تأويلات أهل السنة — أبو منصور المَاتُرِيدي

عن الكتاب
الآية ١١٦ [ وقوله تعالى ](١) :﴿وقالوا اتخذ الله ولدا سبحانه﴾ فيه تنزيه ؛ نزه به نفسه عما قالوا فيه بما لا يليق، ورد عليهم ؛ ومعناه، والله أعلم ان اتخاذ الولد والتبني في الشاهد إنما يكون لأحد وجوه ثلاثة تحوجه إلى ذلك : إما لشهوات(٢) تغلبه فيقضيها به [ وإما لوحشه ](٣) تأخذه، فيحتاج إلى من يستأنس به، وإما(٤) لدفع عدو يقهره ؛ فيحتاج إلى من يستنصر به، ويستغيث.
فإذا كان [ الله ](٥) عز وجل يتعالى عن أن يمسه حاجة، أو يأخذه وحشة، أو يقهره عدو فلأي شيء يتخذ ولدا ؟
وقوله :﴿بل له ما في السماوات والأرض﴾ [ رد على ما قالوا : من ملك السموات ](٦) وما فيها وملك الأرض وما فيها لا يمسه حاجة، ولا يقهره عدو ؛ إذ ذلك ملك له، يجري فيهم تقديره، ويمضي عليهم أمره وتدبيره. وإنما يرغب إلى مثله إذا اعترض له شيء مما ذكرنا [ ﴿سبحانه وتعالى عما يقولون علوا كبيرا﴾ ](٧) [الإسراء: ٤٣].
فإن عورض بالخلة [ فإنها تقع على وجوه :
الأول : قيل ](٨) : تقع على غير جوهر من منه الخلة، والولد لا يكون إلا من جوهره، وإلى هذا يذهب الحسين.
والثاني : أن الخلة تقع لأفعال تكتسب وتستاق(٩) منه، فيعلو أمره، وترتفع مرتبته، فيستوجب بذلك الخلة بمعنى الجزاء، وأما الولد فإنه لا يقع عن أفعال تكتسب، بل بدو ما به استحقاق يكون(١٠) من مولده، وقد نفى عن نفسه ما به يكون بقوله :﴿أنى يكون له ولد ولم تكن له صاحبة﴾ [الأنعام: ١٠١].
والثالث : ما قال الراوندي :( إنه لا بد من أن يدعى إلى التسمي أو إلى التحقيق ؛ إذ في الخلة تحقيق [ ما ](١١) به تسمى(١٢) ثم لم يحتمل [ في هذا تحقيق ما به يسمى، والاسم لم يرد به الإذن، وبالله التوفيق.
ويحتمل ](١٣) قوله :﴿بل له ما في السماوات والأرض﴾ وجها آخر ؛ وهو أن يقال : إن ما في السماوات وما في الأرض، كلهم عبيده وإماؤه، فأنتم مع شدة حاجتكم إلى الأولاد لا تستحسنون أن تتخذوا عبيدكم وإماءكم أولادا، فكيف تستحسنون ذلك لله عز وجل وتنسبون إليه مع غناء عنه ؟ وبالله التوفيق.
وقوله :﴿كل له قانتون﴾ قيل فيه بوجوه : قيل(١٤) : إن من في السماوات والأرض من الملائكة وعيسى وعزير وغيرهم من الذين قلتم : إنه اتخذ ولدا ﴿قانتون﴾ له مقرون له الربوبية له و[ عبودية أنفسهم ](١٥) له، وقيل :﴿قانتون﴾ مطيعون متواضعون، وقيل : القانتُ هو القائم، [ لكن القائم ](١٦) يكون على وجهين : يكون القائم المنتصب على الأقدام، ويكون القائم بالأمر والحفظ.
ثم لا يحتمل أن يراد بالقانت ههنا المنتصب بالقدم [ وإنما هو رجوع ](١٧) إلى الطاعة له وحفظ ما عليه، وهو كقوله :﴿هو قائم على كل نفس بما كسبت﴾ [الرعد: ٣٣]. ويحتمل تنزيه [ الخالق ](١٨) لأن خلقة كل أحد تنزه ربه عن جميع ما يقولون فيه، أو أن يقال :﴿كل له قانتون﴾ في الجملة كقوله :﴿ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله﴾[الزخرف: ٨٧].
١ - من ط م و ط ع..
٢ - من ط م، في الأصل و ط ع: الشهوات..
٣ - من ط م، في الأصل: أو الوحشة، في ط ع: وأما الوحشة..
٤ - من ط م، في الأصل و ط ع: أو..
٥ - من ط م..
٦ - من ط م، في ط ع: بل له ما في السماوات، ساقطة من الأصل..
٧ - في النسخ الثلاث: تعالى الله عما يقول الظالمون علوا كبيرا..
٨ - من ط م و ط ع.: قيل، ساقطة من الأصل..
٩ - من ط م، في الأصل: وتستو، في ط ع: وتستؤ..
١٠ - ساقطة من ط ع..
١١ - من ط م و ط ع..
١٢ - في ط م: يسمى..
١٣ - من ط م..
١٤ - من ط م، في الأصل و ط ع: وقيل..
١٥ - في النسخ الثلاث: والعبودية لأنفسهم..
١٦ - من ط م..
١٧ - في النسخ الثلاث: فرجع..
١٨ - في ط م: الخلقه، ساقطة من الأصل و ط ع..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى