محتويات صفحة تفسير الآية

تجد في هذه الصفحة تفسير الآية ١٢٦ من سورة البقرة في ١١٩ كتابًا من كتب التفسير، ومعاني غريب كلماتها، وإعرابها، وقراءات القراء العشرة فيها، و٤٩ قولًا من التفسير بالمأثور، وما يتصل بها من الموضوعات والوقفات والترجمات.

تفسير الآية ١٢٦ من سورة البقرة

١١٩ كتابًا من كتب التفسير

جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري

عن الكتاب

القول في تأويل قوله تعالى :


﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبّ اجْعَلْ هََذَا بَلَداً آمِناً، وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخر، قَالَ : وَمَن كَفَرَ فَأُمَتّعُهُ قَلِيلاً ثُمّ أَضْطَرّهُ إِلَىَ عَذَابِ النّارِ، وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾
يعني تعالى ذكره بقوله :﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدَا آمِنا﴾ : واذكروا إذ قال إبراهيم : ربّ اجعل هذا البلد بلدا آمنا، يعني بقوله : آمنا : آمنا من الجبابرة وغيرهم أن يسلطوا عليه، ومن عقوبة الله أن تناله، كما تنال سائر البلدان، من خسف، وانتقال، وغرق، وغير ذلك من سخط الله ومثلاته التي تصيب سائر البلاد غيره. كما :
حدثنا بشر بن معاذ، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة، قال : ذكر لنا أن الحرم حُرّم بحياله إلى العرش، وذكر لنا أن البيت هبط مع آدم حين هبط، قال الله له : أهبط معك بيتي يطاف حوله كما يطاف حول عرشي فطاف حوله آدم ومن كان بعده من المؤمنين، حتى إذا كان زمان الطوفان حين أغرق الله قوم نوح رفعه وطهّره ولم تصبه عقوبة أهل الأرض، فتتبع منه إبراهيم أثرا فبناه على أساس قديم كان قبله.
فإن قال لنا قائل : أَوَ ما كان الحرم آمنا إلا بعد أن سأل إبراهيم ربه له الأمان ؟
قيل له : لقد اختُلِف في ذلك، فقال بعضهم : لم يزل الحرم آمنا من عقوبة الله وعقوبة جبابرة خلقه، منذ خلقت السموات والأرض. واعتلوا في ذلك بما :
حدثنا أبو كريب، قال : حدثنا يونس بن بكير، عن محمد بن إسحاق، قال : حدثني سعيد بن أبي سعيد المقبري، قال : سمعت أبا شريح الخزاعي يقول : لما افتتحت مكة قتلت خزاعة رجلاً من هُذيل، فقام رسول الله ﷺ خطيبا فقال :«يا أَيّها النّاسُ إِنّ اللّهَ حَرّمَ مَكّةَ يَوْمَ خَلَقَ السّمَوَاتِ وَالأرْضِ، فَهِيَ حَرَامٌ بِحُرْمَةِ اللّهِ إلى يَوْمِ القِيَامَةِ لا يَحِلّ لاِمْرِىءٍ يُؤْمِنُ بِاللّهِ وَاليَوْمِ الاَخِرِ أَنْ يَسْفِكَ بِها دَما، أوْ يَعْضِدَ بِهَا شَجَرا. ألا وَإِنّهَا لاَ تَحِلّ لأحَدٍ بَعْدِي وَلَمْ تَحِلّ لِي إِلاّ هَذِهِ السّاعَةَ عصي عليّ أَهْلُها. ألا فَهِيَ قَدْ رَجَعَتْ على حالِهَا بالأمْسِ. ألا لِيُبَلّغِ الشّاهِدُ الغَائِبَ، فمن قال : إن رسول الله ﷺ قد قتل بها، فقولوا : إنّ الله قَدْ أَحَلّهَا لرسولِهِ ولم يُحِلّها لكَ ».
حدثنا أبو كريب، قال : حدثنا عبد الرحيم بن سليمان، وحدثنا ابن حميد وابن وكيع، قالا : حدثنا جرير جميعا، عن يزيد بن أبي زياد، عن مجاهد، عن ابن عباس قال : قال رسول الله ﷺ لمكة حين افتتحها :«هَذِهِ حَرَمٌ حَرّمَهَا اللّهُ يَوْمَ خَلَقَ السّمَوَاتِ وَالأرْضَ وَخَلَقَ الشّمْسَ وَالقَمَرَ وَوَضَعَ هَذَيْنِ الأخْشَبَيْنِ، لَمْ تَحِلّ لأحَدٍ قَبْلِي، وَلاَ تَحِلّ لأحَدٍ بَعْدِي، أُحِلّتْ لِي سَاعَةً مِنْ نهَارٍ ».
قالوا : فمكة منذ خلقت حَرَمٌ آمن من عقوبة الله وعقوبة الجبابرة.
قالوا : وقد أخبرَت عن صحة ما قلنا من ذلك الرواية الثانية عن رسول الله ﷺ التي ذكرناها.
قالوا : ولم يسأل إبراهيم ربه أن يؤمنه من عقوبته وعقوبة الجبابرة، ولكنه سأله أن يؤمن أهله من الجُدوب والقحُوط، وأن يرزق ساكنه من الثمرات، كما أخبر ربه عنه أنه سأله بقوله :﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدا آمِنا وَارْزُقْ أهْلَهُ مِنَ الثّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ باللّهِ وَاليَوْمِ الاَخِرِ﴾.
قالوا : وإنما سأل ربه ذلك، لأنه أسكن فيه ذرّيته، وهو غير ذي زَرْعٍ ولا ضَرْع، فاستعاذ ربه من أن يهلكهم بها جوعا وعطشا، فسأله أن يؤمنهم مما حذر عليهم منه.
قالوا : وكيف يجوز أن يكون إبراهيم سأل ربه تحريم الحرم، وأن يؤمنه من عقوبته وعقوبة جبابرة خلقه، وهو القائل حين حله، ونزله بأهله وولده :﴿رَبّنا إني أسْكَنْتُ مِنْ ذُرّيّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ المُحَرّمِ﴾ ؟ قالوا : فلو كان إبراهيم هو الذي حرّم الحرم أو سأل ربه تحريمه لما قال :«عند بيتك المحرّم »، عند نزوله به، ولكنه حرّم قبله، وحرّم بعده.
وقال آخرون : كان الحرم حلالاً قبل دعوة إبراهيم كسائر البلاد غيره، وإنما صار حراما بتحريم إبراهيم إياه، كما كانت مدينة رسول الله ﷺ حلالاً قبل تحريم رسول الله ﷺ إياها.
قالوا : والدليل على ما قلنا من ذلك ما :
حدثنا به ابن بشار، قال : حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، قال : حدثنا سفيان، عن أبي الزبير، عن جابر بن عبد الله، قال : قال رسول الله ﷺ :«إِنّ إبْرَاهِيمَ حَرّمَ بَيْتَ اللّهِ وأَمّنَهُ، وإني حَرّمْتُ المَدِينَةَ ما بَيْنَ لابَتَيْها لا يُصَادُ صَيْدُها وَلا تُقْطَعُ عِضَاهُها ».
حدثنا أبو كريب وأبو السائب، قالا : حدثنا عبد الرحيم الرازي، سمعت أشعث، عن نافع، عن أبي هريرة قال : قال رسول الله ﷺ :«إِنّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ عَبْدَ اللّهِ وَخَلِيلَهُ، وإني عَبْدُ اللّهِ وَرَسُولُهُ، وَإِنّ إِبْرَاهِيمَ حَرّمَ مَكّةَ وإني حَرّمْتُ المَدِينَةَ مَا بَيْنَ لاَبَتَيْهَا عِضَاهَا وَصَيْدَها، وَلاَ يُحْمَلُ فِيها سِلاحٌ لِقِتالٍ، وَلا يُقْطَعُ مِنْها شَجَرٌ إلا لعَلَفِ بَعِيرٍ ».
حدثنا أبو كريب، قال : حدثنا قتيبة بن سعيد، قال : حدثنا بكر بن مضر، عن ابن الهاد، عن أبي بكر بن محمد، عن عبد الله بن عمرو بن عثمان، عن رافع بن خديج، قال : قال رسول الله ﷺ :«إِنّ إِبْرَاهِيمَ حَرّمَ مَكّةَ، وإني أُحَرّمُ المَدِينَةَ مَا بَيْتَ لاَبَتَيْها ». وأما أشبه ذلك من الأخبار التي يطول باستيعابها الكتاب.
قالوا : وقد أخبر الله تعالى ذكره في كتابه أن إبراهيم قال :﴿رَبّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدا آمِنا﴾ولم يخبر عنه أنه سأل أن يجعله آمنا من بعض الأشياء دون بعض، فليس لأحد أن يدّعي أن الذي سأله من ذلك الأمان له من بعض الأشياء دون بعض إلا بحجة يجب التسليم لها.
قالوا : وأما خبر أبي شريح وابن عباس فخبران لا تثبت بهما حجة لما في أسانيدهما من الأسباب التي لا يجب التسليم فيها من أجلها.
والصواب من القول في ذلك عندنا : أن الله تعالى ذكره جعل مكة حرما حين خلقها وأنشأها، كما أخبر النبيّ ﷺ أنه حرّمها يوم خلق السموات والأرض بغير تحريم منه لها على لسان أحد من أنبيائه ورسله، ولكن بمنعه من أرادها بسوء، وبدفعه عنها من الآفات والعقوبات، وعن ساكنيها ما أحلّ بغيرها وغير ساكنيها من النقمات فلم يزل ذلك أمرها حتى بوأها الله إبراهيم خليله، وأسكن بها أهله هاجر وولده إسماعيل، فسأل حينئذٍ إبراهيم ربه إيجاد فرض تحريمها على عباده على لسانه، ليكون ذلك سنة لمن بعده من خلقه، يستنّون بها فيها، إذ كان تعالى ذكره قد اتخذه خليلاً، وأخبره أنه جاعله للناس إماما يقتدى به، فأجابه ربه إلى ما سأله، وألزم عباده حينئذٍ فرض تحريمه على لسانه، فصارت مكة بعد أن كانت ممنوعة بمنع الله إياها بغير إيجاب الله فرض الامتناع منها على عباده، ومحرّمة بدفع الله عنها بغير تحريمه إياها على لسان أحد من رسله فرض تحريمها على خلقه على لسان خليله إبراهيم عليه السلام، وواجب على عباده الامتناع من استحلالها، واستحلال صيدها وعضاهها، بإيجابه الامتناع من ذلك ببلاغ إبراهيم رسالة الله إليه بذلك إليهم فلذلك أضيف تحريمها إلى إبراهيم، فقال رسول الله ﷺ :«إِنّ اللّهَ حَرّمَ مَكّةَ » لأن فرض تحريمها الذي ألزم الله عباده على وجه العبادة له به، دون التحريم الذي لم يزل متعبدا لها به على وجه الكِلاءة والحفظ لها قبل ذلك كان عن مسألة إبراهيم ربه إيجاب فرض ذلك على لسانه، لزم العباد فرضه دون غيره.
فقد تبين إذا بما قلنا صحة معنى الخبرين، أعني خبر أبي شريح وابن عباس عن النبيّ ﷺ أنه قال :«إِنّ اللّهَ حَرّمَ مَكّةَ يَوْمَ خَلَقَ الشّمْسَ وَالقَمَرَ ». وخبر جابر وأبي هريرة ورافع بن خديج وغيرهم، أن النبيّ ﷺ قال :«اللّهُمّ إِنّ إبْرَاهِيمَ حَرّمَ مَكّةَ » وأن ليس أحدهما دافعا صحة معنى الاَخر كما ظنه بعض الجهال.
وغير جائز في أخبار رسول الله ﷺ أن يكون بعضها دافعا بعضا إذا ثبت صحتها، وقد جاء الخبران اللذان رُويا في ذلك عن رسول الله ﷺ مجيئا ظاهرا مستفيضا يقطع عذر من بلغه.
وقول إبراهيم عليه السلام :﴿رَبّنا إني أسْكَنْتُ مِنْ ذُرّيّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ المُحَرّمِ﴾، فإنه إن يكن قال قبل إيجاب الله فرض تحريمه على لسانه على خلقه، فإنما عنى بذلك تحريم الله إياه الذي حرّمه بحياطته إياه وكلاءته من غير تحريمه إياه على خلقه على وجه التعبد لهم بذلك. وإن يكن قال ذلك بعد تحريم الله إياه على لسانه على خلقه على وجه التعبد، فلا مسألة لأحد علينا في ذلك.

القول في تأويل قوله تعالى :﴿وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللّهِ وَاليَوْمِ الاَخِرِ﴾.


وهذه مسألة من إبراهيم ربه أن يرزق مؤمني أهل مكة من الثمرات دون كافريهم. وخصّ بمسألة ذلك للمؤمنين دون الكافرين لما أعلمه الله عند مسألته إياه أن يجعل من ذرّيته أئمة يقتدي بهم أن منهم الكافر الذي لا ينال عهده، والظالم الذي لا يدرك ولايته. فلما أعلم أن من ذرّيته الظالم والكافر، خصّ بمسألته ربه أن يرزق من الثمرات من سكان مكة المؤمن منهم دون الكافر، وقال الله له : إني قد أجبت دعاءك، وسأرزق مع مؤمني أهل هذا البلد كافرهم، فأمتعه به قليلاً. وأما «مَنْ » في قوله : مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ باللّهِ وَاليَوْمِ الاَخِرِ فإنه نصب على الترجمة والبيان عن الأهل، كما قال تعالى : يَسْألُونَكَ عَنِ الشّهْرِ الحَرَامِ قِتَالِ فِيهِ بمعنى : يسألونك عن قتال في الشهر الحرام، وكما قال تعالى ذكره :﴿ولِلّهِ على النّاسِ حِجّ البَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إلَيْهِ سَبِيلاً﴾ بمعنى : ولله حجّ البيت على من استطاع إليه سبيلاً.
وإنما سأل إبراهيم ربه ما سأل من ذلك لأنه حلّ بواد غير ذي زرع ولا ماء ولا أهل، فسأل أن يرزق أهله ثمرا، وأنه يجعل أفئدة الناس تهوي إليهم، فذكر أن إبراهيم لما سأل ذلك ربه نقل الله الطائف من فلسطين.
حدثني المثنى، قال : حدثنا إسحاق بن الحجاج، قال : حدثنا هشام، قال : قرأت على محمد بن مسلم أن إبراهيم لما دعا للحرم وَارْزُقْ أهْلَهُ مِنَ الثّمَرَاتِ نقل الله الطائف من فلسطين.

القول في تأويل قوله تعالى : قَالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأمَتّعُهُ قَلِيلاً.


اختلف أهل التأويل في قائل هذا القول وفي وجه قراءته، فقال بعضهم : قائل هذا القول ربنا تعالى ذكره، وتأويله عل
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
واحدهم"ساجد" - كما يقال:"رجل قاعد ورجال قعود" و"رجل جالس ورجال جلوس"، فكذلك"رجل ساجد ورجال سجود". (١)
* * *
وقيل: بل عنى"بالركع السجود"، المصلين.
* ذكر من قال ذلك:
٢٠٢٤- حدثنا أبو كريب قال، حدثنا وكيع، عن أبي بكر الهذلي، عن عطاء:"والركع السجود" قال، إذا كان يصلي فهو من"الركع السجود".
٢٠٢٥- حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة:"والركع السجود"، أهل الصلاة.
* * *
وقد بينا فيما مضى بيان معنى"الركوع" و"السجود"، فأغنى ذلك عن إعادته هاهنا. (٢)
* * *

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا﴾


قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بقوله:"وإذ قال إبراهيم رب اجعل هذا بلدا آمنا"، واذكروا إذ قال إبراهيم: رب اجعل هذا البلد بلدا آمنا.
* * *
قال أبو جعفر: يعني بقوله:"آمنا": آمنا من الجبابرة وغيرهم، أن يسلطوا
(١) مما استظهرته من أمر هذا الجمع، جمع فاعل على فعول: أن كل فعل ثلاثي جاء مصدره على"فعول" بضم الفاء، فجمع"فاعل" منه على"فعول"، كهذه الأمثلة التي ذكرت هنا، وكل ما سواها مما قيدته كتب اللغة، ومما هو منثور في الشعر.
(٢) انظر ما سلف ١: ٥٧٤-٥٧٥، ثم ٢: ١٠٣-١٠٥، ٥١٩.
عليه، ومن عقوبة الله أن تناله، كما تنال سائر البلدان، من خسف، وائتفاك، وغرق، (١) وغير ذلك من سخط الله ومثلاته التي تصيب سائر البلاد غيره، كما:
٢٠٢٦- حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قال: ذكر لنا أن الحرم حُرِّم بحياله إلى العرش. وذكر لنا أن البيت هبط مع آدم حين هبط. قال الله له: أهبط معك بيتي يطاف حوله كما يطاف حول عرشي. فطاف حوله آدم ومن كان بعده من المؤمنين، حتى إذا كان زمان الطوفان -حين أغرق الله قوم نوح- رفعه وطهره، ولم تصبه عقوبة أهل الأرض. فتتبع منه إبراهيم أثرا، فبناه على أساس قديم كان قبله.
* * *
فإن قال لنا قائل: أوما كان الحرم آمنا إلا بعد أن سأل إبراهيم ربه له الأمان؟
قيل له: لقد اختلف في ذلك. فقال بعضهم: لم يزل الحرم آمنا من عقوبة الله وعقوبة جبابرة خلقه، منذ خلقت السموات والأرض. واعتلوا في ذلك بما:-
٢٠٢٧- حدثنا أبو كريب قال، حدثنا يونس بن بكير، عن محمد بن إسحاق قال، حدثني سعيد بن أبي سعيد المقبري، قال سمعت أبا شريح الخزاعي يقول: لما افتتحت مكة قتلت خزاعة رجلا من هذيل، فقام رسول الله ﷺ خطيبا فقال:"يا أيها الناس، إن الله حرم مكة يوم خلق السموات والأض، فهي حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة، لا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسفك بها دما، أو يعضد بها شجرا. ألا وإنها لا تحل لأحد بعدي،
(١) في المطبوعة: "وانتقال" مكان"وائتفاك"، وذاك لفظ بلا معنى هنا وبلا دلالة. والائتفاك الانقلاب، وهو عذاب الله الشديد الذي أنزله بقوم لوط، فقال سبحانه في سورة هود: "فلما جاء أمرنا جعلنا عاليها سافلها"، وهذا هو الائتفاك، ائت فكت بهم الأرض: أي انقلبت فصار عاليها سافلها، فسمى الله هذه القرى، قرى لوط"المؤتفكات" في سورة التوبة: ٧٠، وفي سورة الحاقة: ٩، وقال في سورة النجم: ٥٢-٥٣"والمؤتفكة أهوى فغشاها ما غشى"
ولم تحل لي إلا هذه الساعة، غضبا علي أهلها. ألا فهي قد رجعت على حالها بالأمس. ألا ليبلغ الشاهد الغائب، فمن قال: إن رسول الله ﷺ قد قتل بها! فقولوا: إن الله قد أحلها لرسوله ولم يُحِلَّها لك". (١)
٢٠٢٨- حدثنا أبو كريب قال، حدثنا عبد الرحيم بن سليمان - وحدثنا ابن حميد وابن وكيع قالا حدثنا جرير - جميعا، عن يزيد بن أبي زياد، عن مجاهد، عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، لمكة حين افتتحها:"هذه حرم حرمه الله يوم خلق السموات والأرض، وخلق الشمس والقمر، ووضع هذين الأخشبين، لم تحل لأحد قبلي، ولا تحل لأحد بعدي، أُحِلَّت لي ساعة من نهار. (٢)
* * *
(١) الحديث: ٢٠٢٧- هذا مختصر من حديث صحيح مطول:
فرواه أحمد في المسند: ١٦٤٤٨ (ج ٤ ص ٣٢ حلبي)، عن يعقوب بن إبراهيم بن سعد، عن أبيه، عن محمد بن إسحاق، بهذا الإسناد.
ورواية ابن إسحاق ثابتة أيضًا -مطولة- في سيرة ابن هشام ٤: ٥٧-٥٨ (حلبي)، و ٨٢٣- ٨٢٤ أوربة، ٢: ٢٧٧-٢٧٨ (من الروض الأنف).
ورواه أيضًا، بنحوه، أحمد: ١٦٤٤٤ (ج ٤ ص ٣١)، والبخاري ١: ١٧٦-١٧٧، و ٤: ٣٥-٣٩ (فتح)، ومسلم ١: ٣٨٣-٣٨٤ كلهم من طريق الليث بن سعد، عن سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن أبي شريح.
وقوله في الحديث: "أو يعضد بها شجرا"، أي يقطعه، يقال"عضد الشجر"، من باب"ضرب" قطعه.
وقوله: "غضبا على أهلها": هذا هو الصحيح الثابت في رواية ابن إسحاق، في المسند، وسيرة ابن هشام، وفي المطبوعة: "عصى على أهلها". وهو تصحيف.
(٢) الحديث: ٢٠٢٨- هذا الحديث رواه الطبري بإسنادين، عن ثلاثة شيوخ: فرواه عن أبي كريب محمد بن العلاء، عن عبد الرحيم بن سليمان الرازي. ثم رواه عن ابن حميد - وهو محمد بن حميد الرازي، وعن ابن وكيع - وهو سفيان بن وكيع، كلاهما: أعني ابن حميد وابن وكيع، عن جرير بن عبد الحميد الضبي. ثم يجتمع الإسنادان: فيرويه عبد الرحيم بن سليمان وجرير بن عبد الحميد"جميعا عن يزيد بن أبي زياد".
وهذه الأسانيد ظاهرها الصحة، وإن كان سفيان بن وكيع ضعيفا، كما بينا في: ١٦٩٢- فإن الطبري لم يفرده بالرواية عنه، بل قرن به محمد الرازي، وهو ثقة - إلا أن في الحديث انقطاعا، بين مجاهد وابن عباس. وقد سمع مجاهد من ابن عباس حديثا كثيرا، ولكن هذا الحديث بعينه رواه"عن طاوس عن ابن عباس".
و"يزيد بن أبي زياد الكوفي مولى بني هاشم": صدوق، في حفظه شيء بعد ما كبر، قال ابن سعد ٦: ٢٣٧"كان ثقة في نفسه، إلا أنه اختلط في آخر عمره، فجاء بالعجائب". وقال يعقوب بن سفيان: "ويزيد -وإن كانوا يتكلمون فيه لتغييره- فهو على العدالة والثقة، وإن لم يكن مثل الحكم ومنصور". وهو مترجم في التهذيب، والكبير ٤/٢/٣٣٤، وابن أبي حاتم ٤/٢/٢٦٥. فلعله وهم في حذف"طاوس" بين مجاهد وابن عباس.
والحديث في ذاته صحيح.
فرواه أحمد بنحوه مطولا: ٢٣٥٣، ٢٨٩٨، من طريق منصور بن المعتمر، عن مجاهد، عن طاوس، عن ابن عباس.
وكذلك رواه البخاري ٤: ٤٠-٤٢، ومسلم ١: ٣٨٣، من طريق منصور.
ومنصور بن المعتمر: سبق توثيقه ١٧٧. وهو أثبت حفظا من مئة مثل يزيد بن أبي زياد. بل قال يحيى القطان: "ما أحد أثبت عن مجاهد وإبراهيم - من منصور". وقدمه الأئمة -في الحفظ- على الأعمش والحكم.
بل إن هذا الحديث نفسه: ذكر الحافظ في الفتح أنه رواه الأعمش عن مجاهد عن النبي ﷺ - مرسلا، يعني بحذف طاوس وابن عباس، ثم قال: "ومنصور ثقة حافظ، فالحكم لوصله". أي أن هذه الزيادة زيادة ثقة، يجب قبولها والحكم لها بالترجيح.
وقوله في هذه الرواية: "ووضع هذين الأخشبين". هذه الزيادة لم أجدها في شيء من الروايات الأخر. و"الأخشبان"، بلفظ التثنية: هما جبلا مكة المطيفان بها. انظر النهاية لابن الأثير، ومعجم البلدان لياقوت.
قالوا: فمكة منذ خلقت حرم آمن من عقوبة الله وعقوبة الجبابرة. قالوا: وقد أخبرت عن صحة ما قلنا من ذلك الرواية الثانية عن رسول الله ﷺ التي ذكرناها. قالوا: ولم يسأل إبراهيم ربه أن يؤمنه من عقوبته وعقوبة الجبابرة، ولكنه سأله أن يؤمن أهله من الجدوب والقحوط، وأن يرزق ساكنه من الثمرات، كما أخبر ربه عنه أنه سأله بقوله:"وإذ قال إبراهيم رب اجعل هذا بلدا آمنا وارزق أهله من الثمرات من آمن منهم بالله واليوم الآخر". قالوا: وإنما سأل ربه ذلك لأنه أسكن فيه ذريته، وهو غير ذي زرع ولا ضرع، فاستعاذ ربه من أن يهلكهم بها جوعا وعطشا، فسأله أن يؤمنهم مما حذر عليهم منه.
قالوا: وكيف يجوز أن يكون إبراهيم سأل ربه تحريم الحرم، وأن يؤمنه من عقوبته وعقوبة جبابرة خلقه، وهو القائل - حين حله، ونزله بأهله وولده: (رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ) [سورة إبراهيم: ٣٧] ؟ قالوا: فلو كان إبراهيم هو الذي حرم الحرم أو سأل ربه
تحريمه لما قال:"عند بيتك المحرم" عند نزوله به، ولكنه حُرِّم قبله، وحُرِّم بعده.
* * *
وقال آخرون: كان الحرم حلالا قبل دعوة إبراهيم كسائر البلاد غيره، وإنما صار حراما بتحريم إبراهيم إياه، كما كانت مدينة رسول الله ﷺ حلالا قبل تحريم رسول الله ﷺ إياها. قالوا: والدليل على ما قلنا من ذلك، ما:-
٢٠٢٩- حدثنا به ابن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن بن مهدي قال، حدثنا سفيان، عن أبي الزبير، عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم"إن إبراهيم حرم بيت الله وأمنه، وإني حرمت المدينة ما بين لابتيها، عضاهها وصيدها، ولا تقطع عضاهها. (١)
٢٠٣٠- حدثنا أبو كريب وأبو السائب قالا [حدثنا ابن إدريس - وأخبرنا أبو كريب قال]، حدثنا عبد الرحيم الرازي، [قالا جميعا] : سمعنا أشعث، عن نافع، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن إبراهيم كان عبد الله وخليله، وإني عبد الله ورسوله، وإن إبراهيم حرم مكة، وإني حرمت المدينة ما بين لابتيها، عضاهها وصيدها، ولا يحمل فيها سلاح لقتال، ولا يقطع منها شجر إلا لعلف بعير. (٢)
(١) الحديث: ٢٠٢٩- إسناده صحيح. عبد الرحمن بن مهدي: هو الإمام الحافظ العلم. سفيان: هو الثوري.
أبو الزبير: هو المكي، محمد بن مسلم بن تدرس، تابعي ثقة. أخرج له الجماعة. جابر: هو ابن عبد الله، الصحابي المشهور.
والحديث رواه مسلم ١: ٣٨٥، بنحوه، من طريق محمد بن عبد الله الأسدي، عن سفيان، بهذا الإسناد. بلفظ"إن إبراهيم حرم مكة" إلخ.
ونقله ابن كثير ١: ٣١٦، وقال: "وهكذا رواه النسائي، عن محمد بن بشار بندار، به". و"بندار": لقب محمد بن بشار.
اللابتان: هما الحرتان بجانبي المدينة، وهي الأرض ذات الحجارة السود التي قد ألبستها لكثرتها.
العضاه، بكسر العين وتخفيف الضاد المعجمة وآخره هاء: كل شجر عظيم له شوك.
(٢) الحديث: ٢٠٣٠- أبو السائب: هو مسلم بن جنادة، مضت ترجمته: ٤٨. ابن إدريس: هو عبد الله بن إدريس الأودي. سبقت ترجمته في: ٤٣٨.
عبد الرحيم الرازي: هو عبد الرحيم بن سليمان الرازي الأشل الكناني - الذي مضت له رواية في الحديث ٢٠٢٨- وهو ثقة كثير الحديث. مترجم في التهذيب، وابن أبي حاتم ٢/٢/٢٣٩.
أشعث: هو ابن سوار الكندي، ضعفه بعضهم، ووثقه آخرون. وقد رجحنا توثيقه في شرح المسند: ٦٦١. مترجم في التهذيب، والكبير للبخاري ١/٢/٤٣٠، وابن أبي حاتم ١/١/٢٧١-٢٧٢.
نافع: هو مولى ابن عمر، الثقة الثبت الحجة.
وقد كان هذا الإسناد: مغلوطا في المطبوعة هكذا: "حدثنا أبو كريب وأبو السائب، قالا حدثنا عبد الرحيم الرازي: سمعت أشعث... " نقص منه"ابن إدريس". فكان ظاهره أن أبا كريب وأبا السائب روياه عن عبد الرحيم الرازي عن أشعث. والصواب ما أثبتناه، نقلا عن ابن كثير ١: ٣١٦، عن هذا الموضع من الطبري.
فصحة الإسناد: أنه يرويه الطبري عن أبي كريب وأبي السائب. كلاهما عن عبد الله بن إدريس، ثم يرويه الطبري عن أبي كريب وحده، عن عبد الرحيم الرازي -وأن عبد الله بن إدريس وعبد الرحيم الرازي سمعاه جميعا من أشعث.
وهذا الحديث من هذا الوجه، قال فيه ابن كثير: "وهذه الطريق غريبة، ليست في شيء من الكتب الستة". وأزيد عليه: أني لم أجدها في المسند أيضًا، ولا في غيره مما استطعت الرجوع إليه من المراجع.
ثم أشار ابن كثير إلى أن أصل معناه ثابت عن أبي هريرة، من وجه آخر، في صحيح مسلم. وهو حديث مالك في الموطأ، ص: ٨٨٥، عن سهيل عن أبيه عن أبي هريرة: "كان الناس إذا رأوا أول الثمر جاءوا به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإذا أخذه رسول الله ﷺ قال، اللهم بارك لنا في ثمرنا وبارك لنا في مدينتنا، وبارك لنا في صاعنا، وبارك لنا في مدنا. اللهم إن إبراهيم عبدك وخليلك ونبيك، وإني عبدك ونبيك، وإنه دعاك لمكة، وإني أدعوك للمدينة بمثل ما دعاك به لمكة، ومثله معه". وهو في صحيح مسلم ١: ٣٨٧، عن قتيبة، عن مالك.
٢٠٣١- حدثنا أبو كريب قال، حدثنا قتيبة بن سعيد قال، حدثنا بكر بن مضر، عن ابن الهاد، عن أبي بكر بن محمد، عن عبد الله بن عمرو بن عثمان، عن رافع بن خديج، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"إن إبراهيم حرم مكة، وإني أحرم المدينة ما بين لابيتها. (١)
(١) الحديث: ٢٠٣١- بكر من مضر بن محمد بن حكيم المصري: ثقة، أخرج له الشيخان وغيرهما. مترجم في التهذيب، والكبير للبخاري ١/٢/٩٥، وابن أبي حاتم ١/١/٣٩٢-٣٩٣، وتذكرة الحفاظ، وقال: "الإمام المحدث الصادق العابد".
ابن الهاد: هو يزيد بن عبد الله بن أسامة بن الهاد الليثي المدني. وهو ثقة كثير الحديث، أخرج له أصحاب الكتب الستة. مترجم في التهذيب، والكبير ٤/٢/٣٤٤، وابن أبي حاتم ٤/٢/٢٧٥. أبو بكر بن محمد بن عمرو بن حزم الأنصاري: تابعي ثقة حجة، لا يسأل عن مثله.
عبد الله بن عمرو بن عثمان بن عفان: تابعي ثقة، وكان شريفا جوادا ممدحا. جده لأمه: عبد الله بن عمر بن الخطاب.
والحديث رواه مسلم في صحيحه ١: ٣٨٥، عن قتيبة بن سعيد، بهذا الإسناد. ونقله ابن كثير ١: ٣١٦، وقال: "انفرد بإخراجه مسلم". يعني دون البخاري.
وما أشبه ذلك من الأخبار التي يطول باستيعابها الكتاب.
* * *
قالوا:"وقد أخبر الله تعالى ذكره في كتابه أن إبراهيم قال:"رب اجعل هذا بلدا آمنا"، ولم يخبر عنه أنه سأل أن يجعله آمنا من بعض الأشياء دون بعض، فليس لأحد أن يدعي أن الذي سأله من ذلك، الأمان له من بعض الأشياء دون بعض، إلا بحجة يجب التسليم لها. قالوا: وأما خبر أبي شريح وابن عباس، فخبران لا تثبت بهما حجة، لما في أسانيدهما من الأسباب التي لا يجب التسليم فيها من أجلها.
* * *
قال أبو جعفر: والصواب من القول في ذلك عندنا: أن الله تعالى ذكره جعل مكة حرما حين خلقها وأنشأها، كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم،"أنه حرمها يوم خلق السموات والأرض"، بغير تحريم منه لها على لسان أحد من أنبيائه ورسله، ولكن بمنعه من أرادها بسوء، وبدفعه عنها من الآفات والعقوبات، وعن ساكنيها، ما أحل بغيرها وغير ساكنيها من النقمات. فلم يزل ذلك أمرها حتى بوأها الله إبراهيم خليله، وأسكن بها أهله هاجر وولده إسماعيل. فسأل حينئذ إبراهيم ربه إيجاب فرض تحريمها على عباده على لسانه، ليكون ذلك سنة لمن بعده من خلقه، يستنون به فيها، إذ كان تعالى ذكره قد اتخذه خليلا وأخبره أنه جاعله، للناس إماما يقتدى به، فأجابه ربه إلى ما سأله، وألزم عباده حينئذ فرض تحريمه على لسانه،
فصارت مكة - بعد أن كانت ممنوعة بمنع الله إياها، بغير إيجاب الله فرض الامتناع منها على عباده، ومحرمة بدفع الله عنها، بغير تحريمه إياها على لسان أحد من رسله - (١) فرض تحريمها على خلقه على لسان خليله إبراهيم عليه السلام، وواجب على عباده الامتناع من استحلالها، واستحلال صيدها وعضاهها لها بإيجابه الامتناع من ذلك ببلاغ إبراهيم رسالة الله إليه بذلك إليهم.
(١) سياق هذه الجملة المعترضة: "بعد أن كانت ممنوعة... ، ومحرمة... "، وسياق الجملة التي دخلها الاعتراض: "فصارت مكة... فرض تحريمها... وواجب على عباده... "
فلذلك أضيف تحريمها إلى إبراهيم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"إن الله حرم مكة". لأن فرض تحريمها الذي ألزم الله عباده على وجه العبادة له به - دون التحريم الذي لم يزل متعبدا لها به على وجه الكلاءة والحفظ لها قبل ذلك - (١) كان عن مسألة إبراهيم ربه إيجاب فرض ذلك على لسانه، [وهو الذي] لزم العباد فرضه دون غيره. (٢)
فقد تبين إذا بما قلنا صحة معنى الخبرين - أعني خبر أبي شريح وابن عباس عن النبي ﷺ أنه قال:"وإن الله حرم مكة يوم خلق الشمس والقمر" - وخبر جابر وأبى هريرة ورافع بن خديج وغيرهم: أن النبي ﷺ قال: "اللهم إن إبراهيم حرم مكة"؛ وأن ليس أحدهما دافعا صحة معنى الآخر، كما ظنه بعض الجهال.
وغير جائز في أخبار رسول الله ﷺ أن يكون بعضها دافعا بعضا، إذا ثبت صحتها. وقد جاء الخبران اللذان رويا في ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، مجيئا ظاهرا مستفيضا يقطع عذر من بلغه.
وأما قول إبراهيم عليه السلام (٣) (رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ) [سورة إبراهيم: ٣٧] فإنه، إن يكن قاله قبل إيجاب الله فرض تحريمه على لسانه على خلقه، (٤) فإنما عنى بذلك تحريم الله إياه الذي حرمه بحياطته إياه وكلاءته، (٥) من غير تحريمه إياه على خلقه على وجه التعبد، لهم بذلك - وإن يكن قال ذلك بعد تحريم الله إياه على خلقه على وجه التعبد فلا مسألة لأحد علينا في ذلك.
* * *
(١) كلأه الله يكلأه كلاء (بفتح فسكون) وكلأ (بكسر فسكون) وكلاءة (بكسر الكاف) : حرسه وحفظه. وكان في المطبوعة"الكلاء" بهمزة مفردة مع المد، وليس صوابا. هذا، وسياق العبارة: "لأن فرض تحريمها... كان عن مسألة إبراهيم ربه".
(٢) ما بين القوسين زيادة لا بد منها حتى يستقيم الكلام.
(٣) في الأصول: "وقول إبراهيم"، والصواب زيادة"أما" كما يدل عليه السياق.
(٤) وفيها: "إن يكن قال قبل إيجاب الله". والصواب ما أثبت.
(٥) وفيها: "وكلائه"، والصواب ما أثبت، وانظر التعليق السالف رقم: ١.

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ﴾


قال أبو جعفر: وهذه مسألة من إبراهيم ربه: أن يرزق مؤمني أهل مكة من الثمرات، دون كافريهم. وخص، بمسألة ذلك للمؤمنين دون الكافرين، لما أعلمه الله -عند مسألته إياه أن يجعل من ذريته أئمة يقتدى بهم- أن منهم الكافر الذي لا ينال عهده، والظالم الذي لا يدرك ولايته. فلما أن علم أن من ذريته الظالم والكافر، خص بمسألته ربه أن يرزق من الثمرات من سكان مكة، المؤمن منهم دون الكافر. وقال الله له: إني قد أجبت دعاءك، وسأرزق مع مؤمني أهل هذا البلد كافرهم، فأمتعه به قليلا.
* * *
وأما "من" من قوله: "من آمن منهم بالله واليوم الآخر"، فإنه نصبٌ على الترجمة والبيان عن"الأهل"، (١) كما قال تعالى: (يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ) [سورة البقرة: ٢١٧]، بمعنى: يسألونك عن قتال في الشهر الحرام، وكما قال تعالى ذكره: (وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلا) [سورة آل عمران: ٩٧] : بمعنى: ولله حج البيت على من استطاع إليه سبيلا.
* * *
وإنما سأل إبراهيم ربه ما سأل من ذلك، لأنه حل بواد غير ذي زرع ولا ماء ولا أهل، فسأل أن يرزق أهله ثمرا، وأن يجعل أفئدة الناس تهوي إليهم. فذكر أن إبراهيم لما سأل ذلك ربه، نقل الله الطائف من فلسطين.
٢٠٣٢- حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق بن الحجاج قال، حدثنا هشام قال، قرأت على محمد بن مسلم أن إبراهيم لما دعا للحرم:"وارزق أهله من الثمرات"، نقل الله الطائف من فلسطين.
* * *
(١) الترجمة: هي عطف البيان أو البدل عند الكوفيين، كما سلف ٢: ٣٤٠، ٤٢٠.

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿قَالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلا﴾


قال أبو جعفر: اختلف أهل التأويل في قائل هذا القول، وفي وجه قراءته. فقال بعضهم: قائل هذا القول ربنا تعالى ذكره، وتأويله على قولهم: قال: ومن كفر فأمتعه قليلا برزقي من الثمرات في الدنيا، إلى أن يأتيه أجله. وقرأ قائل هذه المقالة ذلك:"فأمتعه قليلا"، بتشديد"التاء" ورفع"العين".
* ذكر من قال ذلك:
٢٠٣٣- حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه عن الربيع، قال، حدثني أبو العالية، عن أبي بن كعب في قوله:"ومن كفر فأمتعه قليلا ثم أضطره إلى عذاب النار"، قال هو قول الرب تعالى ذكره.
٢٠٣٤- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة قال، قال ابن إسحاق: لما قال إبراهيم:"رب اجعل هذا بلدا آمنا وارزق أهله من الثمرات من آمن منهم بالله واليوم الآخر"، وعدل الدعوة عمن أبى الله أن يجعل له الولاية، = انقطاعا إلى الله، (١) ومحبة وفراقا لمن خالف أمره، وإن كانوا من ذريته، حين عرف أنه كائن منهم ظالم لا ينال عهده، بخبره عن ذلك حين أخبره (٢) = فقال الله: ومن كفر - فإني أرزق البر والفاجر - فأمتعه قليلا. (٣)
* * *
وقال آخرون: بل قال ذلك إبراهيم خليل الرحمن، على وجه المسألة منه ربه أن
(١) يعني أن إبراهيم قال ذلك، وصرف الدعوة: "انقطاعا إلى الله... "
(٢) في المطبوعة: "أنه كان منهم ظالم... " والصواب ما أثبت من تفسير ابن كثير. قوله: "بخبره عن ذلك.. " سياقه، أنه: عدل الدعوة عمن أبي.. بخبر الله عن ذلك حين أخبره. وفي المطبوعة: "فقال الله.. "، والفاء مفسدة للسياق، فإنه: "لما قال إبراهيم.. وعدل الدعوة.. قال الله.. ".
(٣) الأثر: ٢٠٣٤- في تفسير ابن كثير ١: ٣١٩، وفيه اختلاف في بعض اللفظ، ولم أجده في سيرة ابن هشام.
يرزق الكافر أيضا من الثمرات بالبلد الحرام، مثل الذي يرزق به المؤمن ويمتعه بذلك قليلا"ثم اضطره إلى عذاب النار" - بتخفيف"التاء" وجزم"العين"، وفتح"الراء" من اضطره، وفصل"ثم اضطره" بغير قطع ألفها (١) - على وجه الدعاء من إبراهيم ربه لهم والمسألة.
* ذكر من قال ذلك:
٢٠٣٥- حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه عن الربيع قال، قال أبو العالية: كان ابن عباس يقول: ذلك قول إبراهيم، يسأل ربه أن من كفر فأمتعه قليلا.
* * *
٢٠٣٦- حدثنا المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن ليث، عن مجاهد:"ومن كفر فأمتعه قليلا"، يقول: ومن كفر فأرزقه أيضا، ثم أضطره إلى عذاب النار. (٢)
* * *
قال أبو جعفر: والصواب من القراءة في ذلك عندنا والتأويل، ما قاله أبي بن كعب وقراءته، لقيام الحجة بالنقل المستفيض دراية بتصويب ذلك، وشذوذ ما خالفه من القراءة. وغير جائز الاعتراض بمن كان جائزا عليه في نقله الخطأ والسهو، على من كان ذلك غير جائز عليه في نقله. وإذ كان ذلك كذلك، فتأويل الآية: قال الله: يا إبراهيم، قد أجبت دعوتك، ورزقت مؤمني أهل هذا البلد من الثمرات وكفارهم، متاعا لهم إلى بلوغ آجالهم، ثم أضطر كفارهم بعد ذلك إلى النار.
* * *
وأما قوله:"فأمتعه قليلا" يعني: فأجعل ما أرزقه من ذلك في حياته
(١) هذا رسم القراءة ﴿فأمتعه قليلا ثم اضطره﴾، على أنهما فعلا أمر، يراد بهما الدعاء والسؤال.
(٢) الأثر: ٢٠٣٦- كان ينبغي أن يقدم هذا الأثر على ذكر هذه القراءة التي سوف يردها الطبري. وبين من نقل ابن كثير عن الطبري أن موقعه قبل الأثر رقم: ٢٠٣٤، وسيأتي في كلام الطبري بعد قليل ما يقطع بأن هذا الخبر عن مجاهد، بمعزل عن هذه القراءة. فأخشى أن يكون الناسخ قد أسقط الخبر عند النسخ، ثم عاد فوضعه هنا حين انتبه إلى أنه قد أسقطه. وكدت أرده إلى مكانه، ولكني آثرت تركه على حاله مع التنبيه على الخطأ، وفصلته عن الذي قبله بالنجوم الفاصلة.
متاعا يتمتع به إلى وقت مماته. (١)
وإنما قلنا إن ذلك كذلك، لأن الله تعالى ذكره إنما قال ذلك لإبراهيم، جوابا لمسألته ما سأل من رزق الثمرات لمؤمني أهل مكة. فكان معلوما بذلك أن الجواب إنما هو فيما سأله إبراهيم لا في غيره. وبالذي قلنا في ذلك قال مجاهد، وقد ذكرنا الرواية بذلك عنه. (٢)
وقال بعضهم: تأويله: فأمتعه بالبقاء في الدنيا.
وقال غيره: فأمتعه قليلا في كفره ما أقام بمكة، حتى أبعث محمدا ﷺ فيقتله، إن أقام على كفره، أو يجليه عنها. وذلك وإن كان وجها يحتمله الكلام، فإن دليل ظاهر الكلام على خلافه، لما وصفنا. (٣)
* * *

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ﴾


قال أبو جعفر: يعنى تعالى ذكره بقوله:"ثم أضطره إلى عذاب النار"، ثم أدفعه إلى عذاب النار وأسوقه إليها، كما قال تعالى ذكره: (يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلَى نَارِ
(١) انظر تفسير"المتاع" فيما سلف ١: ٥٣٩-٥٤١.
(٢) انظر الأثر: رقم: ٢٠٣٦، والتعليق عليه.
(٣) ما أحسن ما قال أبو جعفر فإن أكثر الكلام، يحتمل وجوها، ولكن سياق المعاني وترابطها يوجب معنى واحدا مما يحتمله الكلام. وهذا ما يعنيه بقوله: "دليل ظاهر الكلام". وانظر تفسير"الظاهر" فيما سلف ٢: ١٥ والمراجع قبله وبعده.
جَهَنَّمَ دَعًّا) [سورة الطور: ١٣]. (١)
* * *
ومعنى"الاضطرار"، الإكراه. يقال:"اضطررت فلانا إلى هذا الأمر"، إذا ألجأته إليه وحملته عليه.
فذلك معنى قوله:"ثم أضطره إلى عذاب النار"، أدفعه إليها وأسوقه، سحبا وجرا على وجهه.
* * *

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (١٢٦)﴾


قال أبو جعفر: قد دللنا على أن"بئس" أصله "بِئس" من "البؤس" سُكِّن ثانيه، ونقلت حركة ثانيه إلى أوله، كما قيل للكَبد كِبْد، وما أشبه ذلك. (٢)
* * *
ومعنى الكلام: وساء المصيرُ عذابُ النار، بعد الذي كانوا فيه من متاع الدنيا الذي متعتهم فيها.
* * *
وأما"المصير"، فإنه "مَفعِل" من قول القائل:"صرت مصيرا صالحا"، ، وهو الموضع الذي يصير إليه الكافر بالله من عذاب النار. (٣)
* * *
(١) قال أبو جعفر في تفسير هذه الآية (٢٧: ١٣-١٤، بولاق) :"يدفعون بإرهاق وإزعاج. يقال منه. دععت في قفاه: إذا دفعت فيه".
(٢) انظر ما سلف ٢: ٣٣٨-٣٤٠.
(٣) يريد الطبري أنه المنزل الذي ينتهى إليه، من قولهم: "أين مصيركم؟ "، أي منزلكم. والمصير: العاقبة وما يصير إليه الشيء.

تفسير القرآن العظيم — ابن كثير

عن الكتاب
وقوله تعالى :﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ﴾
قال الإمام أبو جعفر بن جرير : حدثنا ابن بشار قال : حدثنا عبد الرحمن بن مَهْدي، حدثنا سفيان، عن أبي الزبير، عن جابر بن عبد الله قال : قال رسول الله ﷺ :" إن إبراهيم حَرَّم بيت الله وأمَّنَه وإني حرمت المدينة ما بين لابتيها فلا يُصَادُ صيدها ولا يقطع عضاهها " (١).
وهكذا رواه النسائي، عن محمد بن بشار عن بُنْدَار به(٢).
وأخرجه مسلم، عن أبي بكر بن أبي شيبة، وعَمْرو الناقد، كلاهما عن أبي أحمد الزبيري، عن سفيان الثوري(٣).
وقال ابن جرير - أيضًا - : حدثنا أبو كُرَيْب وأبو السائب قالا حدثنا ابن إدريس، وحدثنا أبو كريب، حدثنا عبد الرحيم الرازي، قالا جميعًا : سمعنا أشعث عن نافع عن أبي هريرة، قال : قال رسول الله ﷺ :" إن إبراهيم كان عبد الله وخليله وإني عبدُ الله ورسوله وإن إبراهيم حَرَّم مكة وإني حرمت المدينة ما بين لابتيها، عضاهَها وصيدَها، لا يحمل فيها سلاح لقتال، ولا يقطع منها شجرة إلا لعلف بعير " (٤).
وهذه الطريق غريبة، ليست في شيء من الكتب الستة، وأصل الحديث في صحيح مسلم من وجه آخر، عن أبي هريرة، رضي الله عنه، قال : كان الناس إذا رأوا أول الثمر، جاؤوا به إلى رسول الله ﷺ، فإذا أخذه رسول الله ﷺ قال :" اللهم بارك لنا في ثمرنا، وبارك لنا في مدينتنا، وبارك لنا في صاعنا، وبارك لنا في مُدِّنا، اللهم إن إبراهيمَ عبدُك وخليلك ونبيك، وإني عبدك ونبيك وإنه دعاك لمكة وإني أدعوك للمدينة بمثل ما دعاك لمكة ومثله معه " ثم يدعو أصْغَرَ وليد له، فيعطيه ذلك الثمر. وفي لفظ :" بركة مع بركة " ثم يعطيه أصغر من يحضره من الولدان. لفظ مسلم(٥).
ثم قال ابن جرير : حدثنا أبو كُريب، حدثنا قتيبة بن سعيد، حدثنا بكر بن مضر، عن ابن الهاد، عن أبي بكر بن محمد، عن عبد الله بن عمرو بن عثمان، عن رافع بن خَديج، قال : قال رسول الله ﷺ :" إن إبراهيم حرم مكة، وإني أحرم ما بين لابتيها ".
انفرد بإخراجه مسلم، فرواه عن قتيبة، عن بكر بن مضر، به(٦). ولفظه كلفظه سواء. وفي الصحيحين عن أنس بن مالك، قال : قال رسول الله ﷺ لأبي طلحة :" التمس لي غلامًا من غلمانكم يخدمني " فخرج بي أبو طلحة يردفني وراءه، فكنت أخدم رسول الله ﷺ كلما نزل. وقال في الحديث : ثم أقْبَلَ حتى إذا بدا له أُحد قال :" هذا جبل يُحبُّنا ونحبه ". فلما أشرف على المدينة قال :" اللهم إني أحرم ما بين جبليها، مثلما حرم به إبراهيم مكة، اللهم بارك لهم في مُدِّهم وصاعهم ". وفي لفظ لهما :" اللهم بارك لهم في مكيالهم، وبارك لهم في صاعهم، وبارك لهم في مدهم ". زاد البخاري : يعني : أهل المدينة(٧).
ولهما أيضا عن أنس : أن رسول الله ﷺ قال :" اللهم اجعل بالمدينة ضِعْفَي ما جعلته بمكة من البركة " (٨) وعن عبد الله بن زيد بن عاصم، رضي الله عنه، عن النبي ﷺ :" إن إبراهيم حرم مكة ودعا لها، وحَرَّمتُ(٩) المدينة كما حرم إبراهيم مكة، ودعوت(١٠) لها في مدها وصاعها(١١) مثل ما دعا إبراهيم لمكة "
رواه البخاري وهذا لفظه(١٢)، ومسلم ولفظه : أن رسول الله ﷺ قال :" إن إبراهيم حرم مكة ودعا لأهلها. وإني حرَّمتُ المدينة كما حرم إبراهيم مكة، وإني دعوت لها في صاعها ومدها بمثل ما دعا إبراهيم لأهل مكة " (١٣).
وعن أبي سعيد، رضي الله عنه، عن النبي ﷺ قال :" اللهم إنَّ إبراهيم حَرَّم مكة فجعلها حرامًا، وإني حرمت المدينة حرامًا ما بين مأزميها، لا يهراق فيها دم، ولا يحمل فيها سلاح لقتال، ولا يخبط فيها شجرة إلا لعلف. اللهم بارك لنا في مدينتنا، اللهم بارك لنا في صاعنا، اللهم بارك لنا في مُدِّنا، اللهم اجعل مع البركة بركتين ". الحديث رواه مسلم(١٤).
والأحاديث في تحريم المدينة كثيرة، وإنما أوردنا منها ما هو متعلق بتحريم إبراهيم، عليه السلام، لمكة، لما في ذلك في مطابقة الآية الكريمة.
[ وتَمسَّك بها من ذهب إلى أن تحريم مكة إنما كان على لسان إبراهيم الخليل، وقيل : إنها محرمة منذ خلقت مع الأرض وهذا أظهر وأقوى ](١٥).
وقد وردت أحاديث أُخَرُ تدل على أن الله تعالى حرم مكة قبل خلق السموات والأرض، كما جاء في الصحيحين، عن عبد الله بن عباس، رضي الله عنهما، قال : قال رسول الله ﷺ يوم فتح مكة :" إن هذا البلد حَرَّمه الله يوم خلق السموات والأرض، فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة. وإنه لم يحِل القتال فيه لأحد قبلي، ولم يحل لي إلا ساعة من نهار، فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة. لا يُعْضَد شوكه ولا ينفر صيده، ولا تُلْتَقَط لُقَطَتُه إلا من عرَّفها، ولا يختلى خَلاهَا " فقال العباس : يا رسول الله، إلا الإذْخَر فإنه لقَينهم ولبيوتهم. فقال :" إلا الإذخر " وهذا لفظ مسلم(١٦).
ولهما عن أبي هريرة نحو من ذلك(١٧).
ثم قال البخاري بعد ذلك : قال(١٨) أبان بن صالح، عن الحسن بن مسلم، عن صفية بنت شيبة : سمعت النبي ﷺ، مثله(١٩).
وهذا الذي علقه البخاري رواه الإمام أبو عبد الله بن ماجة، عن محمد بن عبد الله بن نُمَير، عن يونس بن بُكَيْر، عن محمد بن إسحاق، عن أبان بن صالح، عن الحسن بن مسلم بن يَنَّاق، عن صفية بنت شيبة، قالت : سمعت النبي ﷺ يخطب عام الفتح، فقال :" يا أيها الناس، إن الله حرم مكة يوم خلق السموات والأرض، فهي حَرَام إلى يوم القيامة، لا يُعْضَد شجرها ولا يُنَفَّر صيدُها، ولا يأخذ لُقَطَتَها إلا مُنْشِد " فقال العباس : إلا الإذخر ؛ فإنه للبيوت والقبور. فقال رسول الله ﷺ :" إلا الإذْخَر " (٢٠).
وعن أبي شُرَيح العدوي أنَّه قال لعَمْرو بن سعيد - وهو يبعث البعوث إلى مكة - : ائذن لي - أيها الأمير - أن أحدثَك قولا قام به رسولُ الله ﷺ الغَد من يوم الفتح، سَمِعَته أذناي ووعاه قلبي، وأبصرته عيناي حين تَكَلَّم به، إنه حمد الله وأثنى عليه، ثم قال :" إن مكة حرمها الله ولم يحرمها الناس، فلا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسفك بها دمًا، ولا يعضد بها شجرة، فإن أحد تَرَخَّصَ بقتال رسول الله ﷺ فقولوا : إن الله أذن لرسوله ﷺ ولم يأذن لكم. وإنما أذن لي فيها ساعة من نهار، وقد عادت حرمتها اليوم كحرمتها بالأمس، فليبلغ الشاهد الغائب ". فقيل لأبي شُرَيح : ما قال لك عمرو ؟ قال : أنا أعلم بذلك منك يا أبا شريح، إن الحرم لا يعيذ عاصيًا، ولا فارًّا بدم، ولا فارًّا بخَرَبَة.
رواه البخاري ومسلم، وهذا لفظه(٢١).
فإذا علم هذا فلا منافاة بين هذه الأحاديث الدالة على أن الله حَرَّم مكة يوم خلق السموات والأرض، وبين الأحاديث الدالة على أن إبراهيم، عليه السلام، حَرَّمها ؛ لأن إبراهيم بَلَّغ عن الله حُكْمه فيها وتحريمه إياها، وأنها لم تزل بلدًا حرامًا عند الله قبل بناء إبراهيم، عليه السلام، لها، كما أنه قد كان رسول الله ﷺ مكتوبًا عند الله خاتم النبيين، وإن آدم لمنجَدل في طينته، ومع هذا قال إبراهيم، عليه السلام :﴿رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولا مِنْهُمْ﴾ وقد أجاب الله دعاءه بما سبق في علمه وقَدَره. ولهذا جاء في الحديث أنهم قالوا : يا رسول الله، أخبرنا عن بَدْءِ أمرك. فقال :" دعوة أبي إبراهيم، وبشرى عيسى ابن مريم، ورأت أمي كأنه(٢٢) خرج منها نور أضاء ت له قصور الشام ".
أي : أخْبِرْنا عن بدء ظهور أمرك. كما سيأتي قريبًا، إن شاء الله.
وأما مسألة تفضيل مَكَّة على المدينة، كما هو قول الجمهور، أو المدينة على مكة، كما هو مذهب مالك وأتباعه، فتذكر في موضع آخر بأدلتها، إن شاء الله، وبه الثقة.
وقوله : تعالى إخبارًا عن الخليل أنه قال :﴿رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا﴾ أي : من الخوف، لا يَرْعَبُ أهله، وقد فعل الله ذلك شرعًا وقدرًا. كقوله تعالى(٢٣) ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾ [آل عمران: ٩٧] وقوله ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ﴾ [العنكبوت: ٦٧] إلى غير ذلك من الآيات. وقد تقدمت الأحاديث في تحريم القتال فيها. وفي صحيح مسلم عن جابر : سمعت رسول الله ﷺ يقول :" لا يحل لأحد أن يحمل بمكة السلاح " (٢٤). وقال في هذه السورة :﴿رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا﴾ أي : اجعل هذه البقعة بلدًا آمنًا، وناسب هذا ؛ لأنه قبل بناء الكعبة. وقال تعالى في سورة إبراهيم :﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا﴾ [إبراهيم: ٣٥] وناسب هذا هناك لأنه، والله أعلم، كأنه وقع دعاء ثانًيا(٢٥) بعد بناء البيت واستقرار أهله به، وبعد مولد إسحاق الذي هو أصغر سنًّا من إسماعيل بثلاث عشرة سنة ؛ ولهذا قال في آخر الدعاء :﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ﴾ [إبراهيم: ٣٩]
وقوله تعالى :﴿وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ قَالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾
قال أبو جعفر الرازي، عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية، عن أبي بن كعب :﴿قَالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قليلا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إلى عَذَابِ النَّارِ وَبِئسَ الْمَصِير﴾ قال : هو قول الله تعالى. وهذا قول مجاهد وعكرمة وهو الذي صوبه ابن جرير، رحمه الله تعالى : قال : وقرأ آخرون :﴿قَالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ فجعلوا ذلك من تمام دعاء إبراهيم، كما رواه أبو جعفر، عن الربيع، عن أبي العالية قال : كان ابن عباس يقول : ذلك قول إبراهيم، يسأل ربه أن من كفر فأمتعه قليلا.
وقال أبو جعفر، عن ليث بن أبي سليم، عن مجاهد :﴿وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلا﴾ يقول : ومن كفر فأرزقه أيضًا ﴿ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِير﴾
وقال محمد بن إسحاق : لما عزل إبراهيم، عليه السلام، الدعوة عمَّن أبى الله أن يجعل له الولاية - انقطاعًا إلى الله ومحبته، وفراقًا لمن خالف أمره، وإن كانوا من ذريته، حين عرف أنه كائن منهم أنه ظالم ألا يناله عهدُه، بخبر الله له بذلك - قال الله : ومن كفر فإني أرزق البر والفاجر وأمتعه قليلا.
وقال حاتم بن إسماعيل عن حُمَيد الخرَّاط، عن عَمَّار الدُّهْني، عن سعيد بن جبير، عن اب
١ تفسير الطبري (٣/٤٨) واللابتان: هما الحرتان بجانبي المدينة، والعضاة: كل شجر عظيم له شوك، وقيل: العظيم من الشجر مطلقا..
٢ سنن النسائي الكبرى برقم (٤٢٨٤)..
٣ صحيح مسلم برقم (١٣٦٢)..
٤ تفسير الطبري (٣/٤٨)..
٥ صحيح مسلم برقم (١٣٧٣)..
٦ تفسير الطبري (٣/٤٩)..
٧ صحيح مسلم برقم (١٣٦١)..
٨ صحيح البخاري برقم (١٨٨٥) وصحيح مسلم برقم (١٣٦٩)..
٩ في جـ، ط: "وإني حرمت"..
١٠ في جـ، ط: "وإني دعوت"..
١١ في جـ، ط: "صاعها ومدها"..
١٢ صحيح البخاري برقم (٢١٢٩)..
١٣ صحيح مسلم برقم (١٣٦٠)..
١٤ صحيح مسلم برقم (١٣٧٤)..
١٥ زيادة من جـ، ط، أ..
١٦ صحيح البخاري برقم (١٨٣٤، ١٥٨٧، ٣١٨٩، ٣٠٧٧) وصحيح مسلم برقم (١٣٥٣)..
١٧ صحيح البخاري برقم (١١٢، ٦٨٨٠) وصحيح مسلم برقم (١٣٥٥)..
١٨ في جـ، ط: "وقال"..
١٩ صحيح البخاري برقم (١٣٤٩)..
٢٠ سنن ابن ماجة برقم (٣١٠٩)..
٢١ صحيح البخاري برقم (١٨٣٢) وصحيح مسلم برقم (١٣٥٤)..
٢٢ في جـ: "كأنها"..
٢٣ في جـ: "كما قال الله تعالى"، وفي طـ: "لقوله تعالى"..
٢٤ صحيح مسلم برقم (١٣٥٦)..
٢٥ في جـ، طـ، أ: "دعاء مرة ثانية"..

