مفاتيح الغيب — فخر الدين الرازي
عن الكتاب
قوله تعالى :﴿ومن أظلم ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه وسعى في خرابها أولئك ما كان لهم أن يدخلوها إلا خائفين لهم في الدنيا خزي ولهم في الآخرة عذاب عظيم﴾.
اعلم أن في هذه الآية مسائل :
المسألة الأولى : أجمع المفسرون على أنه ليس المراد من هذه الآية مجرد بيان الشرط والجزاء، أعني مجرد بيان أن من فعل كذا فإن الله يفعل به كذا بل المراد منه بيان أن منهم من منع عمارة المساجد وسعى في خرابها، ثم أن الله تعالى جازاهم بما ذكر في الآية إلا أنهم اختلفوا في أن الذين منعوا من عمارة المسجد وسعوا في خرابه من هم ؟ وذكروا فيه أربعة أوجه. ( أولها ) : قال ابن عباس : أن ملك النصارى غزا بيت المقدس فخربه وألقى فيه الجيف وحاصر أهله وقتلهم وسبى البقية وأحرق التوراة، ولم يزل بيت المقدس خرابا حتى بناه أهل الإسلام في زمن عمر. ( وثانيها ) : قال الحسن وقتادة والسدي : نزلت في بختنصر حيث خرب بيت المقدس وبعض النصارى أعانه على ذلك بغضا لليهود.
قال أبو بكر الرازي في أحكام القرآن : هذان الوجهان غلطان لأنه لا خلاف بين أهل العلم بالسير أن عهد بختنصر كان قبل مولد المسيح عليه السلام بدهر طويل والنصارى كانوا بعد المسيح فكيف يكونون مع بختنصر في تخريب بيت المقدس وأيضا فإن النصارى يعتقدون في تعظيم بيت المقدس مثل اعتقاد اليهود وأكثر، فكيف أعانوا على تخريبه. ( وثالثها ) : أنها نزلت في مشركي العرب الذين منعوا الرسول عليه الصلاة والسلام عن الدعاء إلى الله بمكة وألجؤه إلى الهجرة، فصاروا مانعين له ولأصحابه أن يذكروا الله في المسجد الحرام، وقد كان الصديق رضي الله عنه بنى مسجدا عند داره فمنع وكان ممن يؤذيه ولدان قريش ونساؤهم، وقيل : إن قوله تعالى :﴿ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها﴾
نزلت في ذلك فمنع من الجهر لئلا يؤذى، وطرح أبو جهل العذرة على ظهر النبي ﷺ فقيل : ومن أظلم من هؤلاء المشركين الذين يمنعون المسلمين الذين يوحدون الله ولا يشركون به شيئا ويصلون له تذللا وخشوعا، ويشغلون قلوبهم بالفكر فيه، وألسنتهم بالذكر له، وجميع جسدهم بالتذلل لعظمته وسلطانه. ( ورابعها ) : قال أبو مسلم : المراد منه الذين صدوه عن المسجد الحرام حين ذهب إليه من المدينة عام الحديبية، واستشهد بقوله تعالى :﴿هم الذين كفروا وصدوكم عند المسجد الحرام﴾ وبقوله :﴿وما لهم ألا يعذبهم الله وهم يصدون عن المسجد الحرام﴾ وحمل قوله :﴿إلا خائفين﴾ بما يعلي الله من يده، ويظهر من كلمته، كما قال في المنافقين :﴿لنغرينك بهم ثم لا يجاورونك فيها إلا قليلا ملعونين أينما ثقفوا أخذوا وقتلوا تقتيلا﴾ وعندي فيه وجه خامس وهو أقرب إلى رعاية النظم : وهو أن يقال : أنه لما حولت القبلة إلى الكعبة شق ذلك على اليهود فكانوا يمنعون الناس عن الصلاة عند توجههم إلى الكعبة، ولعلهم سعوا أيضا في تخريب الكعبة بأن حملوا بعض الكفار على تخريبها، وسعوا أيضا في تخريب مسجد الرسول ﷺ لئلا يصلوا فيه متوجهين إلى القبلة، فعابهم الله بذلك وبين سوء طريقتهم فيه، وهذا التأويل أولى مما قبله، وذلك لأن الله تعالى لم يذكر في الآيات السابقة على هذه الآية إلا قبائح أفعال اليهود والنصارى، وذكر أيضا بعدها قبائح أفعالهم فكيف يليق بهذه الآية الواحدة أن يكون المراد منها قبائح أفعال المشركين في صدهم الرسول عن المسجد الحرام، وأما حمل الآية على سعي النصارى في تخريب بيت المقدس فضعيف أيضا على ما شرحه أبو بكر الرازي، فلم يبق إلا ما قلناه.
