محتويات صفحة تفسير الآية

تجد في هذه الصفحة تفسير الآية ١١٤ من سورة البقرة في ١٢١ كتابًا من كتب التفسير، ومعاني غريب كلماتها، وإعرابها، وقراءات القراء العشرة فيها، و٢٩ قولًا من التفسير بالمأثور، وما يتصل بها من الموضوعات والوقفات والترجمات.

تفسير الآية ١١٤ من سورة البقرة

١٢١ كتابًا من كتب التفسير

جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري

عن الكتاب

القول في تأويل قوله تعالى :


﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمّنْ مّنَعَ مَسَاجِدَ اللّهِ أَن يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَىَ فِي خَرَابِهَآ أُوْلََئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَن يَدْخُلُوهَآ إِلاّ خَآئِفِينَ لّهُمْ فِي الدّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الآخرة عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾
قد دللنا فيما مضى قَبْلُ على أن تأويل الظلم : وضع الشيء في غير موضعه. وتأويل قوله :﴿وَمَنْ أَظْلَمَ﴾ : وأيّ امرئ أشدّ تعدّيا وجراءة على الله وخلافا لأمره مِن امرىء منع مساجد الله أن يعبد الله فيها ؟ والمساجد جمع مسجد : وهو كل موضع عبد الله فيه. وقد بينا معنى السجود فيما مضى، فمعنى المسجد : الموضع الذي يسجد لله فيه، كما يقال للموضع الذي يجلس فيه : المجلس، وللموضع الذي ينزل فيه : منزل، ثم يجمع منازل ومجالس نظير مسجد ومساجد. وقد حكي سماعا من بعض العرب مساجد في واحد المساجد، وذلك كالخطأ من قائله.
وأما قوله :﴿أنْ يُذْكَرَ فِيها اسمُهُ﴾فإن فيه وجهين من التأويل، أحدهما : أن يكون معناه : ومن أظلم ممن منع مساجد الله من أن يذكر فيها اسمه، فتكون «أن » حينئذ نصبا من قول بعض أهل العربية بفقد الخافض وتعلق الفعل بها. والوجه الاَخر أن يكون معناه : ومن أظلم ممن منع أن يذكر اسم الله في مساجده، فتكون «أن » حينئذ في موضع نصب تكريرا على موضع المساجد وردّا عليه.
وأما قوله : وَسَعَى في خَرَابِها فإن معناه : ومن أظلم ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه، وممن سعى في خراب مساجد الله. ف«سعى » إذا عطف على «منع ».
فإن قال قائل : ومن الذي عني بقوله :﴿وَمَنْ أظْلَمُ مِمّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللّهِ أنْ يُذْكَر فيها اسمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِها﴾ وأيّ المساجد هي ؟ قيل : إن أهل التأويل في ذلك مختلفون، فقال بعضهم : الذين منعوا مساجد الله أن يذكر فيها اسمه هم النصارى والمسجد بيت المقدس. ذكر من قال ذلك :
حدثني محمد بن سعد، قال : حدثني أبي، قال : حدثني عمي، قال : حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله :﴿وَمَنْ أظْلَمُ مِمْنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللّهِ أنْ يُذْكَرَ فِيها اسمُهُ﴾أنهم النصارى.
حدثني محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، قال : حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله :﴿وَمَنْ أظْلَمُ مِمّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللّهِ أنْ يُذْكَرَ فِيها اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِها﴾، النصارى كانوا يطرحون في بيت المقدس الأذى، ويمنعون الناس أن يصلوا فيه.
حدثني المثنى قال : حدثنا أبو حذيفة، قال : حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.
وقال آخرون : هو بختنصر وجنده ومن أعانهم من النصارى والمسجد : مسجد بيت المقدس. ذكر من قال ذلك :
حدثنا بشر بن معاذ، قال : حدثنا يزيد بن زريع، عن سعيد، عن قتادة قوله :﴿ومَنْ أَظْلَمُ مِمّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللّهِ أنْ يُذْكَرَ فِيها اسمُهُ﴾ الآية، أولئك أعداء الله النصارى، حملهم بغض اليهود على أن أعانوا بختنصر البابلي المجوسي على تخريب بيت المقدس.
حدثنا الحسن بن يحيى، قال : أخبرنا عبد الرزاق، قال : أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله :﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللّهِ أنْ يُذْكَرَ فِيها اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِها﴾ قال : هو بختنصر وأصحابه خرّب بيت المقدس، وأعانه على ذلك النصارى.
حدثني موسى، قال : حدثنا عمرو، قال : حدثنا أسباط، عن السدي :﴿وَمَنْ أظْلَمُ مِمّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللّهِ أنْ يُذْكَرَ فِيها اسمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِها﴾ قال : الروم، كانوا ظاهروا بختنصر على خراب بيت المقدس، حتى خرّبه وأمر به أن تطرح فيه الجِيَف وإنما أعانه الروم على خرابه من أجل أن بني إسرائيل قتلوا يحيى بن زكريا.
وقال آخرون : بل عنى الله عزّ وجل بهذه الآية مشركي قريش، إذ منعوا رسول الله ﷺ من المسجد الحرام. ذكر من قال ذلك :
حدثني يونس بن عبد الأعلى، قال : حدثنا ابن وهب، قال : قال ابن زيد في قوله :﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللّهِ أنْ يُذْكَرَ فِيها اسمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِها﴾ قال : هؤلاء المشركون، حين حالوا بين رسول الله ﷺ يوم الحديبية وبين أن يدخل مكة حتى نحر هديه بذي طُوًى وهادنهم، وقال لهم :«ما كَانَ أَحَدٌ يُرَدّ عن هذا البَيْتِ ». وقد كان الرجل يلقى قاتل أبيه أو أخيه فيه فما يصدّه، وقالوا : لا يدخل علينا من قتل آباءنا يوم بدر وفينا باقٍ. وفي قوله :﴿وَسَعَى في خَرَابِها﴾ قالوا : إذْ قطعوا من يعمرها بذكره ويأتيها للحجّ والعمرة.
وأولى التأويلات التي ذكرتها بتأويل الآية قول من قال : عنى الله عز وجل بقوله :﴿وَمَنْ أظْلَمُ مِمّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللّهِ أنْ يُذْكَرَ فِيها اسمُهُ﴾ النصارى وذلك أنهم هم الذين سعوا في خراب بيت المقدس، وأعانوا بختنصر على ذلك، ومنعوا مؤمني بني إسرائيل من الصلاة فيه بعد منصرف بختنصر عنهم إلى بلاده.
والدليل على صحة ما قلنا في ذلك : قيام الحجة بأن لا قول في معنى هذه الآية إلا أحد الأقوال الثلاثة التي ذكرناها، وأن لا مسجد عنى الله عزّ وجل بقوله : وَسَعَى فِي خَرَابِها إلا أحد المسجدين، إما مسجد بيت المقدس، وإما المسجد الحرام. وإذْ كان ذلك كذلك، وكان معلوما أن مشركي قريش لم يسعوا قط في تخريب المسجد الحرام، وإن كانوا قد منعوا في بعض الأوقات رسول الله ﷺ وأصحابه من الصلاة فيه، صحّ وثبت أن الذين وصفهم الله عزّ وجل بالسعي في خراب مساجده غير الذين وصفهم الله بعمارتها، إذْ كان مشركو قريش بنوا المسجد الحرام في الجاهلية، وبعمارته كان افتخارهم، وإن كان بعض أفعالهم فيه كان منهم على غير الوجه الذي يرضاه الله منهم. وأخرى، أن الآية التي قبل قوله :﴿وَمَنْ أظْلَمُ مِمّنْ مَنَعَ مَساجِدَ اللّهِ أنْ يُذْكَرَ فِيها اسْمُهُ﴾ مضت بالخبر عن اليهود والنصارى وذَمّ أفعالهم، والتي بعدها نبهت بذمّ النصارى والخبر عن افترائهم على ربهم، ولم يَجْرِ لقريش ولا لمشركي العرب ذكر، ولا للمسجد الحرام قبلها، فيوجه الخبر بقول الله عز وجل :﴿وَمَنْ أظْلَمُ مِمّنْ مَنَعَ مَساجِدَ اللّهِ أنْ يُذْكَرَ فِيها اسْمُهُ﴾ إليهم وإلى المسجد الحرام. وإذْ كان ذلك كذلك، فالذي هو أَوْلى بالآية أن يوجه تأويلها إليه، هو ما كان نظير قصة الآية قبلها والآية بعدها، إذ كان خبرها لخبرهما نظيرا وشكلاً، إلاّ أن تقوم حجة يجب التسليم لها بخلاف ذلك وإن اتفقت قصصها فاشتبهت.
فإن ظنّ ظانّ أن ما قلنا في ذلك ليس كذلك، إذْ كان المسلمون لم يلزمهم قط فرض الصلاة في المسجد المقدس، فمنعوا من الصلاة فيه، فيلجئون توجيه قوله :﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللّهِ أنْ يُذْكَرَ فِيها اسمُهُ﴾ إلى أنه معنيّ به مسجد بيت المقدس فقد أخطأ فيما ظنّ من ذلك. وذلك أن الله جل ذكره إنما ذكر ظلم من منع من كان فرضه الصلاة في بيت المقدس من مؤمني بني إسرائيل، وإياهم قصد بالخبر عنهم بالظلم والسعي في خراب المسجد، وإن كان قد دلّ بعموم قوله :﴿وَمَنْ أظْلَمُ مِمّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللّهِ أنْ يُذْكَرَ فِيها اسمُهُ﴾ أن كل مانع مصليا في مسجد لله فرضا كانت صلاته فيه أو تطوّعا، وكل ساع في إخرابه فهو من المعتدين الظالمين.

القول في تأويل قوله تعالى :﴿أُولَئِكَ ما كان لَهُمْ أنْ يَدْخُلُوها إلا خائِفِينَ﴾.


وهذا خبر من الله عزّ وجل عمن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه، أنه قد حرّم عليهم دخول المساجد التي سعوا في تخريبها ومنعوا عباد الله المؤمنين من ذكر الله عز وجل فيها ما داموا على مناصبة الحرب إلا على خوف ووجل من العقوبة على دخوله موها. كالذي :
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة :﴿ما كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوها إلا خائِفِينَ﴾ وهم اليوم كذلك، لا يوجد نصراني في بيت المقدس إلا نُهك ضربا وأبلغ إليه في العقوبة.
حدثنا الحسن، قال : أخبرنا عبد الرزاق، قال : أخبرنا معمر، عن قتادة، قال الله عزّ وجل :﴿ما كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إِلاّ خَائِفِينَ﴾ وهم النصارى، فلا يدخلون المسجد إلا مسارقة، إن قُدر عليهم عوقبوا.
حدثنا موسى، قال : حدثنا عمرو، قال : حدثنا أسباط، عن السدي :﴿أُولَئِكَ ما كَانَ لَهُمْ أنْ يَدْخُلُوهَا إلا خَائِفِينَ﴾ فليس في الأرض روميّ يدخلها اليوم إلا وهو خائف أن تضرب عنقه، أو قد أُخيف بأداء الجزية فهو يؤدّيها.
حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : قال ابن زيد في قوله :﴿أُولَئِكَ ما كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إِلاّ خَائِفِينَ﴾ قال : نادى رسول الله ﷺ :«لا يَحُجّ بَعْدَ العامِ مُشْرِك، ولا يَطُوفُ بالبَيْتِ عُرْيان » قال : فجعل المشركون يقولون : اللهم إنا منعنا أن ننزل.
وإنما قيل : أُولَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إلا خَائِفِينَ فأخرج على وجه الخبر عن الجميع وهو خبر عمن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه لأن «مَنْ » في معنى الجميع، وإن كان لفظه واحدا.

القول في تأويل قوله تعالى :﴿لَهُمْ فِي الدّنْيَا خِزْي ولهُمْ في الاَخِرَةِ عَذَاب عَظِيم﴾.


فأما قوله عز وجل : لهم فإنه يعني الذين أخبر عنهم أنهم منعوا مساجد الله أن يذكر فيها اسمه.
وأما قوله : لَهُمْ فِي الدّنْيَا خِزْيٌ فإنه يعني بالخزي : العار والشرّ. والذلة إما القتل والسباء، وإما الذلة والصغار بأداء الجزية. كما :
حدثنا الحسن، قال : حدثنا عبد الرزاق، قال : أخبرنا معمر، عن قتادة :﴿لَهُمْ فِي الدّنْيَا خِزْيٌ﴾ قال : يعطون الجزية عن يد وهم صاغرون.
حدثنا موسى، قال : حدثنا عمرو، قال : حدثنا أسباط، عن السدي قوله :﴿لَهُمْ فِي الدّنْيَا خِزْيٌ﴾ أما خزيهم في الدنيا : فإنهم إذا قام المهديّ وفتحت القسطنطينية قتلهم، فذلك الخزي وأما العذاب العظيم : فإنه عذاب جهنم الذي لا يخفف عن أهله، ولا يُقْضَى عليهم فيها فيموتوا.
وتأويل الآية : لهم في الدنيا الذلة والهوان والقتل والسبي، على منعهم مساجد الله أن يذكر فيها اسمه، وسعيهم في خرابها. ولهم على معصيتهم وكفرهم بربهم وسعيهم في الأرض فسادا عذابُ جهنم، وهو العذاب العظيم.
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا﴾


قال أبو جعفر: قد دللنا فيما مضى قبل على أن تأويل الظلم: وضع الشيء في غير موضعه. (١) وتأويل قوله: (ومن أظلم)، وأي امرئ أشد تعديا وجراءة على الله وخلافا لأمره، من امرئ منع مساجد الله أن يعبد الله فيها؟
* * *
و"المساجد" جمع مسجد: وهو كل موضع عبد الله فيه. وقد بينا معنى السجود فيما مضى. (٢) فمعنى"المسجد": الموضع الذي يسجد لله فيه، كما يقال للموضع الذي يجلس فيه:"المجلس"، وللموضع الذي ينزل فيه:"منزل"، ثم يجمع:"منازل ومجالس" نظير مسجد ومساجد. وقد حكي سماعا من بعض العرب"مساجد" في واحد المساجد، وذلك كالخطأ من قائله.
* * *
وأما قوله: (أن يذكر فيها اسمه)، فإن فيه وجهين من التأويل. أحدهما: أن يكون معناه: ومن أظلم ممن منع مساجد الله من أن يذكر فيها اسمه، فتكون"أن" حينئذ نصبا من قول بعض أهل العربية بفقد الخافض، وتعلق الفعل بها.
والوجه الآخر: أن يكون معناه: ومن أظلم ممن منع أن يذكر اسم الله في مساجده، فتكون"أن" حينئذ في موضع نصب، تكريرا على موضع المساجد وردا عليه. (٣)
* * *
وأما قوله: (وَسَعَى فِي خَرَابِهَا)، فإن معناه: ومن أظلم ممن منع مساجد الله أن
(١) انظر ما سلف ١: ٥٢٣ - ٥٢٤، وهذا الجزء ٢: ١٠١ - ١٠٢، ٣٦٩
(٢) انظر ما سلف في هذا الجزء ٢: ١٠٤ - ١٠٥.
(٣) قوله: "تكريرا"، أي بدل اشتمال.
يذكر فيها اسمه، وممن سعى في خراب مساجد الله. فـ "سعى" إذًا عطف على "منع".
* * *
فإن قال قائل: ومن الذي عنى بقوله: (ومن أظلم ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه وسعى في خرابها) ؟ وأي المساجد هي؟
قيل: إن أهل التأويل في ذلك مختلفون، فقال بعضهم: الذين منعوا مساجد الله أن يذكر فيها اسمه هم النصارى، والمسجد بيت المقدس.
* ذكر من قال ذلك:
١٨٢٠- حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: (ومن أظلم ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه)، أنهم النصارى.
١٨٢١- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله: (ومن أظلم ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه وسعى في خرابها)، النصارى كانوا يطرحون في بيت المقدس الأذى، ويمنعون الناس أن يصلوا فيه.
١٨٢٢- حدثني المثنى قال: حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.
* * *
وقال آخرون: هو بُخْتَنَصَّر وجنده ومن أعانهم من النصارى، والمسجد: مسجد بيت المقدس.
* ذكر من قال ذلك:-
١٨٢٣- حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد بن زريع، عن سعيد، عن قتادة قوله: (ومن أظلم ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه)، الآية، أولئك أعداء الله النصارى، حملهم بغض اليهود على أن أعانوا بختنصر البابلي المجوسي على تخريب بيت المقدس.
١٨٢٤- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا
معمر، عن قتادة في قوله: (ومن أظلم ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه وسعى في خرابها)، قال: هو بختنصر وأصحابه، خرب بيت المقدس، وأعانه على ذلك النصارى.
١٨٢٥- حدثني موسى قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط، عن السدي: (ومن أظلم ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه وسعى في خرابها)، قال: الروم، كانوا ظاهروا بختنصر على خراب بيت المقدس، حتى خربه، وأمر به أن تطرح فيه الجيف، وإنما أعانه الروم على خرابه، من أجل أن بني إسرائيل قتلوا يحيى بن زكريا.
* * *
وقال آخرون: بلى عنى الله عز وجل بهذه الآية مشركي قريش، إذ منعوا رسول الله ﷺ من المسجد الحرام.
* ذكر من قال ذلك:
١٨٢٦- حدثني يونس بن عبد الأعلى، قال، حدثنا ابن وهب قال: قال ابن زيد في قوله: (ومن أظلم ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه وسعى في خرابها)، قال: هؤلاء المشركون، حين حالوا بين رسول الله ﷺ يوم الحديبية وبين أن يدخل مكة حتى نحر هديه بذي طوى وهادنهم، وقال لهم:"ما كان أحد يرد عن هذا البيت، وقد كان الرجل يلقى قاتل أبيه أو أخيه فيه فما يصده، وقالوا: لا يدخل علينا من قتل آباءنا يوم بدر وفينا باق!
وفي قوله: (وَسَعَى فِي خَرَابِهَا) قال: إذْ قطعوا من يعمرها بذكره، (١) ويأتيها للحج والعمرة.
* * *
قال أبو جعفر: وأولى التأويلات التي ذكرتها بتأويل الآية قول من قال: عنى الله عز وجل بقوله: (ومن أظلم ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه) النصارى. وذلك أنهم هم الذين سعوا في خراب بيت المقدس، وأعانوا بختنصر
(١) في المطبوعة: "قالوا إذا قطعوا"، والصواب من تفسير ابن كثير ١: ٢٨٥ فهذا جزء من من الأثر، والقائل هو: ابن زيد.
على ذلك، ومنعوا مؤمني بني إسرائيل من الصلاة فيه بعد منصرف بختنصر عنهم إلى بلاده.
والدليل على صحة ما قلنا في ذلك، قيام الحجة بأن لا قول في معنى هذه الآية إلا أحد الأقوال الثلاثة التي ذكرناها، وأن لا مسجد عنى الله عز وجل بقوله: (وَسَعَى فِي خَرَابِهَا)، إلا أحد المسجدين، إما مسجد بيت المقدس، وإما المسجد الحرام. وإذ كان ذلك كذلك = وكان معلوما أن مشركي قريش لم يسعوا قط في تخريب المسجد الحرام، وإن كانوا قد منعوا في بعض الأوقات رسول الله ﷺ وأصحابه من الصلاة فيه = صح وثبت أن الذين وصفهم الله عز وجل بالسعي في خراب مساجده، غير الذين وصفهم الله بعمارتها. إذ كان مشركو قريش بنوا المسجد الحرام في الجاهلية، وبعمارته كان افتخارهم، وإن كان بعض أفعالهم فيه، كان منهم على غير الوجه الذي يرضاه الله منهم.
وأخرى، أن الآية التي قبل قوله: (ومن أظلم ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه)، مضت بالخبر عن اليهود والنصارى وذم أفعالهم، والتي بعدها نبهت بذم النصارى والخبر عن افترائهم على ربهم، ولم يجر لقريش ولا لمشركي العرب ذكر، ولا للمسجد الحرام قبلها، فيوجه الخبر - بقول الله عز وجل: (ومن أظلم ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه) - إليهم وإلى المسجد الحرام.
وإذْ كان ذلك كذلك، فالذي هو أولى بالآية أن يوجه تأويلها إليه، وهو ما كان نظير قصة الآية قبلها والآية بعدها، إذ كان خبرها لخبرهما نظيرا وشكلا إلا أن تقوم حجة يجب التسليم لها بخلاف ذلك، وإن اتفقت قصصها فاشتبهت. (١)
فإن ظن ظان أن ما قلنا في ذلك ليس كذلك، إذْ كان المسلمون لم يلزمهم
(١) أراد ابن كثير أن يرد ما ذهب إليه الطبري في تفسير الآية، في تفسيره ١: ٢٨٥ / ٢٨٧ وقال:"اختار ابن جرير القول الأول، واحتج- بأن قريشا لم تسع في خراب الكعبة، وأما الروم فسعت في تخريب بيت المقدس، قال ابن كثير: والذي يظهر والله أعلم، القول الثاني، كما قاله ابن زيد... " ثم قال:"وأما اعتماده على أن قريشا لم تسع في خراب الكعبة، فأي خراب أعظم مما فعلوا؟ أخرجوا منها رسول الله ﷺ وأصحابه، واستحوذوا عليها بأصنامهم وأندادهم وشركهم.."
ثم استدل بآيات من كتاب الله وقال:"ليس المراد بعمارتها، زخرفتها وإقامة صورتها، فقط، إنما عمارتها بذكر الله وإقامة شرعه فيها" إلى آخر ما قاله.
هذا الاعتراض من ابن كثير على أبي جعفر رحمهما الله، ليس يقوم في وجه حجة الطبري على صواب ما ذهب إليه في تأويل الآية. والطبري لم يغفل عن مثل اعتراض ابن كثير، ولكن ابن كثير غفل عن سياق تأويل الطبري. وصحيح أن ما كان من أمر أهل الشرك في الجاهلية في البيت الحرام يدخل في عموم معنى قوله: ﴿وَسَعَى فِي خَرَابها﴾، ولكن سياق الآيات السابقة، ثم التي تليها، توجب-كما ذهب إليه الطبري- أن يكون معنيا بها من كانت الآيات نازلة في خبره وقصته.
والآيات السالفة جميعا خبر عن بني إسرائيل الذين كانوا على عهد موسى، وتأنيب لبني إسرائيل الذين كانوا بين ظهراني مهاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم ما كان منهم لأهل الإيمان من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم تحذير لهم من أهل الكتاب جميعا، يهوديهم ونصرانيهم، وذكر لافتراء الفريقين بعضهم على بعض، وادعاء كل فريق أنه هو الفريق الناجي يوم القيامة. ثم أفرد بعد ذلك أخبار النصارى، كما أفرد من قبل أخبار بني إسرائيل، فعدد سوء فعلهم في منعهم مساجد الله أن يذكر فيها اسمه، ثم كذبهم على ربهم أنه اتخذ ولدا، ثم قول بعضهم: ﴿لولا يكلمنا الله أو تأتينا آية﴾، وأن ذلك شيبه بقول اليهود: ﴿أرنا الله جهرة﴾، ثم أخبر أنه أرسل رسوله محمدا بشيرا ونذيرا، وأمره أن يعرض عن أهل الجحيم من هؤلاء وهؤلاء، ثم أعلنه أن اليهود والنصارى جميعا لن يرضوا عنه حتى يتبع ملتهم وطريقهم، في الافتراء على رب العالمين. فالسياق كما ترى، بمعزل عن المشركين من العرب، ولكن ابن كثير وغيره من أئمتنا رضوان الله عليهم، تختلط عليهم المعاني حين تتقارب، ولكن أبا جعفر صابر على كتاب ربه، مطيق لحمله، لا يعجله شيء عن شيء ما استطاع. فهو يخلص معاني كتاب ربه تخليصا لم أجده قط لأحد بعده، ممن قرأ كتابه. وأكثرهم يعترض عليه، ولو صبر على دقة هذا الإمام. لكان ذلك أولى به، وأشبه بخلق أهل العلم، وهم له أهل، غفر الله لنا ولهم.
قط فرض الصلاة في [المسجد المقدس، فمنعوا من الصلاة فيه فيلجئون] توجيه قوله (١) (ومن أظلم ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه) إلى أنه معني به مسجد بيت المقدس - فقد أخطأ فيما ظن من ذلك. وذلك أن الله جل ذكره إنما ذكر ظلم من منع من كان فرضه الصلاة في بيت المقدس من مؤمني بني إسرائيل، وإياهم قصد بالخبر عنهم بالظلم والسعي في خراب المسجد. وإن كان قد دل بعموم قوله: (ومن أظلم ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه)، أن كل مانع مصليا في مسجد لله، (٢) فرضا كانت صلاته فيه أو تطوعا-، وكل ساع في إخرابه فهو من المعتدين الظالمين.
* * *

القول في تأويل قوله جل ذكره ﴿أُولَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إِلا خَائِفِينَ﴾


