تفسير القرآن الكريم — ابن عثيمين
عن الكتاب
﴿وَقَالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ لَوْلا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ أَوْ تَأْتِينَا آيَةٌ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ قَدْ بَيَّنَّا الْآياتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾
( البقرة : ١١٨ )
التفسير :
قوله تعالى :﴿وقال الذين لا يعلمون﴾ أي ليسوا من ذوي العلم ﴿لولا يكلمنا الله﴾ أي هلَّا يكلمنا الله بتصديق الرسل ﴿أو تأتينا آية﴾ أي علامة على صدقهم ؛ وهذا منهم على سبيل التعنت والعناد ؛ فالتعنت قولهم :﴿لولا يكلمنا الله﴾ ؛ والعناد قولهم :﴿أو تأتينا آية﴾ ؛ لأن الرسل أتوا بالآيات التي يؤمن على مثلها البشر ؛ وأعظمها القرآن الكريم الذي نزل على محمد صلى الله عليه وسلم ؛ وقد تحداهم الله أن يأتوا بمثله، فعجزوا.
قوله تعالى :﴿كذلك قال الذين من قبلهم مثل قولهم﴾ ؛ أي مثلَ هذا القول قال الذين من قبلهم ؛ وعلى هذا يكون ﴿مثل قولهم﴾ توكيداً لقوله تعالى :﴿كذلك﴾ ؛ أي مثل هذا القول الذي اقترحوه قد اقترحه من قبلهم : قوم موسى قالوا :﴿لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة﴾ [البقرة: ٥٥] ؛ فهذا دأب المكذبين للرسل ينكرون، ويقترحون ؛ وقد أُتوا من الآيات بأعظم مما اقترحوه.
قوله تعالى :﴿تشابهت قلوبهم﴾ : الأولون، والآخرون قلوبهم متشابهة في رد الحق، والعناد، والتعنت، والجحود ؛ من أول ما بعثت الرسل إلى خاتمهم محمد صلى الله عليه وسلم بل وإلى يوم القيامة فقلوب أهل الكفر، والعناد متشابهة ؛ إنما يختلف الأسلوب ؛ قد يقترح هؤلاء شيئاً ؛ وهؤلاء شيئاً آخر ؛ لكن الكلام على جنس الاقتراح، وعدم قبولهم للحق.
قوله تعالى :﴿قد بينا﴾ أي أظهرنا ؛ لأن «بان » بمعنى ظهر ؛ و«بيَّن » بمعنى أظهر ؛ و ﴿الآيات﴾ جمع آية ؛ وهي العلامة المعيِّنة لمدلولها ؛ فكل علامة تعين مدلولها تسمى آية ؛ فآيات الله هي العلامات الدالة عليه.
قوله تعالى :﴿لقوم يوقنون﴾ متعلقة بقوله تعالى :﴿بينا﴾ ؛ و «الإيقان » هو العلم الذي لا يخالجه شك.
الفوائد :
١ من فوائد الآية : أن أهل الباطل يجادلون بالباطل ؛ لأن طلبهم الآيات التي يعينونها ما هو إلا تعنت واستكبار ؛ ففي الآيات التي جاءت بها الرسل ما يؤمن على مثلها البشر ؛ ثم إنهم لو جاءت الآيات على ما اقترحوا لم يؤمنوا إذا حقت عليهم كلمة ربهم ؛ لقوله تعالى :﴿إن الذين حقت عليهم كلمة ربك لا يؤمنون * ولو جاءتهم كل آية حتى يروا العذاب الأليم﴾ [يوسف: ٩٦، ٩٧].
٢ ومنها : وصف من لم يَنقَدْ للحق بالجهل ؛ لقوله تعالى :﴿وقال الذين لا يعلمون﴾ ؛ فكل إنسان يكابر الحق، وينابذه فإنه أجهل الناس.
٣ ومنها : أن المشركين يقرون بأن الله يتكلم بحرف، وصوت مسموع ؛ لقوله تعالى :{ لولا يكلمنا الله فهم خير في هذا ممن يدعون أن كلام الله هو المعنى القائم في نفسه.
٤ ومنها : أنه ما من رسول إلا وله آية ؛ لأن قولهم :﴿أو تأتينا آية﴾ هذا مدَّعى غيرهم ؛ إذ إن من لم يأت بآية لا يلام من لم يصدقه ؛ مثلاً إذا جاء رجل يقول :«أنا رسول الله ؛ آمنوا بي وإلا قتلتكم، واستحللت نساءكم، وأموالكم » فلا نطيعه ؛ ولو أننا أنكرناه لكنا غير ملومين ؛ لكن الرسل تأتي بالآيات ؛ ما من رسول إلا وأعطاه الله تعالى من الآيات ما يؤمن على مثلها البشر ؛ فالله تعالى لا يرسل الرسل، ويتركهم بدون تأييد.
٥ ومن فوائد الآية : أن أقوال أهل الباطل تتشابه ؛ لقوله تعالى :{ كذلك قال الذين من قبلهم مثل قولهم وقوله تعالى :{ كذلك ما أتى الذين من قبلهم من رسول إلا قالوا ساحر أو مجنون * أتواصوا به بل هم قوم طاغون } [الذاريات: ٥٢، ٥٣] ؛ وأنت لو تأملت الدعاوى الباطلة التي رد بها المشركون رسالة الرسول صلى الله عليه وسلم من زمنه إلى اليوم لوجدت أنها متشابهة، كما قال تعالى :﴿وإذا رأوهم قالوا إن هؤلاء لضالون﴾ [المطففين: ٣٢] ؛ واليوم يقولون للمتمسكين بالقرآن، والسنة هؤلاء رجعيون ؛ هؤلاء دراويش لا يعرفون شيئاً.
٦ ومن فوائد الآية : أن الأقوال تابعة لما في القلوب ؛ لقوله تعالى :﴿كذلك قال الذين من قبلهم مثل قولهم تشابهت قلوبهم﴾ ؛ فلتشابه القلوب تشابهت الأقوال ؛ ويؤيد هذا قول النبي صلى الله عليه وسلم :«ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله ؛ وإذا فسدت فسد الجسد كله ؛ ألا وهي القلب »(١).
٧ ومنها : تشابه قلوب الكفار ؛ لقوله تعالى :﴿تشابهت قلوبهم﴾.
٨ ومنها : تسلية الرسول صلى الله عليه وسلم ؛ لأن الإنسان المصاب إذا رأى أن غيره أصيب فإنه يتسلى بذلك، وتخف عليه المصيبة، كما قال تعالى :﴿ولن ينفعكم اليوم إذ ظلمتم أنكم في العذاب مشتركون﴾ [الزخرف: ٣٩] ؛ فالله تعالى يسلي رسوله ( صلى الله عليه وسلم ) بأن هذا القول الذي قيل له قد قيل لمن قبله.
٩ ومنها : إبطال دعوى قولهم :﴿أو تأتينا آية﴾ في قوله تعالى :﴿قد بينا الآيات﴾.
١٠ ومنها : أنه لا ينتفع بالآيات إلا الموقنون ؛ لقوله تعالى :﴿قد بينا الآيات لقوم يوقنون﴾ ؛ وأما غير الموقنين فلا تتبين لهم الآيات لما في قلوبهم من الريب والشك.
١١ ومنها : أن الموقن قد يتبين له من الآيات ما لم يتبين لغيره ؛ ويؤيده قوله تعالى :﴿والذين اهتدوا زادهم هدًى وآتاهم تقواهم﴾
[محمد: ١٧].
١٢ ومنها : أن الآيات تنقسم إلى قسمين : آيات شرعية، وآيات كونية ؛
فالآيات الشرعية : ما جاءت به الرسل من الوحي ؛ والقسم الثاني آيات كونية : وهي مخلوقات الله الدالة عليه، وعلى ما تقتضيه أسماؤه، وصفاته، كالشمس، والقمر، والنجوم، والجبال، وغيرها :
وفي كل شيء له آية تدل على أنه واحد
١٣ ومنها : زيادة العلم باليقين ؛ لأن من آيات الله هذا الوحي الذي جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم ؛ فكلما ازداد يقينك تبين لك من آيات الله ما لم يتبين لغيرك، فيزداد علمك ؛ فباليقين يزداد العلم ؛ قال تعالى :﴿ويزداد الذين آمنوا إيماناً﴾ [المدثر: ٣١] ؛ فكلما كان الإنسان أقوى يقيناً كان أكثر علماً ؛ وكلما ازداد علمه ازداد يقينه ؛ فهما متلازمان.
