البحر المحيط في التفسير — أبو حيان الأندلسي

عن الكتاب
المشرق والمغرب : مكان الشروق والغروب، وهما من الألفاظ التي جاءت على مفعل، بكسر العين شذوذاً، والقياس الفتح، لأن كل فعل ثلاثي لم تكسر عين مضارعه، فقياس صوغ المصدر منه، والزمان والمكان مفعل، بفتح العين.
أين : من ظروف المكان، وهو مبني لتضمنه في الاستفهام معنى حرفه، وفي الشرط معنى حرفه، وإذا كان للشرط جاز أن تزيد بعده ما، ومما جاء فيه شرطاً بغير ما قوله :
أين تضرب بنا العداة تجدنا***
وزعم بعضهم أن أصل أين : السؤال عن الأمكنة.
ثم : ظرف مكان يشار به للبعيد، وهو مبني لتضمنه معنى الإشارة، وهو لازم للظرفية، لم يتصرف فيه بغير من يقول : من ثم كان كذا.
وقد وهم من أعربها مفعولاً به في قوله :﴿وإذا رأيت ثمّ رأيت نعيماً وملكاً كبيراً﴾ بل : مفعول رأيت محذوف.
واسع : اسم فاعل من وسع يسع سعة ووُسعاً، ومقابله ضاق، إلا أن وسع يأتي متعدّياً :﴿وسع كرسيه السموات والأرض﴾ ﴿ورحمتي وسعت كل شيء﴾
﴿ولله المشرق والمغرب فأينما تولوا فثمّ وجه الله﴾ : قال الحسن وقتادة : أباح لهم في الابتداء أن يصلوا حيث شاءُوا، فنسخ ذلك.
وقال مجاهد والضحاك : معناها إشارة إلى الكعبة، أي حيثما كنتم من المشرق والمغرب، فأنتم قادرون على التوجه إلى الكعبة.
فعلى هذا هي ناسخة لبيت المقدس.
وقال أبو العالية وابن زيد : نزلت جواباً لمن عير من اليهود بتحويل القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة.
وقال ابن عمر : نزلت في صلاة المسافر، حيث توجهت به دابته.
وقيل : جواب لمن قال : أقريب ربنا فنناجيه، أم بعيد فنناديه ؟ قاله سعيد بن جبير.
وقيل : في الصلاة على النجاشي، حيث قالوا : لم يكن يصلي إلى قبلتنا.
وقيل : فيمن اشتبهت عليه القبلة في ليلة متغيمة، فصلوا بالتحري إلى جهات مختلفة.
وقد روي ذلك في حديث عن جابر، أن ذلك وقع لسرية، وعن عامر بن ربيعة، أن ذلك جرى مع رسول الله ﷺ في السفر، ولو صح ذلك، لم يعدل إلى سواه من هذه الأقوال المختلفة المضطربة.
وقال النخعي : الآية عامّة، أينما تولوا في متصرّفاتكم ومساعيكم.
وقيل : نزلت حين صُدَّ رسول الله ﷺ عن البيت.
وهذه أقوال كثيرة في سبب نزول هذه الآية، وظاهرها التعارض، ولا ينبغي أن يقبل منها إلا ما صح، وقد شحن المفسرون كتبهم بنقلها.
وقد صنف الواحدي في ذلك كتاباً قلما يصح فيه شيء، وكان ينبغي أن لا يشتغل بنقل ذلك إلا ما صح.
والذي يظهر أن انتظام هذه الآية بما قبلها هو : أنه لما ذكر منع المساجد من ذكر الله والسعي في تخريبها، نبه على أن ذلك لا يمنع من أداء الصلوات، ولا من ذكر الله، إذ المشرق والمغرب لله تعالى، فأي جهة أدّيتم فيها العبادة، فهي لله يثيب على ذلك، ولا يختص مكان التأدية بالمسجد.
والمعنى : ولله بلاد المشرق والمغرب وما بينهما.
فيكون على حذف مضاف، أو يكون المعنى : ولله المشرق والمغرب وما بينهما، فيكون على حذف معطوف، أو اقتصر على ذكرهما تشريفاً لهما، حيث أضيفا لله، وإن كانت الأشياء كلها لله، كما شرف البيت الحرام وغيره من الأماكن بالإضافة إليه تعالى.
وهذا كله على تقدير أن يكون المشرق والمغرب أسمى مكان.
وذهب بعض المفسرين إلى أنهما اسما مصدر، والمعنى أن لله تولى إشراق الشمس من مشرقها وإغرابها من مغربها، فيكونان، إذ ذاك، بمعنى الشروق والغروب.
ويبعد هذا القول قوله بعد :﴿فأينما تولوا فثمّ وجه الله﴾.
وأفرد المشرق والمغرب باعتبار الناحية، أو باعتبار المصدر الواقع في الناحية.
وأما الجمع فباعتبار اختلاف المغارب والمطالع كل يوم.
وأما التثنية فباعتبار مشرقي الشتاء والصيف ومغربيهما.
ومعنى التولية : الاستقبال بالوجوه.
وقيل : معناها الاستدبار من قولك : وليت عن فلان إذا استدبرته، فيكون التقدير : فأي جهة وليتم عنها واستقبلتم غيرها فثم وجه الله.
وقيل : ليست في الصلاة، بل هو خطاب للذين يخرّبون المساجد، أي أينما تولوا هاربين عني فإني ألحظهم.
ويقويه قراءة الحسن : فأينما تولوا، جعله للغائب، فجرى على قوله :﴿لهم في الدنيا خزي﴾، وعلى قوله :﴿وقالوا اتخذ الله ولداً﴾، فجرت الضمائر على نسق واحد.
قال الزمخشري : ففي أي مكان فعلتم التولية، يعني تولية وجوهكم شطر القبلة بدليل قوله تعالى :﴿فولّ وجهك شطر المسجد الحرام وحيثما كنتم فولوا وجوهكم شطره﴾ انتهى.
فقيد التولية التي هي مطلقة بالتولية التي هي شطر القبلة، وهو قول حسن.
وقد ذكر بعض المفسرين في قوله تعالى :﴿ولله المشرق والمغرب﴾ مسائل موضوعها علم الفقه منها : من صلى في ظلمة مجتهداً إلى جهة، ثم تبين أنه صلى لغير القبلة، ومسألة من صلى على ظهر الدابة فرضاً لمرض أو نفلاً، ومسألة الصلاة على الميت الغائب، إذا قلنا نزلت في النجاشي، وشحن كتابه بذكر هذه المسائل، وذكر الخلاف فيها، وبعض دلائلها وموضوعها، كما ذكرناه هو علم الفقه.
﴿فثمّ وجه الله﴾، هذا جواب الشرط، وهي جملة ابتدائية، فقيل : معناه فثمّ قبلة الله، فيكون الوجه بمعنى الجهة، وأضيف ذلك إلى الله حيث أمر باستقبالها، فهي الجهة التي فيها رضا الله تعالى، قاله الحسن ومجاهد وقتادة ومقاتل.
وقيل : الوجه هنا صلة، والمعنى فثمّ الله أي علمه وحكمه.
وروي عن ابن عباس ومقاتل : أو عبر عن الذات بالوجه، كقوله تعالى :﴿ويبقى وجه ربك﴾ ﴿كل شيء هالك إلا وجهه﴾ وقيل : المعنى العمل لله، قاله الفراء، قال :
أستغفر الله ذنباً لست محصيهرب العباد إليه الوجه والعمل
وقيل : يحتمل أن يراد بالوجه هنا : الجاه، كما يقال : فلان وجه القوم، أي موضع شرفهم، ولفلان وجه عند الناس : أي جاه وشرف.
والتقدير : فثمّ جلال الله وعظمته، قاله أبو منصور في المقنع.
وحيث جاء الوجه مضافاً إلى الله تعالى، فله محمل في لسان العرب، إذ هو لفظ يطلق على معان، ويستحيل أن يحمل على العضو، وإن كان ذلك أشهر فيه.
وقد ذهب بعض الناس إلى أن تلك صفة ثابتة لله بالسمع، زائدة على ما توجبه العقول من صفات القديم تعالى.
وضعف أبو العالية وغيره هذا القول، لأن فيه الجزم بإثبات صفة لله تعالى بلفظ محتمل، وهي صفة لا يدرى ما هي، ولا يعقل معناها في اللسان العربي، فوجب إطراح هذا القول والإعتماد على ما له محمل في لسان العرب.
إذا كان للفظ دلالة على التجسيم فنحمله، إمّا على ما يسوغ فيه من الحقيقة التي يصح نسبتها إلى الله تعالى إن كان اللفظ مشتركاً، أو من المجاز إن كان اللفظ غير مشترك.
والمجاز في كلام العرب أكثر من رمل يبرين ونهر فلسطين.
فالوقوف مع ظاهر اللفظ الدال على التجسيم غباوة وجهل بلسان العرب وأنحائها ومتصرّفاتها في كلامها، وحجج العقول التي مرجع حمل الألفاظ المشكلة إليها.
ونعوذ بالله أن نكون كالكرامية، ومن سلك مسلكهم في إثبات التجسيم ونسبة الأعضاء لله، تعالى الله عما يقول المفترون علواً كبيراً.
وفي قوله :﴿فأينما تولوا فثم وجه الله﴾ ردّ على من يقول : إنه في حيز وجهة، لأنه لما خير في استقبال جميع الجهات دل على أنه ليس في جهة ولا حيز، ولو كان في حيز لكان استقباله والتوجه إليه أحق من جميع الأماكن.
فحيث لم يخصص مكاناً، علمنا أنه لا في جهة ولا حيز، بل جميع الجهات في ملكه وتحت ملكه، فأي جهة توجهنا إليه فيها على وجه الخضوع كنا معظمين له ممتثلين لأمره.
﴿إن الله واسع عليم﴾ : وصف تعالى نفسه بصفة الواسع، فقيل ذلك لسعة مغفرته.
وجاء :﴿إن ربك واسع المغفرة﴾ وهو معنى قول الكلبي : لا يتعاظمه ذنب.
وقيل : واسع العطاء، وهو معنى قول أبي عبيدة : غني، ومعنى قول الفراء : جواد.
وقيل : معناه عالم، من قوله :﴿وسع كرسيه السموات والأرض﴾ على أحد التفاسير، وجمع بينه وبين عليم على سبيل التأكيد.
وقيل : واسع القدرة.
وقيل : معناه يوسع على عباده في الحكم ذينه يسر.
عليم : أي بمصالحهم أو بنيات القلوب التي هي ملاك العمل، وإن اختلفت ظواهرها في قبلة وغيرها.
وهذه التفاسير على قول من قال : إن الآية نزلت في أمر القبلة.
وقال القفال : ليس فيها ذكر القبلة والصلاة، وإنما أخبرهم تعالى عن علمه بهم، وطوق سلطانه إياهم حيث كانوا، كقوله تعالى :﴿إن استطعتم﴾ الآية، وقوله :﴿ما يكون من نجوى﴾ الآية ويكون في هذا تهديد لمن منع مساجد الله من الذكر، وسعى في خرابها، أنه لا مهرب له من الله ولا مفر، كما قال تعالى :﴿أين المفر، كلا ولا وزر، إلى ربك يومئذ المستقر﴾ وكما قال :
فإنك كالليل الذي هو مدركيوإن خلت أن المنتأى عنك واسع
وقال :
ولم يكن المغتر بالله إذ سرىليعجز والمعتز بالله طالبه
وقال :
أين المفر ولا مفر لهاربوله البسيطان الثرى والماء
وعلى هذا المعنى يكون الخطاب عاماً مندرج فيه من منع المساجد من الذكر وغيره.
وجاءت هذه الجملة مؤكدة بأن مصرحاً باسم الله فيها دالة على الاستقلال.
وقد قدّمنا ذلك في قوله :﴿تجدوه عند الله إن الله﴾ وكقوله :﴿واستغفروا الله إن الله غفور رحيم﴾ وذلك أفخم وأجزل من الضمير، لأن الضمير يشعر بقوة التعلق والظاهر يشعر بالاستقلال.
ألا ترى أنه يصح الابتداء به، وإن لم يلحظ ما قبله ؟ بخلاف الضمير، فإنه رابط للجملة التي هو فيها بالجملة التي قبلها.