قال أبو جعفر: وهذا خبر من الله عز وجل عمن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه، أنه قد حرم عليهم دخول المساجد التي سعوا في تخريبها، ومنعوا عباد الله المؤمنين من ذكر الله عز وجل فيها، ما داموا على مناصبة الحرب، إلا على خوف ووجل من العقوبة على دخولهموها، كالذي:-
١٨٢٧- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة: (ما كان لهم أن يدخلوها إلا خائفين)، وهم اليوم كذلك، لا يوجد نصراني في بيت المقدس إلا نهك ضربا، وأبلغ إليه في العقوبة.
١٨٢٨- حدثنا الحسن قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن قتادة: قال الله عز وجل: (ما كان لهم أن يدخلوها إلا خائفين)، وهم النصارى، فلا يدخلون المسجد إلا مسارقة، إن قدر عليهم عوقبوا.
١٨٢٩- حدثنا موسى قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط، عن السدي: (أولئك ما كان لهم إن يدخلوها إلا خائفين)، فليس في الأرض رومي يدخلها
(١) الذي بين القوسين، هكذا جاء في النسخ المطبوعة والمخطوطة السقيمة. ولم أجد نقلا عن أبي جعفر يهديني إلى تصويب هذا الخلط. فاجتهدت أن استظهر سياق كلامه. فأقرب ما انتهيت إليه أن يكون فيه سقطا وتحريفا، وأن يكون سياقه كما يلي:
[إذ كان المسلمون هم المخاطبون بالآيات التي سبقت هذه الآية، وكان المسلمون لم يلزمهم قط فرض الصلاة في مسجد بيت المقدس، فمنعوا من الصلاة فيه، وكان النصارى واليهود لم يمنعوهم قط من الصلاة فيه، فيجوز توجيه قوله -:} وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ} - إلى أنه معنى به مسجد بيت المقدس]. هذا اجتهادي في قراءة هذا النص المختلط، والله أعلم.
(٢) في المطبوعة: "في مسجد الله"، والصواب ما أثبت.
اليوم إلا وهو خائف أن تضرب عنقه، أو قد أخيف بأداء الجزية، فهو يؤديها.
١٨٣٠- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: (أولئك ما كان لهم أن يدخلوها إلا خائفين)، قال: نادى رسول الله صلى الله عليه وسلم:"لا يحج بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان. قال: فجعل المشركون يقولون: اللهم إنا منعنا أن ننزل!.
* * *
وإنما قيل: (أولئك ما كان لهم أن يدخلوها إلا خائفين)، فأخرج على وجه الخبر عن الجميع، وهو خبر عن (من منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه)، لأن"من" في معنى الجميع، وإن كان لفظه واحدا. (١)
* * *

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾


قال أبو جعفر: أما قوله عز وجل: (لهم)، فإنه يعني: الذين أخبر عنهم أنهم منعوا مساجد الله أن يذكر فيها اسمه. أما قوله: (لهم في الدنيا خزي)، فإنه يعني بـ "الخزي": العار والشر والذلة (٢) إما القتل والسباء، وإما الذلة والصغار بأداء الجزية، كما:-
١٨٣١- حدثنا الحسن قال، حدثنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن قتادة: (لهم في الدنيا خزي)، قال: يعطون الجزية عن يد وهم صاغرون.
١٨٣٢- حدثنا موسى قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط، عن السدي قوله: (لهم في الدنيا خزي)، أما خزيهم في الدنيا، فإنهم إذا قام المهدي وفتحت القسطنطينية قتلهم. فذلك الخزي. وأما العذاب العظيم، فإنه عذاب جهنم الذي لا يخفف عن أهله، ولا يقضى عليهم فيها فيموتوا. وتأويل الآية: لهم في الدنيا الذلة والهوان والقتل والسبي - على منعهم مساجد الله أن يذكر فيها اسمه وسعيهم
(١) انظر ما سلف في هذا الجزء ٢: ٥١٣.
(٢) انظر ما سلف في هذا الجزء ٢: ٣١٤.

