روح المعاني — الألوسي

عن الكتاب
﴿وَإِذِ ابتلى إبراهيم رَبُّهُ بكلمات﴾ في متعلق ﴿إِذْ﴾ احتمالات تقدمت الإشارة إليها في نظير الآية، واختار أبو حيان تعلقها ب ﴿قَالَ﴾ الآتي، وبعضهم بمضمر مؤخر، أي كان كيت وكيت والمشهور : تعلقها بمضمر مقدم تقديره اذكر أو اذكروا وقت كذا، والجملة حينئذ معطوفة على ما قبلها عطف القصة على القصة، والجامع الاتحاد في المقصد ؛ فإن المقصد من تذكيرهم وتخويفهم تحريضهم على قبول دينه ﷺ، واتباع الحق، وترك التعصب، وحب الرياسة، كذلك المقصد من قصة إبراهيم عليه السلام وشرح أحواله، الدعوة على ملة الإسلام ؛ وترك التعصب في الدين، وذلك لأنه إذا علم أنه نال الإمامة بالانقياد لحكمه تعالى، وأنه لم يستجب دعاءه في الظالمين، وأن الكعبة كانت مطافاً ومعبداً في وقته مأموراً هو بتطهيره، وأنه كان يحج البيت داعياً مبتهلاً كما هو في دين النبي ﷺ وأن نبينا عليه الصلاة والسلام من دعوته، وأنه دعا في حق نفسه وذريته بملة الإسلام، كان الواجب على من يعترف بفضله وأنه من أولاده، ويزعم اتباع ملته ؛ ويباهي بأنه من ساكن حرمه وحامي بيته، أن يكون حاله مثل ذلك، وذهب عصام الملة والدين : إلى جواز العطف على ﴿نِعْمَتِيَ﴾ [البقرة: ١٢٢] أي : اذكروا وقت ابتلاء إبراهيم فإن فيه ما ينفعكم ويرد اعتقادكم الفاسد أن آباءكم شفعاؤكم يوم القيامة ؛ لأنه لم يقبل دعاء إبراهيم في الظلمة ويدفع عنكم حب الرياسة المانع عن متابعة الرسول ﷺ، فإنه يعلم منه أنه لا ينال الرياسة الظالمين واعترض بأنه خروج عن طريق البلاغة مع لزوم تخصيص الخطاب بأهل الكتاب وتخلل ﴿اتقوا﴾ [البقرة: ١٢٣] بين المعطوفين والابتلاء في الأصل الاختبار كما قدمنا / والمراد به هنا التكليف، أو المعاملة معاملة الاختبار مجازاً، إذ حقيقة الاختبار محالة عليه تعالى لكونه عالم السر والخفيات و( إبراهيم ) علم أعجمي، قيل : معناه قبل النقل أب رحيم وهو مفعول مقدم لإضافة فاعله إلى ضميره، والتعرض لعنوان الربوبية تشريف له عليه السلام، وإيذان بأن ذلك الابتلاء تربية له وترشيح لأمر خطير، والكلمات جمع كلمة وأصل معناها اللفظ المفرد وتستعمل في الجمل المفيدة، وتطلق على معاني ذلك لما بين اللفظ والمعنى من شدة الاتصال واختلف فيها، فقال طاوس عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما : إنها العشرة التي من الفطرة، المضمضة، والاستنشاق، وقص الشارب، وإعفاء اللحية، والفرق، ونتف الإبط، وتقليم الأظفار، وحلق العانة.