المسألة الثانية : في كيفية اتصال هذه الآية بما قبلها وجوه : فأما من حملها على النصارى وخراب بيت المقدس قال : تتصل بما قبلها من حيث أن النصارى ادعوا أنهم من أهل الجنة فقط، فقيل لهم : كيف تكونون كذلك مع أن معاملتكم في تخريب المساجد والسعي في خرابها هكذا، وأما من حمله على المسجد الحرام وسائر المساجد قال : جرى ذكر مشركي العرب في قوله :﴿كذلك قال الذين لا يعلمون مثل قولهم﴾ وقيل : جرى ذكر جميع الكفار وذمهم، فمرة وجه الذم إلى اليهود والنصارى ومرة إلى المشركين.
المسألة الثالثة : قوله :﴿مساجد الله﴾ عموم فمنهم من قال : المراد به كل المساجد، ومنهم من حمله على ما ذكرناه من المسجد الحرام وغيره من مساجد مكة، وقالوا : قد كان لأبي بكر رضي الله عنه مسجد بمكة يدعو الله فيه، فخربوه قبل الهجرة، ومنهم من حمله على المسجد الحرام فقط وهو قول أبي مسلم حيث فسر المنع بصد الرسول عن المسجد الحرام عام الحديبية، فإن قيل : كيف يجوز حمل لفظ المساجد على مسجد واحد ؟ قلنا : فيه وجوه. ( أحدها ) : هذا كمن يقول لمن آذى صالحا واحدا : ومن أظلم ممن آذى الصالحين. ( وثانيها ) : أن المسجد موضع السجود فالمسجد الحرام لا يكون في الحقيقة مسجدا واحدا بل مساجد.
المسألة الرابعة : قوله :﴿أن يذكر فيها اسمه﴾ في محل النصب واختلفوا في العامل فيه على أقوال. ( الأول ) : أنه ثاني مفعولي منع لأنك تقول : منعته كذا، ومثله :﴿وما منعنا أن نرسل بالآيات﴾ ﴿وما منع الناس أن يؤمنوا﴾ ( الثاني ) : قال الأخفش : يجوز أن يكون على حذف ( من ) كأنه قيل : منع مساجد الله من أن يذكر فيها اسمه. ( الثالث ) : أن يكون على البدل من مساجد الله. ( الرابع ) : قال الزجاج : يجوز أن يكون على معنى كراهة أن يذكر فيها اسمه، والعامل فيه ( منع ).
المسألة الخامسة : السعي في تخريب المسجد قد يكون لوجهين. ( أحدهما ) : منع المصلين والمتعبدين والمتعهدين له من دخوله فيكون ذلك تخريبا. ( والثاني ) : بالهدم والتخريب وليس لأحد أن يقول : كيف يصح أن يتأول على بيت الله الحرام ولم يظهر فيه التخريب لأن منع الناس من إقامة شعار العبادة فيه يكون تخريبا له، وقيل : إن أبا بكر رضي الله عنه كان له موضع صلاة فخربته قريش لما هاجر.
المسألة السادسة : ظاهر الآية يقتضي أن هذا الفعل أعظم أنواع الظلم وفيه إشكال لأن الشرك ظلم على ما قال تعالى :﴿إن الشرك لظلم عظيم﴾ مع أن الشرك أعظم من هذا الفعل، وكذا الزنا وقتل النفس أعظم من هذا الفعل، ( والجواب عنه ) : أقصى ما في الباب أنه عام دخله التخصيص فلا يقدح فيه.
أما قوله تعالى :﴿أولئك ما كان لهم أن يدخلوها إلا خائفين﴾ فاعلم أن في الآية مسائل :
المسألة الأولى : ظاهر الكلام أن الذين آمنوا وسعوا في تخريب المسجد هم الذين يحرم عليهم دخوله إلا خائفين، وأما من يجعله عاما في الكل فذكروا في تفسير هذا الخوف وجوها. ( أحدها ) : ما كان ينبغي لهم أن يدخلوا مساجد الله إلا خائفين على حال الهيبة وارتعاد الفرائص من المؤمنين أن يبطشوا بهم فضلا أن يستولوا عليها ويمنعوا المؤمنين منها، والمعنى ما كان الحق والواجب إلا ذلك لولا ظلم الكفرة وعتوهم. ( وثانيها ) : أن هذا بشارة من الله للمسلمين بأنه سيظهرهم على المسجد الحرام وعلى سائر المساجد، وأنه يذل المشركين لهم حتى لا يدخل المسجد الحرام واحد منهم إلا خائفا يخاف أن يؤخذ فيعاقب، أو يقتل أن لم يسلم، وقد أنجز الله صدق هذا الوعد فمنعهم من دخول المسجد الحرام، ونادى فيهم عام حج أبو بكر رضي الله عنه : ألا لا يحجن بعد العام مشرك، وأمر النبي عليه الصلاة والسلام بإخراج اليهود من جزيرة العرب، فحج من العام الثاني ظاهرا على المساجد لا يجترئ أحد من المشركين أن يحج ويدخل المسجد الحرام، وهذا هو تفسير أبي مسلم في حمل المنع من المساجد على صدهم رسول الله ﷺ عن المسجد الحرام عام الحديبية ويحمل هذا الخوف على ظهور أمر الرسول ﷺ وغلبته لهم بحيث يصيرون خائفين منه ومن أمته. ( وثالثها ) : أن يحمل هذا الخوف على ما يلحقهم من الصغار والذل بالجزية والإذلال. ( ورابعها ) : أنه يحرم عليهم دخول المسجد الحرام إلا في أمر يتضمن الخوف نحو أن يدخلوا للمخاصمة والمحاكمة والمحاجة. لأن كل ذلك يتضمن الخوف والدليل عليه قوله تعالى :﴿ما كان للمشركين أن يعمروا مساجد الله شاهدين على أنفسهم بالكفر﴾ ( وخامسها ) : قال قتادة والسدي : قوله :﴿إلا خائفين﴾ بمعنى أن النصارى لا يدخلون بيت المقدس إلا خائفين، ولا يوجد فيه نصراني إلا أوجع ضربا وهذا التأويل مردود، لأن بيت المقدس بقي أكثر من مائة سنة في أيدي النصارى بحيث لم يتمكن أحد من المسلمين من الدخول فيه إلا خائفا، إلى أن استخلصه الملك صلاح الدين رحمه الله في زماننا.
( وسادسها ) : أن قوله :﴿ما كان لهم أن يدخلوها إلا خائفين﴾ وإن كان لفظه لفظ الخبر لكن المراد منه النهي عن تمكينهم من الدخول، والتخلية بينهم وبينه كقوله :﴿وما كان لكم أن تؤذوا رسول الله﴾.