تيسير الكريم الرحمن — السعدي

عن الكتاب
﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ قَالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾
أي : وإذ دعا إبراهيم لهذا البيت، أن يجعله الله بلدا آمنا، ويرزق أهله من أنواع الثمرات، ثم قيد عليه السلام هذا الدعاء للمؤمنين، تأدبا مع الله، إذ كان دعاؤه الأول، فيه الإطلاق، فجاء الجواب فيه مقيدا بغير الظالم.
فلما دعا لهم بالرزق، وقيده بالمؤمن، وكان رزق الله شاملا للمؤمن والكافر، والعاصي والطائع، قال تعالى :﴿وَمَنْ كَفَرَ﴾ أي : أرزقهم كلهم، مسلمهم وكافرهم، أما المسلم فيستعين بالرزق على عبادة الله، ثم ينتقل منه إلى نعيم الجنة، وأما الكافر، فيتمتع فيها قليلا ﴿ثُمَّ أَضْطَرُّهُ﴾ أي : ألجئه وأخرجه مكرها ﴿إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
{١٢٦} ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ قَالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾.
أي: وإذ دعا إبراهيم لهذا البيت، أن يجعله الله بلدا آمنا، ويرزق أهله من أنواع الثمرات، ثم قيد عليه السلام هذا الدعاء للمؤمنين، تأدبا مع الله، إذ كان دعاؤه الأول، فيه الإطلاق، فجاء الجواب فيه مقيدا بغير الظالم.
فلما دعا لهم بالرزق، وقيده بالمؤمن، وكان رزق الله شاملا للمؤمن والكافر، والعاصي والطائع، قال تعالى: ﴿وَمَنْ كَفَرَ﴾ أي: أرزقهم كلهم، مسلمهم وكافرهم، أما المسلم فيستعين بالرزق على عبادة الله، ثم ينتقل منه إلى نعيم الجنة، وأما الكافر، فيتمتع فيها قليلا ﴿ثُمَّ أَضْطَرُّهُ﴾ أي: ألجئه وأخرجه مكرها ﴿إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾.
جميع كتب التفسير لهذه الآية (١١٩ كتابًا)
جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري تفسير القرآن العظيم — ابن كثير تفسير القرآن العظيم — ابن كثير تيسير الكريم الرحمن — السعدي أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير — أبو بكر الجزائري التفسير الميسر — مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور — حكمت بشير ياسين المختصر في تفسير القرآن الكريم — مركز تفسير للدراسات القرآنية تفسير مقاتل بن سليمان — مقاتل بن سليمان معاني القرآن — الفراء معاني القرآن للفراء — الفراء مجاز القرآن — أبو عبيدة معمر بن المثنى تفسير القرآن — الصنعاني معاني القرآن — الأخفش تفسير التستري — سهل التستري معاني القرآن وإعرابه للزجاج — الزجاج تفسير ابن أبي حاتم — ابن أبي حاتم الرازي تأويلات أهل السنة — أبو منصور المَاتُرِيدي أحكام القرآن — الجصاص بحر العلوم — أبو الليث السمرقندي تفسير القرآن العزيز — ابن أبي زَمَنِين الكشف والبيان عن تفسير القرآن — الثعلبي الهداية الى بلوغ النهاية — مكي بن أبي طالب النكت والعيون — الماوردي النكت والعيون — الماوردي جهود ابن عبد البر في التفسير — ابن عبد البر تفسير القشيري — القشيري لطائف الإشارات — القشيري التفسير البسيط — الواحدي الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — الواحدي تفسير السمعاني — أبو المظفر السمعاني تفسير الراغب الأصفهاني — الراغب الأصفهاني أحكام القرآن — إلكيا الهراسي معالم التنزيل — البغوي معالم التنزيل — البغوي الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — الزمخشري المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز — ابن عطية إيجاز البيان عن معاني القرآن — بيان الحق النيسابوري أحكام القرآن — ابن الفرس تذكرة الاريب في تفسير الغريب — ابن الجوزي زاد المسير في علم التفسير — ابن الجوزي مفاتيح الغيب — فخر الدين الرازي تفسير العز بن عبد السلام — عز الدين بن عبد السلام أنوار التنزيل وأسرار التأويل — البيضاوي مدارك التنزيل وحقائق التأويل — أبو البركات النسفي التسهيل لعلوم التنزيل — ابن جُزَيِّ لباب التأويل في معاني التنزيل — الخازن البحر المحيط في التفسير — أبو حيان الأندلسي النهر الماد من البحر المحيط — أبو حيان الأندلسي الدر المصون في علوم الكتاب المكنون — السمين الحلبي اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحداد اليمني كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحداد اليمني تفسير ابن عرفة — ابن عرفة تفسير ابن عرفة — ابن عرفة التبيان في تفسير غريب القرآن — ابن الهائم تنوير المقباس من تفسير ابن عباس — الفيروزآبادي غرائب القرآن ورغائب الفرقان — نظام الدين القمي النيسابوري تفسير الجلالين — المَحَلِّي الجواهر الحسان في تفسير القرآن — الثعالبي نظم الدرر في تناسب الآيات والسور — برهان الدين البقاعي جامع البيان في تفسير القرآن — الإيجي محيي الدين الدر المنثور في التأويل بالمأثور — السُّيوطي الدر المنثور في التأويل بالمأثور — السُّيوطي الصراط المستقيم في تبيان القرآن الكريم — الكَازَرُوني فتح الرحمن بكشف ما يلتبس في القرآن — زكريا الأنصاري فتح الرحمن في تفسير القرآن — مجير الدين العُلَيْمي السراج المنير في الإعانة على معرفة بعض معاني كلام ربنا الحكيم الخبير — الشربيني إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم — أبو السعود روح البيان — إسماعيل حقي التفسير المظهري — المظهري البحر المديد في تفسير القرآن المجيد — ابن عجيبة البحر المديد في تفسير القرآن المجيد — ابن عجيبة التفسير المظهري — محمد ثناء الله المظهري حاشية الصاوي على تفسير الجلالين — الصاوي فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير — الشوكاني فتح البيان في مقاصد القرآن — صديق حسن خان محاسن التأويل — جمال الدين القاسمي روح المعاني — الألوسي تفسير المنار — محمد رشيد رضا تفسير المنار — رشيد رضا تفسير المراغي — أحمد بن مصطفى المراغي تفسير المراغي — المراغي المصحف المفسّر — فريد وجدي التفسير القرآني للقرآن — عبد الكريم يونس الخطيب تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد من تفسير الكتاب المجيد — ابن عاشور زهرة التفاسير — محمد أبو زهرة زهرة التفاسير — أبو زهرة بيان المعاني — ملا حويش أوضح التفاسير — محمد عبد اللطيف الخطيب إعراب القرآن وبيانه — محيي الدين الدرويش التفسير الحديث — محمد عزة دروزة التفسير الحديث — دروزة تيسير التفسير — إبراهيم القطان تيسير التفسير — إبراهيم القطان الموسوعة القرآنية — إبراهيم الإبياري التيسير في أحاديث التفسير — المكي الناصري تفسير الشعراوي — الشعراوي تفسير الشعراوي — الشعراوي تفسير القرآن الكريم — ابن عثيمين تفسير القرآن الكريم — عبد الله محمود شحاتة التفسير الوسيط — محمد سيد طنطاوي التفسير المنير — وهبة الزحيلي التفسير الوسيط — وهبة الزحيلي حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن — محمد الأمين الهرري فتح الرحمن في تفسير القرآن — تعيلب التفسير الشامل — أمير عبد العزيز الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور — بشير ياسين التفسير الميسر — التفسير الميسر المنتخب في تفسير القرآن الكريم — المنتخب أيسر التفاسير — أسعد حومد التفسير الميسر — مجموعة من المؤلفين التفسير الواضح — محمد محمود حجازي المنتخب في تفسير القرآن الكريم — مجموعة من المؤلفين تفسير سفيان الثوري — عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي تفسير غريب القرآن - الكواري — كَامِلَة بنت محمد الكَوارِي صفوة التفاسير — محمد علي الصابوني كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحدادي اليمني معاني الكلمات من كتاب السراج في بيان غريب القرآن — محمد الخضيري

غريب الكلمات ومعانيها

معاني الكلمات الغريبة في الآية

السراج في بيان غريب القرآن
أَضْطَرُّهُ
أُلْجِئُهُ.
الْمَصِيرُ
المَرْجِعُ، وَالْمَقَامُ.

إعراب الآية ١٢٦ من سورة البقرة

من كتاب: إعراب القرآن

أن يكون «مقام إبراهيم» الذي يصلّي إليه الأئمة الساعة وإذا كان كذا كان الأولى وَاتَّخِذُوا لحديث حميد عن أنس: قال أبو جعفر: وذلك الحديث لم يروه عن أنس إلّا حميد إلّا من جهة فضعف. وليس يبعد «واتّخذوا» على الاختيار ثم يكون قد عمل به، على أن حمّاد بن سلمة قد روى عن هشام بن عروة عن أبيه أنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وأبا بكر، وعمر رضي الله عنهما صدرا من خلافته كانوا يصلّون بإزاء البيت ثم صلّى عمر إلى المقام. قال أبو جعفر: «مقام» من قام يقوم يكون مصدرا واسما للموضع، ومقام من أقام وتدخلهما الهاء للمبالغة. وَعَهِدْنا إِلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ في موضع خفض ولم ينصرفا لأنهما أعجميان وما لا ينصرف في موضع الخفض منصوب لأنه مشبّه بالفعل والفعل لا يخفض هذا قول البصريين، وقال الفراء: كان يجب أن يخفض بلا تنوين إلّا أنهم كرهوا أن يشبه المضاف في لغة من قال: مررت بغلام يا هذا: أَنْ طَهِّرا بَيْتِيَ يجوز أن تكون أن في موضع نصب والتقدير بأن، ويجوز أن لا يكون لها موضع تكون تفسيرا لقول سيبويه تكون بمعنى أي، ويقول الكوفيون: تكون بمعنى القول.
لِلطَّائِفِينَ خفض باللّام. وَالْعاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ عطف. السُّجُودِ نعت.

[سورة البقرة (٢) : آية ١٢٦]

وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هذا بَلَداً آمِناً وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَراتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ قالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلاً ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلى عَذابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (١٢٦)
وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّ نداء مضاف. اجْعَلْ هذا سؤال ولفظه الأمر إلّا أنّه استعظم أن يقال له أمر. وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَراتِ مفعول. مَنْ آمَنَ بدل من أهل وهذا بدل البعض من الكل. قالَ وَمَنْ كَفَرَ «من» في موضع نصب، والتقدير وارزق من كفر ودلّ على الفعل المحذوف فأمتّعه، ويجوز أن تكون من للشرط، وتكون في موضع نصب ويضمر الفعل بعدها. ويجوز أن تكون في موضع رفع بالابتداء والخبر «فأمّتعه».
وفي قراءة أبيّ فنمتّعه قليلا ثمّ نضطره «١»، وفي قراءة يحيى بن وثاب فأمتعه قليلا ثمّ اضطرّه «٢» بكسر الهمزة ورفع الفعل على لغة من قال: أنت تضرب، وروي عن ابن محيصن أنه كان يدغم الضاد في الطاء. قال أبو جعفر: وذا لا يجوز لأن في الضاد تفشّيا فلا تدغم في شيء ولكن يجوز أن تدغم الطاء فيها كما قالوا: اضّجع «وفمن اضّرّ». وحدثنا أحمد بن شعيب بن علي قال: أخبرني عمران بن بكار قال:
حدّثنا إبراهيم بن العلاء الزبيدي قال: حدثنا شعيب بن إسحاق عن هارون عن حنظلة عن الحارث بن أبي ربيعة قال: وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ «٣» قال أبو جعفر: وهذا
(١) انظر معاني الفراء ١/ ٧٨.
(٢) انظر البحر المحيط ١/ ٥٥٥، وهي قراءة الجمهور.
(٣) انظر معاني القرآن للفراء ١/ ٧٨، والمحتسب ١/ ١٠٤، والبحر المحيط ١/ ٥٥٥.
الإعراب الكامل من جميع الكتب مع تحليل الكلمات ←

القراءات في الآية ١٢٦ من سورة البقرة

اختلاف القراء العشرة في كلمات الآية

إِبْرَاهِيمُ

(إبراهَامُ)

ابن ذكوان عن ابن عامر هشام عن ابن عامر

(إبراهِيمُ)

رويس عن يعقوب ابن ذكوان عن ابن عامر الدوري عن الكسائي إسحاق عن خلف أبو الحارث عن الكسائي السوسي عن أبي عمرو شعبة عن عاصم خلاد عن حمزة الدوري عن أبي عمرو ابن وردان عن أبي جعفر قنبل عن ابن كثير إدريس عن خلف حفص عن عاصم البزي عن ابن كثير ابن جمّاز عن أبي جعفر روح عن يعقوب ورش عن نافع قالون عن نافع خلف عن حمزة

النَّارِ

بالإمالة

السوسي عن أبي عمرو الدوري عن الكسائي الدوري عن أبي عمرو

بالتقليل

ورش عن نافع

بالفتح

رويس عن يعقوب أبو الحارث عن الكسائي قالون عن نافع خلاد عن حمزة ابن وردان عن أبي جعفر خلف عن حمزة ابن جمّاز عن أبي جعفر روح عن يعقوب حفص عن عاصم شعبة عن عاصم ابن ذكوان عن ابن عامر هشام عن ابن عامر إسحاق عن خلف قنبل عن ابن كثير البزي عن ابن كثير إدريس عن خلف

فَأُمَتِّعُهُ

(فَأُمْتِعُهُ) باسكان الميم وتخفيف التاء المكسورة

ابن ذكوان عن ابن عامر هشام عن ابن عامر

(فَأُمَتِّعُهُ) بفتح الميم وتشديد التاء المكسورة

روح عن يعقوب رويس عن يعقوب إسحاق عن خلف ابن جمّاز عن أبي جعفر إدريس عن خلف ابن وردان عن أبي جعفر الدوري عن الكسائي أبو الحارث عن الكسائي خلاد عن حمزة خلف عن حمزة حفص عن عاصم شعبة عن عاصم السوسي عن أبي عمرو الدوري عن أبي عمرو قنبل عن ابن كثير البزي عن ابن كثير ورش عن نافع قالون عن نافع
صفحة القراءات الكاملة لهذه الآية ←