تفسير القرآن العظيم — ابن كثير

عن الكتاب
اختلف المفسرون في المراد من الذين منعوا مساجد الله(١) وسَعَوا في خرابها على قولين :
أحدهما : ما رواه العوفي في تفسيره، عن ابن عباس في قوله :﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾ قال : هم النصارى. وقال مجاهد : هم النصاري، كانوا يطرحون في بيت المقدس الأذى، ويمنعون الناس أن يصلوا فيه.
وقال عبد الرزاق : أخبرنا مَعْمَر، عن قتادة في قوله :﴿وَسَعَى فِي خَرَابِهَا﴾ هو بُخْتَنَصَّر وأصحابه، خَرَّب بيت المقدس، وأعانه على ذلك النصارى.
وقال سعيد، عن قتادة : قال : أولئك أعداء الله النصارى، حملهم بغض اليهود على أن أعانوا بختنصر البابلي المجوسي على تخريب بيت المقدس.
وقال السدي : كانوا ظاهروا بختنصر على خراب بيت المقدس حتى خربه، وأمر به أن تطرح فيه الجيف، وإنما أعانه الروم على خرابه من أجل أن بني إسرائيل قتلوا يحيى بن زكريا. وروي نحوه عن الحسن البصري.
القول الثاني : ما رواه ابن جرير : حدثني يونس بن عبد الأعلى، حدثنا ابن وهب قال : قال ابن زيد في قوله :﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا﴾ قال : هؤلاء المشركون الذين حالوا بين رسول الله ﷺ يوم الحديبية، وبين أن يدخلوا مكة حتى نحر هديه بذي طُوَى وهادنهم، وقال لهم : ما كان أحد يَصُد عن هذا البيت، وقد كان الرجل يلقى قاتل أبيه وأخيه فلا يصده. فقالوا : لا يدخل علينا مَنْ قتل آباءنا يوم بدر وفينا باق.
وفي قوله :﴿وَسَعَى فِي خَرَابِهَا﴾ قال : إذ قطعوا من يَعْمُرُها بذكره ويأتيها للحج والعمرة.
وقال ابن أبي حاتم : ذكر عن سلمة قال : قال محمد بن إسحاق : حدثني محمد بن أبي محمد، عن عكرمة أو سعيد بن جبير، عن ابن عباس : أن قُرَيشًا منعوا النبي ﷺ الصلاة عند الكعبة في المسجد الحرام، فأنزل الله :﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾
ثم اختار ابن جرير القول الأول، واحتج بأن قريشًا لم تسع في خراب الكعبة. وأما الروم فسعوا في تخريب بيت المقدس.
قلت : الذي(٢) يظهر - والله أعلم - القول الثاني، كما قاله ابن زيد، وروي عن ابن عباس ؛ لأن النصارى إذا منعت اليهود الصلاة في البيت المقدس، كأن دينهم أقوم من دين اليهود، وكانوا أقرب منهم، ولم يكن ذكر الله من اليهود مقبولا إذ ذاك ؛ لأنهم لعنوا من قبل على لسان داود وعيسى ابن مريم، ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون. وأيضا فإنه تعالى لما وجه الذم في حق اليهود والنصارى، شرع في ذم المشركين الذين أخرجوا الرسول ﷺ وأصحابه من مكة، ومنعوهم من الصلاة في المسجد الحرام، وأما اعتماده على أن قريشا لم تسع في خراب الكعبة، فأي خراب أعظم مما فعلوا ؟ أخرجوا عنها رسول الله ﷺ وأصحابه، واستحوذوا عليها بأصنامهم وأندادهم وشركهم، كما قال تعالى :﴿وَمَا لَهُمْ أَلا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلا الْمُتَّقُونَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الأنفال: ٣٤]، وقال تعالى :﴿مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ شَاهِدِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ وَفِي النَّارِ هُمْ خَالِدُونَ إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلا اللَّهَ فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ﴾ [التوبة: ١٧، ١٨]، وقال تعالى :﴿هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ وَلَوْلا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُؤْمِنَاتٌ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ أَنْ تَطَئُوهُمْ فتَصُيِبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ لِيُدْخِلَ اللهُ فِي رَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ [الفتح: ٢٥]، فقال تعالى :﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلا اللَّهَ﴾ [التوبة: ١٨]، فإذا كان من هو كذلك مطرودًا منها مصدودًا عنها، فأي خراب لها أعظم من ذلك ؟ وليس المراد من عمارتها زخرفتها وإقامة صورتها فقط، إنما عمارتها بذكر الله فيها وإقامة شرعه فيها، ورفعها عن الدنس والشرك.
وقوله تعالى :﴿أُولَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إِلا خَائِفِينَ﴾ هذا خبر معناه الطلب، أي لا تُمَكِّنوا هؤلاء - إذا قَدَرُتم عليهم - من دخولها إلا تحت الهدنة والجزية. ولهذا لما فتح رسولُ الله ﷺ مكة أمر من العام القابل في سنة تسع أن ينادى برحاب منى :" ألا لا يَحُجَّن(٣) بعد العام مشرك، ولا يطوفن بالبيت عُريان، ومن كان له أجل فأجله إلى مدته ". وهذا كان تصديقًا وعملا بقوله تعالى :﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ الآية [التوبة: ٢٨]، وقال بعضهم : ما كان ينبغي لهم أن يدخلوا مساجد الله إلا خائفين على حال التهيب، وارتعاد الفرائص من المؤمنين أن يبطشوا بهم، فضلا أن يستولوا عليها ويمنعوا(٤) المؤمنين منها. والمعنى : ما كان الحق والواجب إلا ذلك، لولا ظلم الكفرة وغيرهم.
وقيل : إن هذا بشارة من الله للمسلمين أنه سيُظْهرهم على المسجد الحرام وعلى سائر المساجد، وأنه يذل المشركين لهم حتى لا يدخل المسجد الحرام أحد منهم إلا خائفا، يخاف أن يؤخذ فيعاقب أو يقتل إن لم يسلم. وقد أنجز الله هذا الوعد كما تقدم من منع المشركين من دخول المسجد الحرام، وأوصى رسول الله ﷺ أن لا يبقى بجزيرة العرب دينان، وأن تجلى اليهود والنصارى منها، ولله الحمد والمنة. وما ذاك إلا تشريف أكناف المسجد الحرام وتطهير البقعة [ المباركة ](٥) التي بعث [ الله ](٦) فيها رسوله إلى الناس كافة بشيرًا ونذيرًا صلوات الله وسلامه عليه(٧). وهذا هو الخزي لهم في الدنيا ؛ لأن الجزاء من جنس العمل. فكما صدوا المؤمنين(٨) عن المسجد الحرام، صُدوا عنه، وكما أجلوهم من مكة أجلوا منها ﴿وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ على ما انتهكوا من حرمة البيت، وامتهنوه من نصب الأصنام حوله، والدعاء إلى غير الله عنده والطواف به عريا، وغير ذلك من أفاعيلهم التي يكرهها الله ورسوله.
وأما من فَسَّر بيت(٩) المقدس، فقال كعب الأحبار : إن النصارى لما ظهروا على بيت المقدس خربوه(١٠) فلما بعث الله محمدا ﷺ أنزل عليه :﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا أُولَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إِلا خَائِفِينَ﴾ الآية، فليس في الأرض نصراني يدخل بيت المقدس إلا خائفا.
وقال السدي : فليس في الأرض رومي يدخله اليوم إلا وهو خائف أن يُضْرَب(١١) عُنُقُه، أو قد أخيف بأداء الجزية فهو يؤديها.
وقال قتادة : لا يدخلون المساجد إلا مسارقة.
قلت : وهذا لا ينفي أن يكون داخلا في معنى عموم الآية فإن النصارى ما ظلموا بيت المقدس، بامتهان الصخرة التي كانت يصلي(١٢) إليها اليهود، عوقبوا شرعًا وقَدَرا بالذلة فيه، إلا في أحيان من الدهر امتحن(١٣) بهم بيت المقدس وكذلك اليهودُ لما عَصَوا الله فيه أيضا أعظم من عصيان النصارى كانت عقوبتهم أعظم والله أعلم.
وفسر هؤلاء الخزي من الدنيا، بخروج المهدي عند السدي، وعكرمة، ووائل بن داود. وفسره قتادة بأداء الجزية عن يد وهم صاغرون.
والصحيح أن الخزي في الدنيا أعم من ذلك كله، وقد ورد الحديث بالاستعاذة من خزي الدنيا وعذاب الآخرة كما قال الإمام أحمد : حدثنا الهيثم بن خارجة، حدثنا محمد بن أيوب بن ميسرة بن حَلبس(١٤) سمعت أبي يحدث، عن بُسْر(١٥) بن أرطاة، قال : كان رسول الله ﷺ يدعو :" اللهم أحسن عاقبتنا في الأمور كلها، وأجرنا من خزي الدنيا وعذاب الآخرة " (١٦).
وهذا حديث حسن، وليس في شيء من الكتب الستة، وليس لصحابيه وهو بسر(١٧) بن أرطاة - ويقال : ابن أبي أرطاة - حديث سواه، وسوى [ حديث ](١٨) " لا تقطع الأيدي في الغزو ".
١ في جـ: "مساجد الله أن يذكر فيها اسمه"..
٢ في ط، ب: "قلت والذي"..
٣ في ب، و: "ألا لا يحج"، وفي أ: "أن لا يحج"..
٤ في جـ، ط، ب: "ويمنعوا"..
٥ زيادة من جـ..
٦ زيادة من جـ، ط، ب، أ، و..
٧ في جـ، ب، و: "صلوات الله وسلامه عليه"..
٨ في أ: "المسلمين"..
٩ في ط، ب: "ببيت"..
١٠ في أ: حرقوه"..
١١ في جـ، ط، ب: "أن تضرب"..
١٢ في جـ، ب، و: "كانت تصلى"، وفي أ: "كانت تصل"..
١٣ في أ: "سخر"..
١٤ في جـ، ط، ب: "بن حابس"..
١٥ في أ: "عن بشر"..
١٦ المسند (٤/١٨١)..
١٧ في أ: "وهو بشر"..
١٨ زيادة من جـ، ط، ب، أ، و..
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
فَقَالَ الرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ وَقَتَادَةُ: ﴿كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ قَالَا وَقَالَتِ النَّصَارَى مِثْلَ قَوْلِ الْيَهُودِ وَقِيلِهِمْ. وَقَالَ ابْنُ جُرَيج: قُلْتُ لِعَطَاءٍ: مَنْ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ؟ قَالَ: أُمَمٌ كَانَتْ قَبْلَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى وَقَبْلَ التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ. وَقَالَ السُّدِّيُّ: ﴿كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ فَهُمُ: الْعَرَبُ، قَالُوا: لَيْسَ مُحَمَّدٌ عَلَى شَيْءٍ.
وَاخْتَارَ أَبُو جَعْفَرِ بْنُ جَرِيرٍ أَنَّهَا عَامَّةٌ تَصْلُحُ لِلْجَمِيعِ، وَلَيْسَ ثمَّ دَلِيلٌ قَاطِعٌ يُعَيِّنُ وَاحِدًا مِنْ هَذِهِ الْأَقْوَالِ، فَالْحَمْلُ عَلَى الْجَمِيعِ أَوْلَى، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ أَيْ: أَنَّهُ تَعَالَى يَجْمَعُ (١) بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْمَعَادِ، وَيَفْصِلُ بَيْنَهُمْ بِقَضَائِهِ الْعَدْلِ الذِي لَا يَجُورُ فِيهِ وَلَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ. وَهَذَا كَقَوْلِهِ تَعَالَى فِي سُورَةِ الْحَجِّ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [الْحَجِّ: ١٧]، وَكَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنَا رَبُّنَا ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَهُوَ الْفَتَّاحُ الْعَلِيمُ﴾ [سَبَأٍ: ٢٦].
﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا أُولَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إِلا خَائِفِينَ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (١١٤)﴾
اخْتَلَفَ الْمُفَسِّرُونَ فِي الْمُرَادِ مِنَ الَّذِينَ مَنَعُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ (٢) وسَعَوا فِي خَرَابِهَا عَلَى قَوْلَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: مَا رَوَاهُ الْعَوْفِيُّ فِي تَفْسِيرِهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾ قَالَ: هُمُ النَّصَارَى. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: هُمُ النُّصَّارَى، كَانُوا يَطْرَحُونَ فِي بَيْتِ الْمَقْدِسِ الْأَذَى، وَيَمْنَعُونَ النَّاسَ أَنْ يُصَلُّوا فِيهِ.
وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ: أَخْبَرَنَا مَعْمَر، عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَسَعَى فِي خَرَابِهَا﴾ هُوَ بُخْتَنَصَّر وَأَصْحَابُهُ، خَرَّب بَيْتَ الْمَقْدِسِ، وَأَعَانَهُ عَلَى ذَلِكَ النَّصَارَى.
وَقَالَ سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ: قَالَ: أُولَئِكَ أَعْدَاءُ اللَّهِ النَّصَارَى، حَمَلَهُمْ بُغْضُ الْيَهُودِ عَلَى أَنْ أَعَانُوا بُخْتَنَصَّرَ الْبَابِلِيَّ الْمَجُوسِيَّ عَلَى تَخْرِيبِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ.
وَقَالَ السُّدِّيُّ: كَانُوا ظَاهَرُوا بُخْتَنَصَّرَ عَلَى خَرَابِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ حَتَّى خَرَّبَهُ، وَأَمَرَ بِهِ أَنْ تُطْرَحَ فِيهِ الْجِيَفُ، وَإِنَّمَا أَعَانَهُ الرُّومُ عَلَى خَرَابِهِ مِنْ أَجْلِ أَنَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ قَتَلُوا يَحْيَى بْنَ زَكَرِيَّا. وَرُوِيَ نَحْوَهُ عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ.
الْقَوْلُ الثَّانِي: مَا رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنِي يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، حدثنا ابن وهب قال: قال ابن
(١) في أ: "يحكم".
(٢) في جـ: "مساجد الله أن يذكر فيها اسمه".
زَيْدٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا﴾ قَالَ: هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكُونَ الَّذِينَ حَالُوا بَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ، وَبَيْنَ أَنْ يَدْخُلُوا مَكَّةَ حَتَّى نَحَرَ هَدْيَهُ بِذِي طُوَى وَهَادَنَهُمْ، وَقَالَ لَهُمْ: مَا كَانَ أَحَدٌ يَصُد عَنْ هَذَا الْبَيْتِ، وَقَدْ كَانَ الرَّجُلُ يَلْقَى قَاتِلَ أَبِيهِ وَأَخِيهِ فَلَا يَصُدُّهُ. فَقَالُوا: لَا يَدْخُلُ عَلَيْنَا مَنْ قَتَلَ آبَاءَنَا يَوْمَ بَدْرٍ وَفِينَا بَاقٍ.
وَفِي قَوْلِهِ: ﴿وَسَعَى فِي خَرَابِهَا﴾ قَالَ: إِذْ قَطَعُوا مَنْ يَعْمُرُها بِذِكْرِهِ وَيَأْتِيهَا لِلْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ.
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: ذَكَرَ عَنْ سَلَمَةَ قَالَ: قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي مُحَمَّدٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ أَوْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ قُرَيشًا مَنَعُوا النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الصَّلَاةَ عِنْدَ الْكَعْبَةِ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾
ثُمَّ اخْتَارَ ابْنُ جَرِيرٍ الْقَوْلَ الْأَوَّلَ، وَاحْتَجَّ بِأَنَّ قُرَيْشًا لَمْ تَسْعَ فِي خَرَابِ الْكَعْبَةِ. وَأَمَّا الرُّومُ فَسَعَوْا فِي تَخْرِيبِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ.
قُلْتُ: الذِي (١) يَظْهَرُ -وَاللَّهُ أَعْلَمُ-الْقَوْلُ الثَّانِي، كَمَا قَالَهُ ابْنُ زَيْدٍ، وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ؛ لِأَنَّ النَّصَارَى إِذَا مَنَعَتِ الْيَهُودَ الصَّلَاةَ فِي الْبَيْتِ الْمُقَدَّسِ، كَأَنَّ دِينَهُمْ أَقْوَمُ مِنْ دِينِ الْيَهُودِ، وَكَانُوا أَقْرَبَ مِنْهُمْ، وَلَمْ يَكُنْ ذِكْرُ اللَّهِ مِنَ الْيَهُودِ مَقْبُولًا إِذْ ذَاكَ؛ لِأَنَّهُمْ لُعِنُوا مِنْ قَبْلُ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ، ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ. وَأَيْضًا فَإِنَّهُ تَعَالَى لَمَّا وَجَّهَ الذَّمَّ فِي حَقِّ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى، شَرَعَ فِي ذَمِّ الْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ أَخْرَجُوا الرَّسُولَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابَهِ مِنْ مَكَّةَ، وَمَنَعُوهُمْ مِنَ الصَّلَاةِ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، وَأَمَّا اعْتِمَادُهُ عَلَى أَنَّ قُرَيْشًا لَمْ تَسْعَ فِي خَرَابِ الْكَعْبَةِ، فَأَيُّ خَرَابٍ أَعْظَمُ مِمَّا فَعَلُوا؟ أَخْرَجُوا عَنْهَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابَهُ، وَاسْتَحْوَذُوا عَلَيْهَا بِأَصْنَامِهِمْ وَأَنْدَادِهِمْ وَشِرْكِهِمْ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا لَهُمْ أَلا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلا الْمُتَّقُونَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الْأَنْفَالِ: ٣٤]، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ شَاهِدِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ وَفِي النَّارِ هُمْ خَالِدُونَ* إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلا اللَّهَ فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ﴾ [التَّوْبَةِ: ١٧، ١٨]، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ وَلَوْلا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُؤْمِنَاتٌ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ أَنْ تَطَئُوهُمْ فتَصُيِبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ لِيُدْخِلَ اللهُ فِي رَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ [الْفَتْحِ: ٢٥]، فَقَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلا اللَّهَ﴾ [التَّوْبَةِ: ١٨]، فَإِذَا كَانَ مَنْ هُوَ كَذَلِكَ مَطْرُودًا مِنْهَا مَصْدُودًا عَنْهَا، فَأَيُّ خَرَابٍ لَهَا أَعْظَمُ مِنْ ذَلِكَ؟ وَلَيْسَ الْمُرَادُ مِنْ عِمَارَتِهَا زَخْرَفَتَهَا وَإِقَامَةَ صُورَتِهَا فَقَطْ، إِنَّمَا عِمَارَتُهَا بِذِكْرِ اللَّهِ فِيهَا وَإِقَامَةِ شَرْعِهِ فيها، ورفعها عن الدنس والشرك.
(١) في ط، ب: "قلت والذي".
وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿أُولَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إِلا خَائِفِينَ﴾ هَذَا خَبَرٌ مَعْنَاهُ الطَّلَبُ، أَيْ لَا تُمَكِّنوا هَؤُلَاءِ -إِذَا قَدَرُتم عَلَيْهِمْ-مِنْ دُخُولِهَا إِلَّا تَحْتَ الْهُدْنَةِ وَالْجِزْيَةِ. وَلِهَذَا لَمَّا فَتَحَ رسولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَكَّةَ أَمَرَ مِنَ الْعَامِ الْقَابِلِ فِي سَنَةِ تِسْعٍ أَنْ يُنَادَى بِرِحَابِ مِنًى: "أَلَّا لَا يَحُجَّن (١) بَعْدَ الْعَامِ مُشْرِكٌ، وَلَا يَطُوفَنَّ بِالْبَيْتِ عُريان، وَمَنْ كَانَ لَهُ أَجْلٌ فَأَجَلُهُ إِلَى مُدَّتِهِ". وَهَذَا كَانَ تَصْدِيقًا وَعَمَلًا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ الْآيَةَ [التَّوْبَةِ: ٢٨]، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: مَا كَانَ يَنْبَغِي لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ إِلَّا خَائِفِينَ عَلَى حَالِ التَّهَيُّبِ، وَارْتِعَادِ الْفَرَائِصِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْ يَبْطِشُوا بِهِمْ، فَضْلًا أَنْ يَسْتَوْلُوا عَلَيْهَا وَيَمْنَعُوا (٢) الْمُؤْمِنِينَ مِنْهَا. وَالْمَعْنَى: مَا كَانَ الْحَقُّ وَالْوَاجِبُ إِلَّا ذَلِكَ، لَوْلَا ظُلْمُ الْكَفَرَةِ وَغَيْرِهِمْ.
وَقِيلَ: إِنَّ هَذَا بِشَارَةٌ مِنَ اللَّهِ لِلْمُسْلِمِينَ أَنَّهُ سيُظْهرهم عَلَى الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَعَلَى سَائِرِ الْمَسَاجِدِ، وَأَنَّهُ يُذِلُّ الْمُشْرِكِينَ لَهُمْ حَتَّى لَا يَدْخُلَ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ أَحَدٌ مِنْهُمْ إِلَّا خَائِفًا، يَخَافُ أَنْ يُؤْخَذَ فَيُعَاقَبَ أَوْ يُقْتَلَ إِنْ لَمْ يُسْلِمْ. وَقَدْ أَنْجَزَ اللَّهُ هَذَا الْوَعْدَ كَمَا تَقَدَّمَ مِنْ مَنْعِ الْمُشْرِكِينَ مِنْ دُخُولِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، وَأَوْصَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ لَا يَبْقَى بِجَزِيرَةِ الْعَرَبِ دِينَانِ، وَأَنْ تُجْلَى الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى مِنْهَا، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ. وَمَا ذَاكَ إِلَّا تَشْرِيفُ أَكْنَافِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَتَطْهِيرُ الْبُقْعَةِ [الْمُبَارَكَةِ] (٣) التِي بَعَثَ [اللَّهُ] (٤) فِيهَا رَسُولَهُ إِلَى النَّاسِ كَافَّةً بَشِيرًا وَنَذِيرًا صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ (٥). وَهَذَا هُوَ الْخِزْيُ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا؛ لِأَنَّ الْجَزَاءَ مِنْ جِنْسِ الْعَمَلِ. فَكَمَا صَدُّوا الْمُؤْمِنِينَ (٦) عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، صُدوا عَنْهُ، وَكَمَا أَجْلَوْهُمْ مِنْ مَكَّةَ أُجْلُوا مِنْهَا ﴿وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ عَلَى مَا انْتَهَكُوا مِنْ حُرْمَةِ الْبَيْتِ، وَامْتَهَنُوهُ مِنْ نَصْبِ الْأَصْنَامِ حَوْلَهُ، وَالدُّعَاءِ إِلَى غَيْرِ اللَّهِ عِنْدَهُ وَالطَّوَافِ بِهِ عُرْيًا، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ أَفَاعِيلِهِمُ التِي يَكْرَهُهَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ.
وَأَمَّا مَنْ فَسَّر بَيْتَ (٧) الْمَقْدِسِ، فَقَالَ كَعْبُ الْأَحْبَارِ: إِنَّ النَّصَارَى لَمَّا ظَهَرُوا عَلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ خَرَّبُوهُ (٨) فَلَمَّا بَعَثَ اللَّهُ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْزَلَ عَلَيْهِ: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا أُولَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إِلا خَائِفِينَ﴾ الْآيَةَ، فَلَيْسَ فِي الْأَرْضِ نَصْرَانِيٌّ يَدْخُلُ بَيْتَ الْمَقْدِسِ إِلَّا خَائِفًا.
وَقَالَ السُّدِّيُّ: فَلَيْسَ فِي الْأَرْضِ رُومِيٌّ يَدْخُلُهُ الْيَوْمَ إِلَّا وَهُوَ خَائِفٌ أَنْ يُضْرَب (٩) عُنُقُه، أَوْ قَدْ أُخِيفَ بِأَدَاءِ الْجِزْيَةِ فَهُوَ يؤديها.
(١) في ب، و: "ألا لا يحج"، وفي أ: "أن لا يحج".
(٢) في جـ، ط، ب: "ويمنعوا".
(٣) زيادة من جـ.
(٤) زيادة من جـ، ط، ب، أ، و.
(٥) في جـ، ب، و: "صلوات الله وسلامه عليه".
(٦) في أ: "المسلمين".
(٧) في ط، ب: "ببيت".
(٨) في أ: حرقوه".
(٩) في جـ، ط، ب: "أن تضرب".

تيسير الكريم الرحمن — السعدي

عن الكتاب
﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا أُولَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إِلَّا خَائِفِينَ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾
أي : لا أحد أظلم وأشد جرما، ممن منع مساجد الله، عن ذكر الله فيها، وإقامة الصلاة وغيرها من الطاعات.
﴿وَسَعَى﴾ أي : اجتهد وبذل وسعه ﴿فِي خَرَابِهَا﴾ الحسي والمعنوي، فالخراب الحسي : هدمها وتخريبها، وتقذيرها، والخراب المعنوي : منع الذاكرين لاسم الله فيها، وهذا عام، لكل من اتصف بهذه الصفة، فيدخل في ذلك أصحاب الفيل، وقريش، حين صدوا رسول الله عنها عام الحديبية، والنصارى حين أخربوا بيت المقدس، وغيرهم من أنواع الظلمة، الساعين في خرابها، محادة لله، ومشاقة، فجازاهم الله، بأن منعهم دخولها شرعا وقدرا، إلا خائفين ذليلين، فلما أخافوا عباد الله، أخافهم الله، فالمشركون الذين صدوا رسوله، لم يلبث رسول الله ﷺ إلا يسيرا، حتى أذن الله له في فتح مكة، ومنع المشركين من قربان بيته، فقال تعالى :﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾
وأصحاب الفيل، قد ذكر الله ما جرى عليهم، والنصارى، سلط الله عليهم المؤمنين، فأجلوهم عنه.
وهكذا كل من اتصف بوصفهم، فلا بد أن يناله قسطه، وهذا من الآيات العظيمة، أخبر بها الباري قبل وقوعها، فوقعت كما أخبر.
واستدل العلماء بالآية الكريمة، على أنه لا يجوز تمكين الكفار من دخول المساجد.
﴿لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ﴾ أي : فضيحة كما تقدم ﴿وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾
وإذا كان لا أظلم ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه، فلا أعظم إيمانا ممن سعى في عمارة المساجد بالعمارة الحسية والمعنوية، كما قال تعالى :﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾
بل قد أمر الله تعالى برفع بيوته وتعظيمها وتكريمها، فقال تعالى :﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾
وللمساجد أحكام كثيرة، يرجع حاصلها إلى مضون هذه الآيات الكريمة.
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
{١١٤} ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا أُولَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إِلا خَائِفِينَ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾.
أي: لا أحد أظلم وأشد جرما، ممن منع مساجد الله، عن ذكر الله فيها، وإقامة الصلاة وغيرها من الطاعات.
﴿وَسَعَى﴾ أي: اجتهد وبذل وسعه ﴿فِي خَرَابِهَا﴾ الحسي والمعنوي، فالخراب الحسي: هدمها وتخريبها، وتقذيرها، والخراب المعنوي: منع الذاكرين لاسم الله فيها، وهذا عام، لكل من اتصف بهذه الصفة، فيدخل في ذلك أصحاب الفيل، وقريش، حين صدوا رسول الله عنها عام الحديبية، والنصارى حين أخربوا بيت المقدس، وغيرهم من أنواع الظلمة، الساعين في خرابها، محادة لله، ومشاقة، فجازاهم الله، بأن منعهم دخولها شرعا وقدرا، إلا خائفين ذليلين، فلما أخافوا عباد الله، أخافهم الله، فالمشركون الذين صدوا رسوله، لم يلبث رسول الله ﷺ إلا يسيرا، حتى أذن الله له في فتح مكة، ومنع المشركين من قربان بيته، فقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾.
وأصحاب الفيل، قد ذكر الله ما جرى عليهم، والنصارى، سلط الله عليهم المؤمنين، فأجلوهم عنه.
وهكذا كل من اتصف بوصفهم، فلا بد أن يناله قسطه، وهذا من الآيات العظيمة، أخبر بها الباري قبل وقوعها، فوقعت كما أخبر.
واستدل العلماء بالآية الكريمة، على أنه لا يجوز تمكين الكفار من دخول المساجد.
﴿لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ﴾ أي: فضيحة كما تقدم ﴿وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾.
وإذا كان لا أظلم ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه، فلا أعظم إيمانا ممن سعى في عمارة المساجد بالعمارة الحسية والمعنوية، كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ﴾.
بل قد أمر الله تعالى برفع بيوته وتعظيمها وتكريمها، فقال تعالى: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾.
وللمساجد أحكام كثيرة، يرجع حاصلها إلى مضمون هذه الآيات الكريمة.
جميع كتب التفسير لهذه الآية (١٢١ كتابًا)
جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري تفسير القرآن العظيم — ابن كثير تفسير القرآن العظيم — ابن كثير تيسير الكريم الرحمن — السعدي أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن — الشنقيطي - أضواء البيان تيسير العلي القدير لاختصار تفسير ابن كثير — محمد نسيب الرفاعي أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير — أبو بكر الجزائري التفسير الميسر — مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف المختصر في تفسير القرآن الكريم — مركز تفسير للدراسات القرآنية تفسير مجاهد — مجاهد بن جبر تفسير مقاتل بن سليمان — مقاتل بن سليمان معاني القرآن — الفراء معاني القرآن للفراء — الفراء مجاز القرآن — أبو عبيدة معمر بن المثنى تفسير القرآن — الصنعاني معاني القرآن — الأخفش غريب القرآن — ابن قتيبة الدِّينَوري تفسير التستري — سهل التستري معاني القرآن وإعرابه للزجاج — الزجاج تفسير ابن أبي حاتم — ابن أبي حاتم الرازي تأويلات أهل السنة — أبو منصور المَاتُرِيدي أحكام القرآن — الجصاص بحر العلوم — أبو الليث السمرقندي التقييد الكبير للبسيلي — البسيلي تفسير القرآن العزيز — ابن أبي زَمَنِين الكشف والبيان عن تفسير القرآن — الثعلبي الهداية الى بلوغ النهاية — مكي بن أبي طالب النكت والعيون — الماوردي النكت والعيون — الماوردي تفسير القشيري — القشيري لطائف الإشارات — القشيري التفسير البسيط — الواحدي الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — الواحدي تفسير السمعاني — أبو المظفر السمعاني تفسير الراغب الأصفهاني — الراغب الأصفهاني أحكام القرآن — إلكيا الهراسي معالم التنزيل — البغوي معالم التنزيل — البغوي الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — الزمخشري المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز — ابن عطية أحكام القرآن — ابن العربي إيجاز البيان عن معاني القرآن — بيان الحق النيسابوري أحكام القرآن — ابن الفرس تذكرة الاريب في تفسير الغريب — ابن الجوزي زاد المسير في علم التفسير — ابن الجوزي مفاتيح الغيب — فخر الدين الرازي تفسير العز بن عبد السلام — عز الدين بن عبد السلام جهود القرافي في التفسير — القرافي أنوار التنزيل وأسرار التأويل — البيضاوي مدارك التنزيل وحقائق التأويل — أبو البركات النسفي التسهيل لعلوم التنزيل — ابن جُزَيِّ لباب التأويل في معاني التنزيل — الخازن البحر المحيط في التفسير — أبو حيان الأندلسي النهر الماد من البحر المحيط — أبو حيان الأندلسي الدر المصون في علوم الكتاب المكنون — السمين الحلبي اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحداد اليمني كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحداد اليمني تفسير ابن عرفة — ابن عرفة تفسير ابن عرفة — ابن عرفة تنوير المقباس من تفسير ابن عباس — الفيروزآبادي غرائب القرآن ورغائب الفرقان — نظام الدين القمي النيسابوري تفسير الجلالين — المَحَلِّي الجواهر الحسان في تفسير القرآن — الثعالبي نظم الدرر في تناسب الآيات والسور — برهان الدين البقاعي جامع البيان في تفسير القرآن — الإيجي محيي الدين الدر المنثور في التأويل بالمأثور — السُّيوطي الدر المنثور في التأويل بالمأثور — السُّيوطي الصراط المستقيم في تبيان القرآن الكريم — الكَازَرُوني فتح الرحمن في تفسير القرآن — مجير الدين العُلَيْمي السراج المنير في الإعانة على معرفة بعض معاني كلام ربنا الحكيم الخبير — الشربيني إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم — أبو السعود روح البيان — إسماعيل حقي التفسير المظهري — المظهري البحر المديد في تفسير القرآن المجيد — ابن عجيبة البحر المديد في تفسير القرآن المجيد — ابن عجيبة حاشية الصاوي على تفسير الجلالين — الصاوي فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير — الشوكاني فتح البيان في مقاصد القرآن — صديق حسن خان محاسن التأويل — جمال الدين القاسمي روح المعاني — الألوسي تفسير المنار — محمد رشيد رضا تفسير المنار — رشيد رضا تفسير المراغي — أحمد بن مصطفى المراغي تفسير المراغي — المراغي المصحف المفسّر — فريد وجدي التفسير القرآني للقرآن — عبد الكريم يونس الخطيب تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد من تفسير الكتاب المجيد — ابن عاشور زهرة التفاسير — محمد أبو زهرة زهرة التفاسير — أبو زهرة بيان المعاني — ملا حويش أوضح التفاسير — محمد عبد اللطيف الخطيب إعراب القرآن وبيانه — محيي الدين الدرويش التفسير الحديث — محمد عزة دروزة التفسير الحديث — دروزة تيسير التفسير — إبراهيم القطان تيسير التفسير — إبراهيم القطان صفوة البيان لمعاني القرآن — حسنين مخلوف الموسوعة القرآنية — إبراهيم الإبياري تفسير الشعراوي — الشعراوي تفسير الشعراوي — الشعراوي تفسير القرآن الكريم — ابن عثيمين تفسير القرآن الكريم — عبد الله محمود شحاتة التفسير الوسيط — محمد سيد طنطاوي التفسير المنير — وهبة الزحيلي التفسير الوسيط — وهبة الزحيلي حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن — محمد الأمين الهرري فتح الرحمن في تفسير القرآن — تعيلب التفسير الشامل — أمير عبد العزيز الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور — بشير ياسين التفسير الميسر — التفسير الميسر المنتخب في تفسير القرآن الكريم — المنتخب أيسر التفاسير — أسعد حومد التفسير الميسر — مجموعة من المؤلفين التفسير الواضح — محمد محمود حجازي المنتخب في تفسير القرآن الكريم — مجموعة من المؤلفين تفسير غريب القرآن - الكواري — كَامِلَة بنت محمد الكَوارِي صفوة التفاسير — محمد علي الصابوني كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحدادي اليمني مختصر تفسير ابن كثير — محمد علي الصابوني معاني الكلمات من كتاب السراج في بيان غريب القرآن — محمد الخضيري

غريب الكلمات ومعانيها

معاني الكلمات الغريبة في الآية

تذكرة الأريب في تفسير الغريب
ما كان لهم أن يدخلوها إلا خائفين
ظاهرة الخير ومعناه الامر وتقديره خذوا فى جهادهم ليخافو

إعراب الآية ١١٤ من سورة البقرة

من كتاب: إعراب القرآن

سؤالا كما سئل موسى وإن خفّفت الهمزة وجعلتها بين الهمزة والياء فقلت: سئل، وقرأ الحسن سيل «١» وهذا على لغة من قال: سلت أسال ويجوز أن يكون على بدل الهمزة إلّا أنّ بدل الهمزة بعيد (موسى) اسم ما لم يسمّ فاعله لم يتبيّن فيه الإعراب لأنه مقصور ولم ينوّن لأنه لا ينصرف لعجمته. وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالْإِيمانِ جزم بالشرط كسرت اللام لالتقاء الساكنين واختير الكسر لأنه أخو الجزم، وقيل: لأن الضّم والفتح يكونان بغير تنوين إعرابا. وجواب الشرط فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ.

