اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي
عن الكتاب
العامل في " إذ " " قال ".
وقيل : العامل فيه " اذكر " مقدراً، وهو مفعول، وقد تقدم أنه لا يتصرف فالأولى ما ذكرته أولاً.
وقدره الزمخشري رحمه الله تعالى كان كيت وكيت، فجعله ظرفاً، ولكن عامله مقدر.
و " ابْتَلَى " وما بعده في محلّ خفض بإضافة الظرف إليه.
وأصل ابتلى : ابْتَلَوَ، فألفه عن " واو " ؛ لأنه " من بَلاَ يَبْلو " أي ؛ اختبر.
و " إبْرَاهِيم " مفعول مقدم، وهو واجب التقديم عند جمهور النحاة ؛ لأنه متى اتَّصَل بالفاعل ضمير يعود على المفعول وجب تقديمه، لئلا يعود الضمير على متأخر لفظاً ورتبة، هذا هو المَشْهُور، وما جاء على خلافه عدوه ضرورة.
وخالف أبو الفتح في ذلك وقال :" إن الفعل كما يطلب الفاعل يطلب المفعول، فصار للفظ به شعور وطلب ".
وقد أنشد ابن مالك أبياتاً كثيرة تأخر فيها المفعول المتصل ضميره بالفاعل، منها :[ السريع ]
ومنها :[ البسيط ]
وقال ابن عطية : وقدم المفعول للاهتمام بمن وقع الابتلاء به، إذ معلوم أن الله هو المبتلي، واتِّصَال ضمير المفعول بالفاعل موجب للتقديم، يعني أن الموجب للتقديم سببان : سبب معنوي وسبب صناعي.
و " إبراهيم " علم أعجمي.
قيل : معناه قبل النقل أب رحيم.
قال الماوردى : هذا التفسير بالسريانية وبالعربية فيما حكى ابن عطية أب رحيم.
قال السهيلي : كثيراً ما يقع الاتفاق بين السرياني والعربي، أو يقاربه في اللفظ، ألا ترى أن إبراهيم تفسيره أب رحيم، راحم بالأطفال، ولذلك جعل هو وسارة زوجته كافلين لأطفال المؤمنين الذي يموتون صغاراً إلى يوم القيامة [ على ما روى البُخَاري في حديث الرؤيا الطويل أن النبي ﷺ رأى في الروضة إبراهيم عليه السلام وحوله أولاد الناس ].
وفيه لغات سبع، أشهرها : إبراهيم بألف وياء، وإبْرَاهام بألفين، وبها قرأ هشام وابن ذكوان في أحد وجهيه في " البقرة "، وانفرد هشام بها في ثلاثة مواضع في آخر " النساء " وموضعين في آخر " براءة " وموضع في آخر " الأنعام " وآخر " العنكبوت "، وفي " النجم " و " الشورى " و " الذاريات " و " الحديد " والأول في " الممتحنة "، وفي " إبراهيم " وفي " النحل " موضعين، وفي " مريم " ثلاثة، فهذه ثلاثة وثلاثون موضعاً منها خمسة عشر في " البقرة " وثلاثة عشر في السور المذكورة.
وروي عن ابن عامر قراءة جميع ما في القرآن كذلك.
ويروى أنه قيل لمالك بن أنس : إن أهل " الشام " يقرءون ستة وثلاثين موضعاً إبراهام بالألف، فقال : أهل " دمشق(١) " بأكل البطِّيخ أبصر منهم بالقراءة.
فقيل : إنهم يدعون أنها قراءة عثمان.
فقال : هذا مصحف عثمان، فأخرجه فوجده كما نقل له.
الثالثة : إبْرَاهِم بألف بعد الراء، وكسر الهاء دون ياء، وبها قرأ أبو بكر ؛ وقال زيد بنُ عمروِ بنِ نُفَيْلٍ :[ الرجز ]
الرابعة : كذلك، إلا أنه بفتح الهاء.
الخامسة : كذلك إلا أنه بضمها.
السادسة : إبْرَهَم بفتح الهاء من غير ألف وياء.
قال عبد المطلب :[ الرمل ]
السَّابعة : إبْرَاهُوم بالواو.
قال أبو البقاء : ويجمع على " أَبَاره " عند قوم، وعند آخرين " بَرَاهِم ".
وقيل : أبارِهَة وبَرَاهِمَة ويجوز أَبَارِهَة [ وقال المبرد رحمه الله تعالى : لا يقال براهم فإن الهمزة لا يجوز حذفها ].
وحكى ثعلب فيه :" بَرَاهٍ " كما يقال في تصغيره :" بُرَيْه " بحذف الزوائد.
والجمهور على نصب " إبراهيم " ورفع " رَبُّهُ " كما تقدم.
وقرأ ابن عباس وأبو الشعثاء وأبو حنيفة بالعكس. قالوا : وتأويلها دعا ربه، فسمى دعاءه ابتلاء مجازاً ؛ لأن في الدعاء طلب استكشاف لما تجري به المقادير.
والضمير المرفوع في " فَأَتمّهُنّ " فيه قولان :
أحدهما : أنه عائد على " ربّه " أي : فأكملهن.
والثاني : أنه عائد على " إبْرَاهِيمَ " أي : عمل بهن، ووفّى بهن.
وهو إبراهيم بن تارح بن ناحور مولده ب " الشوس " من أرض " الأهواز ".
وقيل :" بابل "، وقيل :" كولى " وقيل " كسكر " وقيل :" حيران ".
ونقله أبوه إلى " بابل " أرض نمرود بن كنعان، وكان له أربع بنين : إسماعيل وإسحاق ومدين ومدائن، ذكره السهيلي.
اعلم أنه سبحانه وتعالى لما شرح وجوه نعمه على بني إسرائيل شرح قبائحهم في أديانهم وأعمالهم، وختم هذا الفصل بشرح النعم بقوله :
﴿يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُواْ نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ١٢٢] بين نوعاً آخر من البيان، وهو أن ذكر قصة إبراهيم عليه السلام والحكمة فيه أن إبراهيم عليه السلام معترف بفضله جميع الطَّوائف، والمشركون أيضاً معترفون بفضله متشرّفون بأنهم من أولاده، ومن ساكني حرمه، وخادمي بيته، فذكر فضيلته لهم ؛ لأنها تدلّ على قبول محمد ﷺ من وجوه :
أحدها : أنه تعالى لما أمره ببعض التكاليف، فلما وفّى بها وخرج لا جرم نال النبوة والإمامة.
وثانيها : أنه لما طلب الإمامة لذريته فقال تعالى :﴿لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾ فدلّ ذلك على أنّ من أراد هذا المنصب وجب عليه ترك اللَّجَاج والتعصّب للباطل.
وثالثها : أن الحج من خصائص دين محمد ﷺ فحكى الله تعالى ذلك عن إبراهيم ليكون ذلك كالحُجَّة على اليهود والنصارى في وجوب الانقياد لذلك.
ورابعها : أن القبلة لما حولت إلى الكعبة شقّ ذلك على اليهود والنصارى، فبيّن الله تعالى أن هذا البيت قبلة إبراهيم الذي يعترفون بتعظيمه، ووجوب الاقتداء به، فكان ذلك مما يوجب زوال الغضب عن قلوبهم.
والابتلاء هنا الاختبار والامتحان، وابتلاء الله ليس ليعلم أقوالهم بالابتلاء ؛ لأنه تعالى عالم بجميع المعلومات على سبيل التَّفَاصيل من الأَزَلِ إلى الأبد، ولكن ليعلم الناس أحوالهم حتى يعرف بعضهم بعضاً، أو عاملهم معاملة المختبر.
واختلف في " الكَلِمَاتِ " فقال مجاهد : هي المذكورة بعدها في قوله تعالى :﴿إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً﴾ إلى آخرها من الآيات، ورفع البيت، وتطهير البيت، ورفع القواعد، والدعاء ببعث محمد ﷺ فإن هذه أمور شاقّة ؛ لأن الإمامة هاهنا هي النبوة وتتضمن مشاقاً عظيمة. وأما بناء البيت وتطهيره، ورفع قواعده، فمن وقف على ما روي في كيفية بنائه عرف شدّة البلوى فيه، ثم إنه يتضمّن إقامة المَنَاسك، وقد امتحن الله تعالى الخليل عليه الصلاة والسلام بالشَّيْطَان في الموقف لرمي الجِمَار وغيرها.
وأما اشتغاله بالدعاء ببعث محمد ﷺ فهو مما يحتاج إلى إخلاص العمل لله تعالى، وإزالة الحَسَد عن القلب، فكل هذه تكاليف شاقّة، ويدلّ على إرادة ذلك أنه عقبه بذكره من غير فصل بحرف عطف، فلم يقبل وقال :﴿إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً﴾.
واعترض القاضي على هذا، فقال : إنما يجوز هذا لو قال تعالى : وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمها إبراهيم، ثم قال بعد ذلك : إني جاعلك للناس إماماً فأتمهن.
وأجيب عنه : بأنه ليس المراد من الكلمات الإمامة فقط، بل الإمامة وبناء البيت وتطهيره والدعاء ببعث محمد ﷺ فكأنه تعالى ابتلاه بمجموع هذه الأشياء، فأخبر كأنه ابتلاه بأمور على الإجمال، ثم أخبر عنه أنه أتمّها، ثم عقب ذلك بالشرح والتفصيل، وهذا ليس ببعيد.
وقال طاوس عن ابن عباس رضي الله عنهما : عشر خصال كانت فَرْضاً في شرعه، وهي سُنّة في شرعنا : خمس في الرأس، وخمس في الجسد، أما التي في الرأس : فالمضمضة، والاستنشاق، وفرق الرأس، وقصّ الشارب، والسِّوَاك، وأما التي في البدن : فالخِتَان، وحَلْق العَانَةِ، ونَتْف الإبط، وتقليم الأظفار، [ والاستنجاء بالماء.
وفي الخبر أن إبراهيم عليه الصلاة والسلام أول من قصّ الشارب، وأول من اختتن وأول من قلّم الأَظفار ].
وقال أبو الفرج بن الجوزي حديثاً عن كعب الأحبار رضي الله عنه قال : خلق من الأنبياء ثلاثة عشر مَخْتُونين : آدم وشيث ونوح وإدريس وسام ولوط ويوسف وموسى وشعيب وسليمان ويحيى وعيسى ومحمد ﷺ.
وقال محمد بن حبيب الهاشمي أربعة عشر : آدم وشيث ونوح وهود وصالح ولوط وشعيب ويوسف وموسى وسليمان وزكريا وعيسى وحنظلة بن صفوان من أصحاب الرَّسِّ، ومحمد ﷺ. وروي أن عبد المطلب ختن النبي ﷺ يوم سابعه وجعل مَأْدُبة، وسماه محمداً عليه أفضل الصلاة والسلام.
قال يحيى بن أيوب رضي الله تعالى عنه طلبت هذا الحديث فلم أجده عند أحد من أهل الحديث ممّن لقيته إلاَّ عند ابن أبي السّريّ.
وقال عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما لم يُبْتلَ أحد بهذا الدين فأقامه كله إلا إبراهيم عليه الصَّلاة والسَّلام ابتلاه بثلاثين خَصْلة من خصال الإسلام : عشر منها في سورة " براءة " :﴿التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ﴾ [التوبة: ١١٢] إلى آخر الآية.
وعشر منها في سورة " الأحزاب " :﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ﴾ [الأحزاب: ٣٥] إلى آخر الآية وعشر منها في " المؤمنين " :﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ إلى قوله ﴿أُوْلَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ﴾ [ المؤمنون : ١ ١٠ ].
وروي عن ابن عباس : أربعون فزاد : وعشر في ﴿سَأَلَ سَائِلٌ﴾ إلى قوله تعالى :﴿يُحَافِظُونَ﴾ [المعارج: ١-٣٤].
وقال ابن عباس، وقتادة، والربيع : هي مناسك الحَجّ.