ألا ترى إلى أن أكثر ما ورد في القرآن من ذلك إنما جاء بالظاهر ؟ كما مثلناه، وكقوله :﴿فأقيموا الصلاة إن الصلاة كانت﴾ ﴿ولو شاء الله لذهب بسمعهم وأبصارهم إن الله﴾ وقال :
ليت شعري وأين مني ليتإن ليتا وإن لوّا عناء
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:وقد تضمنت هذه الآيات الشريفة الإخبار عن مجاوزة الحد في الظلم ممن عطل بيوت الله من الذكر وسعي في خرابها، مع أنها من حيث هي منسوبة إلى الله، وهي محالّ ذكره وإيواء عباده الصالحين، كان ينبغي أن لا يدخلوها إلا وهم وجلون خائفون، متذكرون لمن بنيت، ولما يذكر فيها.
ثم أخبر أن لأولئك الخزي في الدنيا والعذاب العظيم في الآخرة.
ثم ذكر أن له تعالى المشرق والمغرب، فيندرج في ذلك المساجد، وأي جهة قصدتموها فالله تعالى حاويها ومالكها، فليس مختصاً بحيز ولا مكان.
وختم هذه الجملة بالوسع المنافي لوسع المقادير، وبالعلم الذي هو دليل الإحاطة.
ثم أخبر عنهم بأفظع مقالة، وهي نسبة الولد إلى الله تعالى، ونزه ذاته المقدسة عن ذلك، وأخبر أن جميع من في السموات والأرض ملك له، خاضعون طائعون.
ثم ذكر بداعة السموات والأرض، وأنها مخلوقة على غير مثال، فكما أنه لا مثال لهما، فكذلك الفاعل لهما، لا مثال له.
ففي ذلك إشارة إلى أنه يمتنع الولد، إذ لو كان له ولد لكان من جنسه، والبارئ لا شيء يشبهه، فلا ولد له، ثم ذكر أنه متى تعلقت إرادته بما يريد أن يحدثه، فلا تأخر له، وفيه إشارة أيضاً إلى نفي الولد، لأنه لا يكون إلا عن توالد، ويقتضي إلى تعاقب أزمان، تعالى الله عن ذلك، ثم ذكر نوعاً من مقالاتهم التي تعنتوا بها أنبياء الله، من طلب كلامه ومشافهته إياهم، أو نزول آية.
وقد نزلت آيات كثيرة، فلم يصغوا إليها، وأن هذه المقالة اقتفوا بها آثار من تقدمهم، وأن أهواءهم متماثلة في تعنت الأنبياء، وأنه تعالى قد بين الآيات وأوضحها، لكن لمن له فكر فهو يوقن بصحتها ويؤمن بها.
ثم ذكر تعالى أنه أرسله بشيراً لمن آمن بالنعيم في الآخرة والظفر في الدنيا، ونذيراً لمن كفر بعكس ذلك، وأن لا تهتم بمن ختم له بالشقاوة، فكان من أهل النار، ولا تغتم بعدم إيمانه، فقد أبلغت وأعذرت.
ثم ذكر ما عليه اليهود والنصارى من شدة تعاميهم عن الحق، بأنهم لا يرضون عنك حتى تخالف ما جاءك من الهدى الذي هو هدى الله، إلى ما هم عليه من ملة الكفر واتباع الأهواء.
ثم أخبر أن متبع أهوائهم بعد وضوح ما وافاه من الدين والإسلام، لا أحد ينصره ولا يمنعه من عذاب الله.
وأن الذين آتاهم الكتاب واصطفاهم له يتبعون الكتاب، ويتتبعون معانيه، فهم مصدقون بما تضمنه مما غاب عنهم علمه، ولم يحصل لهم استفادته إلا منه، من خبر ماض أو آت، ووعد ووعيد، وثواب وعقاب، وأن من كفر به حق عليه الخسران.
ثم ختم هذه الآيات بأمر بني إسرائيل بذكر نعمه السابقة، وتفضيلهم على عالمي زمانهم، وكان ثالث نداء نودي به بنو إسرائيل، بالإضافة إلى أبيهم الأعلى، وتشريفهم بولادتهم منه.
ثم أعرض في معظم القرآن عن ندائهم بهذا الاسم، وطمس ما كان لهم من نور هذا الوسم، والثلاث هي مبدأ الكثرة، وقد اهتم بك من نبهك وناداك مرة ومرة ومرة :
لقد أسمعت لو ناديت حياًولكن لا حياة لمن تنادي

تفسير هذه الآية من كتب أخرى