أما قوله تعالى :﴿لهم في الدنيا خزي﴾ فقد اختلفوا في الخزي، فقال بعضهم : ما يلحقهم من الذل بمنعهم من المساجد، وقال آخرون بالجزية في حق أهل الذمة وبالقتل في حق أهل الحرب، واعلم أن كل ذلك محتمل فإن الخزي لا يكون إلا ما يجري مجرى العقوبة من الهوان والإذلال فكل ما هذه صفته يدخل تحته وذلك ردع من الله تعالى عن ثباتهم على الكفر لأن الخزي الحاضر يصرف عن التمسك بما يوجبه ويقتضيه، وأما العذاب العظيم فقد وصفه الله تعالى بما جرى مجرى النهاية في المبالغة، لأن الذين قدم ذكرهم وصفهم بأعظم الظلم، فبين أنهم يستحقون العقاب العظيم، وفي الآية مسألتان :
المسألة الأولى : في أحكام المساجد وفيه وجوه. ( الأول ) : في بيان فضل المساجد ويدل عليه القرآن والأخبار والمعقول، أما القرآن فآيات، ( أحدها ) : قوله تعالى :﴿وأن المساجد لله فلا تدعوا مع الله أحدا﴾. أضاف المساجد إلى ذاته بلام الاختصاص، ثم أكد ذلك الاختصاص بقوله :﴿فلا تدعوا مع الله أحدا﴾. ( وثانيها ) : قوله تعالى :﴿إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر﴾ فجعل عمارة المسجد دليلا على الإيمان، بل الآية تدل بظاهرها على حصر الإيمان فيهم، لأن كلمة إنما للحصر. ( وثالثها ) : قوله تعالى :﴿في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه يسبح له فيها بالغدو والآصال﴾ ( ورابعها ) : هذه الآية التي نحن في تفسيرها وهي قوله تعالى :﴿ومن أظلم ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه﴾ فإن ظاهرها يقتضي أن يكون الساعي في تخريب المساجد أسوأ حالا من المشرك لأن قوله :﴿ومن أظلم﴾ يتناول المشرك لأنه تعالى قال :﴿إن الشرك لظلم عظيم﴾ فإذا كان الساعي في تخريبه في أعظم درجات الفسق وجب أن يكون الساعي في عمارته في أعظم درجات الإيمان. وأما الأخبار، ( فأحدها ) : ما روى الشيخان في صحيحيهما أن عثمان بن عفان رضي الله عنه أراد بناء المسجد فكره الناس ذلك وأحبوا أن يدعه، فقال عثمان رضي الله عنه : سمعت النبي ﷺ يقول :( من بنى لله مسجدا بنى الله له كهيئته في الجنة ). وفي رواية أخرى :«بنى الله له بيتا في الجنة ». ( وثانيها ) : ما روى أبو هريرة أنه عليه الصلاة والسلام قال :( أحب البلاد إلى الله تعالى مساجدها وأبغض البلاد إلى الله أسواقها )
واعلم أن هذا الخبر تنبيه على ما هو السر العقلي في تعظيم المساجد وبيانه أن الأمكنة والأزمنة إنما تتشرف بذكر الله تعالى، فإذا كان المسجد مكانا لذكر الله تعالى حتى أن الغافل عن ذكر الله إذا دخل الم
اعلم أن في هذه الآية مسائل :
المسألة الأولى : أجمع المفسرون على أنه ليس المراد من هذه الآية مجرد بيان الشرط والجزاء، أعني مجرد بيان أن من فعل كذا فإن الله يفعل به كذا بل المراد منه بيان أن منهم من منع عمارة المساجد وسعى في خرابها، ثم أن الله تعالى جازاهم بما ذكر في الآية إلا أنهم اختلفوا في أن الذين منعوا من عمارة المسجد وسعوا في خرابه من هم ؟ وذكروا فيه أربعة أوجه. ( أولها ) : قال ابن عباس : أن ملك النصارى غزا بيت المقدس فخربه وألقى فيه الجيف وحاصر أهله وقتلهم وسبى البقية وأحرق التوراة، ولم يزل بيت المقدس خرابا حتى بناه أهل الإسلام في زمن عمر. ( وثانيها ) : قال الحسن وقتادة والسدي : نزلت في بختنصر حيث خرب بيت المقدس وبعض النصارى أعانه على ذلك بغضا لليهود.