[ وقال الحسن ] : ابتلاه بسبعة أشياء : بالشمس والقمر، والكواكب، والخِتَان على الكِبَر، والنار، وذَبْح الولد، والهجرة، فوفّى بالكلّ.
وقال يمَان بن رباب : هي مَحَاجّته قومه، والصلاة، والزكاة، والصوم، والضيافة، والصبر عليها.
وقال بعضهم : هي قوله :﴿إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾
[البقرة: ١٣١].
وقال سعيد بن جبير : هو قول إبراهيم وإسماعيل إذ يَرْفَعَان البَيْتَ :﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا﴾ [البقرة: ١٢٧] الآية.
وقيل : هي قوله :﴿الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ﴾ [الشعراء: ٧٨] الآيات.
قال القَفّال : وجملة القول أن الابتلاء يتناول إلزام كلّ ما في فعله كُلفة شدة ومشقة، فاللفظ يتناول مجموع هذه الأشياء، ويتناول كل واحد منها، فلو ثبتت الرواية في الكل وجب القول بالكل، ولو ثبتت الرواية في البعض دون البعض، [ فحينئذ يقع بين هذه الروايات ]، فوجب التوقّف.
قال القاضي : هذا الابتلاء إنما كان قبل النبوة ؛ لأنَّ الله تعالى جعل قيامه عليه الصلاة والسلام بهنّ كالسبب لأنْ يجعله الله إماماً، والسبب مقدم على المسّبب، وإذا كان كذلك فالله تعالى ابت
وقيل : العامل فيه " اذكر " مقدراً، وهو مفعول، وقد تقدم أنه لا يتصرف فالأولى ما ذكرته أولاً.
وقدره الزمخشري رحمه الله تعالى كان كيت وكيت، فجعله ظرفاً، ولكن عامله مقدر.
و " ابْتَلَى " وما بعده في محلّ خفض بإضافة الظرف إليه.
وأصل ابتلى : ابْتَلَوَ، فألفه عن " واو " ؛ لأنه " من بَلاَ يَبْلو " أي ؛ اختبر.
و " إبْرَاهِيم " مفعول مقدم، وهو واجب التقديم عند جمهور النحاة ؛ لأنه متى اتَّصَل بالفاعل ضمير يعود على المفعول وجب تقديمه، لئلا يعود الضمير على متأخر لفظاً ورتبة، هذا هو المَشْهُور، وما جاء على خلافه عدوه ضرورة.
وخالف أبو الفتح في ذلك وقال :" إن الفعل كما يطلب الفاعل يطلب المفعول، فصار للفظ به شعور وطلب ".
وقد أنشد ابن مالك أبياتاً كثيرة تأخر فيها المفعول المتصل ضميره بالفاعل، منها :[ السريع ]
| ٧٧٠- لَمَّا عَصَى أَصْحَابُهُ مُصْعَباً | أَدَّى إِلَيْهِ الكَيْلَ صَاعاً بِصَاعْ |
| ٧٧١- جَزَى بَنُوهُ أَبَا الْغِيلاَنِ عَنْ كِبَرٍ | وَحُسْنِ فِعْلٍ كَمَا يُجْزَى سِنِمَّارُ |
و " إبراهيم " علم أعجمي.
قيل : معناه قبل النقل أب رحيم.
فصل في تفسير لفظ إبراهيم
قال الماوردى : هذا التفسير بالسريانية وبالعربية فيما حكى ابن عطية أب رحيم.
قال السهيلي : كثيراً ما يقع الاتفاق بين السرياني والعربي، أو يقاربه في اللفظ، ألا ترى أن إبراهيم تفسيره أب رحيم، راحم بالأطفال، ولذلك جعل هو وسارة زوجته كافلين لأطفال المؤمنين الذي يموتون صغاراً إلى يوم القيامة [ على ما روى البُخَاري في حديث الرؤيا الطويل أن النبي ﷺ رأى في الروضة إبراهيم عليه السلام وحوله أولاد الناس ].
وفيه لغات سبع، أشهرها : إبراهيم بألف وياء، وإبْرَاهام بألفين، وبها قرأ هشام وابن ذكوان في أحد وجهيه في " البقرة "، وانفرد هشام بها في ثلاثة مواضع في آخر " النساء " وموضعين في آخر " براءة " وموضع في آخر " الأنعام " وآخر " العنكبوت "، وفي " النجم " و " الشورى " و " الذاريات " و " الحديد " والأول في " الممتحنة "، وفي " إبراهيم " وفي " النحل " موضعين، وفي " مريم " ثلاثة، فهذه ثلاثة وثلاثون موضعاً منها خمسة عشر في " البقرة " وثلاثة عشر في السور المذكورة.
وروي عن ابن عامر قراءة جميع ما في القرآن كذلك.
ويروى أنه قيل لمالك بن أنس : إن أهل " الشام " يقرءون ستة وثلاثين موضعاً إبراهام بالألف، فقال : أهل " دمشق(١) " بأكل البطِّيخ أبصر منهم بالقراءة.
فقيل : إنهم يدعون أنها قراءة عثمان.
فقال : هذا مصحف عثمان، فأخرجه فوجده كما نقل له.
الثالثة : إبْرَاهِم بألف بعد الراء، وكسر الهاء دون ياء، وبها قرأ أبو بكر ؛ وقال زيد بنُ عمروِ بنِ نُفَيْلٍ :[ الرجز ]
| ٧٧٢- عُذْتُ بِمَا عَاذَ بِهِ إِبْرَاهِمُ | إذْ قَالَ وَجْهي لَكَ عَانٍ رَاغِمُ |
الخامسة : كذلك إلا أنه بضمها.
السادسة : إبْرَهَم بفتح الهاء من غير ألف وياء.
قال عبد المطلب :[ الرمل ]
| ٧٧٣- نحْنُ آلُ اللهِ فِي كَعْبَتِهِ | لَمْ نَزَلْ ذَاكَ عَلَى عَهْدِ ابْرَهَمْ |
قال أبو البقاء : ويجمع على " أَبَاره " عند قوم، وعند آخرين " بَرَاهِم ".
وقيل : أبارِهَة وبَرَاهِمَة ويجوز أَبَارِهَة [ وقال المبرد رحمه الله تعالى : لا يقال براهم فإن الهمزة لا يجوز حذفها ].
وحكى ثعلب فيه :" بَرَاهٍ " كما يقال في تصغيره :" بُرَيْه " بحذف الزوائد.
والجمهور على نصب " إبراهيم " ورفع " رَبُّهُ " كما تقدم.
وقرأ ابن عباس وأبو الشعثاء وأبو حنيفة بالعكس. قالوا : وتأويلها دعا ربه، فسمى دعاءه ابتلاء مجازاً ؛ لأن في الدعاء طلب استكشاف لما تجري به المقادير.
والضمير المرفوع في " فَأَتمّهُنّ " فيه قولان :
أحدهما : أنه عائد على " ربّه " أي : فأكملهن.
والثاني : أنه عائد على " إبْرَاهِيمَ " أي : عمل بهن، ووفّى بهن.
وهو إبراهيم بن تارح بن ناحور مولده ب " الشوس " من أرض " الأهواز ".
وقيل :" بابل "، وقيل :" كولى " وقيل " كسكر " وقيل :" حيران ".
ونقله أبوه إلى " بابل " أرض نمرود بن كنعان، وكان له أربع بنين : إسماعيل وإسحاق ومدين ومدائن، ذكره السهيلي.
فصل فيما دلت عليه السورة
اعلم أنه سبحانه وتعالى لما شرح وجوه نعمه على بني إسرائيل شرح قبائحهم في أديانهم وأعمالهم، وختم هذا الفصل بشرح النعم بقوله :
﴿يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُواْ نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ١٢٢] بين نوعاً آخر من البيان، وهو أن ذكر قصة إبراهيم عليه السلام والحكمة فيه أن إبراهيم عليه السلام معترف بفضله جميع الطَّوائف، والمشركون أيضاً معترفون بفضله متشرّفون بأنهم من أولاده، ومن ساكني حرمه، وخادمي بيته، فذكر فضيلته لهم ؛ لأنها تدلّ على قبول محمد ﷺ من وجوه :
أحدها : أنه تعالى لما أمره ببعض التكاليف، فلما وفّى بها وخرج لا جرم نال النبوة والإمامة.
وثانيها : أنه لما طلب الإمامة لذريته فقال تعالى :﴿لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾ فدلّ ذلك على أنّ من أراد هذا المنصب وجب عليه ترك اللَّجَاج والتعصّب للباطل.
وثالثها : أن الحج من خصائص دين محمد ﷺ فحكى الله تعالى ذلك عن إبراهيم ليكون ذلك كالحُجَّة على اليهود والنصارى في وجوب الانقياد لذلك.
ورابعها : أن القبلة لما حولت إلى الكعبة شقّ ذلك على اليهود والنصارى، فبيّن الله تعالى أن هذا البيت قبلة إبراهيم الذي يعترفون بتعظيمه، ووجوب الاقتداء به، فكان ذلك مما يوجب زوال الغضب عن قلوبهم.
فصل في معنى الابتلاء
والابتلاء هنا الاختبار والامتحان، وابتلاء الله ليس ليعلم أقوالهم بالابتلاء ؛ لأنه تعالى عالم بجميع المعلومات على سبيل التَّفَاصيل من الأَزَلِ إلى الأبد، ولكن ليعلم الناس أحوالهم حتى يعرف بعضهم بعضاً، أو عاملهم معاملة المختبر.
واختلف في " الكَلِمَاتِ " فقال مجاهد : هي المذكورة بعدها في قوله تعالى :﴿إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً﴾ إلى آخرها من الآيات، ورفع البيت، وتطهير البيت، ورفع القواعد، والدعاء ببعث محمد ﷺ فإن هذه أمور شاقّة ؛ لأن الإمامة هاهنا هي النبوة وتتضمن مشاقاً عظيمة. وأما بناء البيت وتطهيره، ورفع قواعده، فمن وقف على ما روي في كيفية بنائه عرف شدّة البلوى فيه، ثم إنه يتضمّن إقامة المَنَاسك، وقد امتحن الله تعالى الخليل عليه الصلاة والسلام بالشَّيْطَان في الموقف لرمي الجِمَار وغيرها.
وأما اشتغاله بالدعاء ببعث محمد ﷺ فهو مما يحتاج إلى إخلاص العمل لله تعالى، وإزالة الحَسَد عن القلب، فكل هذه تكاليف شاقّة، ويدلّ على إرادة ذلك أنه عقبه بذكره من غير فصل بحرف عطف، فلم يقبل وقال :﴿إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً﴾.
واعترض القاضي على هذا، فقال : إنما يجوز هذا لو قال تعالى : وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمها إبراهيم، ثم قال بعد ذلك : إني جاعلك للناس إماماً فأتمهن.
وأجيب عنه : بأنه ليس المراد من الكلمات الإمامة فقط، بل الإمامة وبناء البيت وتطهيره والدعاء ببعث محمد ﷺ فكأنه تعالى ابتلاه بمجموع هذه الأشياء، فأخبر كأنه ابتلاه بأمور على الإجمال، ثم أخبر عنه أنه أتمّها، ثم عقب ذلك بالشرح والتفصيل، وهذا ليس ببعيد.
وقال طاوس عن ابن عباس رضي الله عنهما : عشر خصال كانت فَرْضاً في شرعه، وهي سُنّة في شرعنا : خمس في الرأس، وخمس في الجسد، أما التي في الرأس : فالمضمضة، والاستنشاق، وفرق الرأس، وقصّ الشارب، والسِّوَاك، وأما التي في البدن : فالخِتَان، وحَلْق العَانَةِ، ونَتْف الإبط، وتقليم الأظفار، [ والاستنجاء بالماء.
وفي الخبر أن إبراهيم عليه الصلاة والسلام أول من قصّ الشارب، وأول من اختتن وأول من قلّم الأَظفار ].
وقال أبو الفرج بن الجوزي حديثاً عن كعب الأحبار رضي الله عنه قال : خلق من الأنبياء ثلاثة عشر مَخْتُونين : آدم وشيث ونوح وإدريس وسام ولوط ويوسف وموسى وشعيب وسليمان ويحيى وعيسى ومحمد ﷺ.
وقال محمد بن حبيب الهاشمي أربعة عشر : آدم وشيث ونوح وهود وصالح ولوط وشعيب ويوسف وموسى وسليمان وزكريا وعيسى وحنظلة بن صفوان من أصحاب الرَّسِّ، ومحمد ﷺ. وروي أن عبد المطلب ختن النبي ﷺ يوم سابعه وجعل مَأْدُبة، وسماه محمداً عليه أفضل الصلاة والسلام.
قال يحيى بن أيوب رضي الله تعالى عنه طلبت هذا الحديث فلم أجده عند أحد من أهل الحديث ممّن لقيته إلاَّ عند ابن أبي السّريّ.
وقال عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما لم يُبْتلَ أحد بهذا الدين فأقامه كله إلا إبراهيم عليه الصَّلاة والسَّلام ابتلاه بثلاثين خَصْلة من خصال الإسلام : عشر منها في سورة " براءة " :﴿التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ﴾ [التوبة: ١١٢] إلى آخر الآية.
وعشر منها في سورة " الأحزاب " :﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ﴾ [الأحزاب: ٣٥] إلى آخر الآية وعشر منها في " المؤمنين " :﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ إلى قوله ﴿أُوْلَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ﴾ [ المؤمنون : ١ ١٠ ].
وروي عن ابن عباس : أربعون فزاد : وعشر في ﴿سَأَلَ سَائِلٌ﴾ إلى قوله تعالى :﴿يُحَافِظُونَ﴾ [المعارج: ١-٣٤].
وقال ابن عباس، وقتادة، والربيع : هي مناسك الحَجّ.
[ وقال الحسن ] : ابتلاه بسبعة أشياء : بالشمس والقمر، والكواكب، والخِتَان على الكِبَر، والنار، وذَبْح الولد، والهجرة، فوفّى بالكلّ.
وقال يمَان بن رباب : هي مَحَاجّته قومه، والصلاة، والزكاة، والصوم، والضيافة، والصبر عليها.
وقال بعضهم : هي قوله :﴿إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾
[البقرة: ١٣١].
وقال سعيد بن جبير : هو قول إبراهيم وإسماعيل إذ يَرْفَعَان البَيْتَ :﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا﴾ [البقرة: ١٢٧] الآية.
وقيل : هي قوله :﴿الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ﴾ [الشعراء: ٧٨] الآيات.
قال القَفّال : وجملة القول أن الابتلاء يتناول إلزام كلّ ما في فعله كُلفة شدة ومشقة، فاللفظ يتناول مجموع هذه الأشياء، ويتناول كل واحد منها، فلو ثبتت الرواية في الكل وجب القول بالكل، ولو ثبتت الرواية في البعض دون البعض، [ فحينئذ يقع بين هذه الروايات ]، فوجب التوقّف.
فصل في وقت هذا الابتلاء
قال القاضي : هذا الابتلاء إنما كان قبل النبوة ؛ لأنَّ الله تعالى جعل قيامه عليه الصلاة والسلام بهنّ كالسبب لأنْ يجعله الله إماماً، والسبب مقدم على المسّبب، وإذا كان كذلك فالله تعالى ابت
١ - بالكسر، ثم الفتح، وشين معجمة، وآخره قاف: البلدة المشهورة قصبة الشام، هي جنة الشام؛ لحسن عمارتها وبقعتها، وكثرة أشجارها وفواكهها، ومياهها المتدفقة في مساكنها، وأسواقها، وجامعها، ومدارسها. قيل: سميت بذلك؛ لأنهم دمشقوا في بنائها أي أسرعوا. وقيل: هو اسم واضعها، وهو دمشق بن كنعان. وقيل غير ذلك، وهي مشهورة ينظر مراصد الاطلاع: ٢/٥٣٤..