفَرِ الْعَدْوَى، فَالْجَمِيعُ عَنْهُ يَجُوزُ التَّطَوُّعُ فِيهِ عَلَى الرَّاحِلَةِ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ خِلَافًا لِمَالِكٍ وَجَمَاعَتِهِ، وَاخْتَارَ أَبُو يُوسُفَ وَأَبُو سَعِيدٍ الْإِصْطَخْرِيُّ، التَّطَوُّعَ عَلَى الدَّابَّةِ فِي الْمِصْرِ، وَحَكَاهُ أَبُو يُوسُفَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وَاخْتَارَهُ أَبُو جَعْفَرٍ الطَّبَرِيُّ، حَتَّى لِلْمَاشِي أَيْضًا.
قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي قَوْمٍ عُمِّيتْ عَلَيْهِمُ الْقِبْلَةُ، فَلَمْ يَعْرِفُوا شَطرها، فَصَلَّوْا عَلَى أَنْحَاءَ مُخْتَلِفَةٍ، فَقَالَ اللَّهُ (٣) لِيَ الْمَشَارِقُ وَالْمَغَارِبُ فَأَيْنَ وَلَّيْتُمْ وُجُوهَكُمْ فَهُنَالِكَ وَجْهِي، وَهُوَ قِبْلَتُكُمْ فَيُعْلِمُكُمْ بِذَلِكَ أَنَّ صَلَاتَكُمْ مَاضِيَةٌ.
حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ إِسْحَاقَ الْأَهْوَازِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو أَحْمَدَ الزُّبَيْرِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو الرَّبِيعِ السَّمَّانُ، عَنْ عَاصِمِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي لَيْلَةٍ سَوْدَاءَ مُظْلِمَةٍ، فَنَزَلْنَا مَنْزِلًا فَجَعَلَ الرَّجل يأخذُ الأحجارَ فَيَعْمَلُ مَسْجِدًا يُصَلِّي فِيهِ. فَلَمَّا [أَنْ] (٤) أَصْبَحْنَا إِذَا نَحْنُ قَدْ صَلَّيْنَا عَلَى غَيْرِ الْقِبْلَةِ. فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَقَدْ صَلَّيْنَا لَيْلَتَنَا هَذِهِ لِغَيْرِ الْقِبْلَةِ؟ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ الآية.
(١) تفسير الطبري (٢/٥٣٠) وصحيح مسلم برقم (٧٠٠) وسنن الترمذي برقم (٢٩٥٨) وسنن النسائي (١/٢٤٤) وتفسير ابن أبي حاتم (١/٣٤٤).
(٢) صحيح البخاري برقم (٤٥٣٥).
(٣) في أ: "فقال الله لهم".
(٤) زيادة من ط.
ثُمَّ رَوَاهُ عَنْ سُفْيَانَ بْنِ وَكِيع، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي الرَّبِيعِ السَّمَّانِ، بِنَحْوِهِ (١).
وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، عَنْ مَحْمُودِ بْنِ غَيْلَانَ، عَنْ وَكِيع. وَابْنِ مَاجَهْ، عَنْ يَحْيَى بْنِ حَكِيمٍ، عَنْ أَبِي دَاوُدَ، عَنْ أَبِي الرَّبِيعِ السَّمَّانِ (٢).
وَرَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الصَّبَّاحِ، عَنْ سَعِيدِ (٣) بْنِ سُلَيْمَانَ، عَنْ أَبِي الرَّبِيعِ السَّمَّانِ (٤) -وَاسْمُهُ أَشْعَثُ بْنُ سَعِيدٍ الْبَصْرِيُّ-وَهُوَ ضَعِيفُ الْحَدِيثِ.
وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ. لَيْسَ إِسْنَادُهُ بِذَاكَ، وَلَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ حَدِيثِ أَشْعَثَ السَّمَّانِ، وَأَشْعَثُ يُضَعَّف فِي الْحَدِيثِ.
قُلْتُ: وَشَيْخُهُ عَاصِمٌ أَيْضًا ضَعِيفٌ (٥).
قَالَ الْبُخَارِيُّ: مُنْكَرُ الْحَدِيثِ. وَقَالَ ابْنُ مَعِينٍ: ضَعِيفٌ لَا يُحْتَجُّ بِهِ. وَقَالَ ابْنُ حِبَّانَ: مَتْرُوكٌ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَدْ رُوِيَ مِنْ طُرُقٍ أُخْرَى، عَنْ جَابِرٍ.
وَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرِ بْنُ مَرْدُويه فِي تَفْسِيرِ هَذِهِ الْآيَةِ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ شَبِيبٍ، حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ (٦) بْنِ الْحَسَنِ، قَالَ: وَجَدْتُ فِي كِتَابِ أَبِي: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ الْعَرْزَمِيُّ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: بَعَث رسولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَرِيَّة كُنْتُ فِيهَا، فَأَصَابَتْنَا ظُلْمَةٌ فَلَمْ نَعْرِفِ الْقِبْلَةَ، فَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنَّا: قَدْ عَرَفْنَا الْقِبْلَةَ، هِيَ هَاهُنَا قِبَلَ السِّمَاكِ (٧). فصلُّوا وخطُّوا خُطُوطًا، فَلَمَّا أَصْبَحُوا وَطَلَعَتِ الشَّمْسُ أَصْبَحَتْ تِلْكَ الْخُطُوطُ لِغَيْرِ الْقِبْلَةِ. فَلَمَّا قَفَلْنَا مِنْ سَفَرِنَا (٨) سَأَلْنَا النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَسَكَتَ، وَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾
ثُمَّ رَوَاهُ مِنْ حَدِيثِ مُحَمَّدِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ العَرْزَمي، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ جَابِرٍ، بِهِ (٩).
وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ: قُرِئَ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ -وَأَنَا أَسْمَعُ-حَدَّثَكُمْ دَاوُدُ بْنُ عَمْرٍو، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَزِيدَ (١٠) الْوَاسِطِيُّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سَالِمٍ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ جَابِرٍ، قال: كنا مع رسول الله
(١) تفسير الطبري (٢/ ٥٣١، ٥٣٢).
(٢) سنن الترمذي برقم (٣٤٥) وسنن ابن ماجة برقم (١٠٢٠).
(٣) في و: "عن سعد".
(٤) تفسير ابن أبي حاتم (١/٣٤٤).
(٥) في أ: "ضعيف الحديث".
(٦) في هـ: "عبد الله".
(٧) في جـ، ط، ب، أ، و: "قبل الشمال".
(٨) في أ: "سيرنا".
(٩) ورواه الدارقطني في السنن (١/٢٧١) من طريق إسماعيل بن علي عن الحسن بن علي بن شبيب به، ورواه البيهقي في السنن الكبرى (٢/١٢) من طريق محمد بن الحارث عن أحمد بن عبيد الله قال: وجدت في كتاب أبي فذكر مثله، ورواه أيضا (٢/١٠) من طريق مُحَمَّدُ بْنُ يَزِيدَ الْوَاسِطِيُّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ الْعَرْزَمِيِّ عَنْ عطاء به.
(١٠) في جـ: "بن زيد".
صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي مَسِيرٍ فَأَصَابَنَا غَيْمٌ، فَتَحَيَّرْنَا فَاخْتَلَفْنَا فِي الْقِبْلَةِ، فَصَلَّى كُلٌّ (١) مِنَّا عَلَى حِدَةِ، وَجَعَلَ أَحَدُنَا يَخُطُّ بَيْنَ يَدَيْهِ لَنَعْلَمَ أَمْكِنَتَنَا، فَذَكَرْنَا ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمْ يَأْمُرْنَا بِالْإِعَادَةِ، وَقَالَ: "قَدْ أَجَزَّأَتْ صَلَاتُكُمْ".
ثُمَّ قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ: كَذَا قَالَ: عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سَالِمٍ، وَقَالَ غَيْرُهُ: عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْعَرْزَمِيِّ، عَنْ عَطَاءٍ، وَهُمَا ضَعِيفَانِ (٢).
ثُمَّ رَوَاهُ ابْنُ مَرْدُويه أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ الْكَلْبِيِّ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعَثَ سرِيَّة فَأَخَذَتْهُمْ ضَبَابَةٌ، فَلَمْ يَهْتَدُوا إِلَى الْقِبْلَةِ، فَصَلَّوْا لِغَيْرِ الْقِبْلَةِ. ثُمَّ اسْتَبَانَ لَهُمْ بَعْدَ طُلُوعِ (٣) الشَّمْسِ أَنَّهُمْ صلوا لغير القبلة. فلما جاؤوا إلى رسول الله ﷺ حدَّثُوه، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ، هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾
وَهَذِهِ الْأَسَانِيدُ فِيهَا ضَعْفٌ، وَلَعَلَّهُ يَشُدُّ بَعْضُهَا بَعْضًا. وَأَمَّا إِعَادَةُ الصَّلَاةِ لِمَنْ تَبَيَّنَ لَهُ خَطَؤُهُ فَفِيهَا قَوْلَانِ لِلْعُلَمَاءِ، وَهَذِهِ دَلَائِلُ عَلَى عَدَمِ الْقَضَاءِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي سَبَبِ النَّجَاشِيِّ، كَمَا حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ مُعَاذٍ (٤) حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ قَتَادَةَ: أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "إِنْ أَخًا لَكُمْ قَدْ مَاتَ فَصَلُّوا عَلَيْهِ". قَالُوا: نُصَلِّي عَلَى رَجُلٍ لَيْسَ بِمُسْلِمٍ؟ قَالَ: فَنَزَلَتْ: ﴿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنزلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنزلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ لِلَّهِ﴾ [آلِ عِمْرَانَ: ١٩٩] قَالَ قَتَادَةُ: فَقَالُوا: فَإِنَّهُ كَانَ لَا يُصَلِّي إِلَى الْقِبْلَةِ. فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ (٥).
وَهَذَا غَرِيبٌ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَدْ قِيلَ: إِنَّهُ كَانَ يُصَلِّي إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ قَبْلَ أَنْ يَبْلُغَهُ النَّاسِخَ إِلَى الْكَعْبَةِ، كَمَا حَكَاهُ الْقُرْطُبِيُّ عَنْ قَتَادَةَ، وَذَكَرَ الْقُرْطُبِيُّ أَنَّهُ لَمَّا مَاتَ صَلَّى عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَخَذَ بِذَلِكَ مِنْ ذَهَبَ إِلَى الصَّلَاةِ عَلَى الْغَائِبِ، قَالَ: وَهَذَا خَاصٌّ عِنْدَ أَصْحَابِنَا مِنْ ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ: أَحُدُهَا: أَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ، شَاهَدَهُ حِينَ صَلَّى عَلَيْهِ طُوِيَتْ لَهُ الْأَرْضُ. الثَّانِي: أَنَّهُ لَمَّا لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ مَنْ يُصَلِّي عَلَيْهِ صَلَّى عَلَيْهِ، وَاخْتَارَهُ ابْنُ الْعَرَبِيِّ، قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: وَيَبْعُدُ أَنْ يَكُونَ مَلِكٌ مُسْلِمٌ لَيْسَ عِنْدَهُ أَحَدٌ مِنْ قَوْمِهِ عَلَى دِينِهِ، وَقَدْ أَجَابَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ عَنْ هَذَا لَعَلَّهُمْ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُمْ شَرْعِيَّةُ الصَّلَاةِ عَلَى الْمَيِّتِ. وَهَذَا جَوَابٌ جَيِّدٌ. الثَّالِثُ: أَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ إِنَّمَا صَلَّى عَلَيْهِ لِيَكُونَ ذَلِكَ كَالتَّأْلِيفِ لِبَقِيَّةِ الْمُلُوكِ، وَاللَّهُ أعلم.
(١) في جـ، ط، ب، أ، و: "كل رجل".
(٢) سنن الدارقطني (١/٢٧١) ورواه الحاكم في المستدرك (١/٢٠٦) من طريق داود بن عمرو به، وقال: "هذا حديث صحيح رواته كلهم ثقات غير محمد بن سالم فإني لا أعرفه بعدالة ولا جرح". قال الذهبي: قلت: "هو أبو سهل واه".
(٣) في جـ، ط، ب، أ، و: "بعدما طلعت".
(٤) في جـ، ط، ب، أ: "معاذ بن هشام".
(٥) تفسير الطبري (٢/٥٣٢).
وَقَدْ أَوْرَدَ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرِ بْنُ مَرْدُويه فِي تَفْسِيرِ هَذِهِ الْآيَةِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي مَعْشَرٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَلْقَمَةَ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "مَا بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ قبْلَة لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَأَهْلِ الشَّامِ وَأَهْلِ الْعِرَاقِ".
وَلَهُ مُنَاسَبَةٌ هَاهُنَا، وَقَدْ أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ أَبِي مَعْشَرٍ، وَاسْمُهُ (١) نَجِيح بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ السَّندي الْمَدَنِيُّ، بِهِ (٢) "مَا بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ قِبْلَةٌ".
وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: وَقَدْ رُوِيَ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ. وَتَكَلَّمَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي أَبِي مَعْشَرٍ مِنْ قِبَلِ حِفْظِهِ، ثُمَّ قَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَدَّثَنِي الْحَسَنُ بْنُ [أَبِي] (٣) بَكْرٍ الْمَرْوَزِيُّ، حَدَّثَنَا الْمُعَلَى بْنُ مَنْصُورٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ الْمَخْزُومِيُّ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ مُحَمَّدٍ الْأَخْنَسِيِّ، عَنْ سَعِيدٍ (٤) الْمُقْبِرِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "مَا بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ قِبْلَةٌ" (٥).
ثُمَّ قَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
وَحَكَى عَنِ الْبُخَارِيِّ أَنَّهُ قَالَ: هَذَا أَقْوَى مِنْ حَدِيثِ أَبِي مَعْشَرٍ وَأَصَحُّ. قَالَ التِّرْمِذِيُّ: وَقَدْ رُوِيَ عَنْ غَيْرِ وَاحِدٍ مِنَ الصَّحَابَةِ: مَا بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ قِبْلَةٌ -مِنْهُمْ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، وَعَلِيٌّ، وَابْنُ عَبَّاسٍ.
وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: إِذَا جَعَلْتَ الْمَغْرِبَ عَنْ يَمِينِكَ وَالْمَشْرِقَ عَنْ يَسَارِكَ، فَمَا بَيْنَهُمَا قِبْلَةٌ، إِذَا اسْتُقْبِلَتِ الْقِبْلَةُ.
ثُمَّ قَالَ ابْنُ مَرْدُويه: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ يُونُسَ مَوْلَى بَنِي هَاشِمٍ، حَدَّثَنَا شُعَيْبُ بْنُ أَيُّوبَ، حَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم، قَالَ: "مَا بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ قِبْلَةٌ".
وَقَدْ رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ (٦) وَقَالَ الْمَشْهُورُ: عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنْ عُمَرَ، قَوْلُهُ.
قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وَيُحْتَمَلُ: فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ فِي دُعَائِكُمْ لِي فَهُنَالِكَ وَجْهِي أَسْتَجِيبُ لَكُمْ دُعَاءَكُمْ، كَمَا حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ، حَدَّثَنِي حَجَّاجٌ، قَالَ: قَالَ ابْنُ جُرَيج: قَالَ مُجَاهِدٌ: لَمَّا نَزَلَتْ: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غَافِرٍ: ٦٠] قَالُوا: إِلَى أَيْنَ؟ فَنَزَلَتْ: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾
(١) في و: "وابن".
(٢) سنن الترمذي برقم (٣٤٢) وسنن ابن ماجة برقم (١٠١١).
(٣) زيادة من جـ.
(٤) في أ: "عن شعبة".
(٥) سنن الترمذي برقم (٣٤٤).
(٦) سنن الدارقطني (١/٢٧٠) وسنن البيهقي (٢/٩) وهو معلول والصواب وقفه. قال ابن أبي حاتم في العلل (١/١٨٤) :"سئل أبو زرعة عن حديث رواه يزيد بن هارون، عن محمد بن عبد الرحمن، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "مَا بَيْنَ الْمَشْرِقِ والمغرب قبلة" قال أبو زرعة: "هذا وهم، الحديث حديث ابن عمر موقوف".

