البحر المحيط في التفسير — أبو حيان الأندلسي
عن الكتاب
الولد : معروف، وهو فعل بمعنى مفعول، كالقبض والنقض، ولا ينقاس فعل بمعنى مفعول، وفعله : ولد يلد ولادة ووليدية، وهذا المصدر الثاني غريب.
القنوت : القيام، ومنه أفضل الصلاة طول القنوت، أي القيام والطاعة والعبادة والدعاء.
قنت شهراً : دعا.
﴿وقالوا اتخذ الله ولداً سبحانه﴾ : نزلت في اليهود، إذ قالوا :﴿عزير ابن الله﴾ أو في النصارى، إذ قالوا :﴿المسيح ابن الله﴾ أو في المشركين، إذ قالوا : الملائكة بنات الله، أو في النصارى والمشركين، أقوال أربعة، والأخير قاله الزجاج.
ولاختلافهم في سبب النزول، اختلفوا في الضمير في وقالوا، على من يعود ؟ فقيل : هو عائد على الجميع من غير تخصيص.
فإن كلاً منهم قد جعل لله ولداً، قاله ابن إسحاق، والجمهور على قراءة : وقالوا بالواو، وهو آكد في الربط، فيكون عطف جملة خبرية على جملة مثلها.
وقيل : هو عطف على قوله :﴿وسعى في خرابها﴾، فيكون معطوفاً على معطوف على الصلة، وفصل بينهما بالجمل الكثيرة، وهذا بعيد جداً، ينزه القرآن عن مثله.
وقرأ ابن عباس وابن عامر وغيرهما : قالوا بغي واو، ويكون على استئناف الكلام، أو ملحوظاً فيه معنى العطف، واكتفى بالضمير والربط به عن الربط بالواو.
وقال الفارسي : وبغير واو هي في مصاحف أهل الشام.
تقدم أن اتخذ : افتعل من الأخذ، وأنها تارة تتعدى إلى واحد نحو قوله :﴿اتخذت بيتاً﴾ قالوا : معناه صنعت وعملت، وإلى اثنين فتكون بمعنى : صير.
وكلا الوجهين يحتمل هنا.
وكل من الوجهين يقتضي تصوره باستحالة الولد، لأن الولد يكون من جنس الوالد.
فإن جعلت اتخذ بمعنى عمل وصنع، استحال ذلك، لأن الباري تعالى منزه عن الحدوث، قديم، لا أولية لقدمه، وما عمله محدث، فاستحال أن يكون ولد أله.
وإن جعلت اتخذ بمعنى صير، استحال أيضاً، لأن التصيير هو نقل من حال إلى حال، وهذا لا يكون إلا فيما يقبل التغيير، وفرضية الولد به تقتضي أن يكون من جنس الوالد لا تقتضي التغيير، فقد استحال ذلك.
وإذا جعلت اتخذ بمعنى صير، كان أحد المفعولين محذوفاً، التقدير : وقالوا اتخذ بعض الموجودات ولداً.
والذي جاء في القرآن إنما ظاهره التعدي إلى واحد، قال تعالى :﴿وقالوا اتخذ الرحمن ولداً﴾ ﴿ما اتخذ الله من ولد﴾ ﴿وما ينبغي للرحمن أن يتخذ ولداً﴾ وقال القشيري : أتى بالولد، وهو أحدى الذات، لا جزاء لذاته، ولا تجوز الشهوة في صفاته. انتهى.
ولما كانت هذه المقالة من أفسد الأشياء وأوضحها في الاستحالة، أتى باللفظ الذي يقتضي التنزيه والبراءة من الأشياء التي لا تجوز على الله تعالى، قبل أن يضرب عن مقالتهم ويستدل على بطلان دعواهم.
وكان ذكر التنزيه أسبق، لأن فيه ردعاً لمدعي ذلك، وأنهم ادعوا أمراً تنزه الله عنه وتقدس، ثم أخذ في إبطال تلك المقالة فقال :﴿بل له ما في السموات والأرض﴾ : أي جميع ذلك مملوك له، ومن جملتهم من ادعوا أنه ولد الله.
والولادة تنافي الملكية، لأن الوالد لا يملك ولده.
وقد ذكر بعض المفسرين هنا مسألة من اشترى والده أو ولده أو أحداً من ذوي رحمه، وموضوعها علم الفقه.
ولما ذكر أن الكل مملوك لله تعالى، ذكر أنهم كلهم قانتون له، أي مطيعون خاضعون له.
وهذه عادة المملوك، أن يكون طائعاً لمالكه، ممتثلاً لما يريده منه.
واستدل بنتيجة الطواعية على ثبوت الملكية.
ومن كان بهذه الصفة لم يجانس الوالد، إذ الولد يكون من جنس الوالد.
وأتى بلفظ ما في قوله :﴿بل له ما في السموات والأرض﴾، وإن كانت لما لا يعقل، لأن ما لا يعقل إذا اختلط بمن يعقل جاز أن يعبر عن الجميع بما.
ولذلك قال سيبويه : وأما ما، فإنها مبهمة تقع على كل شيء، ويدل على اندراج من يعقل تحت مدلول ما جمع الخبر بالواو والنون، التي هي حقيقة فيما يعقل، واندرج فيه ما لا يعقل على حكم تغليب من يعقل.
فحين ذكر الملك، أتى بلفظة ما، وحين ذكر القنوت، أتى بجمع ما يعقل، فدل على أن ذلك شامل لمن يعقل وما لا يعقل.
قال الزمخشري : فإن قلت : كيف جاء بما الذي لغير أولي العلم مع قوله قانتون ؟ قلت : هو كقوله : سبحان ما سخركن لنا، وكأنه جاء بما دون من، تحقيراً لهم وتصغيراً لشأنهم، كقوله :﴿وجعلوا بينه وبين الجنة نسباً﴾ انتهى كلامه، وهو جنوح منه إلى أن ما وقعت على من يعلم، ولذلك جعله كقوله : ما سخركنّ لنا.
يريد أن المعنى : سبحان من سخركن لنا، لأنها يراد بها الله تعالى.
وما عندنا لا يقع إلا لما لا يعقل، إلا إذا اختلط بمن يعقل، فيقع عليهما، كما ذكرناه، أو كان واقعاً على صفات من يعقل، فيعبر عنها بما.
وأما أن يقع لمن يعقل، خاصة حالة إفراده أو غير إفراده، فلا.
وقد أجاز ذلك بعض النحويين، وهو مذهب لا يقوم عليه دليل، إذ جميع ما احتج به لهذا المذهب محتمل، وقد يؤول، فيؤول قوله : سبحان ما سخركن، على أن سبحان غير مضاف، وأنه علم لمعنى التسبيح، فهو كقوله :
سبحان من علقمة الفاخر***
وما : ظرفية مصدرية أي مدة تسخيركن لنا.
والفاعل يسخر مضمر يفسره المعنى وسياق الكلام، إذ معلوم أن مسخرهن هو الله تعالى.
وقول الزمخشري : وكأنه جاء بما دون من، تحقيراً لهم وتصغيراً لشأنهم، ليست ما هنا مختصة بمن يعقل، فتقول عبر عنهم بما التي لما لا يعقل تحقيراً لهم، وإنما هي عامة لمن يعقل ولما لا يعقل.
ومعنى قانتون : قائمون بالشهادة، قاله الحسن، أو في القيامة للعرض، قاله الربيع، أو مطيعون، قاله قتادة ؛ أو مقرّون بالعبودية، قاله عكرمة.
وقيل : قائمون بالله.
وأورد على من يقول القنوت : القيام لله بالشهادة والعبودية، أنه : كيف عم بهذا القول وكثير ليس بمطيع ؟ وأجيب : أن ظاهره العموم، والمعنى الخصوص، أي أهل كل طاعة له قانتون، وبأن الكفار يسجد ضلالهم، وبظهور أثر الصنعة فيه، وجرى أحكام الله عليه، وذلك دليل على تذلله لله تعالى، ذكره ابن الأنباري.
﴿وكلّ له﴾ : مرفوع بالابتداء، والمضاف إليه محذوف، وهو عبارة عن من في السموات والأرض، أي كل من في السموات والأرض، وهو المحكوم عليهم بالملكية.
قال الزمخشري : ويجوز أن يكون كل من جعلوه لله ولداً، وهذا بعيد جداً، لأن المجعول لله ولداً لم يجر ذكره، ولأن الخبر يشترك فيه المجعول ولداً وغيره.
و ﴿قانتون﴾ : خبر عن كل، وجمع حملاً على المعنى.