قال أبو بكر الرازي في أحكام القرآن : هذان الوجهان غلطان لأنه لا خلاف بين أهل العلم بالسير أن عهد بختنصر كان قبل مولد المسيح عليه السلام بدهر طويل والنصارى كانوا بعد المسيح فكيف يكونون مع بختنصر في تخريب بيت المقدس وأيضا فإن النصارى يعتقدون في تعظيم بيت المقدس مثل اعتقاد اليهود وأكثر، فكيف أعانوا على تخريبه. ( وثالثها ) : أنها نزلت في مشركي العرب الذين منعوا الرسول عليه الصلاة والسلام عن الدعاء إلى الله بمكة وألجؤه إلى الهجرة، فصاروا مانعين له ولأصحابه أن يذكروا الله في المسجد الحرام، وقد كان الصديق رضي الله عنه بنى مسجدا عند داره فمنع وكان ممن يؤذيه ولدان قريش ونساؤهم، وقيل : إن قوله تعالى :﴿ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها﴾
نزلت في ذلك فمنع من الجهر لئلا يؤذى، وطرح أبو جهل العذرة على ظهر النبي ﷺ فقيل : ومن أظلم من هؤلاء المشركين الذين يمنعون المسلمين الذين يوحدون الله ولا يشركون به شيئا ويصلون له تذللا وخشوعا، ويشغلون قلوبهم بالفكر فيه، وألسنتهم بالذكر له، وجميع جسدهم بالتذلل لعظمته وسلطانه. ( ورابعها ) : قال أبو مسلم : المراد منه الذين صدوه عن المسجد الحرام حين ذهب إليه من المدينة عام الحديبية، واستشهد بقوله تعالى :﴿هم الذين كفروا وصدوكم عند المسجد الحرام﴾ وبقوله :﴿وما لهم ألا يعذبهم الله وهم يصدون عن المسجد الحرام﴾ وحمل قوله :﴿إلا خائفين﴾ بما يعلي الله من يده، ويظهر من كلمته، كما قال في المنافقين :﴿لنغرينك بهم ثم لا يجاورونك فيها إلا قليلا ملعونين أينما ثقفوا أخذوا وقتلوا تقتيلا﴾ وعندي فيه وجه خامس وهو أقرب إلى رعاية النظم : وهو أن يقال : أنه لما حولت القبلة إلى الكعبة شق ذلك على اليهود فكانوا يمنعون الناس عن الصلاة عند توجههم إلى الكعبة، ولعلهم سعوا أيضا في تخريب الكعبة بأن حملوا بعض الكفار على تخريبها، وسعوا أيضا في تخريب مسجد الرسول ﷺ لئلا يصلوا فيه متوجهين إلى القبلة، فعابهم الله بذلك وبين سوء طريقتهم فيه، وهذا التأويل أولى مما قبله، وذلك لأن الله تعالى لم يذكر في الآيات السابقة على هذه الآية إلا قبائح أفعال اليهود والنصارى، وذكر أيضا بعدها قبائح أفعالهم فكيف يليق بهذه الآية الواحدة أن يكون المراد منها قبائح أفعال المشركين في صدهم الرسول عن المسجد الحرام، وأما حمل الآية على سعي النصارى في تخريب بيت المقدس فضعيف أيضا على ما شرحه أبو بكر الرازي، فلم يبق إلا ما قلناه.
المسألة الثانية : في كيفية اتصال هذه الآية بما قبلها وجوه : فأما من حملها على النصارى وخراب بيت المقدس قال : تتصل بما قبلها من حيث أن النصارى ادعوا أنهم من أهل الجنة فقط، فقيل لهم : كيف تكونون كذلك مع أن معاملتكم في تخريب المساجد والسعي في خرابها هكذا، وأما من حمله على المسجد الحرام وسائر المساجد قال : جرى ذكر مشركي العرب في قوله :﴿كذلك قال الذين لا يعلمون مثل قولهم﴾ وقيل : جرى ذكر جميع الكفار وذمهم، فمرة وجه الذم إلى اليهود والنصارى ومرة إلى المشركين.
المسألة الثالثة : قوله :﴿مساجد الله﴾ عموم فمنهم من قال : المراد به كل المساجد، ومنهم من حمله على ما ذكرناه من المسجد الحرام وغيره من مساجد مكة، وقالوا : قد كان لأبي بكر رضي الله عنه مسجد بمكة يدعو الله فيه، فخربوه قبل الهجرة، ومنهم من حمله على المسجد الحرام فقط وهو قول أبي مسلم حيث فسر المنع بصد الرسول عن المسجد الحرام عام الحديبية، فإن قيل : كيف يجوز حمل لفظ المساجد على مسجد واحد ؟ قلنا : فيه وجوه. ( أحدها ) : هذا كمن يقول لمن آذى صالحا واحدا : ومن أظلم ممن آذى الصالحين. ( وثانيها ) : أن المسجد موضع السجود فالمسجد الحرام لا يكون في الحقيقة مسجدا واحدا بل مساجد.
