غرائب القرآن ورغائب الفرقان — نظام الدين القمي النيسابوري

عن الكتاب
القراءات :﴿قالوا اتخذ الله﴾ بلا واو العطف : ابن عامر اتباعاً لمصاحف أهل الشام ﴿كن فيكون﴾ بالنصب كل القرآن : ابن عامر إلا قوله ﴿كن فيكون الحق﴾ في آل عمران، و﴿كن فيكون قوله الحق﴾ في الأنعام. وافقه الكسائي في النحل ويس.
الوقوف :﴿خرابها﴾ ( ط ) للفصل بين الاستفهام والخبر ﴿خائفين﴾ ط لأن ما بعده إخبار وعيد مبتدأ منتظر ﴿عظيم﴾ ( ه ) ﴿وجه الله﴾ ( ط )
﴿عليم﴾ ( ه ) ﴿وإذا﴾ ( لا ) تعجيلاً للتنزيه ﴿سبحانه﴾ ( ط ) ﴿والأرض﴾ ( ط ) لأن ما بعده مبتدأ ﴿قانتون﴾ ( ه ) ﴿والأرض﴾ ( ط ) لأن إذا أجيبت بالفاء وكانت للشرط ﴿فيكون﴾ ( ه ) ﴿آية﴾ ( ط ) ﴿قلوبهم﴾ ( ط ) لأن قد لتوكيد الاستئناف ﴿يوقنون﴾ ( ه ).
التفسير : عن ابن عباس أن ملك النصارى غزا بيت المقدس فخربه وألقى فيه الجيف وحاصر أهله وقتلهم وسبى الذرية وأحرق التوراة، ولم يزل خراباً حتى بناه أهل الإسلام في زمان عمر فنزلت الآية فيهم. وعن الحسن وقتادة والسدي نزلت في بختنصر حيث خرب بيت المقدس وأعانه على ذلك بعض النصارى. ورد بأن بختنصر كان قبل مولد المسيح بزمان. وقيل : نزلت في مشركي العرب الذين منعوا رسول الله ﷺ عن الدعاء إلى الله بمكة ألجأوه إلى الهجرة، فصاروا مانعين له ولأصحابه أن يذكروا الله في المسجد الحرام. وقيل : المراد منع المشركين رسول الله ﷺ أن يدخل المسجد الحرام عام الحديبية. ووجه اتصال الآية بما قبلها على القولين الأولين. هو أن النصارى ادعوا أنهم من أهل الجنة فقط، فبين أنهم أظلم منهم فكيف يدخلون الجنة ؟ وعلى الآخرين هو أنه جرى ذكر مشركي العرب في قوله ﴿كذلك قال الذين لا يعلمون﴾ فعقب ذلك بسائر قبائحهم و﴿من﴾ استفهامية لتقرير النفي أي ليس أحد أظلم ممن منع و﴿أن يذكر﴾ ثاني مفعوليه لأنك تقول : منعته كذا أو بدل من ﴿مساجد﴾ أو حذف حرف الجر مع أن والتقدير كراهة أن يذكر فيكون مفعولاً له.