تيسير الكريم الرحمن — السعدي

عن الكتاب
﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾
أي :﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ﴾ خصهما بالذكر، لأنهما محل الآيات العظيمة، فهما مطالع الأنوار ومغاربها، فإذا كان مالكا لها، كان مالكا لكل الجهات.
﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا﴾ وجوهكم من الجهات، إذا كان توليكم إياها بأمره، إما أن يأمركم باستقبال الكعبة بعد أن كنتم مأمورين باستقبال بيت المقدس، أو تؤمرون بالصلاة في السفر على الراحلة ونحوها، فإن القبلة حيثما توجه العبد أو تشتبه القبلة، فيتحرى الصلاة إليها، ثم يتبين له الخطأ، أو يكون معذورا بصلب أو مرض ونحو ذلك، فهذه الأمور، إما أن يكون العبد فيها معذورا أو مأمورا.
وبكل حال، فما استقبل جهة من الجهات، خارجة عن ملك ربه.
﴿فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ فيه إثبات الوجه لله تعالى، على الوجه اللائق به تعالى، وأن لله وجها لا تشبهه الوجوه، وهو - تعالى - واسع الفضل والصفات عظيمها، عليم بسرائركم ونياتكم.
فمن سعته وعلمه، وسع لكم الأمر، وقبل منكم المأمور، فله الحمد والشكر.
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
{١١٥} ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾.
أي: ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ﴾ خصهما بالذكر، لأنهما محل الآيات العظيمة، فهما مطالع الأنوار ومغاربها، فإذا كان مالكا لها، كان مالكا لكل الجهات.
﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا﴾ وجوهكم من الجهات، إذا كان توليكم إياها بأمره، إما أن يأمركم باستقبال الكعبة بعد أن كنتم مأمورين باستقبال بيت المقدس، أو تؤمرون بالصلاة في السفر على الراحلة ونحوها، فإن القبلة حيثما توجه العبد أو تشتبه القبلة، فيتحرى الصلاة إليها، ثم يتبين له الخطأ، أو يكون معذورا بصلب أو مرض ونحو ذلك، فهذه الأمور، إما أن يكون العبد فيها معذورا أو مأمورا.
وبكل حال، فما استقبل جهة من الجهات، خارجة عن ملك ربه.
﴿فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ فيه -[٦٤]- إثبات الوجه لله تعالى، على الوجه اللائق به تعالى، وأن لله وجها لا تشبهه الوجوه، وهو - تعالى - واسع الفضل والصفات عظيمها، عليم بسرائركم ونياتكم.
فمن سعته وعلمه، وسع لكم الأمر، وقبل منكم المأمور، فله الحمد والشكر.
جميع كتب التفسير لهذه الآية (١٢٦ كتابًا)
جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري تفسير القرآن العظيم — ابن كثير تفسير القرآن العظيم — ابن كثير تيسير الكريم الرحمن — السعدي تيسير العلي القدير لاختصار تفسير ابن كثير — محمد نسيب الرفاعي أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير — أبو بكر الجزائري التفسير الميسر — مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور — حكمت بشير ياسين المختصر في تفسير القرآن الكريم — مركز تفسير للدراسات القرآنية غريب القرآن — زيد بن علي تفسير مقاتل بن سليمان — مقاتل بن سليمان تفسير الإمام مالك — مالك بن أنس معاني القرآن للفراء — الفراء مجاز القرآن — أبو عبيدة معمر بن المثنى مجاز القرآن — أبو عبيدة تفسير القرآن — الصنعاني معاني القرآن — الأخفش غريب القرآن — ابن قتيبة الدِّينَوري تفسير التستري — سهل التستري تفسير النسائي — النسائي معاني القرآن وإعرابه للزجاج — الزجاج تفسير ابن أبي حاتم — ابن أبي حاتم الرازي تأويلات أهل السنة — أبو منصور المَاتُرِيدي أحكام القرآن — الجصاص بحر العلوم — أبو الليث السمرقندي تفسير القرآن العزيز — ابن أبي زَمَنِين الكشف والبيان عن تفسير القرآن — الثعلبي الهداية الى بلوغ النهاية — مكي بن أبي طالب النكت والعيون — الماوردي النكت والعيون — الماوردي آراء ابن حزم الظاهري في التفسير — ابن حزم جهود ابن عبد البر في التفسير — ابن عبد البر تفسير القشيري — القشيري لطائف الإشارات — القشيري التفسير البسيط — الواحدي الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — الواحدي تفسير السمعاني — أبو المظفر السمعاني تفسير الراغب الأصفهاني — الراغب الأصفهاني أحكام القرآن — إلكيا الهراسي معالم التنزيل — البغوي معالم التنزيل — البغوي الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — الزمخشري المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز — ابن عطية أحكام القرآن — ابن العربي إيجاز البيان عن معاني القرآن — بيان الحق النيسابوري أحكام القرآن — ابن الفرس تذكرة الاريب في تفسير الغريب — ابن الجوزي زاد المسير في علم التفسير — ابن الجوزي مفاتيح الغيب — فخر الدين الرازي تفسير العز بن عبد السلام — عز الدين بن عبد السلام جهود القرافي في التفسير — القرافي أنوار التنزيل وأسرار التأويل — البيضاوي مدارك التنزيل وحقائق التأويل — أبو البركات النسفي التسهيل لعلوم التنزيل — ابن جُزَيِّ لباب التأويل في معاني التنزيل — الخازن البحر المحيط في التفسير — أبو حيان الأندلسي النهر الماد من البحر المحيط — أبو حيان الأندلسي الدر المصون في علوم الكتاب المكنون — السمين الحلبي اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحداد اليمني كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحداد اليمني تفسير ابن عرفة — ابن عرفة تفسير ابن عرفة — ابن عرفة التبيان في تفسير غريب القرآن — ابن الهائم تنوير المقباس من تفسير ابن عباس — الفيروزآبادي غرائب القرآن ورغائب الفرقان — نظام الدين القمي النيسابوري تفسير الجلالين — المَحَلِّي الجواهر الحسان في تفسير القرآن — الثعالبي نظم الدرر في تناسب الآيات والسور — برهان الدين البقاعي جامع البيان في تفسير القرآن — الإيجي محيي الدين الدر المنثور في التأويل بالمأثور — السُّيوطي الدر المنثور في التأويل بالمأثور — السُّيوطي الصراط المستقيم في تبيان القرآن الكريم — الكَازَرُوني فتح الرحمن في تفسير القرآن — مجير الدين العُلَيْمي السراج المنير في الإعانة على معرفة بعض معاني كلام ربنا الحكيم الخبير — الشربيني إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم — أبو السعود روح البيان — إسماعيل حقي التفسير المظهري — المظهري البحر المديد في تفسير القرآن المجيد — ابن عجيبة البحر المديد في تفسير القرآن المجيد — ابن عجيبة التفسير المظهري — محمد ثناء الله المظهري حاشية الصاوي على تفسير الجلالين — الصاوي فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير — الشوكاني فتح البيان في مقاصد القرآن — صديق حسن خان محاسن التأويل — جمال الدين القاسمي روح المعاني — الألوسي تفسير المنار — رشيد رضا تفسير المراغي — أحمد بن مصطفى المراغي تفسير المراغي — المراغي المصحف المفسّر — فريد وجدي التفسير القرآني للقرآن — عبد الكريم يونس الخطيب تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد من تفسير الكتاب المجيد — ابن عاشور زهرة التفاسير — محمد أبو زهرة زهرة التفاسير — أبو زهرة بيان المعاني — ملا حويش أوضح التفاسير — محمد عبد اللطيف الخطيب إعراب القرآن وبيانه — محيي الدين الدرويش التفسير الحديث — محمد عزة دروزة التفسير الحديث — دروزة تيسير التفسير — إبراهيم القطان تيسير التفسير — إبراهيم القطان صفوة البيان لمعاني القرآن — حسنين مخلوف الموسوعة القرآنية — إبراهيم الإبياري التيسير في أحاديث التفسير — المكي الناصري تفسير الشعراوي — الشعراوي تفسير الشعراوي — الشعراوي تفسير القرآن الكريم — ابن عثيمين تفسير القرآن الكريم — عبد الله محمود شحاتة التفسير الوسيط — محمد سيد طنطاوي التفسير المنير — وهبة الزحيلي التفسير الوسيط — وهبة الزحيلي حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن — محمد الأمين الهرري فتح الرحمن في تفسير القرآن — تعيلب التفسير الشامل — أمير عبد العزيز الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور — بشير ياسين التفسير الميسر — التفسير الميسر المنتخب في تفسير القرآن الكريم — المنتخب أيسر التفاسير — أسعد حومد التفسير الميسر — مجموعة من المؤلفين التفسير الواضح — محمد محمود حجازي المنتخب في تفسير القرآن الكريم — مجموعة من المؤلفين تفسير غريب القرآن - الكواري — كَامِلَة بنت محمد الكَوارِي صفوة التفاسير — محمد علي الصابوني كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحدادي اليمني مختصر تفسير ابن كثير — محمد علي الصابوني معاني الكلمات من كتاب السراج في بيان غريب القرآن — محمد الخضيري

غريب الكلمات ومعانيها

معاني الكلمات الغريبة في الآية

التبيان في تفسير غريب القرآن
فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ
أي هنالك جهته التي أمركم بالتّوجّه إليها،وثمّة: إشارة إلى المكان البعيد.
واسِعٌ
جواد يسع لما يسأل. ويقال: الواسع: المحيط بعلم كل شيء كما قال عز وجل: وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً وقيل: قادر.وقيل: واسع [الرحمة، ولذلك رخّص في] الشريعة.

إعراب الآية ١١٥ من سورة البقرة

من كتاب: إعراب القرآن

موضع نصب على البدل من مساجد، ويجوز أن يكون التقدير من أن يذكر وحروف الخفض تحذف مع أن لطول الكلام، وقيل: لأنّ المعنى في الفعل بعدها يتبيّن، وَسَعى معطوف على منع، أُولئِكَ مبتدأ والجملة خبر، خائِفِينَ حال، لَهُمْ فِي الدُّنْيا خِزْيٌ رفع بابتداء وإن شئت على معنى وجب وكذا.

[سورة البقرة (٢) : آية ١١٥]

وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ واسِعٌ عَلِيمٌ (١١٥)
فَأَيْنَما تُوَلُّوا شرط فلذلك حذفت النون و «أين» العاملة و «ما» زائدة وقرأ الحسن فَأَيْنَما تُوَلُّوا بفتح التاء واللام والأصل تتولّون. فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ «ثمّ» في موضع نصب على الظرف ومعناها البعد إلّا أنّها مبنيّة على الفتح غير معربة لأنها مبهمة تكون بمنزلة هناك للبعد فإن أردت القرب قلت هنا.

[سورة البقرة (٢) : آية ١١٦]

وَقالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَداً سُبْحانَهُ بَلْ لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قانِتُونَ (١١٦)
سُبْحانَهُ مصدر. بَلْ لَهُ ما فِي السَّماواتِ «ما» في موضع رفع بالابتداء، وإن شئت بالاستقرار. كُلٌّ لَهُ قانِتُونَ ابتداء وخبر، والتقدير كلّهم ثم حذفت الهاء والميم.

[سورة البقرة (٢) : آية ١١٧]

بَدِيعُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَإِذا قَضى أَمْراً فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (١١٧)
بَدِيعُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ خبر ابتداء محذوف. قال أبو جعفر: وقد ذكرنا رفع (فيكون).

[سورة البقرة (٢) : آية ١١٨]

وَقالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ لَوْلا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ أَوْ تَأْتِينا آيَةٌ كَذلِكَ قالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ تَشابَهَتْ قُلُوبُهُمْ قَدْ بَيَّنَّا الْآياتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (١١٨)
مِثْلَ قَوْلِهِمْ مفعول وإن شئت كان نعتا لمصدر محذوف.

[سورة البقرة (٢) : آية ١١٩]

إِنَّا أَرْسَلْناكَ بِالْحَقِّ بَشِيراً وَنَذِيراً وَلا تُسْئَلُ عَنْ أَصْحابِ الْجَحِيمِ (١١٩)
بَشِيراً نصب على الحال. وَنَذِيراً عطف عليه. قال الأخفش سعيد: ويجوز وَلا تُسْئَلُ عَنْ أَصْحابِ الْجَحِيمِ بفتح التاء وضم اللام ويكون في موضع الحال تعطفه على «بشيرا ونذيرا».

[سورة البقرة (٢) : آية ١٢٠]

وَلَنْ تَرْضى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصارى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْواءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ ما لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ (١٢٠)
وَلَنْ تَرْضى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصارى المصدر رضوان ورضوان ومرضاة ورضى ورضى، وهو من ذوات الواو، ويقال: في التثنية: رضوان، وحكى الكسائي: رضيان وحكى
الإعراب الكامل من جميع الكتب مع تحليل الكلمات ←

سبب نزول الآية ١١٥ من سورة البقرة

من كتاب: أسباب نزول القرآن - الواحدي

قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ﴾. [١١٥].
اختلفوا في سبب نزولها.
فأخبرنا أبو منصور المنصوري، أخبرنا علي بن عمر الحافظ، حدَّثنا أبو محمد إسماعيل بن علي، حدَّثنا الحسن بن علي بن شبيب العمري، حدَّثنا أحمد بن عبيد الله بن الحسن العنبري، قال: وجدت في كتاب أبي: حدَّثنا عبد الملك العَرْزَمِيّ، حدَّثنا عطاء بن أبي رَبَاح، عن جابر بن عبد الله، قال:
بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم، سَرِيَّة كنتُ فيها، فأصابتنا ظلمة فلم نعرف القبلة، فقالت طائفة منا: قد عرفنا القبلة، هي ها هنا قِبَلَ الشمال. فصلّوا وخطّوا خطوطاً. وقال بعضنا: القبلة ها هنا قِبَلَ الجنوب، [فصلوا] وخطوا خطوطاً. فلما أصبحوا وطلعت الشمس أصبحت تلك الخطوط لغير القبلة. فلما قَفَلْنَا من سفرنا سألنا النبي صلى الله عليه وسلم، عن ذلك فسكت، فأنزل الله تعالى: ﴿وَللَّهِ ٱلْمَشْرِقُ وَٱلْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ الآية.
وأخبرنا أبو منصور، أخبرنا علي، حدَّثنا يحيى بن صاعد، حدَّثنا محمد بن إسماعيل الأَحْمَسِي، حدَّثنا وكيع، حدَّثنا أشعث السَّمَّان، عن عاصم بن عبيد الله، عن عبد الله بن عامر بن ربيعة، عن أبيه، قال:
كنا نصلي مع النبي صلى الله عليه وسلم، في السفر في ليلة مظلمة، فلم ندر كيف القبلة، فصلى كل رجل منا على حِيَالِه، فلما أصبحنا ذكرنا ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم، فنزلت: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ ٱللَّهِ﴾.
ومذهب ابن عمر: أن الآية نازلة في التطوع بالنافلة.
أخبرنا أبو القاسم بن عبدان، حدَّثنا محمد بن عبد الله الحافظ، حدَّثنا محمد بن يعقوب، حدَّثنا أبو البختري عبد الله بن محمد بن شاكر، حدَّثنا أبو أسامة، عن عبد الملك بن سليمان، عن سعيد بن جبير، عن ابن عمر، قال:
أنزلت: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ ٱللَّهِ﴾ أن تصلي حيثما توجهت بك راحلتك؛ في التطوع.
وقال ابن عباس في رواية عطاء: إن النجاشي توفي فأتى جبريل النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: إن النجاشي توفي فصلّ عليه، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، أصحابه أن يحضروا، وصفّهم ثم تقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال لهم: إن الله أمرني أن أصلي على النجاشي وقد توفي، فصلوا عليه. فصلّى رسول الله [وهم عليه]. فقال أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، في أنفسهم: كيف نصلي على رجل مات وهو يصلي لغير قبلتنا. وكان النجاشي يصلي إلى بيت المقدس حتى مات وقد صرفت القبلة إلى الكعبة. فأنزل الله تعالى: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ ٱللَّهِ﴾.
ومذهب قتادة: أن هذه [الآية] منسوخة بقوله تعالى: ﴿وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّواْ وُجُوِهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ وهذا قول ابن عباس في رواية عطاء الخراساني. وقال: أول ما نسخ من القرآن شأن القبلة، قال الله تعالى: ﴿وَللَّهِ ٱلْمَشْرِقُ وَٱلْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ ٱللَّهِ﴾ قال: فصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، نحو بيت المقدس، وترك البيت العتيق، ثم صرفه الله تعالى إلى البيت العتيق.
وقال في رواية [علي] بن أبي طلحة الوَالبيّ: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم، لما هاجر إلى المدينة -كان أكثر أهلها اليهود - أمره الله أن يستقبل بيت المقدس. ففرحت اليهود، فاستقبلها بضعة عشر شهراً. وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم، يحب قبلة إبراهيم؛ فلما صرفه الله تعالى إليها ارتاب من ذلك اليهود، وقالوا: ما وَلاَّهُمْ عن قبلتهم التي كانوا عليها؟ فأنزل الله تعالى: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ ٱللَّهِ﴾.

الموضوعات القرآنية للآية ١١٥ من سورة البقرة

٦ موضوعات تتناولها هذه الآية

أقوال المفسرين في الآية — التفسير بالمأثور

٤١ قولًا من موسوعة التفسير بالمأثور

من أحكام الآية

٧ أقوال
١
عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: «ما بين المشرق والمغرب قبلة»١
التخريج
  1. ١أخرجه الترمذي ١‏/‏٣٩٨، ٣٩٩ (٣٤٢، ٣٤٤)، وابن ماجه ٢‏/‏١٤١ (١٠١١)، والحاكم ١‏/‏٣٢٣ (٧٤١، ٧٤٢). قال الترمذي: «هذا حديث حسن صحيح». وقال الحاكم في الموضع الأول: «هذا حديث صحيح على شرط الشيخين؛ فإن شعيب بن أيوب ثقة، وقد أسنده، ورواه محمد بن عبد الرحمن بن محبر -وهو ثقة- عن نافع، عن ابن عمر رضي الله عنهما مسندًا». وقال الذهبي في التلخيص: «على شرطهما». وقال الحاكم في الموضع الثاني: «هذا حديث صحيح، قد أوقفه جماعة عن عبد الله بن عمر». وصحَّحه الألباني في الإرواء ١‏/‏٣٢٤-٣٢٦ (٢٩٢).
٢
عن ابن عمر، مثله١
التخريج
  1. ١أخرجه الحاكم ١‏/‏٣٢٣ (٧٤١، ٧٤٢). قال الحاكم: «هذا حديث صحيح، على شرط الشيخين». وقال في الموضع الثاني: «هذا حديث صحيح، قد أوقفه جماعة عن عبد الله بن عمر». وقال الذهبي في التلخيص: «على شرطهما». وقال ابن أبي حاتم في علله ٢‏/‏٤٧٣ (٥٢٨): «قال أبو زرعة: هذا وهم؛ الحديث حديث ابن عمر، موقوف». وقال الدارقطني في علله ٢‏/‏٣٢ (٩٤): «والصحيح من ذلك قول عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر، عن عمر». وقال ابن كثير ١‏/‏٣٩٥: «وقد رواه الدارقطني، والبيهقي، وقال: المشهور عن ابن عمر، عن عمر قوله». وقال ابن حجر في إتحاف المهرة ٩‏/‏٣٢٩ (١١٣١٨) بعد نقل كلام الحاكم: «قلت: بل ضَعَّفه ابن معين، والبخاري، وأبو زُرعة». وقال في التلخيص ١‏/‏٥٢٦-٥٢٧: «ذكره الدارقطني في العلل، وقال: الصواب: عن نافع، عن عبد الله بن عمر، عن عمر قوله».
٣
عن عمر، قال: ما بين المشرق والمغرب قبلة إذا تَوَجَّهْتَ قِبَل البيت١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي شيبة ٢‏/‏٣٦٢، والبيهقي ٢‏/‏٩.
٤
عن حَمّاد، قال: قلت للنخعي: إني كنت استيقظت -أو قال:أُيْقظتُ، شك أبو جعفر-، فكان في السماء سحاب، فصَلَّيْتُ لغير القبلة؟ قال: مضت صلاتك، يقول الله عز وجل: ﴿فأينما تولوا فثم وجه الله﴾١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٢‏/‏٤٥٤.
٥
عن جابر بن عبد الله، قال: رأيت رسول الله ﷺ في غزوة أنْمار يُصَلِّي على راحلته متوجهًا قِبَل المشرق تَطَوُّعًا١
التخريج
  1. ١أخرجه البخاري ٥‏/‏١١٦ (٤١٤٠).
٦
عن جابر بن عبد الله: أنّ النبي ﷺ كان يصلي على راحلته قِبَل المشرق، فإذا أراد أن يصلي المكتوبة نزل، واستقبل القبلة، وصَلّى١
التخريج
  1. ١أخرجه البخاري ٢‏/‏٤٥ (١٠٩٩).
٧
عن أنس: أنّ النبي ﷺ كان إذا سافر وأراد أن يتطوع بالصلاة استقبل بناقته القبلة، وكبَّر، ثم صلّى حيث تَوَجَّهت الناقة١
التخريج
  1. ١أخرجه أحمد ٢٠‏/‏٣٧٧ (١٣١٠٩)، وأبو داود ٢‏/‏٤١٦ (١٢٢٥) وهذا لفظه. قال ابن الملقن في البدر المنير ٣‏/‏٤٣٨: «وهذا إسناد صحيح، كل رجاله ثقات». وقال ابن حجر في التلخيص الحبير ١‏/‏٥٣٠ (٣١٨): «صححه ابن السكن». وقال الألباني في صحيح أبي داود ٤‏/‏٣٨٥ (١١١٠): «إسناده حسن».