[سورة البقرة (٢) : آية ١٠٩]

وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمانِكُمْ كُفَّاراً حَسَداً مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٠٩)
وَدَّ كَثِيرٌ رفع بودّ. مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ خفض بمن، لَوْ يَرُدُّونَكُمْ فعل مستقبل. كُفَّاراً مفعول ثان وإن شئت كان حالا. حَسَداً مصدر وقال الفراء: هو كالمفسّر. فَاعْفُوا أمر والأصل فاعفوا وحذفت الضمة لثقلها ثم حذفت الواو لالتقاء الساكنين.

[سورة البقرة (٢) : آية ١١١]

وَقالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلاَّ مَنْ كانَ هُوداً أَوْ نَصارى تِلْكَ أَمانِيُّهُمْ قُلْ هاتُوا بُرْهانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (١١١)
أجاز الفراء «٢» أن يكون هُوداً بمعنى يهودي وحذف منه الزائدة وأن يكون جمع هائد، والقول الثاني مذهب البصريين. قال الأخفش سعيد: إِلَّا مَنْ كانَ جعل كان واحدا على لفظ «من» ثم قال: هودا فجمع لأنّ معنى من جمع. تِلْكَ أَمانِيُّهُمْ ابتداء وخبر ويجوز تلك أمانيهم. قُلْ هاتُوا والأصل هاتيوا حذفت الضمة لثقلها ثم حذفت الياء لالتقاء الساكنين يقال في الواحد المذكر: هات يا هذا، مثل رام وفي المؤنث هاتي، مثل رامي. وإِنْ كُنْتُمْ شرط أي «إن كنتم صادقين فبيّنوا ما قلتم ببرهان».

[سورة البقرة (٢) : آية ١١٢]

بَلى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (١١٢)
بَلى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ على لفظ من ثم قال: فلهم على المعنى.

[سورة البقرة (٢) : آية ١١٤]

وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَساجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعى فِي خَرابِها أُولئِكَ ما كانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوها إِلاَّ خائِفِينَ لَهُمْ فِي الدُّنْيا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ (١١٤)
ابتداء وخبر أي وأي أحد أظلم. مِمَّنْ مَنَعَ مَساجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ أن في
(١) انظر البحر المحيط ١/ ٥١٦.
(٢) انظر معاني القرآن للفراء ١/ ٧٣، والبحر المحيط ١/ ٥٢٠.
الإعراب الكامل من جميع الكتب مع تحليل الكلمات ←

سبب نزول الآية ١١٤ من سورة البقرة

من كتاب: أسباب نزول القرآن - الواحدي

قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾ الآية [١١٤].
نزلت في طَطُوس الرومي وأصحابه من النصارى، وذلك أنهم غزوا بني إسرائيل فقتلو مقاتِلَتَهم، وسَبَوْا ذراريهم، وحرّقوا التوراة وخرّبوا بيت المقدس، وقذفوا فيه الجيف. وهذا [معنى] قول ابن عباس في رواية الكلبي.
وقال قتادة [والسُّدّي]: هو بُخْتُنَصَّر وأصحابه، غزوا اليهود وخربوا بيت المقدس، وأعانتهم على ذلك النصارى من أهل الروم.
وقال ابن عباس في رواية عطاء: نزلت في مشركي أهل مكة ومَنْعِهم المسلمين من ذكر الله تعالى في المسجد الحرام.

القراءات في الآية ١١٤ من سورة البقرة

اختلاف القراء العشرة في كلمات الآية

وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن

السكت على النون الساكنة قبل الهمزة واظهار ميم (أظلمُ) المرفوعة وترقيق اللام

خلف عن حمزة

عدم السكت وعدم النقل وترقيق لام (أظلم) وادغام ميم (أظلم) في الميم ادغاماً كبيراً

السوسي عن أبي عمرو

عدم السكت وعدم النقل وترقيق لام أظلم واظهار الميم مرفوعة

إدريس عن خلف قالون عن نافع إسحاق عن خلف روح عن يعقوب رويس عن يعقوب ابن جمّاز عن أبي جعفر ابن وردان عن أبي جعفر الدوري عن الكسائي أبو الحارث عن الكسائي خلاد عن حمزة خلف عن حمزة حفص عن عاصم شعبة عن عاصم ابن ذكوان عن ابن عامر هشام عن ابن عامر الدوري عن أبي عمرو قنبل عن ابن كثير البزي عن ابن كثير

نقل حركة الهمزة إلى النون الساكنة قبلها وتغليظ اللام واظهار ميم (أظلمُ) مرفوعة

ورش عن نافع
صفحة القراءات الكاملة لهذه الآية ←

عدّ الآي — ترقيم الآية عند مذاهب العدّ

كيف رقّمت مذاهب العدّ الستة هذه الآية

عَدُّ هذه الآية في مذاهبِ العدِّ الستَّة

سورة البقرة، الآيةُ ١١٤ في العدِّ الكوفيّ

رقمُ الآية في كلِّ عدّ

١١٤ الكوفيّ المرجِع
١١٣ المدَنيَّان والمكِّيّ والدِمَشقيّ
١١٣–١١٤ البصريّ

مواضعُ الخلافِ في هذه الآية

في أثنائها ﴿ خائفين

يَعُدُّه رأسَ آية

البصريّ

لا يَعُدُّه رأسَ آية

المدَنيّ الأوَّل المدَنيّ الأخير المكِّيّ الكوفيّ الدِمَشقيّ

﴿خائفين﴾ في أثناءِ هذه الآية: يَعُدُّه البصريّ رأسَ آية، فتكونُ عندَه آيتَين، ولا يَعُدُّه المدَنيَّان والمكِّيّ والكوفيّ والدِمَشقيّ، فهي عندَه آيةٌ واحدة.

مصادرُ التوثيق "البيان في عدّ آي القرآن" (ص 140) "نفائس البيان — شرح الفرائد الحسان" (ص 29-30) "الفرائد الحسان في عدّ آي القرآن" (ص 29)
ما مذاهبُ العدِّ الستَّة؟

مذاهبُ العدِّ الستَّةُ أوجُهٌ مرويَّةٌ في عدِّ آي القرآن الكريم عن أهلِ المدينةِ ومكَّةَ والكوفةِ والبصرةِ والشام، والخلافُ بينها إنَّما هو في مواضعِ الفواصلِ ورؤوسِ الآي، لا في شيءٍ من حروفِ القرآن ولا كلماتِه.

القراءاتُ التي تأخُذُ بكلِّ عدّ

  • الكوفيّ: عاصم (شعبة وحفص) وحمزة (خلف وخلّاد) والكسائي (أبو الحارث والدوري الكسائي) وخلف العاشر (إسحاق وإدريس)
  • المدَنيّ الأخير: نافع (قالون وورش)
  • المدَنيّ الأوَّل: أبو جعفر (عيسى بن وردان وابن جمّاز)
  • المكِّيّ: ابن كثير (البزي وقنبل)
  • البصريّ: أبو عمرو (الدوري والسوسي) ويعقوب (رويس وروح)
  • الدِمَشقيّ: ابن عامر (هشام وابن ذكوان)

والرقمُ المعتمَدُ في الموسوعة هو رقمُ العدِّ الكوفيّ؛ وهو عدُّ مصحفِ المدينةِ النبويَّةِ برواية حَفصٍ عن عاصم.

