فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير — الشوكاني

عن الكتاب
قوله :﴿وَقَالُوا﴾ هم اليهود والنصارى، وقيل اليهود : أي قالوا :﴿عُزَيْرٌ ابن الله﴾ [التوبة: ٣٠] وقيل النصارى : أي :﴿قَالُوا المسيح ابن الله﴾ [التوبة: ٣٠] وقيل : هم كفار العرب : أي : قالوا الملائكة بنات الله. وقوله :﴿سبحانه﴾ قد تقدم تفسيره، والمراد هنا تبرؤ الله تعالى عما نسبوه إليه من اتخاذ الولد. وقوله :﴿بَل لَّهُ مَا فِي السموات والأرض﴾ ردّ على القائلين : بأنه اتخذ ولداً، أي بل هو مالك لما في السموات، والأرض، وهؤلاء القائلون داخلون تحت ملكه، والولد من جنسهم لا من جنسه، ولا يكون الولد إلا من جنس الوالد. والقانت : المطيع الخاضع، أي : كل من في السموات والأرض مطيعون له، خاضعون لعظمته، خاشعون لجلاله. والقنوت في أصل اللغة أصله القيام. قال الزجاج : فالخلق قانتون، أي : قائمون بالعبودية، إما إقراراً، وإما أن يكونوا على خلاف ذلك، فأثر الصنعة بين عليهم، وقيل أصله الطاعة، ومنه ﴿والقانتين والقانتات﴾ [الأحزاب: ٣٥] وقيل : السكون، ومنه قوله :﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قانتين﴾ [البقرة: ٢٣٨] ولهذا قال زيد بن أرقم : كنا نتكلم في الصلاة حتى نزلت ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قانتين﴾ فأمرنا بالسكوت، ونهينا عن الكلام. وقيل القنوت : الصلاة، ومنه قول الشاعر :
قَانِتاً لله يَتْلو كتُبهوَعَلى عَمدٍ من النَّاسِ اعْتَزَل
والأولى أن القنوت لفظ مشترك بين معان كثيرة، قيل : هي ثلاثة عشر معنى، وهي مبينة، وقد نظمها بعض أهل العلم، كما أوضحت ذلك في شرحي على المنتقى.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:وقد أخرج البخاري من حديث ابن عباس عن النبي ﷺ قال : قال الله تعالى :«كذبني ابن آدم وشتمني، فأما تكذيبه إياي، فيزعم أني لا أقدر أن أعيده كما كان، وأما شتمه إياي، فقوله لي ولد، فسبحاني أن اتخذ صاحبة، أو ولداً " وأخرج نحوه أيضاً من حديث أبي هريرة، وفي الباب أحاديث. وأخرج عبد بن حميد، وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله :﴿سبحان الله﴾ قال : تنزيه الله نفسه عن السوء.
وأخرج عبد الرزاق، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، والبيهقي في الأسماء والصفات عن موسى بن طلحة عن النبي ﷺ ؛ أنه سئل عن التسبيح أن يقول الإنسان : سبحان الله، قال :«برأه الله من السوء». وأخرجه الحاكم وصححه، وابن مردويه والبيهقي من طريق طلحة بن يحيى بن طلحة عن أبيه عن جدّه طلحة بن عبيد الله، قال : سألت رسول الله ﷺ عن تفسير سبحان الله، فقال :«تنزيه الله من كل سوء». وأخرجه ابن مردويه، عنه من طريق أخرى مرفوعاً. وأخرج أحمد، وعبد بن حميد، وأبو يعلى، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن حبان، والطبراني في الأوسط، وأبو نعيم في الحلية، والضياء في المختارة، عن أبي سعيد عن رسول الله ﷺ قال :«كل حرف في القرآن يذكر فيه القنوت، فهو الطاعة» وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، عن ابن عباس في قوله :﴿كُلٌّ لهُ قانتون﴾ قال مطيعون.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن أبي العالية في قوله :﴿بَدِيعُ السموات والأرض﴾ يقول : ابتدع خلقهما، ولم يشركه في خلقهما أحد. وأخرج ابن إسحاق وابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس ؛ قال : قال رافع بن حُرَيْملة لرسول الله ﷺ : يا محمد، إن كنت رسولاً من الله كما تقول، فقل لله، فليكلمنا حتى نسمع كلامه، فأنزل الله في ذلك :﴿وَقَالَ الذين لاَ يَعْلَمُونَ﴾ الآية. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، عن قتادة ؛ أنهم كفار العرب. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، عن مجاهد قال : هم النصارى، والذين من قبلهم يهود.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى