غرائب القرآن ورغائب الفرقان — نظام الدين القمي النيسابوري

عن الكتاب
القراءات :﴿قالوا اتخذ الله﴾ بلا واو العطف : ابن عامر اتباعاً لمصاحف أهل الشام ﴿كن فيكون﴾ بالنصب كل القرآن : ابن عامر إلا قوله ﴿كن فيكون الحق﴾ في آل عمران، و﴿كن فيكون قوله الحق﴾ في الأنعام. وافقه الكسائي في النحل ويس.
الوقوف :﴿خرابها﴾ ( ط ) للفصل بين الاستفهام والخبر ﴿خائفين﴾ ط لأن ما بعده إخبار وعيد مبتدأ منتظر ﴿عظيم﴾ ( ه ) ﴿وجه الله﴾ ( ط )
﴿عليم﴾ ( ه ) ﴿وإذا﴾ ( لا ) تعجيلاً للتنزيه ﴿سبحانه﴾ ( ط ) ﴿والأرض﴾ ( ط ) لأن ما بعده مبتدأ ﴿قانتون﴾ ( ه ) ﴿والأرض﴾ ( ط ) لأن إذا أجيبت بالفاء وكانت للشرط ﴿فيكون﴾ ( ه ) ﴿آية﴾ ( ط ) ﴿قلوبهم﴾ ( ط ) لأن قد لتوكيد الاستئناف ﴿يوقنون﴾ ( ه ).
قوله ﴿وقالوا اتخذ الله ولداً﴾ نوع آخر من قبائح أفعال اليهود والنصارى والمشركين جميعاً فقد مر ذكرهم في قوله ﴿كذلك قال الذين لا يعلمون مثل قولهم﴾ وفي قوله ﴿ومن أظلم﴾ كما مر. والضمير يصلح للعود إليهم، فاليهود قالوا عزير ابن الله، والنصارى قالوا المسيح ابن الله، والمشركون من العرب قالوا الملائكة بنات الله ﴿سبحانه﴾ تنزيه له عن ذلك وتبعيد ﴿بل له ما في السماوات والأرض﴾ ملكاً وخلقاً وإبداعاً وصنعاً، ومن جملتهم الملائكة وعزير والمسيح. والولد لابد أن يكون من جنس الوالد، ومن أين المناسبة بين واجب الوجود لذاته وممكن الوجود لذاته ؟ اللهم إلا في مطلق الوجود، وذلك لا يقتضي شركة في الحقيقة الخاصة بكل منهما.
وقد يتخذ الولد للحاجة إليه في الكبر ورجاء الانتفاع بمعونته وذلك على الغني المطلق والقيوم الحق محال ﴿كل له قانتون﴾ التنوين عوض عن محذوف أي كل ما في السماوات والأرض والقنوت في الأصل الدوام ثم الطاعة، أو طول القيام أو السكوت فالمعنى أن دوام الممكنات واستمرارها جميعاً به ولأجله وقيل : عن مجاهد وابن عباس مطيعون فسئل ما للكفار، فأجاب : أنهم يطيعون يوم القيامة فسئل هذا للمكلفين. وقوله ﴿بل له ما في السماوات﴾ يعم المكلف وغيره، فعدل إلى تفسير آخر قائلاً المراد كونها شاهدة على وجود الخالق بما فيها من آثار القدرة وأمارات الحدوث، أو كون جميعها في ملكه وتحت قهره لا يمتنع عن تصرفه فيها كيف يشاء. وعلى هذه الوجوه جمع السلامة في ﴿قانتون﴾ للتغليب، أو يراد كل من الملائكة وعزير والمسيح عابدون له مقرون بربوبيته منكرون لما أضافوا إليهم من الولدية، وعلى هذا الوجه يجمع على الأصل. يحكى أن علي بن أبي طالب كرم الله وجهه قال لبعض النصارى : لولا تمرد عيسى عن عبادة الله تعالى لصرت على دينه. فقال النصراني : كيف يجوز أن ينسب ذلك إلى عيسى مع جده في طاعة الله ؟ فقال علي : إن كان عيسى إلهاً فالإله كيف يعبد غيره ؟ وإنما العبد هو الذي يليق به العبادة فانقطع النصراني وبهت.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:التأويل : مساجد الله التي يذكر فيها أساميها عند أهل النظر، النفس والقلب والروح، والسر والخفي - وهو سر السر - وذكر كل مسجد منها مناسب لذلك المسجد. فذكر مسجد النفس الطاعات والعبادات ومنع الذكر فيه بترك الحسنات وملازمة السيئات، وذكر مسجد القلب التوحيد والمعرفة ومنع الذكر فيه بالتمسك بالشبهات والتعلق بالشهوات، كما أوحى الله إلى داود عليه السلام : يا داود حذر وأنذر أصحابك كل الشهوات فإن القلوب المعلقة بالشهوات عقولها عني محجوبة. وذكر مسجد الروح الشوق والمحبة ومنع الذكر فيه بالحظوظ والمسكنات، وذكر مسجد السر المراقبة والشهود ومنع الذكر فيه بالركون إلى الكرامات والقربات، وذكر مسجد الخفي بذل الوجود ومنع الذكر فيه بالالتفات إلى المشاهدات والمكاشفات ﴿أولئك ما كان لهم﴾ أن يدخلوا هذه المشاهد بقدم السلوك إلا بخطوات الخوف من سوء الحساب وألم العقاب ﴿لهم في الدنيا خزي﴾ من ذل الحجاب ﴿ولهم في الآخرة عذاب﴾ الحرمان من جوار الله. ﴿ولله المشرق والمغرب﴾ القلوب مشارق شموس المعارف ومغاربها، والله في مشرق كل قلب ومغربه شارق وطارق، فطارق القلب من هواجس النفس يطرق بظلمات المنى عند غلبات الهوى وغروب نجم الهدى، وشارق القلب من واردات الروح يشرق بأنوار الفتوح عند غلبات الشوق وطلوع قمر الشهود، فتكون القبلة واضحة والدلالات لائحة، فإذا تحلت شمس صفات الجلال خفيت نجوم صفات الجمال، وإذا استولى سلطان الحقيقة على ممالك الخليقة طويت بأيدي سطوات الجود سرادقات الوجود، فما بقيت الأرض ولا السماء ولا الظلمة ولا الضياء، إذ ليس عند الله صباح ولا مساء. وتلاشي العبدية في كعبة العندية، وتودوا بفناء الفناء من عالم البقاء، رفعت القبلة وما بقي إلا الله ﴿فأينما تولوا فثم وجه الله﴾ ﴿إن الله واسع﴾ يوسع قلب من يشاء من عباده ليسعه ﴿عليم﴾ بتوسيع القلب لسعته بلا كيف وحيف كما قال لا يسعني أرضي ولا سمائي وإنما يسعني قلب عبدي المؤمن والله أعلم.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى