المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز — ابن عطية

عن الكتاب
{ وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ لَوْلَا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ أَوْ تَأْتِينَا آَيَةٌ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ قَدْ بَيَّنَّا الْآَيَاتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ ( ١١٨ )
قوله تعالى :﴿وقال الذين لا يعلمون﴾ الآية، قال الربيع والسدي : هم كفار العرب }(١).
قال القاضي أبو محمد : وقد طلب عبد الله بن أبي أمية وغيره من النبي صلى الله عليه نحو هذا، فنفى عنهم العلم لأنهم لا كتاب عندهم ولا اتباع نبوة، وقال مجاهد : هم النصارى(٢) لأنهم المذكورون في الآية أولاً، ورجحه الطبري، وقال ابن عباس : المراد من كان على عهد رسول الله ﷺ من اليهود، لأن رافع بن حريملة قال للنبي ﷺ : أسمعنا كلام الله، وقيل : الإشارة بقوله ﴿لا يعلمون﴾ إلى جميع هذه الطوائف، لأن كلهم قال هذه المقالة أو نحوها، ويكون ﴿الذين من قبلهم﴾ قوم نوح وعاد وثمود وغيرهم، و ﴿لولا﴾ تحضيض بمعنى هلا(٣)، كما قال الأشهب بن رميلة :[ الطويل ]
تَعُدُّونَ عَقْرَ النِّيبِ أفضلَ مجدِكُمْ. . . بني ضَوْطَرى لولا الكميّ المقنعا(٤)
وليست هذه ﴿لولا﴾ التي تعطي منع الشيء لوجوب غيره، وفرق بينهما أنها في التحضيض لا يليها إلا الفعل مظهراً أو مقدراً، وعلى بابها في المنع للوجوب(٥) يليها الابتداء، وجرت العادة بحذف الخبر، والآية هنا العلامة الدالة، وقد تقدم القول في لفظها(٦)، و ﴿الذين من قبلهم﴾ اليهود والنصارى في قول من جعل ﴿الذين لا يعلمون﴾ كفار العرب، وهم الأمم السالفة في قول من جعل ﴿الذين لا يعلمون﴾ كفار العرب والنصارى واليهود، وهم اليهود في قول من جعل ﴿الذين لا يعلمون﴾ النصارى، والكاف الأولى من ﴿كذلك﴾ نعت لمصدر مقدر، و ﴿مثل﴾ نعت لمصدر محذوف، ويصح أن يعمل فيه، ﴿قال﴾ : وتشابه القلوب هنا في طلب ما لا يصح أو في الكفر وإن اختلفت ظواهرهم، وقرأ ابن أبي إسحاق وأبو حيوة «تَشَّابهت » بشد الشين، قال أبو عمرو الداني : وذلك غير جائز لأنه فعل ماض.
وقوله تعالى :﴿قد بينا الآيات لقوم يوقنون﴾ لما تقدم ذكر الذين أضلهم الله حتى كفروا بالأنبياء وطلبوا ما لا يجوز لهم أتبع ذلك الذين بين لهم ما ينفع وتقوم به الحجة، لكن البيان وقع وتحصل للموقنين، فلذلك خصهم بالذكر، ويحتمل أن يكون المعنى قد بينا البيان الذي هو خلق الهدى، فكأن الكلام قد هدينا من هدينا، واليقين إذا اتصف به العلم خصصه وبلغ به نهاية الوثاقة(٧)، وقوله تعالى ﴿بينا﴾ قرينة تقتضي أن اليقين صفة لعلمهم، وقرينة أخرى، وهي أن الكلام مدح لهم، وأما اليقين في استعمال الفقهاء إذا لم يتصف به العلم فإنه أحط من العلم، لأن العلم عندهم معرفة المعلوم على ما هو به واليقين معتقد يقع للموقن في حقه والشيء على خلاف معتقده، ومثال ذلك تيقن المقلد ثبوت الصانع، ومنه قول مالك - رحمه الله - في «الموطأ » في مسألة الحالف على الشيء يتيقنه الشيء في نفسه على غير ذلك. (٨)
قال القاضي أبو محمد : وأما حقيقة الأمر فاليقين هو الأخص وهو ما علم على الوجه الذي لا يمكن أن يكون إلا عليه.
١ - رجح الحافظ (ك) هذا القول بسرد آيات تدل على عتو المشركين وعنادهم انظره..
٢ - ونفى عنهم العلم كما نفى عن اليهود على قول ابن عباس الآتي: لأنهم لم يعملوا بمقتضاه، وقد تقرر أن الذي لا يعمل بالعلم ينزل منزلة الجاهل به..
٣ - أي: هلا يكلمنا الله بنبوة محمد ﷺ أو تأتينا آية دالة على نبوته..
٤ - الأشهب: هو أبو ثور، ورميلة بالراء المهملة اسم أمه، وقد نسب بعضهم هذا البيت إلى جرير من قصيدة يهجو بها الفرزدق وقومه، وهو الصحيح، والنيب: جمع نابة وهي الناقة المسنة، ويقال للقوم إذا كانوا لا يغنون غناء: (بنو ضوطرى)، وهم أيضا حي معروف، وقيل الضوطرى: الحمقى- وصححه ابن سيدة، ولولا الكمي المقنعا (لولا): بمعنى هلا، أي هلا تعدون الكمي المقنع بالسلاح..
٥ - أي منع الشيء لوجوب غيره أي لوجود غيره..
٦ - في أول الكتاب عند التعرض لشرح الآية والسورة..
٧ - اليقين هو العلم الحاصل عن نظر واستدلال، ولهذا لا يسمى علم الله يقينا، ويقال: علم اليقين، وعلم يقين- فاليقين إذا اتصف به العلم قواه وبلغ به نهاية الوثاقة..
٨ - يعني أن اليقين أحط من العلم بثبوت الصانع، وقد يتيقن المقلد شيئا وهو على خلاف ذلك، ومنه قول الإمام مالك في مسألة الحالف، فقوله: "ومثال ذلك" راجع إلى قوله: "فإنه أحك من العلم"، وقوله: "ومنه قول مالك" راجع إليه وإلى أن الشيء قد يكون على خلاف ما يعتقده ويتيقنه..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى