البحر المحيط في التفسير — أبو حيان الأندلسي
عن الكتاب
البلد : معروف، والبلد الصدر، وبه سمي البلد لأنه صدر القرى.
يقال : وضعت الناقة بلدتها إذا بركت.
وقيل : سمي البلد بمعنى الأثر، ومنه قيل بليد لتأثير الجهل فيه، ومنه قيل لبركة البعير بلدة لتأثيرها في الأرض إذ بركت، قال :
والبارك : البارك بالبلد.
الاضطرار : هو الإلجاء إلى الشيء والإكراه عليه، وهو افتعل من الضر، أصله : اضترار، أبدلت التاء طاء بدلاً لازماً، وفعله متعد، وعلى ذلك استعماله في القرآن، وفي كلام العرب، قال :
اضطرك الحرز من سلمى إلى أجأ***
المصير : مفعل من صار يصير، فيكون للزمان والمكان، وأما المصدر فقياسه مفعل بفتح العين، لأن ما كسرت عين مضارعة فقياسه ما ذكرناه، لكنّ النحويين اختلفوا فيما كان عينه ياء من ذلك على ثلاثة مذاهب : أحدها : أنه كالصحيح، فيفتح في المصدر ويكسر في الزمان والمكان.
الثاني : أنه مخير فيه.
الثالث : أنه يقتصر على السماع، فما فتحت فيه العرب فتحنا، وما كسرت كسرنا.
وهذا هو الأولى.
﴿وإذ قال إبراهيم ربّ اجعل هذا بلداً آمناً﴾ : ذكروا أن العامل في إذا ذكر محذوفة، ورب : منادى مضاف إلى الياء، وحذف منه حرف النداء، والمضاف إلى الياء فيه لغات، أحسنها : أن تحذف منه ياء الإضافة، ويدل عليها بالكسرة، فيجتزأ بها لأن النداء موضع تخفيف.
ألا ترى إلى جواز الترخيم فيه ؟ وتلك اللغات مذكورة في النحو، وسيأتي منها في القرآن شيء، ونتكلم عليه في مكانه، إن شاء الله تعالى.
وناداه بلفظ الرب مضافاً إليه، لما في ذلك من تلطف السؤال والنداء بالوصف الدال على قبول السائل وإجابة ضراعته.
واجعل هنا بمعنى : صير، وصورته أمر، وهو طلب ورغبة.
وهذا إشارة إلى الوادي الذي دعا لأهله حين أسكنهم فيه، وهو قوله :﴿بوادٍ غير ذي زرع عند بيتك المحرم﴾ أو إلى المكان الذي صار بلداً، ولذلك نكره فقال :﴿بلداً آمناً﴾.
وحين صار بلداً قال :﴿رب اجعل هذا البلد آمناً واجنبني﴾ وقَال ﴿لا أقسم بهذا البلد﴾ هذا إن كان الدعاء مرتين في وقتين.
وقيل : الآيتان سواء، فتحتمل آية التنكير أن يكون قبلها معرفة محذوفة، أي اجعل هذا البلد بلداً آمناً، ويكون بلداً النكرة، توطئة لما يجيء بعده، كما تقول : كان هذا اليوم يوماً حاراً، فتكون الإشارة إليه في الآيتين بعد كونه بلداً.
ويحتمل وجهاً آخر وهو : أنه لا يكون محذوف ولا يكون إذ ذاك بلداً، بل دعى له بذلك، وتكون المعرفة الذي جاء في قوله :﴿هذا البلد﴾، باعتبار ما يؤول إليه سماه بلداً.
ووصف بلد بآمن، إما على معنى النسب، أي ذا أمن، كقولهم :﴿عيشة راضية﴾ أي ذات رضا، أو على الاتساع لما كان يقع فيه الأمن جعله آمناً كقولهم : نهارك صائم وليلك قائم.
وهل الدعاء بأن يجعله آمناً من الجبابرة والمسلطين، أو من أن يعود حرمه حلالاً، أو من أن يخلو من أهله، أو آمناً من القتل، أو من الخسف والقذف، أو من القحط والجدب، أو من دخول الدجال، أو من أصحاب الفيل ؟ أقوال.
ومن فسر آمنا بكونه آمنا من الجبابرة، فالواقع يرده، إذ قد دخل فيه الجبابرة وقتلوا، كعمرو بن لحي الجرهمي، والحجاج بن يوسف، والقرامطة، وغيرهم.
وكذلك من قال آمنا من القحط والجدب، فهي أكثر بلاد الله قحطاً وجدباً.
وقال القفال : معناه مأموناً فيه، وكانوا قبل أن تغزوهم العرب في غاية الأمن، حتى أن أحدهم إذا وجد بمفازة أو برّية، لا يتعرض إليه عندما يعلم أنه من سكان الحرم.
﴿وارزق أهله من الثمرات من آمن منهم بالله واليوم الآخر﴾ : لما بنى إبراهيم البيت في أرض مقفرة، وكان حال من يتمدّن من الأماكن يحتاج فيه إلى ماء يجري ومزرعة يمكن بهما القطان بالمدينة، دعا الله للبلد بالأمن، وبأن يجبى له الأرزاق.
فإنه إذا كان البلد ذا أمن، أمكن وفود التجار إليه لطلب الربح.
ولما سمع في الإمامة قوله تعالى :﴿لا ينال عهدي الظالمين﴾.
قيد هنا من سأل له الرزق فقال :﴿من آمن منهم بالله واليوم الآخر﴾، والضمير في منهم عائد على أهله.
دعا لمؤمنهم بالأمن والخصب، لأن الكافر لا يدعى له بذلك.
ألا ترى أن قريشاً لما طغت، دعا عليها رسول الله ﷺ :« اللهم اشدد وطأتك على مضر، واجعلها عليهم سنين، كسني يوسف »، وكانت مكة إذ ذاك قفراً، لا ماء بها ولا نبات، كما قال :﴿بواد غير ذي زرع﴾ فبارك الله فيما حولها، كالطائف وغيره، وأنبت الله فيه أنواعاً من الثمر.
وروي أن الله تعالى لما دعاه إبراهيم، أمر جبريل فاقتلع فلسطين، وقيل : بقعة من الأردن، فطاف بها حول البيت سبعاً، فأنزلها بِوَادّ، فسميت الطائف بسبب ذلك الطواف، وقال بعضهم :
وذكر متعلق الإيمان، وهو الله تعالى واليوم الآخر، لأن في الإيمان بالله إيماناً بالصانع الواجب الوجود، وبما يليق به تعالى من الصفات، وفي الإيمان باليوم الآخر إيمان بالثواب والعقاب المرتبين على الطاعة والمعصية اللذين هما مناط التكليف المستدعي مخبراً صادقاً به، وهم الأنبياء.
فتضمن الإيمان باليوم الآخر الإيمان بالأنبياء، وبما جاؤا به.
فلما كان الإيمان بالله واليوم الآخر يتضمن الإيمان بجميع ما يجب أن يؤمن به، اقتصر على ذلك، لأن غيره في ضمنه.
ودعاء إبراهيم لأهل البيت يعم من يطلق عليه هذا الاسم، ولا يختص ذلك بذريته، وإن كان ظاهر قوله :﴿وارزقهم من الثمرات﴾ مختصاً بذريته لقوله :﴿إني أسكنت من ذريتي﴾ لعود الضمير في وارزقهم عليه، فيحتمل أن يكونا سؤالين.
ومن : في قوله : من الثمرات للتبعيض، لأنهم لم يرزقوا إلا بعض الثمرات.
وقيل : هي لبيان الجنس، ومن بدل من أهله، بدل بعض من كل، أو بدل اشتمال مخصص لما دل عليه المبدل منه، وفائدته أنه يصير مذكوراً مرتين : إحداهما بالعموم السابق في لفظ المبدل منه، والثانية بالتنصيص عليه، وتبيين أن المبدل منه إنما عنى به وأريد البدل فصار مجازاً، إذ أريد بالعام الخاص.
هذه فائدة هذين البدلين، فصار في ذلك تأكيد وتثبيت للمتعلق به الحكم، وهو البدل، إذ ذكر مرتين.
