البحر المحيط في التفسير — أبو حيان الأندلسي
عن الكتاب
إبراهيم : اسم علم أعجمي.
قيل : ومعناه بالسريانية قبل النقل إلى العلمية : أب رحيم، وفيه لغى ست : إبراهيم بألف وياء وهي الشهيرة المتداولة، وبألف مكان الياء، وبإسقاط الياء مع كسر الهاء، أو فتحها، أو ضمها، وبحذف الألف والياء وفتح الهاء، قال عبد المطلب :
وقال زيد بن عمرو بن نفيل :
الإتمام : الإكمال، والهمزة فيه للنقل.
ثم الشيء يتم : كمل، وهو ضد النقص.
الإمام : القدوة الذي يؤتم به، ومنه قيل لخيط البناء : إمام، وللطريق : إمام، وهو مفرد على فعال، كالإزار للذي يؤتزر به، ويكون جمع آم، اسم فاعل من أم يؤم، كجائع وجياع، وقائم وقيام، ونائم ونيام.
الذرية : النسل، مشتقة من ذروت، أو ذريت، أو ذرأ الله الخلق، أو الذر.
ويضم ذالها، أو يكسر، أو يفتح.
فأما الضم فيجوز أن تكون ذرية، فعيلة من ذرأ الله الخلق، وأصله ذريئة، فخففت الهمزة بإبدالها ياء، كما خففوا همزة النسيء فقالوا : النسيّ، ثم أدغموا الياء التي هي لام الفعل التي هي للمد.
ويجوز أن تكون فعولة من ذروت، الأصل ذرووة، أبدلت لام الفعل ياء.
اجتمع لك واو وياء واو المد والياء المنقلبة عن الواو التي هي لام الفعل، وسبقت إحداهما بالسكون، فقلبت واو المد ياء، وأدغمت في الياء، وكسر ما قبلها، لأن الياء تطلب الكسر.
ويجوز أن تكون فعيلة من ذررت، أصلها ذريوة، اجتمعت ياء المد والواو التي هي لام الكلمة وسبقت إحداهما بالسكون، فقلبت الواو ياء، وأدغمت ياء المد فيها.
ويجوز أن تكون فعولة أو فعيلة من ذريت لغة في ذروت، فأصلها أن تكون فعولة ذروية، وإن كان فعيلة ذريية، ثم أدغم.
ويجوز أن تكون فعيلة من الذر منسوبة، أو فعلية من الذر غير منسوبة، أو فعيلة، كمريقة، أو فعول، كسبوح وقدوس، أو فعلولة، كقردودة الظهر، فضم أولها إن كان اسماً، كقمرية، وإن كانت منسوبة، كما قالوا في النسب إلى الدهر : دهري، وإلى السهل، سهلي.
وأصل فعيلة من الذر : ذريرة، وفعولة من الذر : ذرورة، وكذلك فعلولة، أبدلت الراء الآخرة في ذلك ياء كراهة التضعيف، كما قالوا في تسررت ؛ تسريت.
وأما من كسر ذال ذرية، فيحتمل أن تكون فعيلة من ذرأ الله الخلق، كبطيخة، فأبدلت الهمزة ياء، وأدغمت في ياء المد، أو فعلية من الذر منسوبة على غير قياس، أو فعيلة من الذر أصله ذريرة، أو فعليل، كحلتيت.
ويحتمل أن تكون ذريوة من ذروت، أو فعيلة ذريئة من ذريت.
وأما من فتح ذال ذرية، فيحتمل أن تكون فعيلة من ذرأ، مثل سكينة، أو فعولة من هذا أيضاً، كخروبة.
فالأصل ذروءة، فأبدلت الهمزة ياء بدلاً مسموعاً، وقلبت الواو ياء وأدغمت.
ويحتمل أن تكون فعيلة من الذر غير منسوبة، كبرنيه، أو منسوبة إلى الذر، أو فعولة، كخروبه من الذر أصلها ذرورة، ففعل بها ما تقدم، أو فعلولة، كبكولة، فالأصل ذرورة أيضاً، أو فعيلة، كسكينة ذريرة، فقلبت الراء ياء في ذلك كله، ويحتمل أن يكون من ذروت فعيلة، كسكينة، فالأصل ذريوة، أو من ذريت ذريية، أو فعولة من ذروت أو ذريت.
وأما من بناها على فعلة، كجفنة، وقال ذرية، فإنها من ذريت.
النيل : الإدراك.
نلت الشيء أناله نيلاً، والنيل : العطاء.
﴿وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن قال إني جاعلك للناس إماماً قال ومن ذريتي﴾ : مناسبة هذه الآية لما قبلها، أنه لما جرى ذكر الكعبة والقبلة، وأن اليهود عيروا المؤمنين بتوجههم إلى الكعبة وترك بيت المقدس، كما قال :﴿ما ولاهم عن قبلتهم﴾ ذكر حديث إبراهيم وما ابتلاه به الله، واستطرد إلى ذكر البيت وكيفية بنائه، وأنهم لما كانوا من نسل إبراهيم، كان ينبغي أن يكونوا أكثر الناس اتباعاً لشرعه، واقتفاء لآثاره.
فكان تعظيم البيت لازماً لهم، فنبه الله بذلك على سوء اعتمادهم، وكثرة مخالفتهم، وخروجهم عن سنن من ينبغي اتباعه من آبائهم، وأنهم، وإن كانوا من نسله، لا ينالون لظلمهم شيئاً من عهده، وإذ العامل فيه على ما ذكروا محذوف، وقدروه اذكر، أي اذكرا إذ ابتلي إبراهيم، فيكون مفعولاً به، أو إذ ابتلاه كان كيت وكيت.
وقد تقدم الكلام في ذلك عند قوله تعالى :﴿وإذ قال ربك للملائكة﴾ والاختيار أن يكون العامل فيه ملفوظاً به، وهو ﴿قال إني جاعلك﴾.
والابتلاء : الاختبار، ومعناه أنه كلفه بأوامر ونواه.
والباري تعالى عالم بما يكون منه.
وقيل : معناه أمر.
قال الزمخشري : واختبار الله عبده مجاز عن تمكينه من اخيتار أحد الأمرين : ما يريد الله، وما يشتهيه العبد، كأنه امتحنه ما يكون منه حتى يجازيه على حسب ذلك.
انتهى كلامه، وفيه دسيسة الاعتزال.
وفي ري الظمآن الابتلاء : إظهار الفعل، والاختبار : طلب الخبر، وهما متلازمان.
وابراهيم هنا، وفي جميع القرآن هو الجد الحادي والثلاثون لنبينا رسول الله ﷺ، وهو خليل الله، ابن تارح بن ناحور بن ساروغ بن أرغو بن فالغ بن عابر، وهو هود النبي عليه السلام، ومولده بأرض الأهواز.
وقيل : بكوثي، وقيل : ببابل، وقيل : بنجران، ونقله أبوه إلى بابل أرض نمروذ بن كنعان.
وقد تقدّم ذكر اللغات الست في لفظه.
وقرأ الجمهور : إبراهيم بالألف والياء.
وقرأ ابن عامر بخلاف عن ابن ذكوان في البقرة بألفين.
زاد هشام أنه قرأ كذلك في : ابراهيم، والنحل، ومريم، والشورى، والذاريات، والنجم، والحديد، وأول الممتحنة، وثلاث آخر النساء، وأخرى التوبة، وآخر الأنعام، والعنكبوت.
وقرأ المفضل : ابراهام بألفين، إلا في المودة والأعلى.
وقرأ ابن الزبير : ابراهام، وقرأ أبو بكرة : إبراهم بألف وحذف الياء وكسر الهاء.
وقرأ الجمهور : بنصب إبراهيم ورفع ربه.
وقرأ ابن عباس، وأبو الشعثاء، وأبو حنيفة : برفع إبراهيم ونصب ربه.
فقراءة الجمهور على أن الفاعل هو الرب، وتقدم معنى ابتلائه إياه.
قال ابن عطية : وقدم المفعول للاهتمام بمن وقع الابتلاء، إذ معلوم أن الله تعالى هو المبتلي.
وإيصال ضمير المفعول بالفاعل موجب لتقديم المفعول.
انتهى كلامه، وفيه بعض تلخيص.
وكونه مما يجب فيه تقديم الفاعل هو قول الجمهور.
وقد جاء في كلام العرب مثل : ضرب غلامه زيداً، وقال : وقاس عليه بعض النحويين، وتأول بعضه الجمهور، أو حمله على الشذوذ.
وقد طول الزمخشرى في هذه المسألة بما يوقف عليه من كلامه في الكشاف، وليست من المسائل التي يطوّل فيها لشهرتها في العربية.
وقرأ ابن عباس : معناها أنه دعا ربه بكلمات من الدعاء بتطلب فيها الإجابة، فأطلق على ذلك ابتلاء على سبيل المجاز لأن في الدعاء طلب استكشاف لما تجري به المقادير على الإنسان.
والكلمات لم تبين في القرآن ما هي، ولا في الحديث الصحيح، وللمفسرين فيها أقوال : الأول : روى طاوس، عن ابن عباس أنها العشرة التي من الفطرة : المضمضة، والاستنشاق، وقص الشارب، وإعفاء اللحية، والفرق، ونتف الإبط، وتقليم الأظفار، وحلق العانة، والاستطابة، والختان، وهذا قول قتادة.
الثاني عشر : وهي : حلق العانة، ونتف الإبط، وتقليم الأظفار، وقص الشارب، وغسل يوم الجمعة، والطواف بالبيت، والسعي، ورمي الجمار، والإفاضة.
وروي هذا عن ابن عباس أيضاً.
الثالث : ثلاثون سهماً في الإسلام، لم يتم ذلك أحد إلا إبراهيم، وهي عشر في براءة ﴿التائبون﴾ الآية، وعشر في الأحزاب ﴿إن المسلمين﴾ الآية، وعشر في ﴿قد أفلح﴾ وفي المعارج.
وروي هذا عن ابن عباس أيضاً.
الرابع : هي الخصال الست التي امتحن بها الكوكب، والقمر، والشمس، والنار، والهجرة، والختان.
وقيل : بدل الهجرة الذبح لولده، قاله الحسن.
الخامس : مناسك الحج، رواه قتادة، عن ابن عباس.
السادس : كل مسألة سألها إبراهيم في القرآن مثل :﴿رب اجعل هذا البلد آمناً﴾، قاله مقاتل.
السابع : هي قول : سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
وقوله : ربنا تقبل منا، قاله ابن جبير.
الثامن : هو قوله تعالى :﴿وحاجَّه قومه﴾ قاله يمان.
التاسع : هي قوله :﴿الذي خلقني فهو يهدين﴾ الآيات، قاله أبو روق.
العاشر : هي ما ابتلاه به في ماله وولده ونفسه، فسلم ماله للضيفان، وولده للقربان، ونفسه للنيران، وقلبه للرحمن، فاتخذه الله خليلاً.
الحادي عشر : هو أن الله أوحى إليه أن تطهر فتمضمض، ثم أن تطهر فاستنشق، ثم أن تطهر فاستاك، ثم أن تطهر فأخذ من شاربة، ثم أن تطهر ففرق شعره، ثم أن تطهر فاستنجى، ثم أن تطهر فحلق عانته، ثم أن تطهر فنتف إبطه، ثم أن تطهر فقلم أظفاره، ثم أن تطهر فأقبل على جسده ينظر ماذا يصنع، فاختتن بعد عشرين ومائة سنة.
وفي البخاري، أنه اختتن وهو ابن ثمانين سنة بالقدوم، وأوحى الله إليه ﴿إني جاعلك للناس إماماً﴾، يأتمون بك في هذه الخصال ويقتدي بك الصالحون.
فإن صحت تلك الرواية، فالتأويل أنه اختتن بعد عشرين ومائة سنة من ميلاده، وابن ثمانين سنة من وقت نبوته، فيتفق التاريخان، والله أعلم.
الثاني عشر : هي عشرة : شهادة أن لا إله إلا الله، وهي الملة والصلاة، وهي الفطرة والزكاة، وهي الطهرة والصوم، وهو الجنة والحج، وهو الشعيرة والغزو، وهو النصرة والطاعة، وهي العصمة والجماعة، وهي الألفة والأمر بالمعروف، وهو الوفاء والنهي عن المنكر، وهو الحجة.
الثالث عشر : هي : تجعلني إماماً، وتجعل البيت مثابة وأمناً، وترينا مناسكنا، وتتوب علينا، وهذا البلد آمناً، وترزق أهله من الثمرات.
فأجابه الله في ذلك بما سأله، وهذا معنى قول مجاهد والضحاك.
وهذه الأقوال ينبغي أن تحمل على أن كل قائل منها ذكر طائفة مما ابتلى الله به إبراهيم، إذ كلها ابتلاه بها، ولا يحمل ذلك على الحصر في العدد، ولا على التعيين، لئلا يؤدي ذلك إلى التناقض.
وهذه الأشياء التي فسر بها الكلمات، إن كانت أقوالاً، فذلك ظاهر في تسميتها كلمات، وإن كانت أفعالاً، فيكون إطلاق الكلمات عليها مجازاً، لأن التكاليف الفعلية صدرت عن الأوامر، والأوامر كلمات.
سميت الذات كلمة لبروزها عن كلمة كن.
قال تعالى :﴿وكلمته ألقاها إلى مريم﴾ وقد تكلم بعض المفسرين في أحكام ما شرحت به الكلمات من : المضمضة، والاستنشاق، وقص الشارب، وإعفاء اللحية، والفرق، والسدل، والسواك، ونتف الإبط، وحلق العانة، وتقليم الأظفار، والاستنجاء، والختان، والشيب وتغييره، والثريد، والضيافة.
وهذا يبحث فيه في علم الفقه، وليس كتابنا موضوعاً لذلك، فلذلك تركنا الكلام على ذلك.
فأتمهن : الضمير المستكن في فأتمهن يظهر أنه يعود إلى الله تعالى، لأنه هو المسند إليه الفعل قبله على طريق الفاعلية.
فأتمهن معطوف على ابتلى، فالمناسب التطابق في الضمير.
وعلى هذا، فالم
قيل : ومعناه بالسريانية قبل النقل إلى العلمية : أب رحيم، وفيه لغى ست : إبراهيم بألف وياء وهي الشهيرة المتداولة، وبألف مكان الياء، وبإسقاط الياء مع كسر الهاء، أو فتحها، أو ضمها، وبحذف الألف والياء وفتح الهاء، قال عبد المطلب :
| نحن آل الله في كعبته | لم نزل ذاك على عهد إبراهيم |
| عذت بما عاذ به إبراهم | إذ قال وجهي لك عان راغم |
ثم الشيء يتم : كمل، وهو ضد النقص.
الإمام : القدوة الذي يؤتم به، ومنه قيل لخيط البناء : إمام، وللطريق : إمام، وهو مفرد على فعال، كالإزار للذي يؤتزر به، ويكون جمع آم، اسم فاعل من أم يؤم، كجائع وجياع، وقائم وقيام، ونائم ونيام.
الذرية : النسل، مشتقة من ذروت، أو ذريت، أو ذرأ الله الخلق، أو الذر.
ويضم ذالها، أو يكسر، أو يفتح.
فأما الضم فيجوز أن تكون ذرية، فعيلة من ذرأ الله الخلق، وأصله ذريئة، فخففت الهمزة بإبدالها ياء، كما خففوا همزة النسيء فقالوا : النسيّ، ثم أدغموا الياء التي هي لام الفعل التي هي للمد.
ويجوز أن تكون فعولة من ذروت، الأصل ذرووة، أبدلت لام الفعل ياء.
اجتمع لك واو وياء واو المد والياء المنقلبة عن الواو التي هي لام الفعل، وسبقت إحداهما بالسكون، فقلبت واو المد ياء، وأدغمت في الياء، وكسر ما قبلها، لأن الياء تطلب الكسر.
ويجوز أن تكون فعيلة من ذررت، أصلها ذريوة، اجتمعت ياء المد والواو التي هي لام الكلمة وسبقت إحداهما بالسكون، فقلبت الواو ياء، وأدغمت ياء المد فيها.
ويجوز أن تكون فعولة أو فعيلة من ذريت لغة في ذروت، فأصلها أن تكون فعولة ذروية، وإن كان فعيلة ذريية، ثم أدغم.
ويجوز أن تكون فعيلة من الذر منسوبة، أو فعلية من الذر غير منسوبة، أو فعيلة، كمريقة، أو فعول، كسبوح وقدوس، أو فعلولة، كقردودة الظهر، فضم أولها إن كان اسماً، كقمرية، وإن كانت منسوبة، كما قالوا في النسب إلى الدهر : دهري، وإلى السهل، سهلي.
وأصل فعيلة من الذر : ذريرة، وفعولة من الذر : ذرورة، وكذلك فعلولة، أبدلت الراء الآخرة في ذلك ياء كراهة التضعيف، كما قالوا في تسررت ؛ تسريت.
وأما من كسر ذال ذرية، فيحتمل أن تكون فعيلة من ذرأ الله الخلق، كبطيخة، فأبدلت الهمزة ياء، وأدغمت في ياء المد، أو فعلية من الذر منسوبة على غير قياس، أو فعيلة من الذر أصله ذريرة، أو فعليل، كحلتيت.
ويحتمل أن تكون ذريوة من ذروت، أو فعيلة ذريئة من ذريت.
وأما من فتح ذال ذرية، فيحتمل أن تكون فعيلة من ذرأ، مثل سكينة، أو فعولة من هذا أيضاً، كخروبة.
فالأصل ذروءة، فأبدلت الهمزة ياء بدلاً مسموعاً، وقلبت الواو ياء وأدغمت.
ويحتمل أن تكون فعيلة من الذر غير منسوبة، كبرنيه، أو منسوبة إلى الذر، أو فعولة، كخروبه من الذر أصلها ذرورة، ففعل بها ما تقدم، أو فعلولة، كبكولة، فالأصل ذرورة أيضاً، أو فعيلة، كسكينة ذريرة، فقلبت الراء ياء في ذلك كله، ويحتمل أن يكون من ذروت فعيلة، كسكينة، فالأصل ذريوة، أو من ذريت ذريية، أو فعولة من ذروت أو ذريت.
وأما من بناها على فعلة، كجفنة، وقال ذرية، فإنها من ذريت.
النيل : الإدراك.
نلت الشيء أناله نيلاً، والنيل : العطاء.
﴿وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن قال إني جاعلك للناس إماماً قال ومن ذريتي﴾ : مناسبة هذه الآية لما قبلها، أنه لما جرى ذكر الكعبة والقبلة، وأن اليهود عيروا المؤمنين بتوجههم إلى الكعبة وترك بيت المقدس، كما قال :﴿ما ولاهم عن قبلتهم﴾ ذكر حديث إبراهيم وما ابتلاه به الله، واستطرد إلى ذكر البيت وكيفية بنائه، وأنهم لما كانوا من نسل إبراهيم، كان ينبغي أن يكونوا أكثر الناس اتباعاً لشرعه، واقتفاء لآثاره.
فكان تعظيم البيت لازماً لهم، فنبه الله بذلك على سوء اعتمادهم، وكثرة مخالفتهم، وخروجهم عن سنن من ينبغي اتباعه من آبائهم، وأنهم، وإن كانوا من نسله، لا ينالون لظلمهم شيئاً من عهده، وإذ العامل فيه على ما ذكروا محذوف، وقدروه اذكر، أي اذكرا إذ ابتلي إبراهيم، فيكون مفعولاً به، أو إذ ابتلاه كان كيت وكيت.
وقد تقدم الكلام في ذلك عند قوله تعالى :﴿وإذ قال ربك للملائكة﴾ والاختيار أن يكون العامل فيه ملفوظاً به، وهو ﴿قال إني جاعلك﴾.
والابتلاء : الاختبار، ومعناه أنه كلفه بأوامر ونواه.
والباري تعالى عالم بما يكون منه.
وقيل : معناه أمر.
قال الزمخشري : واختبار الله عبده مجاز عن تمكينه من اخيتار أحد الأمرين : ما يريد الله، وما يشتهيه العبد، كأنه امتحنه ما يكون منه حتى يجازيه على حسب ذلك.
انتهى كلامه، وفيه دسيسة الاعتزال.
وفي ري الظمآن الابتلاء : إظهار الفعل، والاختبار : طلب الخبر، وهما متلازمان.
وابراهيم هنا، وفي جميع القرآن هو الجد الحادي والثلاثون لنبينا رسول الله ﷺ، وهو خليل الله، ابن تارح بن ناحور بن ساروغ بن أرغو بن فالغ بن عابر، وهو هود النبي عليه السلام، ومولده بأرض الأهواز.
وقيل : بكوثي، وقيل : ببابل، وقيل : بنجران، ونقله أبوه إلى بابل أرض نمروذ بن كنعان.
وقد تقدّم ذكر اللغات الست في لفظه.
وقرأ الجمهور : إبراهيم بالألف والياء.
وقرأ ابن عامر بخلاف عن ابن ذكوان في البقرة بألفين.
زاد هشام أنه قرأ كذلك في : ابراهيم، والنحل، ومريم، والشورى، والذاريات، والنجم، والحديد، وأول الممتحنة، وثلاث آخر النساء، وأخرى التوبة، وآخر الأنعام، والعنكبوت.
وقرأ المفضل : ابراهام بألفين، إلا في المودة والأعلى.
وقرأ ابن الزبير : ابراهام، وقرأ أبو بكرة : إبراهم بألف وحذف الياء وكسر الهاء.
وقرأ الجمهور : بنصب إبراهيم ورفع ربه.
وقرأ ابن عباس، وأبو الشعثاء، وأبو حنيفة : برفع إبراهيم ونصب ربه.
فقراءة الجمهور على أن الفاعل هو الرب، وتقدم معنى ابتلائه إياه.
قال ابن عطية : وقدم المفعول للاهتمام بمن وقع الابتلاء، إذ معلوم أن الله تعالى هو المبتلي.
وإيصال ضمير المفعول بالفاعل موجب لتقديم المفعول.
انتهى كلامه، وفيه بعض تلخيص.
وكونه مما يجب فيه تقديم الفاعل هو قول الجمهور.
وقد جاء في كلام العرب مثل : ضرب غلامه زيداً، وقال : وقاس عليه بعض النحويين، وتأول بعضه الجمهور، أو حمله على الشذوذ.
وقد طول الزمخشرى في هذه المسألة بما يوقف عليه من كلامه في الكشاف، وليست من المسائل التي يطوّل فيها لشهرتها في العربية.
وقرأ ابن عباس : معناها أنه دعا ربه بكلمات من الدعاء بتطلب فيها الإجابة، فأطلق على ذلك ابتلاء على سبيل المجاز لأن في الدعاء طلب استكشاف لما تجري به المقادير على الإنسان.
والكلمات لم تبين في القرآن ما هي، ولا في الحديث الصحيح، وللمفسرين فيها أقوال : الأول : روى طاوس، عن ابن عباس أنها العشرة التي من الفطرة : المضمضة، والاستنشاق، وقص الشارب، وإعفاء اللحية، والفرق، ونتف الإبط، وتقليم الأظفار، وحلق العانة، والاستطابة، والختان، وهذا قول قتادة.
الثاني عشر : وهي : حلق العانة، ونتف الإبط، وتقليم الأظفار، وقص الشارب، وغسل يوم الجمعة، والطواف بالبيت، والسعي، ورمي الجمار، والإفاضة.
وروي هذا عن ابن عباس أيضاً.
الثالث : ثلاثون سهماً في الإسلام، لم يتم ذلك أحد إلا إبراهيم، وهي عشر في براءة ﴿التائبون﴾ الآية، وعشر في الأحزاب ﴿إن المسلمين﴾ الآية، وعشر في ﴿قد أفلح﴾ وفي المعارج.
وروي هذا عن ابن عباس أيضاً.
الرابع : هي الخصال الست التي امتحن بها الكوكب، والقمر، والشمس، والنار، والهجرة، والختان.
وقيل : بدل الهجرة الذبح لولده، قاله الحسن.
الخامس : مناسك الحج، رواه قتادة، عن ابن عباس.
السادس : كل مسألة سألها إبراهيم في القرآن مثل :﴿رب اجعل هذا البلد آمناً﴾، قاله مقاتل.
السابع : هي قول : سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
وقوله : ربنا تقبل منا، قاله ابن جبير.
الثامن : هو قوله تعالى :﴿وحاجَّه قومه﴾ قاله يمان.
التاسع : هي قوله :﴿الذي خلقني فهو يهدين﴾ الآيات، قاله أبو روق.
العاشر : هي ما ابتلاه به في ماله وولده ونفسه، فسلم ماله للضيفان، وولده للقربان، ونفسه للنيران، وقلبه للرحمن، فاتخذه الله خليلاً.
الحادي عشر : هو أن الله أوحى إليه أن تطهر فتمضمض، ثم أن تطهر فاستنشق، ثم أن تطهر فاستاك، ثم أن تطهر فأخذ من شاربة، ثم أن تطهر ففرق شعره، ثم أن تطهر فاستنجى، ثم أن تطهر فحلق عانته، ثم أن تطهر فنتف إبطه، ثم أن تطهر فقلم أظفاره، ثم أن تطهر فأقبل على جسده ينظر ماذا يصنع، فاختتن بعد عشرين ومائة سنة.
وفي البخاري، أنه اختتن وهو ابن ثمانين سنة بالقدوم، وأوحى الله إليه ﴿إني جاعلك للناس إماماً﴾، يأتمون بك في هذه الخصال ويقتدي بك الصالحون.
فإن صحت تلك الرواية، فالتأويل أنه اختتن بعد عشرين ومائة سنة من ميلاده، وابن ثمانين سنة من وقت نبوته، فيتفق التاريخان، والله أعلم.
الثاني عشر : هي عشرة : شهادة أن لا إله إلا الله، وهي الملة والصلاة، وهي الفطرة والزكاة، وهي الطهرة والصوم، وهو الجنة والحج، وهو الشعيرة والغزو، وهو النصرة والطاعة، وهي العصمة والجماعة، وهي الألفة والأمر بالمعروف، وهو الوفاء والنهي عن المنكر، وهو الحجة.
الثالث عشر : هي : تجعلني إماماً، وتجعل البيت مثابة وأمناً، وترينا مناسكنا، وتتوب علينا، وهذا البلد آمناً، وترزق أهله من الثمرات.
فأجابه الله في ذلك بما سأله، وهذا معنى قول مجاهد والضحاك.
وهذه الأقوال ينبغي أن تحمل على أن كل قائل منها ذكر طائفة مما ابتلى الله به إبراهيم، إذ كلها ابتلاه بها، ولا يحمل ذلك على الحصر في العدد، ولا على التعيين، لئلا يؤدي ذلك إلى التناقض.
وهذه الأشياء التي فسر بها الكلمات، إن كانت أقوالاً، فذلك ظاهر في تسميتها كلمات، وإن كانت أفعالاً، فيكون إطلاق الكلمات عليها مجازاً، لأن التكاليف الفعلية صدرت عن الأوامر، والأوامر كلمات.
سميت الذات كلمة لبروزها عن كلمة كن.
قال تعالى :﴿وكلمته ألقاها إلى مريم﴾ وقد تكلم بعض المفسرين في أحكام ما شرحت به الكلمات من : المضمضة، والاستنشاق، وقص الشارب، وإعفاء اللحية، والفرق، والسدل، والسواك، ونتف الإبط، وحلق العانة، وتقليم الأظفار، والاستنجاء، والختان، والشيب وتغييره، والثريد، والضيافة.
وهذا يبحث فيه في علم الفقه، وليس كتابنا موضوعاً لذلك، فلذلك تركنا الكلام على ذلك.
فأتمهن : الضمير المستكن في فأتمهن يظهر أنه يعود إلى الله تعالى، لأنه هو المسند إليه الفعل قبله على طريق الفاعلية.
فأتمهن معطوف على ابتلى، فالمناسب التطابق في الضمير.
وعلى هذا، فالم