وكلّ، إذا حذف ما تضاف إليه، جاز فيها مراعاة المعنى فتجمع، ومراعاة اللفظ فتفرد.
وإنما حسنت مراعاة الجمع هنا، لأنها فاصلة رأس آية، ولأن الأكثر في لسانهم أنه إذا قطعت عن الإضافة كان مراعاة المعنى أكثر وأحسن.
قال تعالى :﴿وكلّ كانوا ظالمين﴾ ﴿وكلّ أتوه داخرين﴾ و ﴿كلّ في فلك يسبحون﴾ وقد جاء إفراد الخبر كقوله :﴿قل كلّ يعمل على شاكلته﴾ وسيأتي إن شاء الله تعالى هناك ذكر محسن إفراد الخبر.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: وقد تضمنت هذه الآيات الشريفة الإخبار عن مجاوزة الحد في الظلم ممن عطل بيوت الله من الذكر وسعي في خرابها، مع أنها من حيث هي منسوبة إلى الله، وهي محالّ ذكره وإيواء عباده الصالحين، كان ينبغي أن لا يدخلوها إلا وهم وجلون خائفون، متذكرون لمن بنيت، ولما يذكر فيها.
ثم أخبر أن لأولئك الخزي في الدنيا والعذاب العظيم في الآخرة.
ثم ذكر أن له تعالى المشرق والمغرب، فيندرج في ذلك المساجد، وأي جهة قصدتموها فالله تعالى حاويها ومالكها، فليس مختصاً بحيز ولا مكان.
وختم هذه الجملة بالوسع المنافي لوسع المقادير، وبالعلم الذي هو دليل الإحاطة.
ثم أخبر عنهم بأفظع مقالة، وهي نسبة الولد إلى الله تعالى، ونزه ذاته المقدسة عن ذلك، وأخبر أن جميع من في السموات والأرض ملك له، خاضعون طائعون.
ثم ذكر بداعة السموات والأرض، وأنها مخلوقة على غير مثال، فكما أنه لا مثال لهما، فكذلك الفاعل لهما، لا مثال له.
ففي ذلك إشارة إلى أنه يمتنع الولد، إذ لو كان له ولد لكان من جنسه، والبارئ لا شيء يشبهه، فلا ولد له، ثم ذكر أنه متى تعلقت إرادته بما يريد أن يحدثه، فلا تأخر له، وفيه إشارة أيضاً إلى نفي الولد، لأنه لا يكون إلا عن توالد، ويقتضي إلى تعاقب أزمان، تعالى الله عن ذلك، ثم ذكر نوعاً من مقالاتهم التي تعنتوا بها أنبياء الله، من طلب كلامه ومشافهته إياهم، أو نزول آية.
وقد نزلت آيات كثيرة، فلم يصغوا إليها، وأن هذه المقالة اقتفوا بها آثار من تقدمهم، وأن أهواءهم متماثلة في تعنت الأنبياء، وأنه تعالى قد بين الآيات وأوضحها، لكن لمن له فكر فهو يوقن بصحتها ويؤمن بها.
ثم ذكر تعالى أنه أرسله بشيراً لمن آمن بالنعيم في الآخرة والظفر في الدنيا، ونذيراً لمن كفر بعكس ذلك، وأن لا تهتم بمن ختم له بالشقاوة، فكان من أهل النار، ولا تغتم بعدم إيمانه، فقد أبلغت وأعذرت.
ثم ذكر ما عليه اليهود والنصارى من شدة تعاميهم عن الحق، بأنهم لا يرضون عنك حتى تخالف ما جاءك من الهدى الذي هو هدى الله، إلى ما هم عليه من ملة الكفر واتباع الأهواء.
ثم أخبر أن متبع أهوائهم بعد وضوح ما وافاه من الدين والإسلام، لا أحد ينصره ولا يمنعه من عذاب الله.
وأن الذين آتاهم الكتاب واصطفاهم له يتبعون الكتاب، ويتتبعون معانيه، فهم مصدقون بما تضمنه مما غاب عنهم علمه، ولم يحصل لهم استفادته إلا منه، من خبر ماض أو آت، ووعد ووعيد، وثواب وعقاب، وأن من كفر به حق عليه الخسران.
ثم ختم هذه الآيات بأمر بني إسرائيل بذكر نعمه السابقة، وتفضيلهم على عالمي زمانهم، وكان ثالث نداء نودي به بنو إسرائيل، بالإضافة إلى أبيهم الأعلى، وتشريفهم بولادتهم منه.