تفسير

قولانِ
١
قال الكلبي: ﴿إنَّ اللَّهَ واسِعٌ عَلِيمٌ﴾ واسع المغفرة١
التخريج
  1. ١تفسير الثعلبي ١‏/‏٢٦٣، وتفسير البغوي ١‏/‏١٤٠.
٢
قال مقاتل بن سليمان: ﴿إن الله واسع﴾ لتوسيعه عليهم في ترك القبلة حين جهلوها، ﴿عليم﴾ بما نووا. وأنزل الله عز وجل: ﴿ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب﴾ [البقرة:١٧٧] إلى آخر الآية١
التخريج
  1. ١تفسير مقاتل بن سليمان ١‏/‏١٣٣.

النسخ في الآية

٨ أقوال
١
عن عكرمة مولى ابن عباس، والحسن البصري، وزيد بن أسلم، وعطاء الخراساني، نحو ذلك١
التخريج
  1. ١علَّقه ابن أبي حاتم ١/ ٢١٢.
٢
عن إسماعيل السدي -من طريق أسباط-، نحوه١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٢‏/‏٤٥٠، وابن أبي حاتم ١‏/‏٢١٢.
٣
عن قتادة بن دعامة -من طريق سعيد- في هذه الآية، قال: هي منسوخة، نسخها قوله: ﴿فول وجهك شطر المسجد الحرام﴾ [البقرة:١٤٩]، أي: تلقاءه١
التخريج
  1. ١أخرجه الترمذي (٢٩٥٨)، وابن جرير ٢‏/‏٤٥١ بنحوه. وعلقه ابن أبي حاتم ١‏/‏٢١٢ بنحوه. وعزاه السيوطي إلى عبد بن حميد.
٤
قال محمد ابن مسلم الزهري: أوّل ما نُسخ من القرآن من سورة البقرة القبلة، كانت نحو بيت المقدس، تحولتْ نحو الكعبة، فقال الله عز وجل: ﴿ولِلَّهِ المَشْرِقُ والمَغْرِبُ فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وجْهُ اللهِ إنَّ اللهَ واسِعٌ عَلِيمٌ﴾، نُسخ بقوله تعالى: ﴿قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وجْهِكَ فِي السَّماءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضاها فَوَلِّ وجْهَكَ شَطْرَ المَسْجِدِ الحَرامِ﴾ [البقرة:١٤٤]١
التخريج
  1. ١الناسخ والمنسوخ للزهري ص١٨.
٥
عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم -من طريق ابن وهب- قال: قال عز وجل لنبيه ﷺ: ﴿فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وجْهُ اللَّهِ إنَّ اللَّهَ واسِعٌ عَلِيمٌ﴾، قال: فقال رسول الله ﷺ: «هؤلاء قوم يهود يستقبلون بيتًا من بيوت الله، لو أنّا استقبلناه». فاستقبله النبي ﷺ ستة عشر شهرًا، فبلغه أن يهود تقول: والله، ما درى محمد وأصحابه أين قبلتهم حتى هديناهم. فكره ذلك النبيُّ ﷺ، ورفع وجهه إلى السماء، فقال الله عز وجل: ﴿قد نرى تقلب وجهك في السماء﴾ الآية١٢
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٢‏/‏٤٥٢. وأورده الثعلبي ٢‏/‏١١. الحديث من مرسل عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، وهو ضعيفٌ، قال الذهبي في المغني في الضعفاء ٢‏/‏٣٨٠: «ضعّفه أحمد، والدارقطني». والخبر مرسل من جهته، فهاتان علّتان لتضعيف إسناده.
تعليقات المحققين
  1. ٢رجَّحَ ابن جرير (٢/٤٥٦-٤٥٨ بتصرف) أن الآية غير منسوخة، وانتَقَدَ مَن ذهب إلى النسخ في الآية، بعدم وجود حجة دالَّةٍ على النسخ، فقال: «الصواب أن يقال: إنها جاءت مجيء العموم والمراد الخاص، وذلك أن قوله: ﴿فأينما تولوا فثم وجه الله﴾ محتمل: أينما تولوا في حال سيركم في أسفاركم، في صلاتكم التطوع، وفي حال مسايفتكم عدوكم، في تطوعكم ومكتوبتكم، فثَمَّ وجه الله، ومحتمل: فأينما تولوا من أرض الله فتكونوا بها فثَمَّ قبلة الله التي تُوَجِّهُون وجوهَكم إليها؛ لأن الكعبة ممكن لكم التوجه إليها منها، ومحتمل: فأينما تولوا وجوهكم في دعائكم فهنالك وجهي أستجيب لكم دعاءكم، فإذا كان قوله: ﴿فأينما تولوا فثم وجه الله﴾ محتملًا ما ذكرنا من الأوجه؛ لم يكن لأحد أن يزعم أنها ناسخة أو منسوخة إلا بحجة يجب التسليم لها، وقد دَلَّلْنا على أن لا ناسخ من آي القرآن وأخبار رسول الله ﷺ إلا ما نفى حكمًا ثابتًا، وأُلْزِم العبادُ فرضَه، غير محتمل بظاهره وباطنه غير ذلك، فأما إذا ما احتمل غيرَ ذلك من أن يكون بمعنى الاستثناء أو الخصوص والعموم، أو المجمل، أو المفسر، فمن الناسخ والمنسوخ بمعزل، ولا منسوخ إلا المنفي الذي كان قد ثبت حكمه وفرضه، ولم يصح واحد من هذين المعنيين لقوله: ﴿فأينما تولوا فثم وجه الله﴾ بحجة يجب التسليم لها، فيقال فيه: هو ناسخ أو منسوخ».
٦
عن ابن مسعود، وناس من الصحابة، في قوله: ﴿ولله المشرق والمغرب فأينما تولوا فثم وجه الله﴾، قال: كان الناس يصلون قِبَل بيت المقدس، فلَمّا قَدِم النبي ﷺ المدينة على رأس ثمانية عشر شهرًا من مُهاجَرِه، وكان إذا صلى رفع رأسه إلى السماء فنظر ما يؤمر، فنسختها قِبَل الكعبة١
التخريج
  1. ١أخرجه النسائي في السنن الكبرى ١٠‏/‏١٧ (١٠٩٣٦) بنحوه من حديث البراء، بلفظ: ستة عشر شهرًا، وابن جرير ٢‏/‏٦٥٧. ورواية النسائي تدور على أبي إسحاق السبيعي، وقد عنعنه عن البراء، وهو مشهور بالتدليس. وفي إسناد الطبري أسباط بن نصر عن السدي، وكلاهما فيه مقال. ينظر: طبقات المدلسين لابن حجر ص٤٢، وتنظر ترجمتهما في: تهذيب الكمال ٢‏/‏٣٥٧، ٣‏/‏١٣٢.
٧
عن عبد الله بن عباس -من طريق عطاء- قال: أول ما نُسِخ من القرآن -فيما ذُكِر والله أعلم- شأن القبلة، قال الله تعالى: ﴿ولله المشرق والمغرب فأينما تولوا فثم وجه الله﴾، فاستقبل رسول الله ﷺ، فصَلّى نحو بيت المقدس، وترك البيت العتيق، ثم صرفه الله تعالى إلى البيت العتيق، ونسخها، فقال: ﴿ومن حيث خرجت فول وجهك﴾ الآية [البقرة:١٤٩-١٥٠]١
التخريج
  1. ١أخرجه الحاكم ٢‏/‏٢٩٤ (٣٠٦٠)، وابن أبي حاتم ١‏/‏٢١٢ (١١٢٣). قال الحاكم: «هذا حديث صحيح، على شرط الشيخين، ولم يخرجاه بهذه السياقة». وقال الذهبي: «على شرط البخاري ومسلم».
٨
عن أبي العالية -من طريق الربيع بن أنس-، نحوه١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي حاتم ١‏/‏٢١٢.