وهذا حكم عام لجنس مساجد الله، وأن مانعها من ذكر الله تعالى مفرط في الظلم، ولا بأس أن يجيء الحكم عاماً وإن كان السبب خاصاً كما تقول لمن آذى صالحاً واحداً من أظلم ممن آذى الصالحين ؟ ومثله ﴿ويل لكل همزة لمزة﴾ [الهمزة: ١] والمنزول فيه الأخنس بن شريق. وينبغي أن يراد بمن منع العموم أيضاً لا الذين منعوا من أولئك النصارى أو المشركين بأعيانهم والسعي في خراب المساجد بانقطاع الذكر أو تخريب البنيان قيل : إن قوله ﴿ومن أظلم﴾ الذي هو في قوة ليس أحد أظلم ليس على عمومه لأن الشرك أعظم من هذا الفعل ﴿إن الشرك لظلم عظيم﴾ [لقمان: ١٣] وكذا الزنا وقتل النفس قلت : أما استعمال لفظ الظلم في هذا المعنى في غاية الحسن، لأن المسجد موضوع لذكر الله تعالى فيه، فالمانع من ذلك واضع للشيء في غير موضعه. وأما أنه لا أظلم منه فلأنه إن كان مشركاً فقد جمع مع شركه هذه الخصلة الشنعاء فلا أظلم منه، وإن كان يدعي الإسلام ففعله مناقض لقوله، لأن من اعتقد أن لو معبوداً عرف وجوب عبادته له عقلاً أو شرعاً، والعبادة تستدعي متعبداً لا محالة. فتخريب المتعبد ينبئ عن إنكار العبادة وإنكار العبادة يستلزم إنكار المعبود، فهذا الشخص لا يكون في الحقيقة مسلماً وإنما هو منخرط في سلك أهل النفاق، والمنافق كافر أسوأ حالاً من الكافر الأصلي بالاتفاق ﴿أولئك﴾ المانعون ﴿ما كان لهم﴾ أي ما ينبغي لهم ﴿أن يدخلوها﴾ في حال من الأحوال ﴿إلا خائفين﴾ على حال التهيب وارتعاد الفرائص من المؤمنين أن يبطشوا بهم فضلاً أن يستولوا عليها ويلوها ويمنعوا المؤمنين منها. والمعنى : ما كان الحق والواجب إلا ذلك لولا ظلم الكفرة وعتوهم. وقيل : هذه بشارة للمؤمنين أنه سيظهرهم على المسجد الحرام وعلى سائر المساجد، وأنه يذل المشركين لهم حتى لا يدخلوا المسجد الحرام إلا خائفين من أن يعاقبوا أو يقتلوا إن لم يسلموا. وقد أنجز الله هذا الوعد فمنعهم من دخول المسجد الحرام ونادى فيهم عام حج أبو بكر : ألا لا يحجن بعد العام مشرك. وأمر النبي ﷺ بإخراج اليهود من جزيرة العرب، وصار بيت المقدس في أيدي المسلمين. وقيل : يحرم عليهم دخول المسجد إلا في أمر يتضمن الخوف نحو أن يدخلوا للمحاكمة أو المخاصمة أو المحاجة. وقيل : اللفظ خبر ولكن معناه النهي عن تمكينهم من الدخول والتخلية بينهم وبينه كقوله ﴿وما كان لكم أن تؤذوا رسول الله﴾ [الأحزاب: ٥٣] فمن هنا قال مالك : لا يجوز للكافر دخول المساجد. وخصص الشافعي المنع بالمسجد الحرام لجلالة قدره ومزيد شرفه، للتصريح بذلك في قوله ﴿إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا﴾ [التوبة: ٢٨]. وجوز أبو حنيفة دخول المساجد كلها لما روي أنه ﷺ قدم عليه وفد ثقيف فأنزلهم المسجد. وأجيب بأنه في أول الإسلام ثم نسخ بالآية ﴿خزي﴾ ذل يمنعهم من المساجد أو بالجزية في حق أهل الذمة وبالسبي والقتل في حق أهل الحرب، وفيه ردع لهم عن ثباتهم على الكفر. وقيل : الخزي فتح مدائنهم قسطنطينية وعمورية ورومية، والعذاب العظيم يناسب الظلم العظيم ولنذكر هنا فوائد :
( الأولى ) في بيان فضل المساجد ومن ذاك إضافتها إلى الله في الآية وذلك دليل على شرفها وكذا في قوله ﴿وأن المساجد لله﴾ [الجن: ١٨] بلام الاختصاص ﴿إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر﴾ [التوبة: ١٨] ﴿في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه﴾ [النور: ٣٩] وقال ﷺ " أحب البلاد إلى الله مساجدها وأبغض البلاد إلى الله أسواقها " وليس ذلك إلا لأن المسجد يذكر الحبيب، والسوق يشغل عنه، وفي الآية نكتة وهي أن مخرب المساجد لما كان في نهاية الظلم والكفر يلزم أن يكون عامر المساجد في غاية العدل والإيمان.
( الثانية ) في فضل المشي إلى المساجد عن أبي هريرة أنه ﷺ قال " من تطهر في بيته ثم مشى إلى بيت من بيوت الله ليقضي فيه فريضة من فرائض الله كانت خطواته إحداها تحط خطيئة والأخرى ترفع درجة " وقال ﷺ لبني سلمة حين أرادوا أن ينتقلوا إلى قرب المسجد " دياركم تكتب آثاركم ".