ثم أعرض في معظم القرآن عن ندائهم بهذا الاسم، وطمس ما كان لهم من نور هذا الوسم، والثلاث هي مبدأ الكثرة، وقد اهتم بك من نبهك وناداك مرة ومرة ومرة :
القنوت : القيام، ومنه أفضل الصلاة طول القنوت، أي القيام والطاعة والعبادة والدعاء.
قنت شهراً : دعا.
﴿وقالوا اتخذ الله ولداً سبحانه﴾ : نزلت في اليهود، إذ قالوا :﴿عزير ابن الله﴾ أو في النصارى، إذ قالوا :﴿المسيح ابن الله﴾ أو في المشركين، إذ قالوا : الملائكة بنات الله، أو في النصارى والمشركين، أقوال أربعة، والأخير قاله الزجاج.
ولاختلافهم في سبب النزول، اختلفوا في الضمير في وقالوا، على من يعود ؟ فقيل : هو عائد على الجميع من غير تخصيص.
فإن كلاً منهم قد جعل لله ولداً، قاله ابن إسحاق، والجمهور على قراءة : وقالوا بالواو، وهو آكد في الربط، فيكون عطف جملة خبرية على جملة مثلها.
وقيل : هو عطف على قوله :﴿وسعى في خرابها﴾، فيكون معطوفاً على معطوف على الصلة، وفصل بينهما بالجمل الكثيرة، وهذا بعيد جداً، ينزه القرآن عن مثله.
وقرأ ابن عباس وابن عامر وغيرهما : قالوا بغي واو، ويكون على استئناف الكلام، أو ملحوظاً فيه معنى العطف، واكتفى بالضمير والربط به عن الربط بالواو.
وقال الفارسي : وبغير واو هي في مصاحف أهل الشام.
تقدم أن اتخذ : افتعل من الأخذ، وأنها تارة تتعدى إلى واحد نحو قوله :﴿اتخذت بيتاً﴾ قالوا : معناه صنعت وعملت، وإلى اثنين فتكون بمعنى : صير.
وكلا الوجهين يحتمل هنا.
وكل من الوجهين يقتضي تصوره باستحالة الولد، لأن الولد يكون من جنس الوالد.
فإن جعلت اتخذ بمعنى عمل وصنع، استحال ذلك، لأن الباري تعالى منزه عن الحدوث، قديم، لا أولية لقدمه، وما عمله محدث، فاستحال أن يكون ولد أله.
وإن جعلت اتخذ بمعنى صير، استحال أيضاً، لأن التصيير هو نقل من حال إلى حال، وهذا لا يكون إلا فيما يقبل التغيير، وفرضية الولد به تقتضي أن يكون من جنس الوالد لا تقتضي التغيير، فقد استحال ذلك.
وإذا جعلت اتخذ بمعنى صير، كان أحد المفعولين محذوفاً، التقدير : وقالوا اتخذ بعض الموجودات ولداً.
والذي جاء في القرآن إنما ظاهره التعدي إلى واحد، قال تعالى :﴿وقالوا اتخذ الرحمن ولداً﴾ ﴿ما اتخذ الله من ولد﴾ ﴿وما ينبغي للرحمن أن يتخذ ولداً﴾ وقال القشيري : أتى بالولد، وهو أحدى الذات، لا جزاء لذاته، ولا تجوز الشهوة في صفاته. انتهى.
ولما كانت هذه المقالة من أفسد الأشياء وأوضحها في الاستحالة، أتى باللفظ الذي يقتضي التنزيه والبراءة من الأشياء التي لا تجوز على الله تعالى، قبل أن يضرب عن مقالتهم ويستدل على بطلان دعواهم.
وكان ذكر التنزيه أسبق، لأن فيه ردعاً لمدعي ذلك، وأنهم ادعوا أمراً تنزه الله عنه وتقدس، ثم أخذ في إبطال تلك المقالة فقال :﴿بل له ما في السموات والأرض﴾ : أي جميع ذلك مملوك له، ومن جملتهم من ادعوا أنه ولد الله.
والولادة تنافي الملكية، لأن الوالد لا يملك ولده.
وقد ذكر بعض المفسرين هنا مسألة من اشترى والده أو ولده أو أحداً من ذوي رحمه، وموضوعها علم الفقه.
ولما ذكر أن الكل مملوك لله تعالى، ذكر أنهم كلهم قانتون له، أي مطيعون خاضعون له.
وهذه عادة المملوك، أن يكون طائعاً لمالكه، ممتثلاً لما يريده منه.
واستدل بنتيجة الطواعية على ثبوت الملكية.
ومن كان بهذه الصفة لم يجانس الوالد، إذ الولد يكون من جنس الوالد.
وأتى بلفظ ما في قوله :﴿بل له ما في السموات والأرض﴾، وإن كانت لما لا يعقل، لأن ما لا يعقل إذا اختلط بمن يعقل جاز أن يعبر عن الجميع بما.
ولذلك قال سيبويه : وأما ما، فإنها مبهمة تقع على كل شيء، ويدل على اندراج من يعقل تحت مدلول ما جمع الخبر بالواو والنون، التي هي حقيقة فيما يعقل، واندرج فيه ما لا يعقل على حكم تغليب من يعقل.
فحين ذكر الملك، أتى بلفظة ما، وحين ذكر القنوت، أتى بجمع ما يعقل، فدل على أن ذلك شامل لمن يعقل وما لا يعقل.
قال الزمخشري : فإن قلت : كيف جاء بما الذي لغير أولي العلم مع قوله قانتون ؟ قلت : هو كقوله : سبحان ما سخركن لنا، وكأنه جاء بما دون من، تحقيراً لهم وتصغيراً لشأنهم، كقوله :﴿وجعلوا بينه وبين الجنة نسباً﴾ انتهى كلامه، وهو جنوح منه إلى أن ما وقعت على من يعلم، ولذلك جعله كقوله : ما سخركنّ لنا.
يريد أن المعنى : سبحان من سخركن لنا، لأنها يراد بها الله تعالى.
وما عندنا لا يقع إلا لما لا يعقل، إلا إذا اختلط بمن يعقل، فيقع عليهما، كما ذكرناه، أو كان واقعاً على صفات من يعقل، فيعبر عنها بما.
وأما أن يقع لمن يعقل، خاصة حالة إفراده أو غير إفراده، فلا.
وقد أجاز ذلك بعض النحويين، وهو مذهب لا يقوم عليه دليل، إذ جميع ما احتج به لهذا المذهب محتمل، وقد يؤول، فيؤول قوله : سبحان ما سخركن، على أن سبحان غير مضاف، وأنه علم لمعنى التسبيح، فهو كقوله :
سبحان من علقمة الفاخر***
وما : ظرفية مصدرية أي مدة تسخيركن لنا.
والفاعل يسخر مضمر يفسره المعنى وسياق الكلام، إذ معلوم أن مسخرهن هو الله تعالى.
وقول الزمخشري : وكأنه جاء بما دون من، تحقيراً لهم وتصغيراً لشأنهم، ليست ما هنا مختصة بمن يعقل، فتقول عبر عنهم بما التي لما لا يعقل تحقيراً لهم، وإنما هي عامة لمن يعقل ولما لا يعقل.
ومعنى قانتون : قائمون بالشهادة، قاله الحسن، أو في القيامة للعرض، قاله الربيع، أو مطيعون، قاله قتادة ؛ أو مقرّون بالعبودية، قاله عكرمة.
وقيل : قائمون بالله.
وأورد على من يقول القنوت : القيام لله بالشهادة والعبودية، أنه : كيف عم بهذا القول وكثير ليس بمطيع ؟ وأجيب : أن ظاهره العموم، والمعنى الخصوص، أي أهل كل طاعة له قانتون، وبأن الكفار يسجد ضلالهم، وبظهور أثر الصنعة فيه، وجرى أحكام الله عليه، وذلك دليل على تذلله لله تعالى، ذكره ابن الأنباري.
﴿وكلّ له﴾ : مرفوع بالابتداء، والمضاف إليه محذوف، وهو عبارة عن من في السموات والأرض، أي كل من في السموات والأرض، وهو المحكوم عليهم بالملكية.
قال الزمخشري : ويجوز أن يكون كل من جعلوه لله ولداً، وهذا بعيد جداً، لأن المجعول لله ولداً لم يجر ذكره، ولأن الخبر يشترك فيه المجعول ولداً وغيره.
و ﴿قانتون﴾ : خبر عن كل، وجمع حملاً على المعنى.
