جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري
عن الكتابالقول في تأويل قوله تعالى :
﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لّلنّاسِ وَأَمْناً وَاتّخِذُواْ مِن مّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلّى، وَعَهِدْنَا إِلَىَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَن طَهّرَا بَيْتِيَ لِلطّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرّكّعِ السّجُودِ﴾
أما قوله : وَإذْ جَعَلْنَا البَيْتَ مَثَابَةً فإنه عطف ب«إذْ » على قوله : وَإِذِ ابْتَلَى إبْرَاهِيمَ رَبّهُ بِكَلِمَاتٍ. وقوله :﴿وَإذِا ابْتَلَى إبْرَاهِيمَ﴾معطوف على قوله :﴿يا بَنِي إسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِي﴾، ﴿واذكروا إذ ابتلى إبراهيمَ ربّه﴾، ﴿وإذ جعلنا البيت مثابة﴾. والبيت الذي جعله الله مثابة للناس هو البيت الحرام.
وأما المثابة فإن أهل العربية مختلفون في معناها، والسبب الذي من أجله أنثت فقال بعض نحويي البصرة : ألحقت الهاء في المثابة لما كثر من يثوب إليه، كما يقال سيارة لمن يكثر ذلك، ونَسّابة.
وقال بعض نحويي الكوفة : بل المَثَابُ والمثابة بمعنى واحد، نظيرة المقام والمقامة والمقام، ذُكّر على قوله لأنه يريد به الموضع الذي يقام فيه، وأنثت المقامة لأنه أريد بها البقعة. وأنكر هؤلاء أن تكون المثابة كالسّيارة والنّسابة، وقالوا : إنما أدخلت الهاء في السيارة والنسابة تشبيها لها بالداعية والمثابة مفعلة من ثاب القوم إلى الموضع : إذا رجعوا إليهم فهم يثوبون إليه مَثَابا وَمَثَابةً وَثَوَابا.
فمعنى قوله :﴿وَإذْ جَعَلْنَا البَيْتَ مَثَابَةً للنّاسِ﴾ وإذ جعلنا البيت مرجعا للناس ومعاذا يأتونه كل عام ويرجعون إليه، فلا يقضون منه وطرا. ومن المثاب قول ورقة بن نوفل في صفة الحرم :
مَثابٌ لأفْنَاء القَبَائِلِ كُلّها تَخُبّ إلَيْهِ اليَعْمَلاتُ الصّلاَئِحُ
ومنه قيل : ثاب إليه عقله، إذا رجع إليه بعد عزوبه عنه.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثني محمد بن عمرو، قال : حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله الله :﴿وَإذْ جَعَلْنَا البَيْتَ مَثَابَةً للنّاسِ﴾قال : لا يقضون منه وَطَرا.
حدثنا الحسن بن يحيى، قال : أخبرنا عبد الرزاق، قال : أخبرنا معمر، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.
حدثني المثنى، قال : حدثنا أبو حذيفة، قال : حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد :﴿وَإذْ جَعَلْنا البَيْتَ مَثَابَةً للنّاسِ﴾قال : يثوبون إليه، لا يقضون منه وَطَرا.
حدثني موسى، قال : حدثنا عمرو، قال : حدثنا أسباط، عن السدي :﴿وَإذْ جَعَلْنَا البَيْتَ مَثَابَةً للنّاسِ﴾قال : أما المثابةُ فهو الذي يثوبون إليه كل سنة لاَ يَدَعُهُ الإنسان إذا أتاه مرّة أن يعود إليه.
حدثني محمد بن سعد، قال : حدثني أبي، قال : حدثني عمي، قال : حدثني أبي عن أبيه، عن ابن عباس قوله :﴿وَإذْ جَعَلْنَا البَيْتَ مَثَابَةً للنّاسِ﴾قال : لا يقضون منه وطرا، يأتونه ثم يرجعون إلى أهليهم ثم يعودون إليه.
وحدثني عبد الكريم بن أبي عمير، قال : حدثني الوليد بن مسلم، قال : قال أبو عمرو، حدثني عبدة بن أبي لبابة في قوله :﴿وَإذْ جَعَلْنَا البَيْتَ مَثَابَةً للنّاسِ﴾ قال : لا يَنْصرِف عنه منصرف وهو يرى أنه قد قضى منه وطرا.
حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال : حدثنا هشيم، قال : أخبرنا عبد الملك عن عطاء في قوله :﴿وَإذْ جَعَلْنَا البَيْتَ مَثَابَةً للنّاسِ﴾قال : يثوبون إليه من كل مكان، ولا يقضون منه وطرا.
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا جرير، عن عبد الملك، عن عطاء، مثله.
حدثني محمد بن عمار الأسدي، قال : حدثنا سهل بن عامر، قال : حدثنا مالك بن مغول، عن عطية في قوله :﴿وَإذْ جَعَلْنَا البَيْتَ مَثَابَةً للنّاسِ﴾ قال : لا يقضون منه وَطَرا.
حدثنا محمد بن بشار، قال : حدثنا عبد الرحمن، قال : حدثنا سفيان، عن أبي الهذيل، قال : سمعت سعيد بن جبير يقول :﴿وَإذْ جَعَلْنَا البَيْتَ مَثَابَةً للنّاسِ﴾ قال : يحجّون ويثوبون.
حدثنا الحسن بن يحيى، قال : أخبرنا عبد الرزاق، قال : أخبرنا الثوري، عن أبي الهذيل، عن سعيد بن جبير في قوله :﴿مَثَابَةً للنّاسِ﴾ قال : يحجون، ثم يحجون، ولا يقضون منه وطرا.
حدثني المثنى، قال : حدثنا ابن بكير، قال : حدثنا مسعر، عن غالب، عن سعيد بن جبير :﴿مَثابَةً للنّاسِ﴾ قال : يثوبون إليه.
حدثنا بشر بن معاذ، قال : حدثنا يزيد بن زريع، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة قوله :﴿وَإذْ جَعَلْنَا البَيْتَ مَثَابَةً للنّاسِ وأمْنا﴾قال : مجمعا.
حدثني المثنى، قال : حدثنا عبد الله بن صالح، قال : حدثني معاوية بن صالح، عن عليّ بن أبي طلحة، عن ابن عباس :
﴿مَثَابَةً للنّاسِ﴾قال : يثوبون إليه.
حدثت عن عمار، قال : حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع :﴿مَثَابَةً للنّاسِ﴾قال : يثوبون إليه.
حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : قال ابن زيد في قوله :﴿وَإذْ جَعَلْنَا البَيْتَ مَثَابَةً للنّاسِ﴾قال : يثوبون إليه من البلدان كلها ويأتونه.
القول في تأويل قوله تعالى :﴿وأمْنا﴾.
والأمن : مصدر من قول القائل أمِنَ يَأْمَنُ أَمْنا. وإنما سماه الله أمنا لأنه كان في الجاهلية مَعَاذا لمن استعاذ به، وكان الرجل منهم لو لقي به قاتل أبيه أو أخيه لم يهجه ولم يعرض له حتى يخرج منه، وكان كما قال الله جل ثناؤه :﴿أَوَ لَمْ يَرَوْا أنّا جَعَلْنَا حَرَما آمِنا وَيُتَخَطّف النّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ﴾.
حدثني يونس بن عبد الأعلى، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : قال ابن زيد في قوله :﴿وأمْنا﴾قال : من أَمّ إليه فهو آمن كان الرجل يلقى قاتل أبيه أو أخيه فلا يعرض له.
حدثني موسى، قال : حدثنا عمرو، قال : حدثنا أسباط، عن السدي : أما أمْنا فمن دخله كان آمنا.
حدثني محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، قال : حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله الله :﴿وأمْنا﴾قال : تحريمه لا يخاف فيه من دخله.
ذكر من قال ذلك :
حدثت عن عمار، قال : حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع قوله :﴿وَأمْنا﴾يقول : أمنا من العدوّ أن يحمل فيه السلاح، وقد كان في الجاهلية يتخطف الناس من حولهم وهم آمنون لا يُسْبَوْنَ.
حدثت عن المنجاب، قال : أخبرنا بشر، عن أبي روق، عن الضحاك، عن ابن عباس في قوله :﴿وأمْنا﴾ قال : أمنا للناس.
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد في قوله :﴿وَأمْنا﴾قال : تحريمه لا يخاف فيه من دخله.
القول في تأويل قوله تعالى :﴿وَاتّخِذُوا مِنْ مَقامِ إبْرَاهِيمَ مُصَلّى﴾.
اختلف القراء في قراءة ذلك، فقرأه بعضهم :﴿وَاتّخِذُوا مِنْ مَقامِ إبْرَاهِيمَ مُصَلّى﴾ بكسر الخاء على وجه الأمر باتخاذه مصلّى وهي قراءة عامة المصرين الكوفة والبصرة، وقراءة عامة قرّاء أهل مكة وبعض قرّاء أهل المدينة. وذهب إليه الذين قرأوه كذلك من الخبر الذي :
حدثنا أبو كريب ويعقوب بن إبراهيم، قالا : حدثنا هشيم، قال : أخبرنا حميد، عن أنس بن مالك، قال : قال عمر بن الخطاب : قلت : يا رسول الله، لو اتخذت المقام مصلّى ؟ فأنزل الله :﴿وَاتّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إبْرَاهِيمَ مُصَلّى﴾.
حدثنا محمد بن بشار، قال : حدثنا ابن أبي عديّ، وحدثني يعقوب، قال : حدثنا ابن علية جميعا، عن حميد، عن أنس، عن عمر، عن النبيّ ﷺ مثله.
حدثنا عمرو بن عليّ، قال : حدثنا يزيد بن زريع، قال : حدثنا حميد، عن أنس، قال : قال عمر بن الخطاب : قلت : يا رسول الله، فذكر مثله.
قالوا : فإنما أنزل الله تعالى ذكره هذه الآية أمرا منه نبيّهُ ﷺ باتخاذ مقام إبراهيم مصلّى فغير جائز قراءتها وهي أمرٌ على وجه الخبر.
وقد زعم بعض نحويي البصرة أن قوله :﴿وَاتّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إبْرَاهِيمَ مُصَلّى﴾ معطوف على قوله :﴿يَا بَنِي إسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِي﴾، ﴿وَاتّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إبْرَاهِيمَ مُصَلّى﴾، فكان الأمر بهذه الآية وباتخاذ المصلى من مقام إبراهيم على قول هذا القائل لليهود من بني إسرائيل الذين كانوا على عهد رسول الله ﷺ. كما :
حدثنا الربيع بن أنس بما حُدثت عن عمار بن الحسن، قال : حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، قال : من الكلمات التي ابتلي بهنّ إبراهيم قوله :﴿وَاتّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إبْرَاهِيمَ مُصَلّى﴾ فأمرهم أن يتخذوا من مقام إبراهيم مصلّى، فهم يصلون خلف المقام.
فتأويل قائل هذا القول : وَإذِ ابْتَلَى إبْرَاهِيمَ رَبّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأتَمّهُنّ قالَ إنّي جَاعِلُكَ للنّاسِ إماما وقال :﴿وَاتّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إبْرَاهِيمَ مُصَلّى﴾. والخبر الذي ذكرناه عن عمر بن الخطاب، عن رسول الله ﷺ قبل، يدلّ على خلاف الذي قاله هؤلاء، وأنه أمر من الله تعالى ذكره بذلك رسول الله ﷺ والمؤمنين به وجميع الخلق المكلفين.
وقرأه بعض قرّاء أهل المدينة والشام :«واتّخَذُوا » بفتح الخاء على وجه الخبر.
ثم اختلف في الذي عطف عليه بقوله :«وَاتّخَذُوا » إذا قرىء كذلك على وجه الخبر، فقال بعض نحويي البصرة : تأويله إذا قرىء كذلك : وإذ جعلنا البيت مثابة للناس وأمنا وإذِ اتخذوا من مقام إبْرَاهِيمَ مصلّى.
وقال بعض نحويي الكوفة : بل ذلك معطوف على قوله : جَعَلْنَا فكان معنى الكلام على قوله : وإذ جعلنا البيت مثابة للناس واتّخَذُوه مصلى.
والصواب من القول والقراءة في ذلك عندنا : وَاتّخِذُوا بكسر الخاء، على تأويل الأمر باتخاذ مقام إبراهيم مصلى للخبر الثابت عن رسول الله ﷺ الذي ذكرناه آنفا، وأن عمرو بن عليّ :
حدثنا قال : حدثنا يحيى بن سعيد، قال : حدثنا جعفر بن محمد، قال : حدثني أبي، عن جابر بن عبد الله : أن رسول الله ﷺ قرأ :﴿وَاتّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إبْرَاهِيمَ مُصَلّى﴾.
ثم اختلف أهل التأويل في تأويل قوله :﴿وَاتّخِذُوا مِن مَقَامِ إبْرَاهِيمَ مُصَلّى﴾ وفي مقام إبراهيم.
فقال بعضهم : مقام إبراهيم : هو الحجّ كله. ذكر من قال ذلك :
حدثنا الحسن بن يحيى، قال : أخبرنا عبد الرزاق، قال : أخبرنا ابن جريج، عن عطاء، عن ابن عباس في قوله :﴿مَقامِ إبْرَاهِيمَ﴾ قال : الحجّ كله مقام إبراهيم.
حدثني المثنى، قال : حدثنا إسحاق، قال : حدثنا سفيان بن عيينة، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد :﴿وَاتّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إبْرَاهِيمَ مُصَلّى﴾ قال : الحجّ كله.
حدثنا أبو كريب، قال : حدثنا وكيع، عن سفيان. عن ابن جريج، عن عطاء، قال : الحجّ كله مقام إبراهيم. وقال آخرون : مقام إبراهيم عرفة والمزدلفة والجمار. ذكر من قال ذلك :
حدثني محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، قال : حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن عطاء بن أبي رياح :﴿وَاتّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إبْرَاهِيمَ مُصَلّى﴾ قال : لأني قد جع