جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري

عن الكتاب

القول في تأويل قوله تعالى :


﴿وَإِذِ ابْتَلَىَ إِبْرَاهِيمَ رَبّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمّهُنّ قَالَ إِنّي جَاعِلُكَ لِلنّاسِ إِمَاماً قَالَ وَمِن ذُرّيّتِي قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظّالِمِينَ﴾
يعني جل ثناؤه بقوله :﴿وَإِذِ ابْتَلَى﴾ وإذ اختبر، يقال منه : ابتليت فلانا ابتليه ابتلاءً. ومنه قول الله عزّ وجل :﴿وابْتَلُوا اليَتامَى﴾ يعني به : اختبروهم. وكان اختبار الله تعالى ذكره إبراهيم اختبارا بفرائض فرضها عليه، وأمْرٍ أمَرَه به، وذلك هو الكلمات التي أوحاهنّ إليه وكلفه العمل بهنّ امتحانا منه له واختبارا.
ثم اختلف أهل التأويل في صفة الكلمات التي ابتلى اللّهُ بها إبراهيمَ نبيّه وخليلَهُ صلوات الله عليه، فقال بعضهم : هي شرائع الإسلام، وهي ثلاثون سهما. ذكر من قال ذلك :
حدثنا محمد بن المثنى، قال : حدثنا عبد الأعلى، قال : حدثنا داود، عن عكرمة، عن ابن عباس في قوله :﴿وَإذِ ابْتَلَى إبْرَاهِيمَ رَبّهُ بِكلِماتٍ﴾ قال : قال ابن عباس : لم يُبْتَلَ أحد بهذا الدين فأقامه إلا إبراهيم، ابتلاه الله بكلمات فأتمهنّ قال : فكتب الله له البراءة، فقال :﴿وَإبْرَاهِيمَ الّذِي وَفّى﴾ قال : عشر منها في الأحزاب، وعشر منها في براءة، وعشر منها في المؤمنين وسأل سائل وقال : إن هذا الإسلام ثلاثون سهما.
حدثنا إسحاق بن شاهين، قال : حدثنا خالد الطحان، عن داود، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال : ما ابْتُلي أحد بهذا الدين فقام به كله غير إبراهيم ابتلي بالإسلام فأتمه، فكتب الله له البراءة، فقال :﴿وَإبْرَاهِيمَ الّذِي وَفّى﴾ فذكر عشرا في براءة، فقال :﴿التّائِبُونَ العَابِدُونَ الحَامِدُونَ﴾ إلى آخرِ الآيات، وعشرا في الأحزاب :﴿إنّ المُسْلمينَ وَالمُسلمات﴾، وعشرا في سورة المؤمنين، إلى قوله :﴿وَالّذِينَ هُمْ على صَلَوَاتِهِمْ يُحافِظُونَ﴾، وعشرا في سأل سائل :﴿وَالّذِينَ هُمْ على صَلاَتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾.
حدثنا عبيد الله بن أحمد بن شبرمة، قال : حدثنا عليّ بن الحسن، قال : حدثنا خارجة بن مصعب، عن داود بن أبي هند، عن عكرمة، عن ابن عباس قال : الإسلام ثلاثون سهما، وما ابتُلي بهذا الدين أحدٌ فأقامه إلا إبراهيم، قال الله :﴿وإبراهيم الّذِي وَفّى﴾فكتب الله له براءة من النار.
وقال آخرون : هي خصال عشرٌ من سنن الإسلام. ذكر من قال ذلك :
حدثنا الحسن بن يحيى، قال : أخبرنا عبد الرزاق، قال : أخبرنا معمر عن ابن طاوس، عن أبيه، عن ابن عباس :﴿وَإِذِ ابْتَلَى إبْرَاهِيمَ رَبّهُ بِكَلِمَاتٍ﴾ قال : ابتلاه الله بالطهارة : خمس في الرأس، وخمس في الجسد. في الرأس : قصّ الشارب، والمضمضة، والاستنشاق، والسواك، وفرق الرأس. وفي الجسد : تقليم الأظفار، وحلق العانة، والختان، ونتف الإبط، وغسل أثر الغائط والبول بالماء.
حدثني المثنى، قال : حدثنا إسحاق، قال : حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن الحكم بن أبان، عن القاسم بن أبي بزة، عن ابن عباس بمثله، ولم يذكر أثر البول.
حدثنا محمد بن بشار، قال : حدثنا سليمان، قال : حدثنا أبو هلال. قال : حدثنا قتادة في قوله :﴿وَإِذِ ابْتَلَى إبْرَاهِيمَ رَبّهُ بِكَلِمَاتٍ﴾ قال : ابتلاه بالختان، وحلق العانة، وغسل القبل والدبر، والسواك، وقصّ الشارب، وتقليم الأظافر، ونتف الإبط. قال أبو هلال : ونسيت خصلة.
حدثت عن عمار، قال : حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن مطر، عن أبي الخلد قال : ابتُلي إبراهيم بعشرة أشياء هنّ في الإنسان : سنة الاستنشاق، وقصّ الشارب، والسواك، ونتف الإبط، وقَلْم الأظفار، وغسل البراجم، والختان، وحلق العانة، وغسل الدّبُرُ والفَرْج.
وقال بعضهم : بل الكلمات التي ابتلي بهن عشر خلال، بعضهنّ في تطهير الجسد، وبعضهنّ في مناسك الحجّ. ذكر من قال ذلك :
حدثني المثنى، قال : حدثنا إسحاق، قال : حدثنا محمد بن حرب، قال : حدثنا ابن لهيعة، عن ابن هبيرة، عن حنش عن ابن عباس في قوله :﴿وَإذِ ابْتَلى إبْرَاهِيمَ رَبّهُ بِكَلِماتٍ فأتَمّهُنّ﴾ قال : ستة في الإنسان، وأربعة في المشاعر فالتي في الإنسان : حلق العانة، والختان، ونتف الإبط، وتقليم الأظفار، وقصّ الشارب، والغسل يوم الجمعة. وأربعة في المشاعر : الطواف، والسعي بين الصفا والمروة، ورمي الجمار، والإفاضة.
وقال آخرون : بل ذلك :﴿إني جاعلك للناس إماما﴾ في مناسك الحجّ. ذكر من قال ذلك :
حدثنا أبو كريب، قال : حدثنا ابن إدريس، قال : سمعت إسماعيل بن أبي خالد، عن أبي صالح في قوله :﴿وَإذِ ابْتَلَى إبْرَاهِيمَ رَبّهُ بِكَلِماتٍ فأتَمّهُنّ﴾ فمنهن : إنّي جاعِلُكَ لِلنّاسِ إماما وآيات النسك.
حدثنا أبو السائب، قال : حدثنا ابن إدريس، قال : سمعت إسماعيل بن أبي خالد، عن أبي صالح مولى أم هانىء في قوله :﴿وَإِذِ ابْتَلَى إبْرَاهِيمَ رَبّهُ بِكَلِمَاتٍ﴾ قال منهن :﴿إني جاعِلُكَ للنّاسِ إماما﴾ ومنهن آيات النسك :﴿وَإذْ يَرْفَعُ إبْرَاهِيمُ القَوَاعِدَ مِنَ البَيْتِ﴾.
حدثنا محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، قال : حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله :﴿وَإذِ ابْتَلَى إبْرَاهِيمَ رَبّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأتَمّهُنّ﴾ قال الله لإبراهيم : إني مبتليك بأمر، فما هو ؟ قال : تجعلني للناس إماما. قال : نعم. قال : ومن ذريتي ؟ قال : لا ينال عهدي الظالمين. قال : تجعل البيت مثابة للناس قال : نعم. وأمْنا قال : نعم. وتجعلنا مسلمين لك، ومن ذرّيتنا أمة مسلمة لك قال : نعم. وترينا مناسكنا وتتوب علينا قال : نعم. قال : وتجعل هذا البلد آمنا قال : نعم. قال : وترزق أهله من الثمرات من آمن منهم قال : نعم.
حدثني المثنى، قال : حدثنا أبو حذيفة، قال : حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد مثله.
حدثني المثنى، قال : حدثنا أبو حذيفة، قال : حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح أخبره به عن عكرمة فعرضته على مجاهد فلم ينكره.
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد بنحوه. قال ابن جريج : فاجتمع على هذا القول مجاهد وعكرمة جميعا.
حدثنا سفيان، قال : حدثني أبي، عن سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد :﴿وَإذِ ابْتَلَى إبْرَاهِيمَ رَبّهُ بِكَلِمَاتٍ فأتَمّهُنّ﴾ قال : ابتلي بالآيات التي بعدها :﴿إنّي جاعِلُكَ للنّاسِ إماما قال وَمِنْ ذُرّيّتِي قالَ لا يَنالُ عَهْدِي الظَالِمِينَ﴾.
حدثت عن عمار، قال : حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع في قوله :﴿وَإذْ ابْتَلَى إبْرَاهِيمَ رَبّهُ بِكَلِمَاتَ فأتَمّهُن﴾فالكلمات :﴿إنّي جاعِلُكَ للنّاسِ إماما﴾وقوله :﴿وَإذ جَعَلْنَا البَيْتَ مَثابَةً للنّاسِ﴾ وقوله :﴿وَاتّخِذُوا مِنْ مَقامِ إبْراهِيمَ مُصَلّى﴾ وقوله :﴿وَعَهِدْنا إلى إبْرَاهِيمَ وَإسْمَاعِيلَ﴾ الآية، وقوله :﴿وَإذْ يَرْفَعُ إبْرَاهِيمَ القَوَاعِدَ مِنَ البَيْتِ﴾ الآية قال : فذلك كلمة من الكلمات التي ابتلي بهنّ إبراهيم.
حدثني محمد بن سعيد، قال : حدثني أبي، قال : حدثني عمي، قال : حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله : وَإذِ ابْتَلَى إبْرَاهِيمَ رَبّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأتَمّهُنّ فمنهنّ : إنّي جاعِلُكَ للنّاسِ إماما ومنهن : وَإذْ يَرْفَعُ إبْرَاهِيمُ القَوَاعِدَ مِنَ البَيْتِ ومنهن الاَيات في شأن النسك، والمقام الذي جعل لإبراهيم، والرزق الذي رزق ساكنو البيت ومحمد ﷺ في ذرّيتهما عليهما السلام.
وقال آخرون : بل ذلك مناسك الحجّ خاصة. ذكر من قال ذلك :
حدثنا ابن بشار، قال : حدثنا سلم بن قتيبة، قال : حدثنا عمرو بن نبهان، عن قتادة، عن ابن عباس في قوله :﴿وَإذِ ابْتَلَى إبْرَاهِيمَ رَبّهُ بِكَلِمَاتٍ﴾قال : مناسك الحج.
حدثنا بشر بن معاذ، قال : حدثنا يزيد بن زريع، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة، قال : كان ابن عباس يقول في قوله :﴿وَإذِ ابْتَلَى إبْرَاهِيمَ رَبّهُ بِكَلِمَاتٍ﴾قال : المناسك.
حدثنا الحسن بن يحيى، قال : أخبرنا عبد الرزاق، قال : أخبرنا معمر، عن قتادة، قال : قال ابن عباس : ابتلاه بالمناسك.
حدثت عن عمار بن الحسن، قال : حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، قال : بلغنا عن ابن عباس أنه قال : إن الكلمات التي ابتلي بها إبراهيم : المناسك.
حدثنا أحمد بن إسحاق، قال : حدثنا أبو أحمد الزبيري، قال : حدثنا شريك، عن أبي إسحاق، عن التميمي، عن ابن عباس قوله :
﴿وَإذِ ابْتَلَى إبْرَاهِيمَ ربّهُ بِكَلِمَاتٍ﴾ قال : مناسك الحجّ.
حدثني المثنى، قال : حدثنا الحماني، قال : حدثنا شريك، عن أبي إسحاق، عن التميمي، عن ابن عباس في قوله :﴿وَإذِ ابْتَلَى إبْرَاهِيمَ رَبّهُ بِكَلِمَاتٍ﴾قال : منهن مناسك الحجّ.
وقال آخرون : هي أمور منهن الختان. ذكر من قال ذلك :
حدثني محمد بن بشار، قال : حدثنا سلم بن قتيبة عن يونس بن أبي إسحاق، عن الشعبي :﴿وَإذِ ابْتَلَى إبْرَاهِيمَ رَبّهُ بِكَلِماتٍ﴾ قال : منهن الختان.
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا يحيى بن واضح، قال : حدثنا يونس بن أبي إسحاق، قال : سمعت الشعبي يقول : فذكر مثله.
حدثنا أحمد بن إسحاق، قال : حدثنا أبو أحمد، قال : حدثنا يونس بن أبي إسحاق، قال : سمعت الشعبي، وسأله أبو إسحاق عن قول الله :
﴿وَإذِ ابْتَلَى إبْرَاهِيمَ رَبّهُ بِكَلِمَاتٍ﴾ قال : منهن الختان يا أبا إسحاق.
وقال آخرون : بل ذلك الخلال الستّ : الكوكب، والقمر، والشمس، والنار، والهجرة، والختان، التي ابتلي بهنّ فصبر عليهنّ. ذكر من قال ذلك :
حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال : حدثنا ابن علية، عن أبي رجاء، قال : قلت للحسن :﴿وإذِ ابْتَلَى إبْرَاهِيمَ رَبّهُ بِكَلِمَاتَ فأتَمّهُنّ﴾ قال : ابتلاه بالكوكب فرضي عنه، وابتلاه بالقمر فرضي عنه، وابتلاه بالشمس فرضي عنه، وابتلاه بالنار فرضي عنه، وابتلاه بالهجرة، وابتلاه بالختان.
حدثنا بشر بن معاذ، قال : حدثنا يزيد بن زريع، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة، قال : كان الحسن يقول : إي والله ابتلاه بأمر فصبر عليه، ابتلاه بالكوكب، والشمس، والقمر، فأحسن في ذلك، وعرف أن ربه دائم لا يزول، فوجه وجهه للذي فطر السموات والأرض حنيفا وما كان من المشركين، ثم ابتلاه بالهجرة فخرج من بلاده وقومه حتى لحق بالشام مهاجرا إلى الله، ثم ابتلاه بالنار قبل الهجرة فصبر على ذلك، فابتلاه الله بذبح ابنه وبالختان فصبر على ذلك.
حدثنا الحسن بن يحيى، قال : أخبرنا عبد الرزاق، قال : أخبرنا معمر، عمن سمع الحسن يقول في قوله :﴿وَإذِ ابْتَلَى إبْرَاهِيمَ رَبّهُ بِكَلِمَاتٍ﴾ قال : ابتلاه الله بذبح ولده، وبالنار، وبالكوكب، والشمس، والقمر.
حدثنا ابن بشار، قال : حدثنا سلم بن قتيبة، قال : حدثنا أبو هلال

تفسير هذه الآية من كتب أخرى