والاستطابة، والختان، وقال عكرمة رواية عنه أيضاً : لم يبتل أحد بهذا الدين فأقامه كله إلا إبراهيم، ابتلاه الله تعالى بثلاثين خصلة من خصال الإسلام، عشر منها في سورة براءة ( ١١٢ ) ﴿التائبون﴾ الخ، وعشر في الأحزاب ( ٥٣ ) ﴿إِنَّ المسلمين والمسلمات﴾ الخ، وعشر في المؤمنين و﴿سَأَلَ سَائِلٌ﴾ إلى ﴿وَالَّذِينَ هُمْ على صَلاَتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾ [المعارج: ٣٤] وفي رواية الحاكم في «مستدركه » أنها ثلاثون، وعد السور الثلاثة الأول ولم يعد السورة الأخيرة، فالذي في براءة التوبة والعبادة والحمد والسياحة والركوع والسجود والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والحفظ لحدود الله تعالى، والإيمان المستفاد من ﴿وَبَشّرِ المؤمنين﴾ [التوبة: ١١٢] أو من ﴿إِنَّ الله اشترى مِنَ المؤمنين﴾ [التوبة: ١١١] في الأحزاب، الإسلام والإيمان والقنوت والصدق والصبر والخشوع والتصدق والصيام والحفظ للفروج، والذكر والذي في المؤمنين : الإيمان والخشوع والإعراض عن اللغو والزكاة والحفظ للفروج إلا على الأزواج أو الإماء ثلاثة والرعاية للعهد، والأمانة اثنين، والمحافظة على الصلاة، وهذا مبني على أن لزوم التكرار في بعض الخصال بعد جمع العشرات المذكورة، كالإيمان والحفظ للفروج لا ينافي كونها ثلاثين تعداداً إنما ينافي تغايرها ذاتاً ومن هنا عدت التسمية مائة وثلاث عشرة آية عند الشافعية باعتبار تكررها في كل سورة، وما في رواية عكرمة مبني على اعتبار التغاير بالذات وإسقاط المكررات، وعده العاشرة البشارة للمؤمنين في براءة، وجعل الدوام على الصلاة والمحافظة عليها واحداً ﴿والذين في أموالهم حَقٌّ مَّعْلُومٌ لَّلسَّائِلِ والمحروم﴾ [المعارج: ٢٤، ٢٥] غير الفاعلين للزكاة لشموله صدقة التطوع وصلة الأقارب، وما روي أنها أربعون وبينت بما في السور الأربع مبني على الاعتبار الأول أيضاً فلا إشكال وقيل : ابتلاه الله تعالى بسبعة أشياء : بالكوكب، والقمرين، والختان على الكبر، والنار، وذبح الولد، والهجرة من كوثى إلى الشام، وروي ذلك عن الحسن، وقيل : هي ما تضمنته الآيات بعد من الإمامة، وتطهير البيت، ورفع قواعده، والإسلام، ( وقيل، وقيل. . . ) إلى ثلاثة عشر قولاً.
وقرأ ابن عامر وابن الزبير وغيرهما ( إبراهام ) وأبو بكرة ( إبراهِم ) بكسر الهاء وحذف الياء وقرأ ابن عباس، وأبو الشعثاء، وأبو حنيفة رضي الله تعالى عنهم برفع ( إبراهيم ) ونصب ( ربه ) فالابتلاء بمعنى الاختبار حقيقة لصحته من العبد، والمراد : دعا ربه بكلمات مثل ﴿رَبّ أَرِنِي كَيْفَ تحْيِي الموتى﴾ [ البقرة : ٠ ٦٢ ] و﴿اجعل هذا البلد آمنا﴾ [ إبراهيم : ٥ ٣ ] ليرى هل يجيبه ؟ ولا حاجة إلى الحمل على المجاز. وأما ما قيل : إنه وإن صح من العبد لا يصح أو لا يحسن تعليقه بالرب فوجهه غير ظاهر سوى ذكر لفظ الابتلاء ويجوز أن يكون ذلك في مقام الإنس، ومقام الخلة غير خفي.
﴿فَأَتَمَّهُنَّ﴾ الضمير المنصوب للكلمات لا غير، والمرفوع المستكن يحتمل أن يعود لإبراهيم وأن يعود لربه على كل من قرائتي الرفع والنصب فهناك أربعة احتمالات الأول : عوده على ﴿إِبْرَاهِيمَ﴾ منصوباً، ومعنى :﴿أتمهن﴾ حينئذ أتى بهن على الوجه الأتم وأداهن/ كما يليق.
الثاني : عوده على ﴿خَشِي رَبَّهُ﴾ مرفوعاً، والمعنى حينئذ يسر له العمل بهن وقواه على إتمامهن أو أتم له أجورهن، أو أدامهنّ سنة فيه وفي عقبه إلى يوم الدين. الثالث : عوده على إبراهيم مرفوعاً والمعنى عليه أتم ﴿إِبْرَاهِيمَ﴾ الكلمات المدعو بها بأن راعى شروط الإجابة فيها، ولم يأت بعدها بما يضيعها. الرابع : عوده إلى ﴿رَبَّهُ﴾ منصوباً والمعنى عليه فأعطى سبحانه إبراهيم جميع ما دعاه، وأظهر الاحتمالات الأول والرابع، إذ التمدح غير ظاهر في الثاني مع ما فيه من حذف المضاف على أحد محتملاته والاستعمال المألوف غير متبع في الثالث، ولأن الفعل الواقع في مقابلة الاختبار يجب أن يكون فعل المختبر اسم مفعول.
﴿قَالَ إِنّي جاعلك لِلنَّاسِ إِمَامًا﴾ استئناف بياني إن أضمر ناصب ﴿إِذْ﴾ كأنه قيل : فماذا كان بعد ؟ فأجيب بذلك، أو بيان لابتلى بناء على رأي من جعل الكلمات عبارة عما ذكر أثره وبعضهم يجعل ذلك من بيان الكلي بجزئي من جزئياته وإذا نصبت ﴿إِذْ﴾ ب ﴿قَالَ﴾ كما ذهب إليه أبو حيان : يكون المجموع جملة معطوفة على ما قبلها على الوجه الذي مرّ تفصيله، وقيل : مستطردة أو معترضة، ليقع قوله تعالى :﴿أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاء﴾ [البقرة: ١٣٣] إن جعل خطاباً لليهود موقعه، ويلائم قوله سبحانه :﴿وَقَالُواْ كُونُواْ هُودًا أَوْ نصارى﴾ [البقرة: ١٣٥] و( جاهل ) من جعل بمعنى صير المتعدي إلى مفعولين، و﴿لِلنَّاسِ﴾ إما متعلق ب ( جاعل ) أي لأجلهم، وإما في موضع الحال لأنه نعت نكرة تقدمت أي إماماً كائناً لهم والإمام اسم للقدوة الذي يؤتم به. ومنه قيل لخيط البناء : إمام، وهو مفرد على فعال، وجعله بعضهم اسم آلة لأن فعالاً من صيغها كالإزار واعترض بأن الإمام ما يؤتم به، والإزار ما يؤتزر به فهما مفعولان ومفعول الفعل ليس بآلة لأنها الواسطة بين الفاعل والمفعول في وصول أثره إليه، ولو كان المفعول آلة لكان الفاعل كذلك وليس فليس ويكون جمع آم اسم فاعل من أم يؤم كجائع وجياع، وقائم وقيام، وهو بحسب المفهوم وإن كان شاملاً للنبي والخليفة وإمام الصلاة، بل كل من يقتدي به في شيء ولو باطلاً كما يشير إليه قوله تعالى :﴿وجعلناهم أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النار﴾ [ القصص : ١ ٤ ] إلا أن المراد به ههنا النبي المقتدى به، فإن من عداه لكونه مأموم النبي ليست إمامته كإمامته، وهذه الإمامة إما مؤبدة كما هو مقتضى تعريف الناس وصيغة اسم الفاعل الدال على الاستمرار ولا يضر مجيء الأنبياء بعده لأنه لم يبعث نبي إلا وكان من ذريته ومأموراً باتباعه في الجملة لا في جميع الأحكام لعدم اتفاق الشرائع التي بعده في الكل، فتكون إمامته باقية بإمامة أولاده التي هي أبعاضه على التناوب، وإما مؤقتة بناء على أن ما نسخ ولو بعضه لا يقال له مؤبد وإلا لكانت إمامة كل نبي مؤبدة ولم يشع ذلك، فالمراد من ( الناس ) حينئذ أمته الذين اتبعوه، ولك أن تلتزم القول بتأبيد إمامة كل نبي ولكن في عقائد التوحيد وهي لم تنسخ بل لا تنسخ أصلاً كما يشير إليه قوله تعالى :﴿أُوْلَئِكَ الذين هَدَى الله فَبِهُدَاهُمُ اقتده﴾ [الأنعام: ٩٠] وعدم الشيوع غير مسلم، ولئن سلم لا يضر، والامتنان على إبراهيم عليه السلام بذلك دون غيره لخصوصية اقتضت ذلك لا تكاد تخفى فتدبر.
ثم لا يخفى أن ظاهر الآية يشير إلى أن الابتلاء كان قبل النبوة لأنه تعالى جعل القيام بتلك الكلمات سبباً لجعله إماماً، وقيل : إنه كان بعدها لأنه يقتضي سابقة الوحي، وأجيب بأن مطلق الوحي لا يستلزم البعثة إلى الخلق وأنت تعلم أن ذبح الولد والهجرة والنار إن كانت من الكلمات يشكل الأمر لأن هذه كانت بعد النبوة بلا شبهة، وكذا الختان أيضاً بناء على ما روي أنه عليه الصلاة والسلام حين ختن نفسه كان عمره مائة وعشرين، فحينئذ يحتاج إلى أن يكون إتمام الكلمات سبب الإمامة باعتبار عمومها للناس واستجابة دعائه في حق بعض ذريته، ونقل الرازي عن القاضي أنه على هذا يكون المراد من قوله تعالى :﴿فَأَتَمَّهُنَّ﴾ أنه سبحانه وتعالى علم من حاله أنه/ يتمهن ويقوم بهن بعد النبوة فلا جرم أعطاه خلعة الإمامة والنبوة ولا يخفى أن الفاء يأبى عن الحمل على هذا المعنى.
﴿قَالَ﴾ استئناف بياني والضمير لإبراهيم عليه السلام ﴿وَمِن ذُريَّتِي﴾ عطف على الكاف يقال سأكرمك فتقول وزيداً وجعله على معنى : ماذا يكون من ذريتي بعيد. وذهب أبو حيان إلى أنه متعلق بمحذوف أي اجعل من ذريتي إماماً لأنه عليه السلام فهم من ﴿إِنّي جاعلك﴾ الاختصاص به، واختاره بعضهم واعترضوا على ما تقدم بأن الجار والمجرور لا يصلح مضافاً إليه فكيف يعطف عليه وبأن العطف على الضمير كيف يصح بدون إعادة الجار وبأنه كيف يكون المعطوف مقول قائل آخر، ودفع الأولون بأن الإضافة اللفظية في تقدير الانفصال ﴿وَمِن ذُرّيَتِي﴾ في معنى : بعض ذريتي فكأنه قال : وجاعل بعض ذريتي وهو صحيح على أن العطف على الضمير المجرور بدون إعادة الجار وإن أباه أكثر النحاة إلا أن المحققين من علماء العربية وأئمة الدين على جوازه حتى قال صاحب «العباب » : إنه وارد في القراءات السبعة المتواترة فمن رد ذلك فقد رد على النبي ﷺ، ودفع الثالث : بأنه من قبيل عطف التلقين فهو خبر في معنى الطلب وكأن أصله : واجعل بعض ذريتي كما قدره المعت

تفسير هذه الآية من كتب أخرى