الموضوعات القرآنية للآية ١١٤ من سورة البقرة

١٠ موضوعات تتناولها هذه الآية

أقوال المفسرين في الآية — التفسير بالمأثور

٢٩ قولًا من موسوعة التفسير بالمأثور

تفسير

١٥ قولًا
١
عن قتادة بن دعامة -من طريق سعيد- قال: وهم اليوم كذلك، لا يوجد نصرانيٌّ في بيت المقدس إلا نُهِك ضربًا، وأُبْلِغ إليه في العقوبة١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٢‏/‏٤٤٦.
٢
عن إسماعيل السُّدِّي -من طريق أسباط- في قوله: ﴿أولئك ما كان لهم أن يدخلوها إلا خائفين﴾، قال: فليس في الأرض روميٌّ يدخله اليوم إلا وهو خائف أن تضرب عنقه، أو قد أُخِيفَ بأداء الجزية فهو يؤديها١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٢‏/‏٤٤٧، وابن أبي حاتم ١‏/‏٢١١ (١١١٦).
٣
قال الكلبي:... فلم يدخله روميٌّ بعدُ إلا خائفًا١
التخريج
  1. ١ذكره يحيى بن سلام -كما في تفسير ابن أبي زمنين ١‏/‏١٧١-.
٤
قال مقاتل بن سليمان: ﴿أولئك﴾ يعني: أهل الروم ﴿ما كان﴾ ينبغي ﴿لهم أن يدخلوها﴾ يعني: الأرض المقدسة؛ إذ بعث محمد ﷺ ﴿إلا خائفين﴾، فلا يدخل بيت المقدس اليوم الروميٌّ إلا خائفًا متنكرًا، فمن قُدِر عليه منهم فإنه يُعاقَب١
التخريج
  1. ١تفسير مقاتل بن سليمان ١‏/‏١٣٢-١٣٣. وذكر الثعلبي ١‏/‏٢٦١، والبغوي ١‏/‏١٣٩ نحوه، وعزواه إلى مقاتل دون تعيينه.
٥
عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم -من طريق ابن وهب- في قوله: ﴿أولئك ما كان لهم أن يدخلوها إلا خائفين﴾، قال: نادى رسول الله ﷺ: «ألّا يحجَّ بعد العام مشركٌ، ولا يطوف بالبيت عُرْيانٌ». قال: فجعل المشركون يقولون: اللهم إنا مُنِعْنا أن نُبِرَّك١٢
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٢‏/‏٤٤٧. وهذا الأثر من مرسل عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، وهو ضعيفٌ، قال الذهبي في المغني في الضعفاء ٢‏/‏٣٨٠: «ضعّفه أحمد، والدارقطني». ثم الخبر مرسل من جهته، فهاتان علّتان لتضعيف إسناده.
تعليقات المحققين
  1. ٢قال ابن عطية (١/٣٢٦): «مَن جعلها في قريش قال كذلك: نودي بأمر النبي ﷺ أن لا يحج مشرك».
٦
عن قتادة بن دِعامة -من طريق مَعْمَر- في قوله: ﴿لهم في الدنيا خزي﴾، قال: يُعْطُون الجزية عن يد وهم صاغرون١
التخريج
  1. ١أخرجه عبد الرزاق ١‏/‏٥٦، وابن جرير ٢‏/‏٤٤٨، وابن أبي حاتم ١‏/‏٢١١.
٧
قال قتادة بن دعامة: هو القتل للحربي، والجزية للذمي١٢
التخريج
  1. ١تفسير الثعلبي ١‏/‏٢٦١، وتفسير البغوي ١‏/‏١٣٨.
تعليقات المحققين
  1. ٢وجَّهَ ابن عطية (١/٣٢٧) معنى الخزي في الآية بقوله: «مَن جعل الآية في النصارى قال: الخزي قتل الحربي، وجزية الذمي. وقيل: الفتوح الكائنة في الإسلام؛ كعمورية، وهرقلة وغير ذلك. ومَن جعلها في قريش جعل الخزي غلبتهم في الفتح وقتلهم، والعذاب في الآخرة لمن مات منهم كافرًا».
٨
عن إسماعيل السدي -من طريق أسباط- في قوله: ﴿لهم في الدنيا خزي﴾، قال: أما خزيهم في الدنيا فإنه إذا قام المهدي وفتحت القسطنطينية قتلهم، فذلك الخزي١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٢‏/‏٤٤٨، وابن أبي حاتم ١‏/‏٢١١.
٩
وعن عكرمة مولى ابن عباس، ووائل بن داود، نحو ذلك١
التخريج
  1. ١علَّقه ابن أبي حاتم ١/ ٢١١.
١٠
قال الكلبي: تُفْتَح مدائنهم الثلاثة: قُسْطَنطِينِيَّة، ورُومِيَّة، وعَمُّورِيَّة١
التخريج
  1. ١تفسير الثعلبي ١‏/‏٢٦١، وتفسير البغوي ١‏/‏١٣٨. وذكر يحيى بن سلام -كما في تفسير ابن أبي زمنين ١‏/‏١٧١- نحوه بلفظ: هو فَتْحُ مدينتِهم رومية، وقتل مقاتلتهم، وسبي ذراريهم.
١١
قال مقاتل بن سليمان: ثم أخبر عن أهل الروم، فقال: ﴿لهم في الدنيا خزي﴾ يعني: الهوان إن لم تقتل مقاتلتهم وتسبى ذراريهم بأيدي المسلمين في ثلاث مدائن: قُسْطَنطِينِيَّة، والرُّومِيَّة، ومدينة أخرى وهي عَمُّورِيَّة، فهذا خزيهم في الدنيا، ﴿ولهم في الآخرة عذاب عظيم﴾ من النار١٢
التخريج
  1. ١تفسير مقاتل بن سليمان ١‏/‏١٣٣. وذكر الثعلبي ١‏/‏٢٦١، والبغوي ١‏/‏١٣٨ نحوه، وعزواه إلى مقاتل دون تعيينه.
تعليقات المحققين
  1. ٢ذكر ابن كثير (٢/٢٧) تلك الأقوال، ثم علَّقَ عليها قائلًا: «والصحيح أنّ الخزي في الدنيا أعم من ذلك كله».
١٢
قال عبد الله بن عباس: لم يدخلها -يعني: بيت المقدس- بعد عمارتها روميٌّ إلا خائفًا، لو عُلِم به لَقُتِل١
التخريج
  1. ١تفسير الثعلبي ١‏/‏٢٦١، وتفسير البغوي ١‏/‏١٣٩.
١٣
عن كعب [الأحبار] -من طريق ذي الكَلاع- قال: ليس في الأرض نصرانيٌّ يدخل بيت المقدس إلا خائفًا١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي حاتم ١‏/‏٢١٠.
١٤
عن أبي صالح -من طريق محمد بن طلحة، عن أبيه- قال: ليس للمشركين أن يدخلوا المسجد إلا وهم خائفون١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي شيبة ٢‏/‏٥٢٧.
١٥
عن قتادة بن دعامة -من طريق مَعْمَر- قال الله عز وجل: ﴿ما كان لهم أن يدخلوها إلا خائفين﴾، وهم النصارى، لا يدخلون المسجد إلا مُسارَقَة، إن قُدِر عليهم عُوقِبوا١٢
التخريج
  1. ١أخرجه عبد الرزاق ١‏/‏٥٦، وابن جرير ٢‏/‏٤٤٦، وابن أبي حاتم ١‏/‏٢١١.
تعليقات المحققين
  1. ٢علَّقَ ابن عطية (١/٣٢٦) على قولِ مَن قال: إنها في النصارى. بقوله: «مَن جعل الآية في النصارى روى أنه مرَّ زمانٌ بعد ذلك لا يدخل نصراني بيت المقدس إلا أُوجِع ضربًا». وعلَّقَ ابن كثير (٢/٢٧) على هذا القول أيضًا -وقد كان رجَّح أنها في كفار قريش- بقوله: «وهذا لا ينفي أن يكون داخلًا في معنى عموم الآية؛ فإنّ النصارى لَمّا ظلموا بيت المقدس بامتهان الصخرة التي كانت يصلي إليها اليهود عُوقِبوا شرعًا وقدرًا بالذلة فيه، إلا في أحيان من الدهر امتحن بهم بيت المقدس، وكذلك اليهود لما عصوا الله فيه أيضًا أعظم من عصيان النصارى كانت عقوبتهم أعظم».

آثار متعلقة بالآية

قول واحد
١
عن بُسْر بن أرْطاة، قال: كان رسول الله ﷺ يدعو: «اللَّهُمَّ، أحْسِن عاقبتَنا في الأمور كلها، وأَجِرْنا من خِزْيِ الدنيا ومن عذاب الآخرة»١
التخريج
  1. ١أخرجه الإمام أحمد ٢٩‏/‏١٧٠، ١٧١ (١٧٦٢٨)، وابن حبان ٣‏/‏٢٢٩ (٩٤٩)، والحاكم ٣‏/‏٦٨٣ (٦٥٠٨). راوي الحديث بسر بن أرطاة ذكر ابن عدي في الكامل ٢‏/‏٥-٦ عن يحيى بن معين، قال: «بسر بن أبي أرطاة رجل سوء»، ثم أورد له هذا الحديث، ثم قال: «وبسر بن أبي أرطاة مشكوك في صحبته للنبي ﷺ، لا أعرف له إلا هذين الحديثين، وأسانيده من أسانيد الشام ومصر، ولا أرى بإسناد هذين بأسًا». وقال الهيثمي في المجمع ١٠‏/‏١٧٨ (١٧٣٩٠): «رواه أحمد، والطبراني وزاد: وقال: من كان ذلك دعاءه مات قبل أن يصيبه البلاء. ورجال أحمد وأحد أسانيد الطبراني ثقات». وقال الألباني في الضعيفة ٦‏/‏٤٥٢ (٢٩٠٧): «ضعيف».

نزول الآية

٤ أقوال
١
عن كعب [الأحبار] -من طريق ذي الكَلاع- قال: إنّ النصارى لما ظَهَروا على بيت المقدس حرقوه، فلما بعث الله محمدًا أنزل عليه: ﴿ومن أظلم ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه وسعى في خرابها﴾ الآية، فليس في الأرض نصرانيٌّ يدخل بيت المقدس إلا خائفًا١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي حاتم ١‏/‏٢١٠.
٢
قال عطاء: نزلت في مشركي مكة١
التخريج
  1. ١تفسير الثعلبي ١‏/‏٢٦٢، وتفسير البغوي ١‏/‏١٣٨.
٣
قال مقاتل بن سليمان: ﴿ومن أظلم﴾ نزلت في أنطِياخُوس بن ببْلِيس الرومي ومن معه من أهل الروم١
التخريج
  1. ١تفسير مقاتل بن سليمان ١‏/‏١٣٢.
٤
عن عبد الله بن عباس -من طريق ابن إسحاق بسنده-: أنّ قريشًا منعوا النبي ﷺ الصلاة عند الكعبة في المسجد الحرام، فأنزل الله: ﴿ومن أظلم ممن منع مساجد الله﴾ الآية١
التخريج
  1. ١أورده ابن أبي حاتم ١‏/‏٢١٠ (١١١٠). روى ابنُ أبي حاتم هذا الأثر من طريق ابن إسحاق، قال: حدثني محمد بن أبي محمد، عن عكرمة أو سعيد بن جبير، عن ابن عباس به. قال ابن حجر عن هذا الإسناد في العجاب ١‏/‏٣٥١: «سند جيد».

تفسير الآية

٩ أقوال
١
عن عبد الله بن عباس -من طريق العوفي- في قوله: ﴿ومن أظلم ممن منع مساجد الله﴾، قال: هم النصارى١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٢‏/‏٤٤٢، وابن أبي حاتم ١‏/‏٢١٠.
٢
عن مجاهد بن جبر -من طريق ابن أبي نَجِيح- في قوله: ﴿ومن أظلم ممن منع مساجد الله﴾، قال: هم النصارى، وكانوا يَطْرَحُون في بيت المقدس الأذى، ويمنعون الناس أن يُصَلُّوا فيه١
التخريج
  1. ١تفسير مجاهد ص٢١٢، وأخرجه ابن جرير ٢‏/‏٤٤٢، وابن أبي حاتم ١‏/‏٢١٠.
٣
عن قتادة بن دعامة -من طريق سعيد- في الآية، قال: أولئك أعداء الله الروم، حَمَلَهم بغضُ اليهود على أن أعانوا بُخْتَنَصَّرَ البابِلِيَّ المجوسي على تخريب بيت المقدس١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٢‏/‏٤٤٣ بلفظ: أولئك أعداء الله النصارى. وعزاه السيوطي إلى عبد بن حميد. وأخرجه ابن جرير ٢‏/‏٤٤٣، وابن أبي حاتم ١‏/‏٢١٠ بنحوه من طريق معمر.
٤
عن الحسن البصري، نحو ذلك١
التخريج
  1. ١علَّقه ابن أبي حاتم ١‏/‏٢١٠ (عَقِب ١١١٣).
٥
عن إسماعيل السدي -من طريق أسباط- في قوله: ﴿ومن أظلم ممن منع مساجد الله﴾ الآية، قال: هم الروم، كانوا ظاهروا بُخْتَنَصَّرَ على خراب بيت المقدس حتى خرَّبه، وأمر به أن تُطْرَح فيه الجِيَف، وإنّما أعانه الروم على خرابه من أجل أنّ بني إسرائيل قتلوا يحيى بن زكريا١٢
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٢‏/‏٤٤٣، وابن أبي حاتم ١‏/‏٢١٠ بنحوه.
تعليقات المحققين
  1. ٢وجَّهَ ابن عطية (١/٣٢٦) هذا القول، فقال: «مَن قال مِن المفسرين: إن الآية بسبب بيت المقدس. جَعَل الخراب الحقيقي الموجود».
٦
قال الكلبي: إن الروم غزوا بني إسرائيل، فحاربوهم، فظهروا عليهم، فقتلوا مُقاتِلَتَهم، وسبوا ذراريهم، وأحرقوا التوراة، وهدموا بيت المقدس، وألقوا فيه الجِيَف، فلم يَعْمُرْ حتى بناه أهل الإسلام١
التخريج
  1. ١ذكره يحيى بن سلام -كما في تفسير ابن أبي زمنين ١‏/‏١٧١-.
٧
قال مقاتل بن سليمان: ﴿ومن أظلم﴾ يقول: فلا أحد أظلم ﴿ممن منع﴾ يعني: نصارى الروم ﴿مساجد الله﴾ يعني: بيت المقدس أن يُصَلّى فيه ﴿أن يذكر فيها اسمه﴾ يعني: التوحيد، ﴿وسعى في خرابها﴾ وذلك أنّ الروم ظَهَروا على اليهود، فقتلوهم، وسبوهم، وخربوا بيت المقدس، وألقوا فيه الجِيَف، وذبحوا فيه الخنازير، ثم كان على عهد الروم الثانية ططسر بن سناباتوس، ويقال: اصطفانوس، فقتلهم، وخرب بيت المقدس، فلم يَعْمُرْ حتى بناه المسلمون في زمان عمر بن الخطاب -رضوان الله عليه-١
التخريج
  1. ١تفسير مقاتل بن سليمان ١‏/‏١٣٢.
٨
عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم -من طريق ابن وهْب- في قوله: ﴿ومنأظلم ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه وسعى في خرابها﴾، قال: هؤلاء المشركون، حين حالوا بين رسول الله - ﷺ - يوم الحديبية وبين أن يدخل مكة حتى نَحَر هَدْيَه بذي طُوى، وهادنهم، وقال لهم: «ما كان أحد يُرَدُّ عن هذا البيت». وقد كان الرجل يلقى قاتلَ أبيه أو أخيه فيه فما يصده، وقالوا: لا يدخل علينا من قتلَ آباءَنا يوم بدر وفينا باقٍ. وفي قوله: ﴿وسَعى فِي خَرابِها﴾ قال: إذا قطعوا من يعمرها بذكره، ويأتيها للحج والعمرة١٢. (١/ ٥٦٣)
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٢/ ٤٤٤.
تعليقات المحققين
  1. ٢وجَّهَ ابن عطية (١/ ٣٢٦) هذا القول، فقال: «ومَن قال: هي بسبب المسجد الحرام. جَعَل مَنعَ عمارته خرابًا؛ إذ هو داعٍ إليه».
٩
عن أبي عثمان قاصِّ أهل الأردن -من طريق ضَمْرَة- ﴿ومن أظلم ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه وسعى في خرابها﴾، قال: خرابُها قتلُ أهلها١٢
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي حاتم ١‏/‏٢١٠.
تعليقات المحققين
  1. ٢اختلف المفسرون في المراد بالذين منعوا مساجد الله أن يذكر فيها اسمه، وسعوا في خرابها، على قولين: الأول: هم النصارى، والمسجد بيت المقدس. والآخر: هم مشركو العرب، إذ منعوا رسول الله ﷺ من المسجد الحرام. ورجَّحَ ابن جرير (٢/٤٤٤-٤٤٥ بتصرف) القولَ الأولَ بدلالة العقلِ، والتاريخ، فقال: «وأَوْلى التأويلات بتأويل الآية أنه: عنى الله بقوله: ﴿ومن أظلم ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه﴾ النصارى، وذلك أنهم هم الذين سعوا في خراب بيت المقدس، وأعانوا بختنصر على ذلك، ومنعوا مؤمني بني إسرائيل من الصلاة فيه بعد منصرف بختنصر عنهم إلى بلاده، والدليل على صحة ما قلنا في ذلك قيامُ الحجةِ أن لا مسجد عنى الله عز وجل بقوله: ﴿وسعى في خرابها﴾ إلا أحد المسجدين؛ إما مسجد بيت المقدس، وإما المسجد الحرام، ومعلوم أن مشركي قريش كانوا مشتهرين بعمارة المسجد الحرام، ولم يسعوا قط في تخريب المسجد الحرام -وإن كانوا قد منعوا في بعض الأوقات رسول الله عليه السلام وأصحابه من الصلاة فيه-، فلم يبق إلا أن المراد النصارى، وأن المقصود تخريبهم بيت المقدس». ورجَّحَ ابن كثير (٢/٢٥) القولَ الثاني بدلالة العقل والسّياق، فقال: «الذي يظهر -والله أعلم- القول الثاني، كما قاله ابن زيد، وروي عن ابن عباس -أن المراد بها المشركون؛ لأنهم حالوا بين رسول الله والمسجد الحرام-؛ لأن النصارى إذا منعت اليهود الصلاة في البيت المقدس كان دينهم أقوم من دين اليهود، وكانوا أقرب منهم، ولم يكن ذكر الله من اليهود مقبولًا إذ ذاك؛ لأنهم لعنوا من قبلُ على لسان داود وعيسى ابن مريم، ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون، وأيضًا فإنه تعالى لَمّا وجَّه الذم في حق اليهود والنصارى؛ شَرَع في ذم المشركين الذين أخرجوا الرسولَ وأصحابه من مكة، ومنعوهم من الصلاة في المسجد الحرام». وانتَقَدَ ابن جرير (٢/٤٤٥) القولَ الثاني بسياق الآيات، فقال: «الآية التي قبل قوله: ﴿ومَن أظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَساجِدَ اللَّهِ أنْ يُذْكَرَ فِيها اسْمُهُ﴾ مضت بالخبر عن اليهود والنصارى وذمِّ أفعالهم، والتي بعدها نبهت بذم النصارى والخبر عن افترائهم على ربهم، ولم يجرِ لقريش ولا لمشركي العرب ذكرٌ، ولا للمسجد الحرام قبلها، فيوجه الخبر بقول الله عز وجل: ﴿ومَن أظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَساجِدَ اللَّهِ أنْ يُذْكَرَ فِيها اسْمُهُ﴾ إليهم وإلى المسجد الحرام، وإذ كان ذلك كذلك فالذي هو أوْلى بالآيَة أن يوجه تأويلها إليه هو ما كان نظير قصة الآية قبلها والآية بعدها؛ إذ كان خبرها لخبرهما نظيرًا وشكلًا، إلا أن تقوم حجة يجب التسليم لها بخلاف ذلك وإن اتفقت قصصها فاشتبهت». وانتَقَدَ ابنُ كثير (٢/٢٥-٢٦ بتصرف) بدلالة العقل، والتاريخ ما رجَّحه ابن جرير، فقال: «أما اعتماده على أن قريشًا لم تسع في خراب الكعبة، فأي خراب أعظم مما فعلوا؟! أخرجوا عنها رسول الله وأصحابه، واستحوذوا عليها بأصنامهم وأندادهم وشركهم، كما قال تعالى: ﴿وما لهم ألا يعذبهم الله وهم يصدون عن المسجد الحرام وما كانوا أولياءه إن أولياؤه إلا المتقون ولكن أكثرهم لا يعلمون﴾ [الأنفال:٣٤]، وقال تعالى: ﴿ما كان للمشركين أن يعمروا مساجد الله شاهدين على أنفسهم بالكفر أولئك حبطت أعمالهم وفي النار هم خالدون* إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر وأقام الصلاة وآتى الزكاة ولم يخش إلا الله فعسى أولئك أن يكونوا من المهتدين﴾ [التوبة:١٧-١٨]، وقال تعالى: ﴿هم الذين كفروا وصدوكم عن المسجد الحرام والهدي معكوفا أن يبلغ محله ولولا رجال مؤمنون ونساء مؤمنات لم تعلموهم أن تطؤوهم فتصيبكم منهم معرة بغير علم ليدخل الله في رحمته من يشاء لو تزيلوا لعذبنا الذين كفروا منهم عذابا أليما﴾ [الفتح: ٢٥]، فقال تعالى: ﴿إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر وأقام الصلاة وآتى الزكاة ولم يخش إلا الله﴾، فإذا كان من هو كذلك مطرودًا منها مصدودًا عنها، فأي خراب لها أعظم من ذلك؟! وليس المراد من عمارتها زخرفتها وإقامة صورتها فقط، إنما عمارتها بذكر الله فيها وإقامة شرعه فيها، ورفعها عن الدنس والشرك».
التفسير بالمأثور لسورة البقرة كاملة ←