( البقرة : ١١٨ )
التفسير :
قوله تعالى :﴿وقال الذين لا يعلمون﴾ أي ليسوا من ذوي العلم ﴿لولا يكلمنا الله﴾ أي هلَّا يكلمنا الله بتصديق الرسل ﴿أو تأتينا آية﴾ أي علامة على صدقهم ؛ وهذا منهم على سبيل التعنت والعناد ؛ فالتعنت قولهم :﴿لولا يكلمنا الله﴾ ؛ والعناد قولهم :﴿أو تأتينا آية﴾ ؛ لأن الرسل أتوا بالآيات التي يؤمن على مثلها البشر ؛ وأعظمها القرآن الكريم الذي نزل على محمد صلى الله عليه وسلم ؛ وقد تحداهم الله أن يأتوا بمثله، فعجزوا.
قوله تعالى :﴿كذلك قال الذين من قبلهم مثل قولهم﴾ ؛ أي مثلَ هذا القول قال الذين من قبلهم ؛ وعلى هذا يكون ﴿مثل قولهم﴾ توكيداً لقوله تعالى :﴿كذلك﴾ ؛ أي مثل هذا القول الذي اقترحوه قد اقترحه من قبلهم : قوم موسى قالوا :﴿لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة﴾ [البقرة: ٥٥] ؛ فهذا دأب المكذبين للرسل ينكرون، ويقترحون ؛ وقد أُتوا من الآيات بأعظم مما اقترحوه.
قوله تعالى :﴿تشابهت قلوبهم﴾ : الأولون، والآخرون قلوبهم متشابهة في رد الحق، والعناد، والتعنت، والجحود ؛ من أول ما بعثت الرسل إلى خاتمهم محمد صلى الله عليه وسلم بل وإلى يوم القيامة فقلوب أهل الكفر، والعناد متشابهة ؛ إنما يختلف الأسلوب ؛ قد يقترح هؤلاء شيئاً ؛ وهؤلاء شيئاً آخر ؛ لكن الكلام على جنس الاقتراح، وعدم قبولهم للحق.
قوله تعالى :﴿قد بينا﴾ أي أظهرنا ؛ لأن «بان » بمعنى ظهر ؛ و«بيَّن » بمعنى أظهر ؛ و ﴿الآيات﴾ جمع آية ؛ وهي العلامة المعيِّنة لمدلولها ؛ فكل علامة تعين مدلولها تسمى آية ؛ فآيات الله هي العلامات الدالة عليه.
قوله تعالى :﴿لقوم يوقنون﴾ متعلقة بقوله تعالى :﴿بينا﴾ ؛ و «الإيقان » هو العلم الذي لا يخالجه شك.
الفوائد :
١ من فوائد الآية : أن أهل الباطل يجادلون بالباطل ؛ لأن طلبهم الآيات التي يعينونها ما هو إلا تعنت واستكبار ؛ ففي الآيات التي جاءت بها الرسل ما يؤمن على مثلها البشر ؛ ثم إنهم لو جاءت الآيات على ما اقترحوا لم يؤمنوا إذا حقت عليهم كلمة ربهم ؛ لقوله تعالى :﴿إن الذين حقت عليهم كلمة ربك لا يؤمنون * ولو جاءتهم كل آية حتى يروا العذاب الأليم﴾ [يوسف: ٩٦، ٩٧].
٢ ومنها : وصف من لم يَنقَدْ للحق بالجهل ؛ لقوله تعالى :﴿وقال الذين لا يعلمون﴾ ؛ فكل إنسان يكابر الحق، وينابذه فإنه أجهل الناس.
٣ ومنها : أن المشركين يقرون بأن الله يتكلم بحرف، وصوت مسموع ؛ لقوله تعالى :{ لولا يكلمنا الله فهم خير في هذا ممن يدعون أن كلام الله هو المعنى القائم في نفسه.
٤ ومنها : أنه ما من رسول إلا وله آية ؛ لأن قولهم :﴿أو تأتينا آية﴾ هذا مدَّعى غيرهم ؛ إذ إن من لم يأت بآية لا يلام من لم يصدقه ؛ مثلاً إذا جاء رجل يقول :«أنا رسول الله ؛ آمنوا بي وإلا قتلتكم، واستحللت نساءكم، وأموالكم » فلا نطيعه ؛ ولو أننا أنكرناه لكنا غير ملومين ؛ لكن الرسل تأتي بالآيات ؛ ما من رسول إلا وأعطاه الله تعالى من الآيات ما يؤمن على مثلها البشر ؛ فالله تعالى لا يرسل الرسل، ويتركهم بدون تأييد.