تفسير الآية

٩ أقوال
١
عن عبد الله بن عباس -من طريق عكرمة- ﴿فأينما تولوا فثم وجه الله﴾، قال: قبلةَ الله أينما توجهت شرقًا أو غربًا١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي حاتم ١‏/‏٢١٢.
٢
عن مجاهد بن جبر -من طريق النَّضْر بن عَرَبِيّ- ﴿فثم وجه الله﴾، قال: قبلة الله، فأينما كنتم في شرق أو غرب فاستقبلوها١
التخريج
  1. ١أخرجه الترمذي (٢٩٥٨)، وابن جرير ٢‏/‏٤٥٧، ، والبيهقي ٢‏/‏١٣. كما أخرج نحوه ابن جرير ٢‏/‏٤٥٧، وابن أبي حاتم ١‏/‏٢١٢ من طريق ابن جُرَيْج عن إبراهيم بن أبي بكر.
٣
عن الضحاك بن مزاحم -من طريق أبي سنان-، نحو ذلك١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٢‏/‏٤٥٧.
٤
عن مجاهد بن جبر -من طريق إبراهيم بن أبي بكر- في قوله: ﴿فأينما تولوا فثم وجه الله﴾، قال: حيثما كنتم فلكم قبلة تستقبلونها الكعبة١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي حاتم ١‏/‏٢١٢.
٥
عن الحسن البصري، نحو ذلك١
التخريج
  1. ١علَّقه ابن أبي حاتم ١‏/‏٢١٢.
٦
عن قتادة بن دعامة -من طريق مَعْمَر- في قوله: ﴿فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وجْهُ اللَّهِ﴾، قال: هي القبلة، ثم نسختها القبلة إلى المسجد الحرام١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٢‏/‏٤٥١.
٧
قال الكلبي: فثَمَّ الله يعلم ويرى١
التخريج
  1. ١تفسير الثعلبي ١‏/‏٢٦٣، وتفسير البغوي ١‏/‏١٤٠.
٨
قال مقاتل بن سليمان: ﴿ولله المشرق والمغرب فأينما تولوا﴾ تُحَوِّلُوا وجوهكم في الصلاة ﴿فثم وجه الله﴾ فثَمَّ الله١
التخريج
  1. ١تفسير مقاتل بن سليمان ١‏/‏١٣٣.
٩
عن مقاتل بن حيان، قال: فثَمَّ قبلة الله١٢
التخريج
  1. ١تفسير الثعلبي ١‏/‏٢٦٣، وتفسير البغوي ١‏/‏١٤٠.
تعليقات المحققين
  1. ٢رجَّحَ ابن جرير (٢/٤٥٩) في معنى ﴿تولوا﴾ أن يكون: تولون نحوه وإليه؛ استنادًا لإجماع الحجة على ذلك، قال: «أما قوله: ﴿تولوا﴾ فإن الذي هو أولى بتأويله أن يكون: تولون نحوه وإليه، كما يقول القائل: وليته وجهي ووليته إليه. بمعنى: قابلته وواجهته، وإنما قلنا ذلك أولى بتأويل الآية لإجماع الحجة على أن ذلك تأويله، وشذوذ من تأوله بمعنى: تولون عنه فتستدبرونه، ففي الذي تتوجهون إليه وجه الله، بمعنى: قبلة الله».

نزول الآية

١٥ قولًا
١
وعن إسماعيل السدي -من طريق أسباط-، نحوه١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٢‏/‏٤٥٠.
٢
عن عبد الله بن عمر، قال: كان النبي ﷺ يصلي على راحلته تطوعًا أينما توجهت به، ثم قرأ ابن عمر هذه الآية: ﴿فأينما تولوا فثم وجه الله﴾. وقال ابن عمر: في هذا أنزلت هذه الآية١
التخريج
  1. ١أخرجه مسلم ١‏/‏٤٨٦ (٧٠٠)، وأخرجه البخاري ٢‏/‏٢٥-٢٦ (١٠٠٠) بمعناه.
٣
عن عبد الله بن عمر -من طريق سعيد بن جبير- قال: أنزلت: ﴿فأينما تولوا فثم وجه الله﴾ أن تصلي حيثما توجهت بك راحلتك في التطوع١٢
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٢‏/‏٤٥٣، وابن أبي حاتم ١‏/‏٢١٢، والدارقطني ١‏/‏٢٧١، والحاكم ٢‏/‏٢٦٦.
تعليقات المحققين
  1. ٢ذَهَبَ ابن تيمية (١/٣١٤-٣١٥) إلى أن الآية نزلت فيمن تحرّى القبلة، ثم صلى لغيرها. وعلَّقَ على حديث ابن عمر قائلًا: «فإن قيل: ففي حديث ابن عمر أنّ هذه الآية نزلت في صلاة التطوع في السفر. قلنا: لا منافاة بين هذين؛ فإن الآية الجامعة العامة تنزل في أشياء كثيرة، إما أن يراد به جميع تلك المعاني بإنزال واحد، وإما أن يتعدد الإنزال إما بتعدد عرض النبي القرآن على جبريل أو غير ذلك، وفي كل مرة تنزل في شيء غير الأول لصلاح لفظها لذلك كله، على أن قول الصحابة: نزلت الآية في ذلك. قد لا يعنون به سبب النزول، وإنما يعنون به أنه أريد ذلك المعنى منها وقصد بها، وهذا كثير في كلامهم».
٤
قال أبو العالية: لما صُرِفَت القبلة إلى الكعبة عَيَّرت اليهودُ المؤمنين، وقالوا: ليست لهم قبلة معلومة؛ فتارة يستقبلون هكذا، وتارة هكذا. فأنزل الله تعالى هذه الآية١
التخريج
  1. ١تفسير الثعلبي ١‏/‏٢٦٣، وتفسير البغوي ١‏/‏١٤٠.
٥
عن مجاهد بن جبر -من طريق ابن جُرَيْج- قال: لَمّا نزلت: ﴿ادعوني أستجب لكم﴾ [غافر:٦٠]، قالوا: إلى أين؟ فنزلت: ﴿فأينما تولوا فثم وجه الله﴾١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٢‏/‏٤٥٧. وعزاه السيوطي إلى ابن المنذر.
٦
قال عكرمة مولى ابن عباس: نزلت في تحويل القبلة١
التخريج
  1. ١تفسير الثعلبي ١‏/‏٢٦٢، وتفسير البغوي ١‏/‏١٤٠.
٧
وقال الضحاك بن مزاحم، والحسن البصري: لَمّا نزلت: ﴿وقالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: ٦٠]، قالوا: أين ندعوه؟ فأنزل الله - عز وجل -: ﴿ولِلَّهِ المَشْرِقُ والمَغْرِبُ﴾ الآية١
التخريج
  1. ١تفسير الثعلبي ١/ ٢٦٣، وتفسير البغوي ١/ ١٤٠ دون ذكر الضحاك.
٨
عن عطاء-من طريق حجاج-: أنّ قومًا عُمِّيَت عليهم القبلة، فصَلّى كل إنسان منهم إلى ناحية، ثم أتوا رسول الله ﷺ، فذكروا ذلك له، فأنزل الله: ﴿فأينما تولوا فثم وجه الله﴾١
التخريج
  1. ١أخرجه سعيد بن منصور (٢١٠ - تفسير). وعزاه السيوطي إلى ابن المنذر. وضعَّفه البيهقي في السنن ٢‏/‏١٢، وابن كثير في تفسيره ١‏/‏٢٢٩.
٩
عن قتادة بن دعامة -من طريق هشام- أنّ النبي ﷺ قال: «إن أخًا لكم قد مات -يعني: النجاشي- فصَلُّوا عليه». قالوا: نصلي على رجل ليس بمسلم؟! فنزلت: ﴿وإن من أهل الكتاب لمن يؤمن بالله﴾ الآية [آل عمران:١٩٩]. قالوا: فإنه كان لا يصلي إلى القبلة! فأنزل الله: ﴿ولله المشرق والمغرب﴾ الآية١٢
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٢‏/‏٤٥٥، ٦‏/‏٣٢٨. وأورده الثعلبي ١‏/‏٢٦٣. قال ابن كثير ١‏/‏٣٩٤: «وهذا غريب». وقال الألباني في الصحيحة ٧‏/‏٩٧ عند حديث (٣٠٤٤): «وهو مرسل صحيح».
تعليقات المحققين
  1. ٢علَّقَ ابن عطية (١/٣٢٩) على هذا الحديث بقوله: «أي: أن النجاشي كان يقصد وجه الله، وإن لم يبلغه التوجه إلى القبلة"". وقد زاد ابن عطية (١/٣٢٩) في نزول الآية قولين آخرين، أحدهما: أن الآية عامة، عزاه للنخعي، والمعنى: «أينما تولوا في متصرفاتكم ومساعيكم فثم وجه الله، أي موضع رضاه وثوابه وجهة رحمته التي يوصل إليها بالطاعة». الثاني: أنها نزلت حين صُدَّ رسول الله ﷺ عن البيت، عزاه للمهدوي.
١٠
عن عطاء، نحوه١
التخريج
  1. ١أورده الثعلبي ١‏/‏٢٦٣.
١١
قال مقاتل بن سليمان: ﴿ولله المشرق والمغرب﴾، وذلك أن ناسًا من المؤمنين كانوا في سفر، فحضرت الصلاة في يوم غيم، فتَحَيَّروا؛ فمنهم من صَلّى قبل المشرق، ومنهم من صَلّى قبل المغرب، وذلك قبل أن تُحَوَّل القبلة إلى الكعبة، فلما طَلَعَت الشمسُ عرفوا أنهم قد صلوا لغير القبلة، فقدموا المدينة، فأخبروا النبيَّ ﷺ بذلك، فأنزل الله عز وجل: ﴿ولله المشرق والمغرب فأينما تولوا﴾١٢
التخريج
  1. ١تفسير مقاتل بن سليمان ١‏/‏١٣٣ (١١٤).
تعليقات المحققين
  1. ٢ذكر ابنُ جرير (٢/٤٥٥-٤٥٦ بتصرف) اختلافَ المفسرين في السبب الذي من أجله خصَّ الله المشرق والمغرب بالخبر عنهما أنهما له دون سائر الأشياء، ثم قال مرجِّحًا بعادةِ العربِ: «والصواب من القول في ذلك: أن الله إنّما خَصَّ الخبر عن المشرق والمغرب في هذه الآية بأنهما له ملك -وإن كان لا شيء إلا وهو له ملك- إعلامًا منه عباده المؤمنين أنّ له ملكهما وملك ما بينهما من الخلق، وأن على جميعهم؛ إذ كان له ملكهم طاعته فيما أمرهم ونهاهم، وفيما فرض عليهم من الفرائض، والتوجه نحو الوجه الذي وجهوا إليه، إذ كان من حكم المماليك طاعة مالكهم. فأخرج الخبر عن المشرق والمغرب، والمراد به من بينهما من الخلق، على النحو الذي قد بينت من الاكتفاء بالخبر عن سبب الشيء من ذكره والخبر عنه. ومعنى الآية إذًا: ولله ملك الخلق الذي بين المشرق والمغرب يتعبدهم بما شاء، ويحكم فيهم ما يريد عليهم طاعته، فولوا وجوهكم -أيها المؤمنون- نحو وجهي، فإنكم أينما تولوا وجوهكم فهنالك وجهي».
١٢
عن عامر بن ربيعة، قال: كُنّا معَ رسول الله ﷺ في ليلة سوداء مظلمة، فنزلنا منزلًا، فجعل الرجل يأخذ الأحجار فيعمل مسجدًا فيصلي فيه، فلما أن أصبحنا إذا نحن قد صلينا على غير القبلة، فقلنا: يا رسول الله، لقد صلينا ليلتنا هذه لغير القبلة. فأنزل الله: ﴿ولله المشرق والمغرب﴾ الآية. فقال: «مضت صلاتكم»١
التخريج
  1. ١أخرجه الترمذي ١‏/‏٤٠٠ (٣٤٥)، وابن ماجه ٢‏/‏١٤٧ (١٠٢٠) دون لفظ: «مضت صلاتكم»، وابن جرير ٢‏/‏٤٥٤. وأورده الثعلبي ١‏/‏٢٦٢. قال الترمذي: «هذا حديث ليس إسناده بذاك، ولا نعرفه إلا من حديث أشعث السمان، وهو يضعف في الحديث». وقال البيهقي في معرفة السنن والآثار ٢‏/‏٣١٦: «حديث ضعيف، لم يثبت فيه إسناد». وقال ابن تيمية في مجموع الفتاوى ١‏/‏٣١٣-٣١٤: «قد رواه أبو داود الطيالسي في مسنده عن أشعث بن سعيد، وعمر بن قيس، عن عاصم بن عبيد الله، وهو يقوي رواية أشعث، ويزيل تفرده به، ... وبعض هذه الطرق مما يغلب على القلب أنّ الحديث له أصل وهو محفوظ». وقال ابن كثير في تفسيره ١‏/‏٣٩٤: «وهذه الأسانيد فيها ضعف، ولعله يَشُدُّ بعضها بعضًا». وقال ابن القطان في بيان الوهم والإيهام ٣‏/‏٣٥٨ (١١٠٤): «وموضع العلة منه عاصم بن عبيد الله، فإنه مضطرب الحديث، تنكر عليه أحاديث. وأشعث السمان، سيئ الحفظ، يروي المنكرات عن الثقات. وقال: فيه عمرو بن علي، متروك». وقال الهيثمي في المجمع ٢‏/‏١٥ (١٩٨١): «فيه أبو عبلة والد إبراهيم، ذكره ابن حبان في الثقات، واسمه شمر بن يقظان». وقال الألباني في الإرواء ١‏/‏٣٢٣ (٢٩١): «وعلته عاصم هذا، فإنه سَيُّء الحفظ، وبقية رجاله عند الطيالسي ثقات رجال مسلم، عدا أشعث بن سعيد السمان، وقد تابعه عنده عمرو بن قيس وهو الملائي، احتج به مسلم، وللحديث شاهد من حديث جابر...».
١٣
عن جابر بن عبد الله، قال: بعث رسول الله ﷺ سرية كنت فيها، فأصابتنا ظُلْمَة، فلم نعرف القبلة، فقالت طائفةٌ منا: القبلة ههنا قِبَل الشمال. فصلوا، وخَطُّوا خطًّا، وقال بعضنا: القبلة ههنا قِبَل الجنوب. فصلوا، وخَطُّوا خطًّا، فلما أصبحوا وطلعت الشمس أصبحت تلك الخطوط لغير القبلة، فلما قَفَلْنا من سفرنا سألنا النبيَّ ﷺ، فسكت، وأنزل الله: ﴿ولله المشرق والمغرب﴾ الآية١
التخريج
  1. ١أخرجه الدارقطني ٢‏/‏٦ (١٠٦٢)، والبيهقي في الكبرى ٢‏/‏١٨ (٢٢٤٣). قال البيهقي: «ولم نعلم لهذا الحديث إسنادًا صحيحًا قويًّا؛ وذلك لأن عاصم بن عبيد الله بن عمر العمري، ومحمد بن عبيد الله العرزمي، ومحمد بن سالم الكوفي كلهم ضعفاء». وقال القطان في بيان الوهم والإيهام ٣‏/‏٣٥٩ (١١٠٥): «هذا حديث قائم بنفسه، علته الانقطاع فيما بين أحمد بن عبيد الله بن الحسن العنبري وأبيه، والجهل بحال أحمد المذكور، وما مس به أيضًا عبيد الله بن الحسن العنبري من المذهب، على ما ذكر ابن أبي خيثمة وغيره». وقال ابن تيمية في مجموع الفتاوى ٤‏/‏٣١٤ على إسناد هذا الحديث: «وهو إسناد مقارب». وقال ابن كثير ٢‏/‏٣٢: «وهذه الأسانيد فيها ضعف، ولعله يشد بعضها بعضًا».
١٤
عن ابن عباس: أنّ رسول الله ﷺ بعث سرية، فأصابتهم ضبابة، فلم يهتدوا إلى القبلة، فصلوا لغير القبلة، ثم استبان لهم بعدما طلعت الشمس أنهم صلوا لغير القبلة، فلما جاءوا إلى رسول الله ﷺ حدثوه، فأنزل الله: ﴿ولله المشرق والمغرب﴾ الآية١
التخريج
  1. ١عزاه السيوطي إلى ابن مردويه. وذكر ابن كثير في تفسيره ١‏/‏١٦٠ أنه من حديث الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس. ثم قال ابن كثير بعد ذكر هذا الإسناد وغيره: «وهذه الأسانيد فيها ضعف». والإسناد فيه الكلبي وهو محمد بن السائب، تركوه واتُّهم بالكذب، وأبو صالح هو: باذام، وهو ضعيف. ينظر: المغني للذهبي ١‏/‏١٠٠، ٢‏/‏٥٨٤، وتهذيب الكمال للمزي ٤‏/‏٦، ٢٥‏/‏٢٤٦. وقال ابن تيمية في مجموع الفتاوى ١‏/‏٣١٤ على هذا الحديث: «هذا وإن لم يكن مما يحتج به منفردًا فإنه يشد تلك الروايات ويقويها». وقال السيوطي: «بسند ضعيف».
١٥
عن عبد الله بن عباس -من طريق علي- قال: كان أول ما نسخ من القرآن القبلة، وذلك أن رسول الله ﷺ لما هاجر إلى المدينة -وكان أكثر أهلها اليهود- أمره الله عز وجل أن يستقبل بيت المقدس، ففرحت اليهود، فاستقبلها رسول الله ﷺ بضعة عشر شهرًا، فكان رسول الله ﷺ يحب قبلة إبراهيم عليه السلام، فكان يدعو وينظر إلى السماء، فأنزل الله تبارك وتعالى: ﴿قد نرى تقلب وجهك في السماء﴾ إلى قوله: ﴿فولوا وجوهكم شطره﴾ [البقرة: ١٤٤]. فارتاب من ذلك اليهود، وقالوا: ﴿ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها﴾. فأنزل الله عز وجل: ﴿قل لله المشرق والمغرب﴾ [البقرة: ١٤٢]، وقال: ﴿أينما تولوا فثم وجه الله﴾١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٢‏/‏٤٥٠. إسناده جيد. وينظر: مقدمة الموسوعة.
التفسير بالمأثور لسورة البقرة كاملة ←

وقفات تدبرية في الآية ١١٥ من سورة البقرة

١٣ وقفةً في هذه الآية

  • "ولله المشرق والمغرب" كيف استطاع الكفار سماع هذه؟ .. بينما هم يتنازعون على ملكيّة التوافه. . إذ بكلام يتحدث عن ملكيّة الجهات.