المسألة الرابعة : قوله :﴿أن يذكر فيها اسمه﴾ في محل النصب واختلفوا في العامل فيه على أقوال. ( الأول ) : أنه ثاني مفعولي منع لأنك تقول : منعته كذا، ومثله :﴿وما منعنا أن نرسل بالآيات﴾ ﴿وما منع الناس أن يؤمنوا﴾ ( الثاني ) : قال الأخفش : يجوز أن يكون على حذف ( من ) كأنه قيل : منع مساجد الله من أن يذكر فيها اسمه. ( الثالث ) : أن يكون على البدل من مساجد الله. ( الرابع ) : قال الزجاج : يجوز أن يكون على معنى كراهة أن يذكر فيها اسمه، والعامل فيه ( منع ).
المسألة الخامسة : السعي في تخريب المسجد قد يكون لوجهين. ( أحدهما ) : منع المصلين والمتعبدين والمتعهدين له من دخوله فيكون ذلك تخريبا. ( والثاني ) : بالهدم والتخريب وليس لأحد أن يقول : كيف يصح أن يتأول على بيت الله الحرام ولم يظهر فيه التخريب لأن منع الناس من إقامة شعار العبادة فيه يكون تخريبا له، وقيل : إن أبا بكر رضي الله عنه كان له موضع صلاة فخربته قريش لما هاجر.
المسألة السادسة : ظاهر الآية يقتضي أن هذا الفعل أعظم أنواع الظلم وفيه إشكال لأن الشرك ظلم على ما قال تعالى :﴿إن الشرك لظلم عظيم﴾ مع أن الشرك أعظم من هذا الفعل، وكذا الزنا وقتل النفس أعظم من هذا الفعل، ( والجواب عنه ) : أقصى ما في الباب أنه عام دخله التخصيص فلا يقدح فيه.
أما قوله تعالى :﴿أولئك ما كان لهم أن يدخلوها إلا خائفين﴾ فاعلم أن في الآية مسائل :
المسألة الأولى : ظاهر الكلام أن الذين آمنوا وسعوا في تخريب المسجد هم الذين يحرم عليهم دخوله إلا خائفين، وأما من يجعله عاما في الكل فذكروا في تفسير هذا الخوف وجوها. ( أحدها ) : ما كان ينبغي لهم أن يدخلوا مساجد الله إلا خائفين على حال الهيبة وارتعاد الفرائص من المؤمنين أن يبطشوا بهم فضلا أن يستولوا عليها ويمنعوا المؤمنين منها، والمعنى ما كان الحق والواجب إلا ذلك لولا ظلم الكفرة وعتوهم. ( وثانيها ) : أن هذا بشارة من الله للمسلمين بأنه سيظهرهم على المسجد الحرام وعلى سائر المساجد، وأنه يذل المشركين لهم حتى لا يدخل المسجد الحرام واحد منهم إلا خائفا يخاف أن يؤخذ فيعاقب، أو يقتل أن لم يسلم، وقد أنجز الله صدق هذا الوعد فمنعهم من دخول المسجد الحرام، ونادى فيهم عام حج أبو بكر رضي الله عنه : ألا لا يحجن بعد العام مشرك، وأمر النبي عليه الصلاة والسلام بإخراج اليهود من جزيرة العرب، فحج من العام الثاني ظاهرا على المساجد لا يجترئ أحد من المشركين أن يحج ويدخل المسجد الحرام، وهذا هو تفسير أبي مسلم في حمل المنع من المساجد على صدهم رسول الله ﷺ عن المسجد الحرام عام الحديبية ويحمل هذا الخوف على ظهور أمر الرسول ﷺ وغلبته لهم بحيث يصيرون خائفين منه ومن أمته. ( وثالثها ) : أن يحمل هذا الخوف على ما يلحقهم من الصغار والذل بالجزية والإذلال. ( ورابعها ) : أنه يحرم عليهم دخول المسجد الحرام إلا في أمر يتضمن الخوف نحو أن يدخلوا للمخاصمة والمحاكمة والمحاجة. لأن كل ذلك يتضمن الخوف والدليل عليه قوله تعالى :﴿ما كان للمشركين أن يعمروا مساجد الله شاهدين على أنفسهم بالكفر﴾ ( وخامسها ) : قال قتادة والسدي : قوله :﴿إلا خائفين﴾ بمعنى أن النصارى لا يدخلون بيت المقدس إلا خائفين، ولا يوجد فيه نصراني إلا أوجع ضربا وهذا التأويل مردود، لأن بيت المقدس بقي أكثر من مائة سنة في أيدي النصارى بحيث لم يتمكن أحد من المسلمين من الدخول فيه إلا خائفا، إلى أن استخلصه الملك صلاح الدين رحمه الله في زماننا.