الموضوعات القرآنية للآية ١٢٦ من سورة البقرة

١٤ موضوعًا تتناولها هذه الآية

أقوال المفسرين في الآية — التفسير بالمأثور

٤٩ قولًا من موسوعة التفسير بالمأثور

تفسير

٢٣ قولًا
١
عن عبد الله بن عباس -من طريق أبي رَوْق، عن الضحاك- قال: إنّ إبراهيم مرَّ برجل ميت -زعموا: أنه حَبَشِيٌّ- على ساحل البحر، فرأى دوابَّ البحر تَخْرُج فتأكل منه، وسِباعَ الأرض تأتيه فتأكل منه، والطير تقَعُ عليه فتأكل منه، فقال إبراهيم عند ذلك: ربِّ، هذه دوابُّ البحر تأكل من هذا، وسِباعُ الأرضِ، والطيرُ، ثم تُميتُ هذه فتَبْلى، ثم تُحْيِيها، فأرني كيف تُحيي الموتى١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي حاتم ٢‏/‏٥٠٧، وأبو الشيخ في العظمة ٢‏/‏٦١٨.
٢
عن عبد الله بن عباس، وسعيد بن جبير: لَمّا اتخذ الله تعالى إبراهيم خليلًا سأَلَ ملكُ الموت ربَّه أن يأذن له فيُبَشِّر إبراهيم بذلك، فأذِن له، فأتى إبراهيمَ ولم يكن في الدار، فدخل داره -وكان إبراهيم - عليه السلام - أغيَر الناس؛ إذا خرج أغْلَقَ بابه-، فلما جاء وجد في داره رجلًا، فثار عليه ليأخذه، وقال له: مَن أذِن لك أن تدخل داري؟ فقال: أذِن لي ربُّ هذه الدار. فقال إبراهيم: صدقتَ. وعَرَف أنّه ملَك، فقال: مَن أنت؟ قال: أنا ملك الموت، جِئْتُ أُبَشِّرُك بأنّ الله تعالى قد اتَّخَذَك خليلًا. فحَمِد الله - عز وجل -، وقال: فما علامةُ ذلك؟ قال: أن يجيب الله دعاءَك، ويحيي الله الموتى بسؤالك. فحينئذ قال إبراهيم: ﴿رَبِّ أرِنِي كَيْفَ تُحْيِ المَوْتى﴾ بعلمي أنك تجيبني إذا دعوتك، وتعطيني إذا سألتك، واتخذتني خليلًا١
التخريج
  1. ١تفسير الثعلبي ٢/ ٢٥٢، وتفسير البغوي ١/ ٣٢٢. وعلَّقه الواحدي في أسباب النزول (ت: الفحل) ص ٢٠٤.
٣
عن الضحاك بن مُزاحِم -من طريق عبيد بن سليمان- في قوله: ﴿رَبِّ أرِنِي كَيْفَ تُحْيِي المَوْتى﴾، قال: مرَّ إبراهيمُ على دابِّة ميتٍ قد بَلِيَ وتقَسَّمَتْه الرياح والسباعُ، فقام ينظر، فقال: سبحان الله! كيف يُحْيِي اللهُ هذا؟ وقد علم أنّ الله قادرٌ على ذلك، فذلك قوله: ﴿رَبِّ أرِنِي كَيْفَ تُحْيِي المَوْتى﴾١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٤‏/‏٦٢٥. وعلَّقه ابن أبي حاتم ٢‏/‏٥٠٨، والواحدي في أسباب النزول (ت: الفحل) ص٢٠٢.
٤
عن الحسن البصري -من طريق عَبّاد بن منصور- قال: سألَ إبراهيمُ عليه السلام ربَّه أن يُرِيَه كيف يحيي الموتى؛ وذلك مِمّا لقِيَ مِن قومه مِن الأذى، فدعا به عند ذلك فقال: ﴿ربِّ، أرني كيف تحيي الموتى﴾١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي حاتم ٢‏/‏٥٠٧.
٥
عن قتادة بن دِعامة -من طريق سعيد- في قوله: ﴿وإذ قال إبراهيم رب أرني كيف تحيي الموتى﴾، قال: ذُكِر لنا: أنّ خليل الله إبراهيم ﷺ أتى على دابَّةٍ تَوَزَّعَتْها الدَّوابُّ والسِّباع، فقال: ﴿رب أرني كيف تحيي الموتى قال أولم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي﴾١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٤‏/‏٦٢٤، والواحدي في أسباب النزول (ت: الفحل) ص٢٠٢.
٦
عن إسماعيل السُّدِّيِّ -من طريق أسباط- قال: لَمّا اتخذ الله إبراهيم خليلًا سأل ملكُ الموت أن يأذن له فيُبشِّرَ إبراهيم بذلك، فأذِن له، فأتى إبراهيمَ وليس في البيت، فدخل داره -وكان إبراهيمُ مِن أغير الناس، إذا خرج أغلق الباب- فلما جاء وجد في بيته رجلًا، ثار إليه ليأخذه، وقال له: مَن أذِن لك أن تدخل داري؟ قال ملك الموت: أذِن لي ربُّ هذه الدار. قال إبراهيم: صدقتَ. وعرف أنه ملكُ الموت، قال: مَن أنت؟ قال: أنا ملَك الموت، جئتُكَ أُبَشِّرُك بأنّ الله قد اتَّخَذك خليلًا. فحَمِد الله، وقال: يا ملَك الموت، أرِني كيف تقبضُ أنفاس الكُفّار. قال: يا إبراهيم، لا تطيق ذلك. قال: بلى. قال: فأعْرِضْ. فأعرَض إبراهيم، ثُمَّ نظر، فإذا هو برجل أسودَ يَنالُ رأسُه السماءَ، يخرج مِن فِيه لَهَبُ النار، ليس مِن شعرة في جسده إلا في صورة رجل أسود يخرج مِن فيه ومسامِعِه لهب النار، فغُشِي على إبراهيم، ثم أفاق وقد تحوَّل ملكُ الموت في الصورة الأولى، فقال: يا ملَك الموت، لو لم يَلْقَ الكافرُ عند موته من البلاء والحزن إلا صُورَتَك لَكَفاه، فأرِني كيف تقبض أنفاسَ المؤمنين؟ قال: فأعْرِضْ، فأعرَض إبراهيمُ، ثم التفت، فإذا هو برجل شابٍّ أحسنَ الناس وجهًا وأطيبَه ريحًا في ثِيابٍ بيض، قال: يا ملَك الموت، لو لم يَرَ المؤمنُ عند موته مِن قُرَّة العين والكرامة إلا صورتك هذه لكان يكفيه. فانطلق مَلَكُ الموت، وقام إبراهيم يدعو ربه، يقول: ربِّ، أرني كيف تحيي الموتى، حتى أعلم أني خليلك. قال: أولم تؤمن؟ يقول: تُصَدِّقْ بأَنِّي خليلُك؟ قال: بلى، ولكن ليطمئن قلبي بِخُلُولَتِكَ١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٤‏/‏٦٢٧- ٦٢٨، وابن أبي حاتم ٢‏/‏٥٠٧-٥٠٨. وعلق الواحدي في أسباب النزول (ت: الفحل) ص٢٠٤ نحوه مختصرًا.
٧
قال مقاتل بن سليمان: ﴿وإذ قال إبراهيم رب أرني كيف تحي الموتى﴾، وذلك أنّه رأى جِيفَة حمار على شاطئ البحر تَتَوزَّعُهُ دوابُّ البَرِّ والبحرِ والطيرُ، فنظر إليها ساعة، ثُمَّ قال: ﴿رب أرني كيف تحي الموتى﴾١
التخريج
  1. ١تفسير مقاتل بن سليمان ١‏/‏٢١٨.
٨
عن عبد الملك ابن جُرَيْج -من طريق حَجّاج- قال: بَلَغَنِي: أنّ إبراهيم بينما هو يسير على الطريق إذا هو بجِيفَة حمار، عليها السباعُ والطير، قد تَمَزَّعَتْ لحمها، وبقي عظامُها، فوقف، فعَجِب، ثُمَّ قال: ربِّ، قد علمتُ لَتَجْمَعَنَّها مِن بطون هذه السباع والطير، ربِّ أرني كيف تحيي الموتى١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٤‏/‏٦٢٥. وعلَّق الواحديُّ في أسباب النزول (ت: الفحل) ص٢٠٢ نحوه.
٩
عن عطاء الخراساني: كانت جيفةَ حمار بساحل البحر، في بحيرة طَبَرِيَّة١
التخريج
  1. ١تفسير الثعلبي ٢‏/‏٢٥١، وتفسير البغوي ١‏/‏٣٢٢. وعلَّق الواحدي في أسباب النزول (ت: الفحل) ص٢٠٢ نحوه.
١٠
عن محمد بن إسحاق -من طريق سلمة- قال: لَمّا جرى بين إبراهيم وبين قومه ما جرى بينهم، مما قصَّه الله في سورة الأنبياء؛ قال نمروذ -فيما يذكرون- لإبراهيم: أرأيت إلهك هذا الذي تعبد، وتدعو إلى عبادته، وتذكُر مِن قدرته التي تعظِّمه بها على غيره، ما هو؟ قال له إبراهيم: ربي الذي يحيي ويميت. قال نمروذ: أنا أحيي وأميت. فقال له إبراهيم: كيف تحيي وتميت؟ ثم ذكر ما قصّ الله من مُحاجَّتِه إياه، قال: فقال إبراهيم عند ذلك: ﴿رب أرني كيف تحيي الموتى﴾١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٤‏/‏٦٢٦. وعلَّقه الواحدي في أسباب النزول (ت: الفحل) ص٢٠٣، وفيه زيادة: قال له إبراهيم: فإنّ الله يحيي بأن يَرُدَّ الروحَ إلى جسدٍ مَيِّتٍ. فقال له نمروذ: هل عاينت هذا الذي تقوله؟ ولم يقدر أن يقول: نعم رأيته. فتنقَّل إلى حُجَّة أخرى، ثم سأل ربَّه أن يريه إحياء الميت لكي يطمئن قلبه عند الاحتجاج؛ فإنّه يكون مخبرًا عن مشاهدة وعيان.
١١
عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم -من طريق ابن وهْب-: مرَّ إبراهيمُ بِحُوتٍ نصفُه في البَرِّ ونصفُه في البحر، فما كان منه في البحر فدوابُّ البحر تأكله، وما كان منه في البرِّ فالسباعُ ودوابُّ البرِّ تأكله، فقال له الخبيث [يعني: إبليس]: يا إبراهيم، متى يجمع اللهُ هذا من بطون هؤلاء؟ فقال: يا ربِّ، أرني كيف تحيي الموتى. قال: أولم تؤمن؟! قال: بلى، ولكن ليطمئن قلبي١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٤‏/‏٦٢٥. وعلَّقه الواحدي في أسباب النزول (ت: الفحل) ص٢٠٣.
١٢
قال يحيى بن سلّام: بلغنا: أنّ إبراهيم عليه السلام خرج يسير على حمار له، فإذا هو بجيفة دابَّة يقع عليها طير السماء، فيأخذ منها بِضْعَةً بِضْعَةً١، وتأتيها سباع البر، فتأخذ منها عُضْوًا عُضْوًا، ويقع من أفواه الطيرِ اللحمُ فتأخذه الحيتان، فقام إبراهيم عليه السلام مُتَعَجِّبًا، فقال: يا ربِّ، أرني كيف تحيي الموتى. قال: أو لم تؤمن؟! قال: بلى٢
التخريج
  1. ١البَضْعة -بالفتح، وقد تكسر-: القطعة من اللحم. النهاية (بضع).
  2. ٢تفسير ابن أبي زمنين ١‏/‏٢٥٥.
١٣
عن ابن أبي نَجِيح، في قوله: ﴿ثم اضطره إلى عذاب النار وبئس المصير﴾، قال: ثُمَّ مصير الكافر إلى النار. قال ابن أبي نجيح: سمعته من عكرمة، فعرضته على مجاهد، فلم ينكره١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي حاتم ١/ ٢٣١ (١٢٢٧).
١٤
قال الحسن البصري: لَمّا قال إبراهيم: ﴿رب اجعل هذا بلدا آمنا وارزق أهله من الثمرات من آمن منهم بالله واليوم الآخر﴾ قال الله تعالى: إنِّي مُجِيبُك، وأجعله بلدًا آمنًا لمن ﴿آمن منهم بالله واليوم الآخر﴾: يوم القيامة، ﴿ومن كفر﴾ فإني أمتعه ﴿قليلا﴾، وأرزقه من الثمرات، وأجعله آمنًا في البلد، وذلك إلى قليل، يعني: إلى خروج محمد، وذلك أنّ الله عز وجل كَرَّم محمدًا أن يخرجهم من الحرم؛ وهو المسجد الحرام، قال: ﴿ثم أضطره﴾ عند الموت ﴿إلى عذاب النار وبئس المصير﴾١
التخريج
  1. ١ذكره يحيي بن سلام -كما في تفسير ابن أبي زمنين ١‏/‏١٧٧-.
١٥
قال مقاتل بن سليمان: ﴿ثم أضطره﴾ أُلْجِئُه إن مات على كفره ﴿إلى عذاب النار وبئس المصير﴾١
التخريج
  1. ١تفسير مقاتل بن سليمان ١‏/‏١٣٨.
١٦
عن عبد الله بن عباس -من طريق علي بن أبي طلحة- قوله: ﴿من آمن منهم بالله واليوم الآخر﴾، يعني: مَن وحَّد الله، وآمن باليوم الآخر١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي حاتم ١‏/‏٢٣٠.
١٧
قال محمد بن السائب الكلبي: يُحْمَل إليه من الآفاق١
التخريج
  1. ١ذكره يحيى بن سلام -كما في تفسير ابن أبي زمنين١‏/‏١٧٧-.
١٨
قال مقاتل بن سليمان: ﴿وارزق أهله﴾ مِن المقيمين بمكة من الثمرات؛ ﴿من آمن منهم بالله﴾ يعني: مَن صَدَّق منهم بالله واليوم الآخر، وصَدَّق بالله أنَّه واحد لا شريك له، وصَدَّق بالبعث الذي فيه جزاء الأعمال، فأَمّا مكة فجعلها الله أمنًا، وأمّا الرزق فإنّ إبراهيم اختص بمسائلته الرزق للمؤمنين١
التخريج
  1. ١تفسير مقاتل بن سليمان ١‏/‏١٣٨.
١٩
عن محمد ابن شهاب الزهري، في قوله: ﴿رب اجعل هذا البلد آمنا﴾، قال: قال رسول الله ﷺ: «إنّ الناس لم يُحَرِّموا مكة، ولكن الله حَرَّمَها، فهي حرام إلى يوم القيامة، وإنّ مِن أعْتى الناس على الله [ثلاثةً]: رجل قَتَل في الحرم، ورجل قَتَل غيرَ قاتله، ورجل أخذ بذُحُول١ الجاهلية»٢
التخريج
  1. ١ذحول: جمع ذحل، وهو الثأر. لسان العرب (ذحل).
  2. ٢أخرجه الأزرقي في أخبار مكة ٢‏/‏١٢٥، وعبد الرزاق في تفسيره ١‏/‏١٩٢ (١٢٤) مرسلًا. وفي جامع التحصيل في أحكام المراسيل للعلائي ص٩٠: «اختُلِف في مراسيل الزهري، لكن الأكثر على تضعيفها، قال أحمد ابن أبي شريح: سمعت الشافعي يقول: يقولون: نُحابِي، ولو حابَيْنا أحدًا لحابَيْنا الزهري، وإرسال الزهري ليس بشيء... وقال أبو قدامة عبيد الله بن سعيد: سمعت يحيى بن سعيد -يعني: القطان- يقول: مرسل الزهري شَرٌّ من مرسل غيره...».
٢٠
عن عبد الله بن عباس -من طريق سعيد بن جبير- في قوله: ﴿اجْعَلْ هَذا بَلَدًا آمِنًا﴾، قال: كان إبراهيمُ يَحْجُرُها على المؤمنين دون الناس١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي حاتم ١‏/‏٢٢٩ (١٢١٧).
٢١
عن الحسن البصري -من طريق عَبّاد بن منصور- قوله: ﴿وإذ قال إبراهيم رب اجعل هذا بلدًا آمنا﴾، قال: هذا دُعاءٌ دَعا به إبراهيمُ، فاستجاب له دعاءَه، فجَعَله بلدًا آمنًا١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي حاتم ١‏/‏٢٢٩ (١٢١٨).
٢٢
عن محمد بن السائب الكلبي -من طريق عثمان بن ساجٍ- قال: قال إبراهيم ﷺ: ﴿رب اجعل هذا بلدًا آمنًا وارزق أهله من الثمرات من آمن منهم بالله واليوم الآخر﴾ [البقرة:١٢٦]، فاستجاب الله عز وجل له، فجعله بلدًا آمنًا، وأَمَّنَ فيه الخائف، ورَزَق أهله من الثمرات تُحْمَل إليهم من الأُفُق١
التخريج
  1. ١أخرجه الأزرقي في تاريخ مكة ١‏/‏١٣٣.
٢٣
قال مقاتل بن سليمان: ﴿وإذ قال إبراهيم رب اجعل هذا بلدًا آمنًا﴾، يعني: مكة، فقال الله عز وجل: نعم، فحَرَّمَه من الخوف١
التخريج
  1. ١تفسير مقاتل بن سليمان ١‏/‏١٣٨.

قراءات الآية، وتفسيرها

٩ أقوال
١
قال أبي بن كعب -من طريق أبي العالية- في قوله: ﴿ومَن كَفَرَ﴾: إنّ هذا من قول الرب جل وعلا، قال: ﴿ومَن كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا﴾، وقال عبد الله بن عباس: هذا من قول إبراهيم يسأل ربَّه: أنّ مَن كفر (فَأَمْتِعْهُ قَلِيلًا)١٢
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٢/ ٥٤٥ - ٥٤٦، وابن أبي حاتم ١/ ٢٣٠. قال السيوطي: كان ابن عباس يقرأ: (فأَمْتِعْه) بلفظ الأمر. فلذلك قال: هو من قول إبراهيم. وقراءة ابن عباس شاذة، وقراءة العشرة: ﴿فَأُمَتِّعُهُ﴾ ما عدا ابن عامر؛ فإنه قرأ «فَأُمْتِعْهُ» بالتخفيف. انظر: المحتسب ١/ ١٠٤، والنشر ٢/ ٢٢٣.
تعليقات المحققين
  1. ٢اختلف أهل التأويل في قوله تعالى: ﴿ومَن كفر فأمتعه قليلًا﴾ مَن قائله؟ وما وجه قراءته؟ على قولين: أحدهما: قائل هذا القول ربُّنا -تعالى ذِكْرُه-، وقرأ قائلو هذه المقالة ذلك: ﴿فَأُمَتِّعُه﴾ بتشديد التاء ورفع العين. والآخر: قائل ذلك إبراهيم - عليه السلام - على وجه الدعاء، وقرأ قائلو هذه المقالة ذلك: (فَأَمْتِعْهُ) بتخفيف التاء وسكون العين، على الدّعاء. ورجَّحَ ابنُ جرير (٢/ ٥٤٦) القولَ الأولَ، وهو قول أُبَيِّ بن كعب وقراءته، ومجاهد من طريق سفيان بن عيينة، ورجَّحَ قراءتَه لاستفاضة النقل بتصويب تلك القراءة. وانتَقَدَ القراءةَ الثانية لشذوذها، فقال: «والصواب من القراءة في ذلك عندنا والتأويل ما قاله أبي بن كعب وقراءته؛ لقيام الحجة بالنقل المستفيض وراثةً بتصويب ذلك، وشذوذ ما خالفه من القراءة. وغير جائز الاعتراض بمن كان جائزًا عليه في نقله الخطأ والسهو على مَن كان ذلك غير جائز عليه في نقْله. وإذ كان ذلك كذلك فتأويل الآية: قال الله: يا إبراهيم، قد أجبتُ دعوتك، ورزقتُ مؤمني أهل هذا البلد من الثمرات وكفارهم متاعًا لهم إلى بلوغ آجالهم، ثم أضطرّ كفارهم بعد ذلك إلى عذاب النار». وانتَقَدَها ابنُ كثير (٢/ ٧٦) أيضًا؛ لشذوذها، ومخالفتها السياق، فقال: «هي قراءة شاذة مخالفة للقراء السبعة، وتركيب السياق يأبى معناها -والله أعلم-؛ فإن الضمير في ﴿قال﴾ راجع إلى الله تعالى في قراءة الجمهور، والسياق يقتضيه، وعلى هذه القراءة الشاذة يكون الضمير في ﴿قال﴾ عائدًا على إبراهيم، وهذا خلاف نظم الكلام».
٢
عن عبد الله بن عباس -من طريق سعيد بن جبير- في قوله: ﴿مَن آمَنَ مِنهُم بِاللهِ واليوم الآخر﴾، قال: كان إبراهيم احْتَجَرَها على المؤمنين دون الناس؛ فأنزل الله: ومَن كَفَرَ أيضًا، فأنا أرزقهم كما أرزق المؤمنين، أخلق خلقًا لأرزقهم؟ أُمَتِّعُهُمْ قَلِيلًا ثُمَّ أضْطَرُّهُمْ إلى عَذابِ النّارِ. ثم قرأ ابن عباس: ﴿كُلًّا نُّمِدُّ هَؤُلَآءِ وهَؤُلَآءِ﴾ الآية [الإسراء:٢٠]١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي حاتم ١‏/‏٢٢٩-٢٣٠، والطبراني (١٢٤٠٢)، وابن مردويه -كما في تفسير ابن كثير ١‏/‏٢٥٣-.
٣
عن سعيد بن جبير، وعكرمة مولى ابن عباس، ومجاهد بن جبر -من طريق خُصَيْف- ﴿فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا﴾، قال: ارزقه قليلًا١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي حاتم ١/ ٢٣١ (١٢٢٦).
٤
عن مجاهد بن جبر، في قوله ﴿وارْزُقْ أهْلَهُ مِنَ الثَّمَراتِ مَن آمَنَ﴾، قال: اسْتَرْزَق إبراهيم لِمَن آمن بالله وباليوم الآخر. قال الله: ﴿ومَن كَفَرَ﴾ فأنا أرزقه١
التخريج
  1. ١عزاه السيوطي إلى سفيان بن عيينة.
٥
عن مجاهد بن جبر -من طريق ليث- (ومَن كَفَرَ فَأَمْتِعْهُ قَلِيلًا)، يقول: ومَن كفر فارزقه أيضًا، (ثُمَّ اضْطَرَّهُ إلى عَذابِ النّارِ)١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٢‏/‏٥٤٦. و(ثُمَّ اضْطَرَّهُ) بهمزة وصل وراء مفتوحة قراءة شاذة، تروى أيضًا عن ابن عباس، والأعمش، وقراءة العشرة: ﴿ثُمَّ أضْطَرُّهُ﴾ بقطع الهمزة، وضم الراء. انظر: مختصر ابن خالويه ص١٥، والمحتسب ١‏/‏١٠٤.
٦
عن ابن أبي نَجِيح، قال: سمعت عكرمة، قال: قال الله: ﴿ومَن كَفَرَ﴾ أيضًا فإني أرزقه من الدنيا حين اسْتَرْزَق إبراهيم لمن آمن، قال ابن أبي نجيح: سمعت هذا من عكرمة، ثم عرضته على مجاهد، فلم ينكره١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي حاتم ١/ ٢٣٠ (١٢٢٥).
٧
عن محمد بن كعب القُرَظِيّ -من طريق موسى بن عُبَيْدَة الرَّبَذِي- قال: دعا إبراهيمُ للمؤمنين، وترك الكفارَ لَمْ يدعُ لهم بشيء، فقال الله تعالى: ﴿ومَن كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أضْطَرُّهُ إلى عَذابِ النّارِ وبِئْسَ المَصِيرُ﴾١
التخريج
  1. ١أخرجه الأزرقي ١‏/‏٤٠-٤١.
٨
قال مقاتل بن سليمان: ﴿قالَ ومَن كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ﴾، أي: قال الله عز وجل: والذين كفروا أرزقهم أيضًا مع الذين آمنوا، ولكنها لهم متعة من الدنيا قليلًا١
التخريج
  1. ١تفسير مقاتل بن سليمان ١‏/‏١٣٨.
٩
قال محمد بن إسحاق -من طريق سلمة-: لَمّا قال إبراهيم: ﴿رَبِّ اجْعَلْ هَذا بَلَدًا آمِنًا وارْزُقْ أهْلَهُ مِنَ الثَّمَراتِ مَن آمَنَ مِنهُم بِاللهِ واليَوْمِ الآخِرِ﴾، وعَزَل الدعوة عمَّن أبى اللهُ أن يجعل له الولاية انقطاعًا إلى الله ومحبته، وفراقًا لمن خالف أمره، وإن كانوا من ذريته، حين عرف أنه كائن منهم ظالم لا ينال عهده، بخبره عن ذلك حين أخبره؛ فقال الله: ﴿ومَن كَفَرَ﴾ فإني أرزق البَرَّ والفاجر ﴿فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا﴾١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٢‏/‏٥٤٥.

في تحريم مكة

١٠ أقوال
١
عن أنس، أنّ رسول الله ﷺ أشْرَف على المدينة، فقال: «اللَّهُمَّ، إنِّي أُحَرِّم ما بين جَبَلَيْها مثل ما حَرَّم به إبراهيمُ مكة. اللَّهُمَّ، بارِكْ لهم في مُدِّهم وصاعِهم»١
التخريج
  1. ١أخرجه البخاري ٤‏/‏٣٦ (٢٨٩٣)، ٧‏/‏٧٦ (٥٤٢٥)، ٨‏/‏٧٨ (٦٣٦٣)، ومسلم ٢‏/‏٩٩٣ (١٣٦٥).
٢
عن أبي هريرة، أنّ رسول الله ﷺ قال: «اللَّهُمَّ، إنّ إبراهيم عبدك وخليلك ونبيك، وإني عبدك ونبيك، وإنه دعاك لمكة، وإني أدعوك للمدينة بمثل ما دعاك به لمكة ومثله معه»١
التخريج
  1. ١أخرجه مسلم ٢‏/‏١٠٠٠ (١٣٧٣).
٣
عن عبد الله بن زيد بن عاصم المازني، عن النبي ﷺ، قال: «إنّ إبراهيم حَرَّم مكة ودعا لها، وحَرَّمت المدينة كما حرم إبراهيم مكة، ودَعَوْتُ لها في مُدِّها وصاعها مثل ما دعا إبراهيم لِمَكَّة»١
التخريج
  1. ١أخرجه البخاري ٣‏/‏٦٧ (٢١٢٩)، ومسلم ٢‏/‏٩٩١ (١٣٦٠) بلفظ: «بمِثْلَي ما دعا به إبراهيم».
٤
عن عائشة، أنّ النبي ﷺ قال: «اللهُمَّ، إنّ إبراهيم عبدك ونبيك دعاك لأهل مكة، وأنا أدعوك لأهل المدينة بمثل ما دعاك إبراهيم لأهل مكة»١
التخريج
  1. ١عزاه السيوطي إلى البخاري والجندي في فضائل مكة. وهو عند البخاري ٣‏/‏٢٣ (١٨٨٩) بلفظ: «اللهم، حَبِّب إلينا المدينة كحُبِّنا مكة أو أشد، اللهم، بارك لنا في صاعنا، وفي مُدِّنا، وصَحِّحها لنا، وانقل حماها إلى الجحفة».
٥
عن صفية بنت شَيْبَة، قالت: سمعتُ النبي ﷺ يخطب عام الفتح، فقال: «يا أيها الناس، إنّ الله تعالى حَرَّم مكة يومَ خلق السموات والأرض، وهي حرامٌ إلى يوم القيامة، ولا يُعْضَد شجرها، ولا يُنَفَّر صيدها، ولا يَأْخُذُ لُقَطَتَها إلا مُنشِدٌ». فقال العباس: إلا الإذْخِر؛ فإنه للبيوت والقبور. فقال رسول الله ﷺ: «إلا الإذْخِر»١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن ماجه ٤‏/‏٢٨٩-٢٩٠ (٣١٠٩). وعلَّقه البخاري ٢‏/‏٩٢ (عَقِب ١٣٤٩). قال البوصيري في مصباح الزجاجة ٣‏/‏٢١٧ (١٠٨٢): «إسناد ضعيف... قلت: وأورد ابن الجوزي هذا الحديث في الموضوعات من طريق داود بن عجلان، وقال: لا يصح عن رسول الله ﷺ».
٦
عن ابن عباس، قال: قال رسول الله ﷺ يوم فتح مكة: «إنّ هذا البلد حَرَّمه اللهُ يوم خلق السموات والأرض والشمس والقمر، ووضع هذين الأَخْشَبَيْن، فهو حرام بحُرْمَةِ الله إلى يوم القيامة، وإنَّه لم يحِلَّ القتالُ فيه لأحد قبلي، ولا يَحِلُّ لأحد بعدي، ولم يَحِلَّ لي إلا ساعةٌ من نهار، فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة، لا يُخْتَلى خَلاها، ولا يُعْضَد شجرها، ولا يُنَفَّر صيدها، ولا يَلْتَقِط لُقَطتها إلّا مَن عَرَّفَها». قال العباس: إلا الإذْخِر؛ فإنه لِقَيْنِهِمْ وبيوتهم. فقال رسول الله ﷺ: «إلا الإذْخِر»١٢
التخريج
  1. ١أخرجه البخاري ٢‏/‏٩٢ (١٥٨٧)، ٣‏/‏١٤ (١٨٣٣)، ٣‏/‏٦٠ (٢٠٩٠)، ومسلم ٢‏/‏٩٨٦ (١٣٥٣).
تعليقات المحققين
  1. ٢علَّقَ ابن كثير (٢/٧٢) على القول بأنها مُحَرَّمة منذ خلقت مع الأرض قائلًا: «وهذا أظهر وأقوى».
٧
عن أبي هريرة، قال: لَمّا فتحَ الله على رسوله مكة قام فيهم، فحَمِد الله، وأثنى عليه، ثم قال: «إنّ الله حَبَسَ عن مكة الفيل، وسَلَّط عليها رسولَه والمؤمنين، وإنما أُحِلَّت لي ساعةٌ من النهار، ثم هي حرام إلى يوم القيامة، لا يُعْضَد شجرها، ولا يُنَفَّر صيدها، ولا تَحِلُّ لُقَطَتُها إلا لِمُنشِد، ومن قُتِل له قتيل فهو بخير النَّظَرَيْن؛ إما أن يَفْدِي، وإما أن يَقْتُل». فقام رجل من أهل اليمن يُقال له: أبو شاه، فقال له: يا رسول الله، اكتبوا لي. فقال رسول الله ﷺ: «اكتبوا لأبي شاه». فقال العباس: يا رسول الله، إلا الإذْخِر؛ فإنه لقبورنا وبيوتنا. فقال: «إلا الإذخر»١٢
التخريج
  1. ١أخرجه البخاري ٣‏/‏١٢٥ (٢٤٣٤)، ٩‏/‏٥ (٦٨٨٠)، ومسلم ٢‏/‏٩٨٩، ٩٩٨ (١٣٥٥).
تعليقات المحققين
  1. ٢جمع ابنُ جرير (٢/٥٤١-٥٤٣) بين القول بأنّ مكة حرَّمها الله حِينَ خَلَقَها، وبين القول بأنّ الحرم صار حرمًا بتحريم إبراهيم له، بما حاصله: أنّ تحريم الله لها كان بمنعه من أرادها بسوء، وبدفعه عنها الآفات على وجه الكَلاءَة والحفظ لها، وأنّ تحريم إبراهيم كان بسؤاله ربِّه إيجابَ فرض تحريمها على عباده، فلذلك أضيف تحريمها إلى إبراهيم عليه السلام؛ لكون إيجاب تحريمها على العباد كان بسؤاله ربه ذلك. وبيَّنَ أنّ هذا الوجه به تجتمع الأحاديث الواردة عن النبي ﷺ في نسبة التحريم إلى الله تارة، وإلى إبراهيم عليه السلام تارة أخرى. وقد جمع ابنُ عطية (١/٣٤٦-٣٤٧ بتصرف) بينهما بنحو قول ابن جرير، فقال: «واختُلِف في تحريم مكة متى كان؟ فقالت فرقة: جعلها الله حرامًا يوم خلق السموات والأرض. وقالت فرقة: حَرَّمها إبراهيم. والأول قاله النبي ﷺ في خطبته ثاني يوم الفتح، والثاني قاله أيضًا النبي ﷺ، ففي الصحيح عنه: «اللهم، إنّ إبراهيم حرم مكة، وإني حرمت المدينة، ما بين لابتيها حرام». ولا تعارض بين الحديثين؛ لأنّ الأول إخبارٌ بسابق علم الله فيها وقضائه، وكون الحرمة مدة آدم وأوقات عمارة القطر بإيمان، والثاني إخبار بتجديد إبراهيم لحرمتها، وإظهاره ذلك بعد الدُّثُور، وكلُّ مقال من هذين الإخبارين حَسَنٌ في مقامه، عظم الحرمة ثاني يوم الفتح على المؤمنين بإسناد التحريم إلى الله تعالى، وذكر إبراهيم عند تحريمه المدينة مثالًا لنفسه، ولا محالة أن تحريم المدينة هو أيضًا من قِبَلِ الله تعالى، ومن نافذ قضائه وسابق علمه».
٨
عن جابر بن عبد الله، قال: قال رسول الله ﷺ: «إنّ إبراهيم حَرَّم مكة، وإنِّي حَرَّمْتُ المدينة ما بين لابَتَيْها؛ فلا يُصاد صيدُها، ولا يُقْطَع عِضاهُها١»٢
التخريج
  1. ١العِضاه: الشجر الذي له شوك. لسان العرب (عضض)، (عضه).
  2. ٢أخرجه مسلم ٢‏/‏٩٩٢ (١٣٦٢).
٩
عن رافع بن خديج، قال: قال رسول الله ﷺ: «إنّ إبراهيم حَرَّم مكة، وإنِّي أُحَرِّم ما بين لابَتَيْها»١
التخريج
  1. ١أخرجه مسلم ٢‏/‏٩٩١ (١٣٦١).
١٠
عن أبي قتادة: أنّ رسول الله ﷺ تَوَضَّأ، ثم صَلّى بأرض سَعْدٍ بأصل الحَرَّة عند بيوت السُّقْيا، ثم قال: «اللَّهُمَّ، إنّ إبراهيم خليلك وعبدك ونبيك دعاك لأهل مكة، وأنا محمد عبدك ورسولك أدعوك لأهل المدينة مثلَ ما دعاك إبراهيم لمكة، أدعوك: أن تبارك لهم في صاعهم، ومُدِّهم، وثِمارِهم، اللَّهُمَّ، حَبِّب إلينا المدينة كما حَبَّبْتَ إلينا مَكَّة، واجعل ما بها من وباءٍ بِخُمٍّ١، اللَّهُمَّ، إنِّي حَرَّمْتُ ما بين لابَتَيْها كما حَرَّمْتَ على لسان إبراهيم الحرم»٢
التخريج
  1. ١خمٍّ: موضع بين مكة والمدينة. النهاية ١‏/‏٨١، ومعجم البلدان ٢‏/‏٤٧١.
  2. ٢أخرجه أحمد ٣٧‏/‏٣١٢ (٢٢٦٣٠). قال الهيثمي في المجمع ٣‏/‏٣٠٤ (٥٨٠٩): «ورجاله رجال الصحيح».