٥ ومن فوائد الآية : أن أقوال أهل الباطل تتشابه ؛ لقوله تعالى :{ كذلك قال الذين من قبلهم مثل قولهم وقوله تعالى :{ كذلك ما أتى الذين من قبلهم من رسول إلا قالوا ساحر أو مجنون * أتواصوا به بل هم قوم طاغون } [الذاريات: ٥٢، ٥٣] ؛ وأنت لو تأملت الدعاوى الباطلة التي رد بها المشركون رسالة الرسول صلى الله عليه وسلم من زمنه إلى اليوم لوجدت أنها متشابهة، كما قال تعالى :﴿وإذا رأوهم قالوا إن هؤلاء لضالون﴾ [المطففين: ٣٢] ؛ واليوم يقولون للمتمسكين بالقرآن، والسنة هؤلاء رجعيون ؛ هؤلاء دراويش لا يعرفون شيئاً.
٦ ومن فوائد الآية : أن الأقوال تابعة لما في القلوب ؛ لقوله تعالى :﴿كذلك قال الذين من قبلهم مثل قولهم تشابهت قلوبهم﴾ ؛ فلتشابه القلوب تشابهت الأقوال ؛ ويؤيد هذا قول النبي صلى الله عليه وسلم :«ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله ؛ وإذا فسدت فسد الجسد كله ؛ ألا وهي القلب »(١).
٧ ومنها : تشابه قلوب الكفار ؛ لقوله تعالى :﴿تشابهت قلوبهم﴾.
٨ ومنها : تسلية الرسول صلى الله عليه وسلم ؛ لأن الإنسان المصاب إذا رأى أن غيره أصيب فإنه يتسلى بذلك، وتخف عليه المصيبة، كما قال تعالى :﴿ولن ينفعكم اليوم إذ ظلمتم أنكم في العذاب مشتركون﴾ [الزخرف: ٣٩] ؛ فالله تعالى يسلي رسوله ( صلى الله عليه وسلم ) بأن هذا القول الذي قيل له قد قيل لمن قبله.
٩ ومنها : إبطال دعوى قولهم :﴿أو تأتينا آية﴾ في قوله تعالى :﴿قد بينا الآيات﴾.
١٠ ومنها : أنه لا ينتفع بالآيات إلا الموقنون ؛ لقوله تعالى :﴿قد بينا الآيات لقوم يوقنون﴾ ؛ وأما غير الموقنين فلا تتبين لهم الآيات لما في قلوبهم من الريب والشك.
١١ ومنها : أن الموقن قد يتبين له من الآيات ما لم يتبين لغيره ؛ ويؤيده قوله تعالى :﴿والذين اهتدوا زادهم هدًى وآتاهم تقواهم﴾
[محمد: ١٧].
١٢ ومنها : أن الآيات تنقسم إلى قسمين : آيات شرعية، وآيات كونية ؛
فالآيات الشرعية : ما جاءت به الرسل من الوحي ؛ والقسم الثاني آيات كونية : وهي مخلوقات الله الدالة عليه، وعلى ما تقتضيه أسماؤه، وصفاته، كالشمس، والقمر، والنجوم، والجبال، وغيرها :
وفي كل شيء له آية تدل على أنه واحد
١٣ ومنها : زيادة العلم باليقين ؛ لأن من آيات الله هذا الوحي الذي جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم ؛ فكلما ازداد يقينك تبين لك من آيات الله ما لم يتبين لغيرك، فيزداد علمك ؛ فباليقين يزداد العلم ؛ قال تعالى :﴿ويزداد الذين آمنوا إيماناً﴾ [المدثر: ٣١] ؛ فكلما كان الإنسان أقوى يقيناً كان أكثر علماً ؛ وكلما ازداد علمه ازداد يقينه ؛ فهما متلازمان.
١ أخرجه البخاري ص٦، كتاب الإيمان، باب ٣٩: فضل من استبرأ لدينه، حديث رقم ٥٢، وأخرجه مسلم ص٩٥٥، كتاب المساقاة، باب ٢: أخذ الحلال وترك الحرام، حديث رقم ٤٠٩٤ [١٠٧] ١٥٩٩..