( وسادسها ) : أن قوله :﴿ما كان لهم أن يدخلوها إلا خائفين﴾ وإن كان لفظه لفظ الخبر لكن المراد منه النهي عن تمكينهم من الدخول، والتخلية بينهم وبينه كقوله :﴿وما كان لكم أن تؤذوا رسول الله﴾.
أما قوله تعالى :﴿لهم في الدنيا خزي﴾ فقد اختلفوا في الخزي، فقال بعضهم : ما يلحقهم من الذل بمنعهم من المساجد، وقال آخرون بالجزية في حق أهل الذمة وبالقتل في حق أهل الحرب، واعلم أن كل ذلك محتمل فإن الخزي لا يكون إلا ما يجري مجرى العقوبة من الهوان والإذلال فكل ما هذه صفته يدخل تحته وذلك ردع من الله تعالى عن ثباتهم على الكفر لأن الخزي الحاضر يصرف عن التمسك بما يوجبه ويقتضيه، وأما العذاب العظيم فقد وصفه الله تعالى بما جرى مجرى النهاية في المبالغة، لأن الذين قدم ذكرهم وصفهم بأعظم الظلم، فبين أنهم يستحقون العقاب العظيم، وفي الآية مسألتان :
المسألة الأولى : في أحكام المساجد وفيه وجوه. ( الأول ) : في بيان فضل المساجد ويدل عليه القرآن والأخبار والمعقول، أما القرآن فآيات، ( أحدها ) : قوله تعالى :﴿وأن المساجد لله فلا تدعوا مع الله أحدا﴾. أضاف المساجد إلى ذاته بلام الاختصاص، ثم أكد ذلك الاختصاص بقوله :﴿فلا تدعوا مع الله أحدا﴾. ( وثانيها ) : قوله تعالى :﴿إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر﴾ فجعل عمارة المسجد دليلا على الإيمان، بل الآية تدل بظاهرها على حصر الإيمان فيهم، لأن كلمة إنما للحصر. ( وثالثها ) : قوله تعالى :﴿في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه يسبح له فيها بالغدو والآصال﴾ ( ورابعها ) : هذه الآية التي نحن في تفسيرها وهي قوله تعالى :﴿ومن أظلم ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه﴾ فإن ظاهرها يقتضي أن يكون الساعي في تخريب المساجد أسوأ حالا من المشرك لأن قوله :﴿ومن أظلم﴾ يتناول المشرك لأنه تعالى قال :﴿إن الشرك لظلم عظيم﴾ فإذا كان الساعي في تخريبه في أعظم درجات الفسق وجب أن يكون الساعي في عمارته في أعظم درجات الإيمان. وأما الأخبار، ( فأحدها ) : ما روى الشيخان في صحيحيهما أن عثمان بن عفان رضي الله عنه أراد بناء المسجد فكره الناس ذلك وأحبوا أن يدعه، فقال عثمان رضي الله عنه : سمعت النبي ﷺ يقول :( من بنى لله مسجدا بنى الله له كهيئته في الجنة ). وفي رواية أخرى :«بنى الله له بيتا في الجنة ». ( وثانيها ) : ما روى أبو هريرة أنه عليه الصلاة والسلام قال :( أحب البلاد إلى الله تعالى مساجدها وأبغض البلاد إلى الله أسواقها )
واعلم أن هذا الخبر تنبيه على ما هو السر العقلي في تعظيم المساجد وبيانه أن الأمكنة والأزمنة إنما تتشرف بذكر الله تعالى، فإذا كان المسجد مكانا لذكر الله تعالى حتى أن الغافل عن ذكر الله إذا دخل الم