( الثالثة ) في تزيين المساجد. عن ابن عباس أن النبي ﷺ قال :" ما أمرت بتشييد المساجد " قال ابن عباس : بزخرفتها كما زخرفت اليهود والنصارى. التشييد رفع البناء وتطويله، والزخرفة التزيين والتمويه. وأمر عمر ببناء مسجد فقال : أكن الناس من المطر وإياك أن تحمر أو تصفر فتفتن الناس.
( الرابعة ) في تحية المسجد. عن أبي قتادة أنه ﷺ قال :" إذا دخل أحدكم المسجد فليركع ركعتين قبل أن يجلس " وتؤدى التحية بالفرض أو النفل نواها أولا وهذا مذهب الحسن البصري ومكحول والشافعي وأحمد وإسحاق. وقيل : يجلس ولا يصلي وإليه ذهب ابن سيرين وعطاء بن أبي رباح والنخعي وقتادة ومالك والثوري وأصحاب الرأي.
( الخامسة ) في الدعاء عند الدخول في المسجد والخروج منه. روت فاطمة بنت رسول الله ﷺ عن أبيها قالت : كان رسول الله ﷺ إذا دخل المسجد صلى على محمد ﷺ وقال :" رب اغفر لي ذنوبي وافتح لي أبواب رحمتك وإذا خرج صلى على محمد وسلم وقال : رب اغفر لي ذنوبي وافتح لي أبواب فضلك ".
( السادسة ) في فضيلة القعود فيه لانتظار الصلاة عن أبي هريرة أنه ﷺ قال :" الملائكة تصلي على أحدكم ما دام في مصلاه الذي صلى فيه فتقول : اللهم اغفر له وارحمه ما لم يحدث ".
( السابعة ) في كراهية البيع والشراء فيه، عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي ﷺ نهى عن تناشد الأشعار في المساجد وعن البيع والشراء فيها، وأن يتحلق الناس يوم الجمعة قبل الصلاة يعني لمذاكرة العلم ونحوه، بل يشتغل بالذكر والصلاة والإنصات للخطبة ثم لا بأس بالاجتماع والتحلق بعد الصلاة، وأما طلب الضالة في المسجد ورفع الصوت بغير الذكر فمكروه أيضاً. عن أبي هريرة أنه قال : سمعت رسول الله ﷺ يقول :" من سمع رجلاً ينشد ضالة في المسجد فليقل : لا أداها الله إليك فإن المساجد لم تبن لهذا " وقد كره بعض السلف المسالة في المسجد، وكان بعضهم لا يرى أن يتصدق على السائل المتعرض في المسجد، وقال معاذ بن جبل : إن المساجد طهرت من خمس : من أن تقام فيها الحدود، أو يقبض فيها الخراج، أو ينطق فيها بالأشعار، أو ينشد فيها الضالة، أو تتخذ سوقاً. ولم ير بعضهم بالقضاء في المسجد بأساً لأن النبي ﷺ لاعن بين العجلاني وامرأته في المسجد، ولاعن عمر عند منبر النبي ﷺ، وقضى شريح والشعبي ويحيى بن يعمر في المسجد، وكان الحسن وزرارة بن أبي أوفى يقضيان في الرحبة خارجاً من المسجد.
( الثامنة ) النوم في المسجد. عن عبادة بن تميم عن عمه أنه رأى رسول الله مستلقياً في المسجد واضعاً إحدى رجليه على الأخرى. وفيه دليل على جواز الاتكاء والاضطجاع وأنواع الاستراحة في المسجد وجوازها في البيت إلا الانبطاح، فإنه ﷺ نهى عنه وقال :" إنها ضجعة يبغضها الله ".
( التاسعة ) في كراهة البزاق في المسجد. عن أنس عن النبي ﷺ قال :" البزاق في المسجد خطيئة وكفارتها دفنها " وعنه ﷺ " إذا قام أحدكم إلى الصلاة فلا يبصق أمامه فإنه يناجي الله ما دام في مصلاه، ولا عن يمينه فإن عن يمينه ملكاً ولكن ليبصق عن شماله أو تحت رجله فيدفنه ".
( العاشرة ) عن جابر أنه ﷺ قال :" من أكل ثوماً أو بصلاً فليعتزل مسجدنا " وعنه ﷺ " من أكل من هذه الشجرة المنتنة فلا يقربن مسجدنا فإن الملائكة تتأذى مما يتأذى منه الإنس ".
( الحادية عشرة ) في بناء المساجد في الدور عن عائشة قالت : أمر رسول الله ﷺ ببناء المساجد في الدور وأن تنظف وتطيب. وفيه دليل أن مجرد تسمية الموضع بالمسجد لا يخرجه عن ملكه ما لم يسبله.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:التأويل : مساجد الله التي يذكر فيها أساميها عند أهل النظر، النفس والقلب والروح، والسر والخفي - وهو سر السر - وذكر كل مسجد منها مناسب لذلك المسجد. فذكر مسجد النفس الطاعات والعبادات ومنع الذكر فيه بترك الحسنات وملازمة السيئات، وذكر مسجد القلب التوحيد والمعرفة ومنع الذكر فيه بالتمسك بالشبهات والتعلق بالشهوات، كما أوحى الله إلى داود عليه السلام : يا داود حذر وأنذر أصحابك كل الشهوات فإن القلوب المعلقة بالشهوات عقولها عني محجوبة. وذكر مسجد الروح الشوق والمحبة ومنع الذكر فيه بالحظوظ والمسكنات، وذكر مسجد السر المراقبة والشهود ومنع الذكر فيه بالركون إلى الكرامات والقربات، وذكر مسجد الخفي بذل الوجود ومنع الذكر فيه بالالتفات إلى المشاهدات والمكاشفات ﴿أولئك ما كان لهم﴾ أن يدخلوا هذه المشاهد بقدم السلوك إلا بخطوات الخوف من سوء الحساب وألم العقاب ﴿لهم في الدنيا خزي﴾ من ذل الحجاب ﴿ولهم في الآخرة عذاب﴾ الحرمان من جوار الله. ﴿ولله المشرق والمغرب﴾ القلوب مشارق شموس المعارف ومغاربها، والله في مشرق كل قلب ومغربه شارق وطارق، فطارق القلب من هواجس النفس يطرق بظلمات المنى عند غلبات الهوى وغروب نجم الهدى، وشارق القلب من واردات الروح يشرق بأنوار الفتوح عند غلبات الشوق وطلوع قمر الشهود، فتكون القبلة واضحة والدلالات لائحة، فإذا تحلت شمس صفات الجلال خفيت نجوم صفات الجمال، وإذا استولى سلطان الحقيقة على ممالك الخليقة طويت بأيدي سطوات الجود سرادقات الوجود، فما بقيت الأرض ولا السماء ولا الظلمة ولا الضياء، إذ ليس عند الله صباح ولا مساء. وتلاشي العبدية في كعبة العندية، وتودوا بفناء الفناء من عالم البقاء، رفعت القبلة وما بقي إلا الله ﴿فأينما تولوا فثم وجه الله﴾ ﴿إن الله واسع﴾ يوسع قلب من يشاء من عباده ليسعه ﴿عليم﴾ بتوسيع القلب لسعته بلا كيف وحيف كما قال لا يسعني أرضي ولا سمائي وإنما يسعني قلب عبدي المؤمن والله أعلم.

القراءات :﴿قالوا اتخذ الله﴾ بلا واو العطف : ابن عامر اتباعاً لمصاحف أهل الشام ﴿كن فيكون﴾ بالنصب كل القرآن : ابن عامر إلا قوله ﴿كن فيكون الحق﴾ في آل عمران، و﴿كن فيكون قوله الحق﴾ في الأنعام. وافقه الكسائي في النحل ويس.
الوقوف :﴿خرابها﴾ ( ط ) للفصل بين الاستفهام والخبر ﴿خائفين﴾ ط لأن ما بعده إخبار وعيد مبتدأ منتظر ﴿عظيم﴾ ( ه ) ﴿وجه الله﴾ ( ط )
﴿عليم﴾ ( ه ) ﴿وإذا﴾ ( لا ) تعجيلاً للتنزيه ﴿سبحانه﴾ ( ط ) ﴿والأرض﴾ ( ط ) لأن ما بعده مبتدأ ﴿قانتون﴾ ( ه ) ﴿والأرض﴾ ( ط ) لأن إذا أجيبت بالفاء وكانت للشرط ﴿فيكون﴾ ( ه ) ﴿آية﴾ ( ط ) ﴿قلوبهم﴾ ( ط ) لأن قد لتوكيد الاستئناف ﴿يوقنون﴾ ( ه ).

تفسير هذه الآية من كتب أخرى