في حدود الحرم

٣ أقوال
١
عن محمد بن الأسود بن خلف، عن أبيه: أنّ النبي ﷺ أمَرَه أن يُجَدِّد أنصاب الحرم١
التخريج
  1. ١أخرجه البزار كما في كشف الأستار ٢‏/‏٤٢ (١١٦٠)، والطبراني في الكبير ١‏/‏٢٨٠ (٨١٦). قال ابن القطان الفاسي في بيان الوهم والإيهام ٤‏/‏٢٩١: «وما مثله صحح؛ فإن الأسود بن خلف لا يعرف روى عنه إلا ابنه محمد، وابنه محمد لا يعرف حاله، وإنما روى عنه عبدالله بن عثمان بن خثيم...». وقال الذهبي في ميزان الاعتدال ٦‏/‏٧٣: «محمد بن أسود بن خلف، عن أبيه: أن النبي ﷺ أمره أن يجدد أنصاب الحرم. لا يُعْرَف هو ولا أبوه، تفرد عنه عبدالله بن عثمان بن خثيم». وقال الهيثمي في المجمع ٣‏/‏٢٩٧ (٥٧٦٧): «وفيه محمد بن الأسود، وفيه جهالة».
٢
عن ابن عباس، قال: أوَّل من نَصَب أنصاب الحرم إبراهيمُ عليه السلام، يُرِيه ذلك جبريلُ عليه السلام، فلما كان يوم الفتح بعث رسول الله ﷺ تميمَ بن أسد الخزاعي، فجدد ما رَثَّ منها١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن سعد ٢‏/‏١٠٤، والأزرقي في أخبار مكة ٢‏/‏١٢٧ واللفظ له. وفي إسناد الأزرقي إبراهيم بن محمد بن أبى يحيى، وهو متروك، قال عنه الذهبي في الميزان ١‏/‏١٨٣: «عن أحمد بن حنبل، قال: تركوا حديثه، قدري معتزلي، يروي أحاديث ليس لها أصل. وقال البخاري: تركه ابن المبارك والناس. وقال البخاري أيضًا: كان يرى القدر، وكان جهميًّا. وروى عبد الله بن أحمد، عن أبيه، قال: قدري جهمي، كل بلاء فيه، ترك الناس حديثه». وتنظر ترجمته أيضًا في: تهذيب الكمال ٢‏/‏١٨٤.
٣
عن حسين بن القاسم، قال: سمعت بعض أهل العلم يقول: إنَّه لَمّا خاف آدمُ على نفسه من الشيطان استعاذ بالله، فأرسل اللهُ ملائكتَه حَفُّوا بمكة من كل جانب، ووقفوا حواليها، قال: فحَرَّم الله الحرمَ من حيث كانت الملائكة وقفت. قال: ولَمّا قال إبراهيم عليه السلام: ربنا، أرِنا مناسكنا. نزل إليه جبريل، فذهب به، فأراه المناسك، ووقفه على حدود الحرم، فكان إبراهيم يَرْضِمُ١ الحجارة، وينصب الأَعْلام، ويَحْثِي عليها التراب، وكان جبريل يقفه على الحدود. قال: وسمعتُ أن غَنَم إسماعيل كانت ترعى في الحرم، ولا تجاوزه، ولا تخرج منه، فإذا بلغت منتهاه من ناحية من نواحيه رجعت صابَّة٢ في الحرم٣
التخريج
  1. ١الرَّضْمُ، ويُحَرَّك: صخور عِظام يُرْضَمُ بعضُها فوق بعضٍ في الأَبْنِيَةِ. القاموس (رضم).
  2. ٢صابَّة: هابطة أو منحدرة. لسان العرب (صبب).
  3. ٣أخرجه الأزرقي في تاريخ مكة ١‏/‏٣٥٧-٣٥٨.

آثار متعلقة بالآية

٤ أقوال
١
عن محمد بن المُنكَدِر، عن النبي ﷺ، قال: «لَمّا وضع الله الحرمَ نَقَلَ له الطائفَ من الشام»١
التخريج
  1. ١أخرجه الأزرقي في أخبار مكة ١‏/‏٧٧ مرسلًا.
٢
قال مجاهد بن جبر: وُجِد عند المقام كتابٌ فيه: إنّ الله ذو بَكَّة، صنعتُها يوم خلقتُ الشمس والقمر، وحَرَّمتُها يوم خلقتُ السماوات والأرض، وحَفَفْتُها بسبعة أملاك حنفاء، يأتيها رزقها من ثلاثة سُبُل، مُبارَك لها في اللحم والماء١
التخريج
  1. ١تفسير البغوي ١‏/‏١٤٩.
٣
عن محمد ابن شهاب الزهري -من طريق عبد الرحمن بن علي بن نافع بن جبير- قال: إنّ الله نَقَل قرية من قرى الشام، فوضعها بالطائف؛ لدعوة إبراهيم عليه السلام١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي حاتم ١‏/‏٢٣٠، والأزرقي في تاريخ مكة ١‏/‏٤١.
٤
عن محمد بن مسلم الطّائِفِي -من طريق هشام بن عبيد الله- قال: بَلَغَنِي: أنَّه لَمّا دعا إبراهيم للحرم: ﴿وارزق أهله من الثمرات﴾؛ نقل الله الطائف من فلسطين١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٢‏/‏٥٤٤، ٥٤٦، وابن أبي حاتم ١‏/‏٢٣٠.
التفسير بالمأثور لسورة البقرة كاملة ←

وقفات تدبرية في الآية ١٢٦ من سورة البقرة

٢١ وقفةً في هذه الآية

  • "رب اجعل هذا بلداً آمنا .." الآية ابتدأ الخليل إبراهيم دعوته بالأمن ، ثم أردف بذكر باقي النعم .. اللهم أدم علينا نعمتك.

    — فوائد القرآن

  • أعظم النعم بعد الإسلام نعمة "الأمن" لذلك سأل نبي الله إبراهيم ربه نعمة " الأمن " قبل " الرزق" ﴿وإذ قال إبراهيم رب اجعل هـذا بلدا آمنا﴾.

    — روائع القرآن

  • قال في هذه السورة:(رب اجعل هذا بلدا آمنا) أي: اجعل هذه البقعة بلدا آمنا، وناسب هذا؛ لأنه قبل بناء الكعبة. وقال تعالى في سورة إبراهيم: (رب اجعل هذا البلدا آمنا ) (إبراهيم:35) وناسب هذا هناك لأنه؛ والله أعلم، كأنه وقع دعاء ثانيا بعد بناء البيت واستقرار أهله به، وبعد مولد إسحاق الذي هو أصغر سنا من إسماعيل بثلاث عشرة سنة؛ ولهذا قال في آخر الدعاء: (الحمد لله الذي وهب لي على الكبر إسماعيل وإسحاق) (إبراهيم:39).

    — ابن كثير

  • قال تعالى في سورة البقرة: (اجعل هذا بلدا آمنا) وقال في إبراهيم: (هذا البلد آمنا) فجاءت آية البقرة بدون تعريف، وآية إبراهيم معرفة، والسر في ذلك: أن آية (البقرة) دعا به الخليل n قبل أن يكون بلدا، بل قاله عند ترك هاجر وإسماعيل به وهو واد، فدعا بأن يصير بلدا، أما آية (إبراهيم) فإنه دعا به بعد عودته، وسكنى جرهم به، وبعد أن صار بلدا، فدعا بأمنه.

    — جلال الدين السيوطي

  • مجالس في تدبر القران تدبر أية 126 سورة البقرة

    — خالد السبت

  • سورة البقرة (126)

    — محمد الربيعة

  • انظر كيف بدأ بالدعاء بالأمن قبل الرزق لعلمه أن لا سعادة بدون أمن"رب اجعل هذا بلدًا آمنًا" اللهم منّ علينا بالأمن والإيمان

    — مجالس التدبر

  • قوله {رب اجعل هذا بلدا آمنا} وفي إبراهيم {هذا البلد آمنا} لأن {هذا} هنا إشارة إلى المذكور في قوله {بواد غير ذي زرع} قبل بناء الكعبة وفي إبراهيم إشارة إلى البلد بعد الكعبة فيكون {بلدا} في هذه السورة المفعول الثاني و {آمنا} صفته {وهذا البلد} في إبراهيم المفعول الأول و {آمنا} المفعول الثاني وقيل لأن النكرة إذا تكررت صارت معرفة وقيل تقديره في البقرة البلدا بلدا آمنا فحذف اكتفاء بالإشارة فتكون الآيتان سواء .

    — كتاب أسرار التكرار للكرماني

  • قوله تعالى: (رب اجعل هذا بلدا آمنا) . وفى إبراهيم: (هذا البلد آمنا) . جوابه: أن البقرة دعي بها عند ترك إسماعيل وهاجر في الوادي قبل بناء مكة وسكنى جرهم فيها. وآية إبراهيم بعد عوده إليها وبناها (1) .

    — كتاب كشف المعاني / لابن جماعة

  • آية (١٢٦) : (وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَـَذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُم بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ قَالَ وَمَن كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلاً ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ) * الفرق بين قوله تعالى (رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آَمِنًا) و (رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آَمِنًا) في سورة إبراهيم : في الآية الأولى )وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آَمِنًا) الإشارة (هذا) صارت المفعول الأول لفعل (اجعل) و(بلداً) المفعول الثاني و (آمنا) صفته ، أي صيّره بلداً فجاء بصيغة التنكير (بلداً) إذن لم تكن مكة بلداً ، إذن هو أشار إلى موضع المكان أو الوادي الذي وصفه في آية أخرى (رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ ) فاجعل هذا بلداً ، ثم وصف البلد بأنه آمن ، هذا كان في أول السُكنى . الآية الثانية هي دعاء سيدنا إبراهيم بعد أن أصبحت مكة بلداً معروفاً فجاء بصيغة التعريف في قوله (وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آَمِنًا) البلد صارت بدلاً من (هذا) المفعول الأول و(آمناً) صارت المفعول الثاني ، المكان صار بلداً بل جاء إليه من القبائل أو الأعراب الذين سكنوا مع هاجر من يعبد الأصنام فلا يريد لذريته أن يتأثروا بهؤلاء فانصب الطلب على الأمن ودفع عبادة الأصنام (وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ) . معنى هذا أن سيدنا إبراهيم دعا لهذا البلد مرتين . * قال (فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلاً ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ) بضمير المفرد وفي لقمان بالجمع (نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلًا ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلَى عَذَابٍ غَلِيظٍ) : من ناحية السياق في سورة البقرة قال قبلها (أَن طَهِّرَا بَيْتِيَ) نسب تعالى البيت إلى نفسه وصاحب البيت يتولى الأمر فقال (وَمَن كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلاً) كما أن الآية تتحدث عن مكة ، أما في لقمان كلاماً عاماً وليس في بلد معين ولا أناس معينين أيها الأكثر؟ في لقمان ، فجاء بضمير الكثرة وتسمى الكثرة النسبية يعني يُعبَّر عن الأكثر بالضمير الذي يدل على الكثرة والجمع ويعبر عن الأقل بالمفرد . * قال هنا (وَمَن كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلاً) وفي لقمان قال (وَمَن كَفَرَ فَلَا يَحْزُنكَ كُفْرُهُ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ فَنُنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُوا) : السياق مختلف تماماً ففي سورة البقرة إبراهيم سأل ربه (وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ) وطلب الرزق فيه تمتيع فالجواب يكون فأمتعه قليلاً ، أما آية لقمان ففي التبليغ . * أيها الأشد أن تقول إلى عذاب غليظ أو إلى عذاب النار وبئس المصير؟ عذاب النار . عندما تقول سأعذبه عذاباً غليظاً هل معناه أنك ستحرقه؟ كلا لأنك لم تصرح أنه بالنار ، عذاب غليظ لا يشترط أن يكون بالنار قد يكون بعصا غليظة ، أما عذاب النار فيها حرق فأيها الأشد؟ عذاب النار . السياق في أهل مكة وإبراهيم يطلب البلد الآمن والرزق ، والسيئة في مكة تتضاعف أكثر من أي مكان آخر وكذلك الحسنة ، فمن أساء في بلد الله الحرام ليس كمن أساء في غيرها ولذلك شدّد العذاب فقال (عذاب النار وبئس المصير) .

    — مختصر لمسات بيانية

  • ما الفرق بين قوله تعالى (رب اجعل هذا بلداً آمناً) سورة البقرة وقوله تعالى (رب اجعل هذا البلد آمناً) الآية الأولى هي دعاء سيدنا إبراهيم قبل أن تكون مكة بلداً فجاء بصيغة التنكير (بلداً) أما الآية الثانية فهي دعاء سيدنا ابراهيم بعد أن أصبحت مكة بلداً معروفاً فجاء بصيغة التعريف في قوله (البلد).

    — فاضل السامرائي

  • في الآية الأولى )وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آَمِنًا) لو نظرنا في الإعراب: الإشارة (هذا) هو يشير إلى شيء. كلمة (هذا) صارت المفعول الأول لفعل (اجعل) و(بلداً) المفعول الثاني و (آمنا) صفته، أي صيّره بلداً إذن لم يكن بلداً إذن هو أشار إلى موضع المكان أو الوادي الذي وصفه في آية أخرى (رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ ) فاجعل هذا بلداً، ثم وصف البلد بأنه آمن فكلمة (آمنا) ستكون صفة للبلد. هذا كان في أول السُكنى في بداياته: إسماعيل كان قد شبّ حديثاً عن الطوق وبدأ الناس يجتمعون حوله وأمه والماء الذي ظهر فما كان بلداً فكأنه قال: إجعل هذا الموضع بلداً. في الآية الثانية المكان صار بلداً وصار فيه ناس بل أكثر من ذلك جاء إليه من يعبد الأصنام وسكن مع هاجر ولذلك انظر إلى الآية الثانية (وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آَمِنًا) صار بلداً. البلد صارت بدلاً من (هذا) المفعول الأول و(آمناً) صارت المفعول الثاني يعني جعلتُ البلد آمناً صار المفعول الثاني بعد أن كان صفة في الآية الأولى. (وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ) معناه أن هناك في البلد من القبائل أو من الأعراب الذين سكنوا مع هاجر كانوا يعبدون الأصنام فلا يريد أن ذريته يتأثرون بهؤلاء فانصب الطلب على الأمن ودفع عبادة الأصنام. ليس هذا فقط ولكن انظر إلى رحمة الله سبحانه وتعالى في الآية الأولى أنه رب العالمين مؤمنهم وكافرهم يرُبّهم ويرعاهم لكن يُثيب المحسن يوم القيامة ويعاقب المسيء. إبراهيم  أراد الرزق للمؤمنين (وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آَمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ) فبِمَ أُجيب؟ (قَالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِير) حتى الكافر.

    — حسام النعيمي

و٩ وقفات أخرى لهذه الآية في الوقفات التدبرية.

فتاوى متعلقة بالآية ١٢٦ من سورة البقرة

٣ فتاوى تتعلق بهذه الآية

ترجمات معاني الآية ١٢٦ من سورة البقرة

ترجمة معاني الآية إلى ٦٠ لغةً

(126) And [mention] when Abraham said, "My Lord, make this a secure city and provide its people with fruits - whoever of them believes in Allāh and the Last Day." [Allāh] said, "And whoever disbelieves - I will grant him enjoyment for a little; then I will force him to the punishment of the Fire, and wretched is the destination."
— الترجمة الإنجليزية - صحيح انترناشونال