وكلّ، إذا حذف ما تضاف إليه، جاز فيها مراعاة المعنى فتجمع، ومراعاة اللفظ فتفرد.
وإنما حسنت مراعاة الجمع هنا، لأنها فاصلة رأس آية، ولأن الأكثر في لسانهم أنه إذا قطعت عن الإضافة كان مراعاة المعنى أكثر وأحسن.
قال تعالى :﴿وكلّ كانوا ظالمين﴾ ﴿وكلّ أتوه داخرين﴾ و ﴿كلّ في فلك يسبحون﴾ وقد جاء إفراد الخبر كقوله :﴿قل كلّ يعمل على شاكلته﴾ وسيأتي إن شاء الله تعالى هناك ذكر محسن إفراد الخبر.
ثم أخبر أن لأولئك الخزي في الدنيا والعذاب العظيم في الآخرة.
ثم ذكر أن له تعالى المشرق والمغرب، فيندرج في ذلك المساجد، وأي جهة قصدتموها فالله تعالى حاويها ومالكها، فليس مختصاً بحيز ولا مكان.
وختم هذه الجملة بالوسع المنافي لوسع المقادير، وبالعلم الذي هو دليل الإحاطة.
ثم أخبر عنهم بأفظع مقالة، وهي نسبة الولد إلى الله تعالى، ونزه ذاته المقدسة عن ذلك، وأخبر أن جميع من في السموات والأرض ملك له، خاضعون طائعون.
ثم ذكر بداعة السموات والأرض، وأنها مخلوقة على غير مثال، فكما أنه لا مثال لهما، فكذلك الفاعل لهما، لا مثال له.
ففي ذلك إشارة إلى أنه يمتنع الولد، إذ لو كان له ولد لكان من جنسه، والبارئ لا شيء يشبهه، فلا ولد له، ثم ذكر أنه متى تعلقت إرادته بما يريد أن يحدثه، فلا تأخر له، وفيه إشارة أيضاً إلى نفي الولد، لأنه لا يكون إلا عن توالد، ويقتضي إلى تعاقب أزمان، تعالى الله عن ذلك، ثم ذكر نوعاً من مقالاتهم التي تعنتوا بها أنبياء الله، من طلب كلامه ومشافهته إياهم، أو نزول آية.
وقد نزلت آيات كثيرة، فلم يصغوا إليها، وأن هذه المقالة اقتفوا بها آثار من تقدمهم، وأن أهواءهم متماثلة في تعنت الأنبياء، وأنه تعالى قد بين الآيات وأوضحها، لكن لمن له فكر فهو يوقن بصحتها ويؤمن بها.
ثم ذكر تعالى أنه أرسله بشيراً لمن آمن بالنعيم في الآخرة والظفر في الدنيا، ونذيراً لمن كفر بعكس ذلك، وأن لا تهتم بمن ختم له بالشقاوة، فكان من أهل النار، ولا تغتم بعدم إيمانه، فقد أبلغت وأعذرت.
ثم ذكر ما عليه اليهود والنصارى من شدة تعاميهم عن الحق، بأنهم لا يرضون عنك حتى تخالف ما جاءك من الهدى الذي هو هدى الله، إلى ما هم عليه من ملة الكفر واتباع الأهواء.
ثم أخبر أن متبع أهوائهم بعد وضوح ما وافاه من الدين والإسلام، لا أحد ينصره ولا يمنعه من عذاب الله.
وأن الذين آتاهم الكتاب واصطفاهم له يتبعون الكتاب، ويتتبعون معانيه، فهم مصدقون بما تضمنه مما غاب عنهم علمه، ولم يحصل لهم استفادته إلا منه، من خبر ماض أو آت، ووعد ووعيد، وثواب وعقاب، وأن من كفر به حق عليه الخسران.
ثم ختم هذه الآيات بأمر بني إسرائيل بذكر نعمه السابقة، وتفضيلهم على عالمي زمانهم، وكان ثالث نداء نودي به بنو إسرائيل، بالإضافة إلى أبيهم الأعلى، وتشريفهم بولادتهم منه.
ثم أعرض في معظم القرآن عن ندائهم بهذا الاسم، وطمس ما كان لهم من نور هذا الوسم، والثلاث هي مبدأ الكثرة، وقد اهتم بك من نبهك وناداك مرة ومرة ومرة :
| لقد أسمعت لو ناديت حياً | ولكن لا حياة لمن تنادي |