وقفات تدبرية في الآية ١١٤ من سورة البقرة

١٨ وقفةً في هذه الآية

  • قد ضاقت اﻷرض بما رحبت على من تخلفوا عن رسول الله ،و ستضيق الدنيا واﻵخرة على من يمكر بدين رسول الله (لهم في الدنيا خزي ولهم في اﻵخرة عذاب عظيم).

    — سعود الشريم

  • من أشد الظلم منع الصلاة في المساجد فإنه خرابها ،و من فعل ذلك فقد استعجل خزي الدنيا قبل عقوبة اﻵخرة (لهم في الدنيا خزي ولهم في اﻵخرة عذاب عظيم).

    — سعود الشريم

  • "أولئك ما كان لهم أن يدخلوها إلا خائفين" ليست المساجد أماكن سياحية.. بل هي مواطن جلال.. يجب أن يخشاها ويرهبها أعداء الله .

    — علي الفيفي

  • "ومن أظلم ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه" من أجل الأعمال : ذِكر الله.. في مساجد الله.

    — علي الفيفي

  • إغلاق اليهود للأقصى أمارة خزيهم ونهايتهم {ومن أظلم ممن منع مساجد الله...} {...لهم في الدنيا خزي} والخزي ذلة وهزيمة.

    — محمد الربيعة

  • ليخزين الله الخوارج في الدنيا قبل الآخرة ، قال تعالى : ومن أظلم ممن منع مساجد الله. وآخر الآية : لهم في الدنيا خزي.

    — عبدالله بلقاسم

  • قلَّما تجبَّر متجبر في الأرض إلا أهانه الله قبل موته، فسخر به الصغير والكبير، وأضحى حديث مجالس، قال ابن كثير: "لما استكبروا، لقاهم الله المذلة في الدنيا قبل الآخرة".

    — تفسير القرآن

  • مجالس في تدبر القران تدبر أية 114 سورة البقرة

    — خالد السبت

  • سورة البقرة (114)

    — محمد الربيعة

  • آية (١١٤) : (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن مَّنَعَ مَسَاجِدَ اللّهِ أَن يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا أُوْلَـئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَن يَدْخُلُوهَا إِلاَّ خائفين لهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ) * في الآية استفهام بـ (من) ليس الغرض منه انتظار جواب وإنما هو استفهام إنكاري خرج إلى النفي أي لا أحد أظلمُ ممن منع مساجد الله أن يُذكر فيها اسمه . * الآية قد جُمِع فيها المسجد (مساجد) للتعظيم من شأن المسجد وليكون الوعيد شاملاً لكل مخرِّب لمسجد أو مانع العبادة فيه فقد نزلت في أهل مكة لأنهم منعوا المسلمين دخول المسجد الحرام . * الفرق الدلالي بين الخراب والهدم والدمار والهلاك واستخدامها في القرآن : الخراب ضد العمران (يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُم بِأَيْدِيهِمْ (٢) الحشر) وقد يكون الخراب بمعنى ترك المكان (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن مَّنَعَ مَسَاجِدَ اللّهِ أَن يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا) يعني لا يجعل فيها مصلّين، يمنع المصلين بصورة من الصور إذا كان متسلطاً ظالماً . الهلاك هو الموت وهو عام يستعمل في الإنسان وغير الإنسان في الأموال وفي كل شيء ليس بالضرورة عقوبة (إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ (١٧٦)النساء) يعني مات (هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيهْ(٢٩)الحاقة) (يَقُولُ أَهْلَكْتُ مَالًا لُّبَدًا(٦)البلد) (وَكَم مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا(٤) الأعراف) . الدمار عقوبة وهو إيصال الهلاك للإنسان وغير الإنسان (أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ (٥١) النمل) (وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ(١٣٧) الأعراف) . الهدم هو ضد البناء ، شيء مبني تهدمه لأي سبب (لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ (٤٠) الحج) ، لو أردت أن تجدد البيت القديم تهدمه ثم تبنيه . * الفرق بين استعمال كلمتي عقاب وعذاب كما وردتا في القرآن الكريم : --- هذه الكلمات من لهجات مختلفة فليس بينها فروق مثل السكين والمُدية ، فالعذاب عقاب والعقاب عذاب ولكن هناك تناسب بين الصوت والمعنى : فالقاف في (عقاب) حرفاً شديداً يُولد بانطباق ثم انفصال مفاجئ وكلمة العقاب تكون للشيء السريع في الدنيا لأن القاف أسرع ، بينما الذال في (عذاب) فيها رخاوة وامتداد ، والعذاب يأتي في الدنيا ويأتي في الآخرة ، العذاب في الآخرة (ولهم في الآخرة عذاب عظيم ) وجاء بها في الدنيا بمعنى العقاب (وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين) هذه عقوبة سمّاه عذاباً ما يدل على أن العذاب أوسع من العقاب لأنه يستعمل دنيا وآخرة ويستعمل بمكان العقاب ، وعندما نأتي إلى الآيات التي تتحدث عن جزاء المشركين في الدنيا يسميه عذاباً أو عقاباً أما في الآخرة يسميه عذاباً فقط . --- لما يأتي الوصف لله عز وجل لا يكون مؤقتاً لا بدنيا ولا بآخرة فلما يقول : (والله شديد العقاب) هذه صفة ثابتة عامة له سبحانه لكن لما يستعمل كلمة العقاب مع البشر يستعملها في الدنيا لم تستعمل في الآخرة . --- وصف الله سبحانه وتعالى نفسه (إن ربك سريع العقاب (١٦٥) الأنعام) لكن لم يصف نفسه جلّت قدرته بأنه سريع العذاب ولكن استعمل (وأن الله شديد العذاب) لأن العقاب فيه سرعة .

    — مختصر لمسات بيانية

  • *(وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن مَّنَعَ مَسَاجِدَ اللّهِ أَن يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا (114) البقرة)ما دلالة الاستفهام فى الآية؟ هاهنا في هذه الآية استفهام بـ (من) وليس الغرض منه الاستفهام وانتظار جواب وإنما هو استفهام إنكاري خرج إلى النفي أي لا أحد أظلمُ ممن منع مساجد الله أن يُذكر فيها اسمه.

    — برنامج ورتل القران ترتيلا

  • ما هي المساجد المقصودة بقوله تعالى (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن مَّنَعَ مَسَاجِدَ اللّهِ أَن يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ) حتى جُمِعت؟ نزلت الآية في أهل مكة لأنهم منعوا المسلمين دخول المسجد الحرام ومع ذلك نرى أن الآية قد جُمِع فيها المسجد (مساجد) للتعظيم من شأن المسجد وهذا واضح كما يقول الفرد في معرض الفخر والتعظيم لنفسه (نحن نقول) وكذلك كلمة المساجد أتت جمعاً ليكون الوعيد شاملاً لكل مخرِّب لمسجد أو مانع العبادة فيه.

    — برنامج ورتل القران ترتيلا

و٦ وقفات أخرى لهذه الآية في الوقفات التدبرية.

فتاوى متعلقة بالآية ١١٤ من سورة البقرة

فتوى واحدة تتعلق بهذه الآية

ترجمات معاني الآية ١١٤ من سورة البقرة

ترجمة معاني الآية إلى ٦٠ لغةً

(114) And who are more unjust than those who prevent the name of Allāh from being mentioned [i.e., praised] in His mosques and strive toward their destruction. It is not for them to enter them except in fear. For them in this world is disgrace, and they will have in the Hereafter a great punishment.
— الترجمة الإنجليزية - صحيح انترناشونال