    — علي الفيفي

  • ﴿ ولله المشرق والمغرب فأينما تولّوا فثمّ وجه الله ﴾ ؛ الله معك أينما كنت ، من توكّل عليه كفاه ، ومن توجّه إليه أتاه ، ومن تعلّق به هداه.

    — فرائد قرآنية

  • ﴿ ولله المشرق والمغرب ﴾ ؛ المراد هنا جِنس وماهيّة الشروق والغروب نفسه الذي يتكرر كل يوم.

    — فرائد قرآنية

  • " إن الله واسع عليم " : يعني جل ثناؤه بقوله : ( واسع ) يسع خلقه كلهم بالكفاية والإفضال والجود والتدبير .

    — الطبري

  • من خلال سفرياتك.. هل فكرت في أداء صلاة نافلة على راحلتك تشهد لك يوم القيامة سواء في الجو أم في البر أم في البحر؟! "فأينما تولوا فثم وجه الله"

    — محاسن التاويل

  • مجالس في تدبر القران تدبر أية 115 سورة البقرة

    — خالد السبت

  • سورة البقرة (115)

    — محمد الربيعة

  • فى الحياة عدل بوصلة قلبك باتجاه ربك ثم سِر إليه ولو حبوا على ركبتيك ستصل (فأينما تولوا فثم وجه الله)

    — أدهم شرقاوي

  • عظيمة هذه الآية.. بما فيها من سكينة .. بما فيها من عزاء .. (فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ ) الطرق التي سلكناها .. القرارات التي اتخذناها.. والحياة بأسرها.. كلها كانت طريقا إليه جل وعلا

    — طارق مقبل

  • آية (١١٥) : (وَلِلّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ اللّهِ إِنَّ اللّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ) * ذكرت الآية المشرق والمغرب فقط ولم تذكر جهة الشمال والجنوب لأن كل الجهات تحدد بشروق الشمس وغروبها ، كما أن الشرق والغرب معروف بالفطرة عند الناس فلا أحد يجهل من أين تشرق الشمس وإلى أين تغرب ، فأنت كل يوم ترى شروقاً وترى غروباً . * المشرق ليس اتجاهاً واحداً بل إن المشرق يختلف باختلاف المكان فكل مكان في الأرض له مشرق وله مغرب وإذا أشرقت الشمس في مكان فإنها في نفس الوقت تغرب في مكان آخر فالمشرق والمغرب لا ينتهيان من على سطح الأرض ففي كل دقيقة شروق وغروب . * ( وَللَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ) يعرف بالاختصاص بالتقديم فليس معناها حصر الملكية لهاتين الجهتين ولكنه كما تقول بالقلم كتبت وبالسيارة أتيت ، ولذلك فإن المعنى أن الملكية لله سبحانه وتعالى لا يشاركه فيها أحد .

    — مختصر لمسات بيانية

  • *(وَلِلّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ (115) البقرة) لِمَ خصّ الله تعالى ملكه بالمشرق والمغرب؟ لم تذكر الآية جهة الشمال والجنوب وإنما ذكرت فقط المشرق والمغرب لأن الأرض تنقسم بالنسبة لمسير الشمس إلى قسمين قسم يبتدئ من حيث تطلع الشمس وقسم ينتهي من حيث تغرب الشمس

    — برنامج ورتل القران ترتيلا

  • { وَللَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ } لا يعني تحديد جهة الشرق أو جهة الغرب فقط.. ولكنه يتعداها إلى كل الجهات شرقها وغربها.. شمالها وجنوبها والشمال الشرقي والجنوب الغربي وكل جهة تفكر فيها. ولكن لماذا ذكرت الآية الشرق والغرب فقط؟ لأن بعد ذلك كل الجهات تحدد بشروق الشمس وغروبها.. فهناك شمال شرقي وجنوب شرقي وشمال غربي وجنوب غربي.. كما إن الشرق والغرب معروف بالفطرة عند الناس.. فلا أحد يجهل من أين تشرق الشمس ولا إلى أين تغرب. فأنت كل يوم ترى شروقا وترى غروبا. الله سبحانه وتعالى حين يقول: { وَللَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ } فليس معناها حصر الملكية لهاتين الجهتين ولكنه ما يعرف بالاختصاص بالتقديم.. كما تقول بالقلم كتبت وبالسيارة أتيت.. أي أن الكتابة هي خصوص القلم والإتيان خصوص السيارة.. وهذا ما يعرف بالاختصاص.. فهذا مختص بكذا وليس لغيره شيء فيه.. ولذلك فإن معنى: { وَللَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ }.. أن الملكية لله سبحانه وتعالى لا يشاركه فيها أحد.. الله جل جلاله يريدنا أن نعرف أننا إذا قلنا: " وللهِ المشرقُ " فلا نظن أن المشرق اتجاه واحد بل إن المشرق يختلف باختلاف المكان.. فكل مكان في الأرض له مشرق وله مغرب.. فإذا أشرقت الشمس في مكان فإنها في نفس الوقت تغرب في مكان آخر.. تشرق عندي وتغرب عند غيري.. وبعد دقيقة تشرق عند قوم وتغرب عند آخرين.. فإذا نظرت إلى الشرق وإلى الغرب بالنسبة لشروق الشمس الظاهري وغروبها.. تجد أن المشرق والمغرب لا ينتهيان من على سطح الأرض.. في كل دقيقة شروق وغروب

    — محمد متولي الشعراوي

ووقفة واحدة أخرى لهذه الآية في الوقفات التدبرية.

الناسخ والمنسوخ في الآية ١١٥ من سورة البقرة

من كتاب: الإيضاح لناسخ القرآن ومنسوخه

﴿ وَللَّهِ ٱلْمَشْرِقُ وَٱلْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ ٱللَّهِ إِنَّ ٱللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ﴾

قوله تعالى: ﴿فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ الله﴾
ظاهرُ هذا يَدُلُّ على جوازِ الصَّلاةِ إلى كُلِّ جهةٍ من شرقٍ وغربٍ وغيرِه.
وهو منسوخٌ - عند مالك وأصحابه - بقوله: ﴿فولِّ وجهَكَ شطر المسجد الحَرام﴾ [البقرة: ١٤٤، ١٤٩، ١٥٠] فيكونُ هذا مما نُسِخَ قبل العمل به؛ لأنه لم يثبت أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ولا أصحابُه صلَّوا في سفرٍ ولا حضرٍ فريضةً إلى حيثما توجَّهوا. ونَسْخُها بقوله: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ المَسْجِدِ الحَرَام﴾ وهو أيضا قولُ قتادة، وابنُ زيد، وهو مرويٌّ عن ابن عباس والحسن.
وللعلماء في هذه الآية خمسة أقوال غيرَ القول الذي ذكرنا:
الأول: قولُ مجاهد والضحاك: قالا: هي ناسخةٌ للصَّلاة إلى بيت المقدس لأن اليهودَ أنكروا رجُوعَ النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى الكعبةِ وتركَ بيت المقدس، وقالوا: ﴿مَا وَلاَّهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ التِى كَانُوا عَلَيْهَا﴾؟ [البقرة: ١٤٢] فأنزل الله:﴿قُلْ لِلَّهِ المَشْرِقُ والمغْرِبُ﴾ وأنزل تعالى: ﴿فأَيْنَما تُوَلُّوا فثم وجه الله﴾ [البقرة: ١١٥] أي: فثمّ جِهةُ الله التي أمر بها.
وقيل: الذين أنكروا ذلك همُ العربُ الكفارُ، وهم السّفهاء.
الثاني: قول النخعي: قال: هي مخصوصةٌ محكمةٌ نزلت فيمن جَهِل القبلةَ له أن يُصَلِّي أينما تَوَجَّه ولا إعادةَ عليه. وعليه الإِعادةُ عند مالك وأصحابه في الوقت. وهو خارجٌ عن الأصول.
الثالث: قاله بعضُ أهل المعاني: قالوا هي محكمةٌ مخصوصةٌ في صلاةِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - على النجاشي حينَ صلَّى عليه، واستقبل جِهَتَهُ إلى غير قبلة، فهي خصوصٌ للنبي - عليه السلام -.
الرابع: قاله بعضُ أهل المعاني، قالوا: الآيةُ مخصوصةٌ في الدعاء، ومعناها: ادعوا كيف شِئْتُم مستقبلين القبلةَ وغيرَ مستقبلين، الله يسمع ذلك كُلَّه.
الخامس: قيل إنها مخصوصةٌ في صلاةِ المسافر للنوافل على راحِلَته، يُصَلِّي أينما توجَّهت به راحِلَتُه، وهو جارٍ على مذهب مالك وأصحابه.

فتاوى متعلقة بالآية ١١٥ من سورة البقرة

فتوى واحدة تتعلق بهذه الآية

ترجمات معاني الآية ١١٥ من سورة البقرة

ترجمة معاني الآية إلى ٦٠ لغةً

(115) And to Allāh belongs the east and the west. So wherever you [might] turn, there is the Face[37] of Allāh. Indeed, Allāh is all-Encompassing and Knowing.
[37]- See footnote to 2:19.
— الترجمة الإنجليزية - صحيح انترناشونال