﴿قال ومن كفر فأمتعه قليلاً ثم أضطره إلى عذاب النار وبئس المصير﴾ : قرأ الجمهور من السبعة : فأمتعه، مشدّداً على الخبر.
وقرأ ابن عامر : فأمتعه، مخففاً على الخبر.
وقرأ هؤلاء : ثم اضطره خبراً.
وقرأ يحيى بن وثاب : فأمتعه مخففاً، ثم أضطره بكسر الهمزة، وهما خبران.
وقرأ ابن محيصن : ثم أضطره، بإدغام الضاد في الطاء خبراً.
وقرأ يزيد بن أبي حبيب : ثم اضطره بضم الطاء، خبراً.
وقرأ أبي بن كعب : فنمتعه ثم نضطره بالنون فيهما.
وقرأ ابن عباس ومجاهد وغيرهما :﴿فأمتعه قليلاً ثم أضطره﴾ على صيغة الأمر فيهما، فأما على هذه القراءة فيتعين أن يكون الضمير في : قال، عائداً على إبراهيم، لما دعا للمؤمنين بالرزق، دعا على الكافرين بالأمتاع القليل والإلزاز إلى العذاب.
ومن : على هذه القراءة يحتمل أن تكون في موضع رفع، على أن تكون موصولة أو شرطية، وفي موضع نصب على الاشتغال على الوصل أيضاً.
وأما على قراءة الباقين فيتعين أن يكون الضمير في : قال، عائداً على الله تعالى، ومن : يحتمل أن يكون في موضع نصب على إضمار فعل تقديره : قال الله وارزق من كفر فأمتعه، ويكون فأمتعه معطوفاً على ذلك الفعل المحذوف الناصب لمن.
ويحتمل أن تكون من في موضع رفع على الابتداء، إما موصولاً، وإما شرطاً، والفاء جواب الشرط، أو الداخلة في خبر الموصول لشبهة باسم الشرط.
ولا يجوز أن تكون من في موضع نصب على الاشتغال إذا كانت شرطاً، لأنه لا يفسر العامل في من إلا فعل الشرط، لا الفعل الواقع جزاء، ولا إذا كانت موصولة، لأن الخبر مضارع قد دخلته الفاء تشبيهاً، للموصول باسم الشرط.
فكما لا يفسر الجزاء، كذلك لا يفسر الخبر المشبه بالجزاء.
وأما إذا كان أمراً، أعني الخبر نحو : زيداً فاضربه، فيجوز أن يفسر، ولا يجوز أن تقول : زيداً فتضربه على الاشتغال، ولجواز : زيداً فاضربه على الأمر، علة مذكورة في كتب النحو.
قال أبو البقاء : لا يجوز أن تكون من مبتدأ، وفأمتعه الخبر، لأن الذي لا يدخل الفاء في خبرها، إلا إذا كان الخبر مستحقاً لصلتها، كقولك : الذي يأتيني فله درهم.
والكفر لا يستحق به التمتع.
فإن جعلت الفاء زائدة على قول الأخفش جاز، أو الخبر محذوفاً، وفأمتعه دليل على جاز، تقديره : ومن كفر أرزقه فأمتعه.
ويجوز أن تكون من شرطية والفاء جوابها.
وقيل : الجواب محذوف تقديره : ومن يكفر ارزق.
ومن على هذا رفع بالابتداء، ولا يجوز أن تكون منصوبة، لأن أداة الشرط لا يعمل فيها جوابها، بل الشرط.
انتهى كلامه.
وقوله أولاً لا يجوز كذا وتعليله ليس بصحيح، لأن الخبر مستحق بالصلة، لأن التمتع القليل والصيرورة إلى النار مستحقان بالكفر.
ثم إنه قد ناقض أبو البقاء في تجويزه أن تكون من شرطية والفاء جوابها.
وهل الجزاء إلا مستحق بالشرط ومترتب عليه ؟ فكذلك الخبر المشبه به أيضاً.
فلو كان التمتع قليلاً ليس مستحقاً بالصلة، وقد عطف عليه ما يستحق بالصلة، ناسب أن يقع خبراً من حيث وقع جزاء، وقد جوّز هو ذلك.
وأما تقدير زيادة الفاء، وإضمار الخبر، وإضمار جواب الشرط، إذا جعلنا من شرطية، فلا حاجة إلى ذلك، لأن الكلام منتظم في غاية الفصاحة دون هذا الإضمار.
وإنما جرى أبو البقاء في إعرابه في القرآن على حد ما يجري في شعر الشنفري والشماخ، من تجويز الأشياء البعيدة والتقادير المستغنى عنها، ونحن ننزه القرآن عن ذلك.
وقال الزمخشري : ومن كفر : عطف على من آمن، كما عطف ومن ذريتي على الكاف في جاعلك.
انتهى كلامه.
وتقدم لنا الردّ عليه في زعمه أن ومن ذريتي عطف على الكاف في جاعلك.
وأما عطف من كفر على من آمن فلا يصح، لأنه يتنافى في تركيب الكلام، لأنه يصير المعنى : قال إبراهيم : وارزق من كفر، لأنه لا يكون معطوفاً عليه حتى يشركه في العامل، ومن آمن العامل فيه فعل الأمر، وهو العامل في ومن كفر.
وإذا قدرته أمراً، تنافى مع قوله : فأمتعه، لأن ظاهر هذا إخبار من الله بنسبة التمتع وإلجائهم إليه تعالى، وأن كلاً من الفعلين يضمن ضمير الله تعالى، وذلك لا يجوز إلا على بعد، بأن يكون بعد الفاء قول محذوف فيه ضمير لله تعالى، أي قال إبراهيم : وارزق من كفر، فقال الله : أمتعه قليلاً ثم أضطره إلى عذاب النار.
ثم ناقض الزمخشري قوله هذا، أنه عطف على من، كما عطف ومن ذريتي على الكاف في جاعلك فقال : فإن قلت : لم خص إبراهيم المؤمنين حتى رد عليه ؟ قلت : قاس الرزق على الإمامة، فعرف الفرق بينهما، لأن الاستخلاف استرعاء مختص بمن ينصح للمرعى.
وأبعد الناس عن النصيحة الظالم، بخلاف الرزق، فإنه قد يكون استدراجاً للمرزوق وإلزاماً للحجة له.
والمعنى : وارزق من كفر فأمتعه.
انتهى كلامه.
فظاهر قوله والمعنى : وارزق من كفر فأمتعه يدل على أن الضمير في قا
يقال : وضعت الناقة بلدتها إذا بركت.
وقيل : سمي البلد بمعنى الأثر، ومنه قيل بليد لتأثير الجهل فيه، ومنه قيل لبركة البعير بلدة لتأثيرها في الأرض إذ بركت، قال :
| أنيخت فألقت بلدة بعد بلدة | قليل بها الأصوات إلا بغامها |
الاضطرار : هو الإلجاء إلى الشيء والإكراه عليه، وهو افتعل من الضر، أصله : اضترار، أبدلت التاء طاء بدلاً لازماً، وفعله متعد، وعلى ذلك استعماله في القرآن، وفي كلام العرب، قال :
اضطرك الحرز من سلمى إلى أجأ***
المصير : مفعل من صار يصير، فيكون للزمان والمكان، وأما المصدر فقياسه مفعل بفتح العين، لأن ما كسرت عين مضارعة فقياسه ما ذكرناه، لكنّ النحويين اختلفوا فيما كان عينه ياء من ذلك على ثلاثة مذاهب : أحدها : أنه كالصحيح، فيفتح في المصدر ويكسر في الزمان والمكان.
الثاني : أنه مخير فيه.
الثالث : أنه يقتصر على السماع، فما فتحت فيه العرب فتحنا، وما كسرت كسرنا.
وهذا هو الأولى.
﴿وإذ قال إبراهيم ربّ اجعل هذا بلداً آمناً﴾ : ذكروا أن العامل في إذا ذكر محذوفة، ورب : منادى مضاف إلى الياء، وحذف منه حرف النداء، والمضاف إلى الياء فيه لغات، أحسنها : أن تحذف منه ياء الإضافة، ويدل عليها بالكسرة، فيجتزأ بها لأن النداء موضع تخفيف.
ألا ترى إلى جواز الترخيم فيه ؟ وتلك اللغات مذكورة في النحو، وسيأتي منها في القرآن شيء، ونتكلم عليه في مكانه، إن شاء الله تعالى.
وناداه بلفظ الرب مضافاً إليه، لما في ذلك من تلطف السؤال والنداء بالوصف الدال على قبول السائل وإجابة ضراعته.
واجعل هنا بمعنى : صير، وصورته أمر، وهو طلب ورغبة.
وهذا إشارة إلى الوادي الذي دعا لأهله حين أسكنهم فيه، وهو قوله :﴿بوادٍ غير ذي زرع عند بيتك المحرم﴾ أو إلى المكان الذي صار بلداً، ولذلك نكره فقال :﴿بلداً آمناً﴾.
وحين صار بلداً قال :﴿رب اجعل هذا البلد آمناً واجنبني﴾ وقَال ﴿لا أقسم بهذا البلد﴾ هذا إن كان الدعاء مرتين في وقتين.
وقيل : الآيتان سواء، فتحتمل آية التنكير أن يكون قبلها معرفة محذوفة، أي اجعل هذا البلد بلداً آمناً، ويكون بلداً النكرة، توطئة لما يجيء بعده، كما تقول : كان هذا اليوم يوماً حاراً، فتكون الإشارة إليه في الآيتين بعد كونه بلداً.
ويحتمل وجهاً آخر وهو : أنه لا يكون محذوف ولا يكون إذ ذاك بلداً، بل دعى له بذلك، وتكون المعرفة الذي جاء في قوله :﴿هذا البلد﴾، باعتبار ما يؤول إليه سماه بلداً.
ووصف بلد بآمن، إما على معنى النسب، أي ذا أمن، كقولهم :﴿عيشة راضية﴾ أي ذات رضا، أو على الاتساع لما كان يقع فيه الأمن جعله آمناً كقولهم : نهارك صائم وليلك قائم.
وهل الدعاء بأن يجعله آمناً من الجبابرة والمسلطين، أو من أن يعود حرمه حلالاً، أو من أن يخلو من أهله، أو آمناً من القتل، أو من الخسف والقذف، أو من القحط والجدب، أو من دخول الدجال، أو من أصحاب الفيل ؟ أقوال.
ومن فسر آمنا بكونه آمنا من الجبابرة، فالواقع يرده، إذ قد دخل فيه الجبابرة وقتلوا، كعمرو بن لحي الجرهمي، والحجاج بن يوسف، والقرامطة، وغيرهم.
وكذلك من قال آمنا من القحط والجدب، فهي أكثر بلاد الله قحطاً وجدباً.
وقال القفال : معناه مأموناً فيه، وكانوا قبل أن تغزوهم العرب في غاية الأمن، حتى أن أحدهم إذا وجد بمفازة أو برّية، لا يتعرض إليه عندما يعلم أنه من سكان الحرم.
﴿وارزق أهله من الثمرات من آمن منهم بالله واليوم الآخر﴾ : لما بنى إبراهيم البيت في أرض مقفرة، وكان حال من يتمدّن من الأماكن يحتاج فيه إلى ماء يجري ومزرعة يمكن بهما القطان بالمدينة، دعا الله للبلد بالأمن، وبأن يجبى له الأرزاق.
فإنه إذا كان البلد ذا أمن، أمكن وفود التجار إليه لطلب الربح.
ولما سمع في الإمامة قوله تعالى :﴿لا ينال عهدي الظالمين﴾.
قيد هنا من سأل له الرزق فقال :﴿من آمن منهم بالله واليوم الآخر﴾، والضمير في منهم عائد على أهله.
دعا لمؤمنهم بالأمن والخصب، لأن الكافر لا يدعى له بذلك.
ألا ترى أن قريشاً لما طغت، دعا عليها رسول الله ﷺ :« اللهم اشدد وطأتك على مضر، واجعلها عليهم سنين، كسني يوسف »، وكانت مكة إذ ذاك قفراً، لا ماء بها ولا نبات، كما قال :﴿بواد غير ذي زرع﴾ فبارك الله فيما حولها، كالطائف وغيره، وأنبت الله فيه أنواعاً من الثمر.
وروي أن الله تعالى لما دعاه إبراهيم، أمر جبريل فاقتلع فلسطين، وقيل : بقعة من الأردن، فطاف بها حول البيت سبعاً، فأنزلها بِوَادّ، فسميت الطائف بسبب ذلك الطواف، وقال بعضهم :
| كل الأماكن إعظاماً لحرمتها | تسعى لها ولها في سعيها شرف |
فتضمن الإيمان باليوم الآخر الإيمان بالأنبياء، وبما جاؤا به.
فلما كان الإيمان بالله واليوم الآخر يتضمن الإيمان بجميع ما يجب أن يؤمن به، اقتصر على ذلك، لأن غيره في ضمنه.
ودعاء إبراهيم لأهل البيت يعم من يطلق عليه هذا الاسم، ولا يختص ذلك بذريته، وإن كان ظاهر قوله :﴿وارزقهم من الثمرات﴾ مختصاً بذريته لقوله :﴿إني أسكنت من ذريتي﴾ لعود الضمير في وارزقهم عليه، فيحتمل أن يكونا سؤالين.
ومن : في قوله : من الثمرات للتبعيض، لأنهم لم يرزقوا إلا بعض الثمرات.
وقيل : هي لبيان الجنس، ومن بدل من أهله، بدل بعض من كل، أو بدل اشتمال مخصص لما دل عليه المبدل منه، وفائدته أنه يصير مذكوراً مرتين : إحداهما بالعموم السابق في لفظ المبدل منه، والثانية بالتنصيص عليه، وتبيين أن المبدل منه إنما عنى به وأريد البدل فصار مجازاً، إذ أريد بالعام الخاص.
هذه فائدة هذين البدلين، فصار في ذلك تأكيد وتثبيت للمتعلق به الحكم، وهو البدل، إذ ذكر مرتين.
﴿قال ومن كفر فأمتعه قليلاً ثم أضطره إلى عذاب النار وبئس المصير﴾ : قرأ الجمهور من السبعة : فأمتعه، مشدّداً على الخبر.
وقرأ ابن عامر : فأمتعه، مخففاً على الخبر.
وقرأ هؤلاء : ثم اضطره خبراً.
وقرأ يحيى بن وثاب : فأمتعه مخففاً، ثم أضطره بكسر الهمزة، وهما خبران.
وقرأ ابن محيصن : ثم أضطره، بإدغام الضاد في الطاء خبراً.
وقرأ يزيد بن أبي حبيب : ثم اضطره بضم الطاء، خبراً.
وقرأ أبي بن كعب : فنمتعه ثم نضطره بالنون فيهما.
وقرأ ابن عباس ومجاهد وغيرهما :﴿فأمتعه قليلاً ثم أضطره﴾ على صيغة الأمر فيهما، فأما على هذه القراءة فيتعين أن يكون الضمير في : قال، عائداً على إبراهيم، لما دعا للمؤمنين بالرزق، دعا على الكافرين بالأمتاع القليل والإلزاز إلى العذاب.
ومن : على هذه القراءة يحتمل أن تكون في موضع رفع، على أن تكون موصولة أو شرطية، وفي موضع نصب على الاشتغال على الوصل أيضاً.
وأما على قراءة الباقين فيتعين أن يكون الضمير في : قال، عائداً على الله تعالى، ومن : يحتمل أن يكون في موضع نصب على إضمار فعل تقديره : قال الله وارزق من كفر فأمتعه، ويكون فأمتعه معطوفاً على ذلك الفعل المحذوف الناصب لمن.
ويحتمل أن تكون من في موضع رفع على الابتداء، إما موصولاً، وإما شرطاً، والفاء جواب الشرط، أو الداخلة في خبر الموصول لشبهة باسم الشرط.
ولا يجوز أن تكون من في موضع نصب على الاشتغال إذا كانت شرطاً، لأنه لا يفسر العامل في من إلا فعل الشرط، لا الفعل الواقع جزاء، ولا إذا كانت موصولة، لأن الخبر مضارع قد دخلته الفاء تشبيهاً، للموصول باسم الشرط.
فكما لا يفسر الجزاء، كذلك لا يفسر الخبر المشبه بالجزاء.
وأما إذا كان أمراً، أعني الخبر نحو : زيداً فاضربه، فيجوز أن يفسر، ولا يجوز أن تقول : زيداً فتضربه على الاشتغال، ولجواز : زيداً فاضربه على الأمر، علة مذكورة في كتب النحو.
قال أبو البقاء : لا يجوز أن تكون من مبتدأ، وفأمتعه الخبر، لأن الذي لا يدخل الفاء في خبرها، إلا إذا كان الخبر مستحقاً لصلتها، كقولك : الذي يأتيني فله درهم.
والكفر لا يستحق به التمتع.
فإن جعلت الفاء زائدة على قول الأخفش جاز، أو الخبر محذوفاً، وفأمتعه دليل على جاز، تقديره : ومن كفر أرزقه فأمتعه.
ويجوز أن تكون من شرطية والفاء جوابها.
وقيل : الجواب محذوف تقديره : ومن يكفر ارزق.
ومن على هذا رفع بالابتداء، ولا يجوز أن تكون منصوبة، لأن أداة الشرط لا يعمل فيها جوابها، بل الشرط.
انتهى كلامه.
وقوله أولاً لا يجوز كذا وتعليله ليس بصحيح، لأن الخبر مستحق بالصلة، لأن التمتع القليل والصيرورة إلى النار مستحقان بالكفر.
ثم إنه قد ناقض أبو البقاء في تجويزه أن تكون من شرطية والفاء جوابها.
وهل الجزاء إلا مستحق بالشرط ومترتب عليه ؟ فكذلك الخبر المشبه به أيضاً.
فلو كان التمتع قليلاً ليس مستحقاً بالصلة، وقد عطف عليه ما يستحق بالصلة، ناسب أن يقع خبراً من حيث وقع جزاء، وقد جوّز هو ذلك.
وأما تقدير زيادة الفاء، وإضمار الخبر، وإضمار جواب الشرط، إذا جعلنا من شرطية، فلا حاجة إلى ذلك، لأن الكلام منتظم في غاية الفصاحة دون هذا الإضمار.
وإنما جرى أبو البقاء في إعرابه في القرآن على حد ما يجري في شعر الشنفري والشماخ، من تجويز الأشياء البعيدة والتقادير المستغنى عنها، ونحن ننزه القرآن عن ذلك.
وقال الزمخشري : ومن كفر : عطف على من آمن، كما عطف ومن ذريتي على الكاف في جاعلك.
انتهى كلامه.
وتقدم لنا الردّ عليه في زعمه أن ومن ذريتي عطف على الكاف في جاعلك.
وأما عطف من كفر على من آمن فلا يصح، لأنه يتنافى في تركيب الكلام، لأنه يصير المعنى : قال إبراهيم : وارزق من كفر، لأنه لا يكون معطوفاً عليه حتى يشركه في العامل، ومن آمن العامل فيه فعل الأمر، وهو العامل في ومن كفر.
وإذا قدرته أمراً، تنافى مع قوله : فأمتعه، لأن ظاهر هذا إخبار من الله بنسبة التمتع وإلجائهم إليه تعالى، وأن كلاً من الفعلين يضمن ضمير الله تعالى، وذلك لا يجوز إلا على بعد، بأن يكون بعد الفاء قول محذوف فيه ضمير لله تعالى، أي قال إبراهيم : وارزق من كفر، فقال الله : أمتعه قليلاً ثم أضطره إلى عذاب النار.
ثم ناقض الزمخشري قوله هذا، أنه عطف على من، كما عطف ومن ذريتي على الكاف في جاعلك فقال : فإن قلت : لم خص إبراهيم المؤمنين حتى رد عليه ؟ قلت : قاس الرزق على الإمامة، فعرف الفرق بينهما، لأن الاستخلاف استرعاء مختص بمن ينصح للمرعى.
وأبعد الناس عن النصيحة الظالم، بخلاف الرزق، فإنه قد يكون استدراجاً للمرزوق وإلزاماً للحجة له.
والمعنى : وارزق من كفر فأمتعه.
انتهى كلامه.
فظاهر قوله والمعنى : وارزق من كفر فأمتعه يدل على أن الضمير في قا