الهداية الى بلوغ النهاية — مكي بن أبي طالب

عن الكتاب
قوله :( وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ(١) اجْعَلْ هَذَا بَلَداً امِناً ) [ ١٢٥ ].
قيل : إِنَّ إِبراهيم ﷺ سأل(٢) الله أن يحرم مكة فحرمها(٣)، واحتج من قال ذلك بقول(٤) النبي ﷺ : " إنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ عَبْدُ اللَّهِ وَخَلِيلُهُ وإني عَبْدُ اللهِ وَرَسُولُهُ(٥) وإِنَّ إِبْرَاهِيمَ حَرَّمَ مَكَّةَ وَإِنِّي حَرَّمْتُ المَدِينَةَ مَا بَيْنَ لاَبَتَيْهَا(٦) " (٧).
وقال قائلون : " لَمْ تُحَرَّم بسؤال إبراهيم ﷺ، بل كانت حراماً، [ واحتجوا بقول النبي عليه السلام ](٨) يوم افتتح(٩) مكة/ : " هَذِهِ حَرَامٌ حَرَّمَهَا اللّهُ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ : لَمْ تَحِلّ لِأَحَدٍ مِنْ قَبْلِي، وَلاَ تَحِلُّ لِأَحَدٍ بَعْدِي.. أُحِلَّتْ لِي سَاعَةَ مِنْ نَهَارٍ " (١٠). واحتجوا بقول إبراهيم ﷺ ( رَبَّنَا إِنِّيَ أَسْكَنْتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ المُحَرَّمِ )(١١)(١٢).
وكان الطبري يجمع بين الخبرين، ويقول : " إن الله عز وجل حرّم مكة وقضى ذلك، ولم يتعبد الخلق بذلك حتى سأله إبراهيم/ أن(١٣) يتعبد الخلق بذلك فأجابه. فإبراهيم كان سبب تعبد الخلق بتحريمها والتعبد بذلك(١٤)، والله تعالى قد حرّمها يوم خلق السماوات والأرض " (١٥).
وقوله :( عِنْدَ بَيْتِكَ المُحَرَّمِ ) [إبراهيم: ٣٩]. معناه الذي حرمته عندك، ولم تتعبد(١٦) الخلق به. وروي أن إبراهيم صلى الله عليه وسلم/ لما دعا فقال :( وَارْزُقْ اَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ ) [ ١٢٥ ] أجاب الله عز وجل دعاءه : فبعث جبريل عليه السلام/ إلى الشام، فاقتلع منها الطائف من موضع الأردن ثم طاف بها حول الكعبة أسبوعاً، ولذلك سميت الطائف(١٧). ثم أنزلها تهامة ولم يكن يومئذ بمكة غير إسماعيل ﷺ، ثم نزلت جرهم مع إسماعيل ﷺ بمكة، فلم يزالوا(١٨) على الإسلام حتى نشأ عمرو(١٩) بن(٢٠) [ لحي الجرهمي فَغَيَّرَ ](٢١) دين إبراهيم ﷺ وعَبَدَ الأصنام، وسَيَّبَ السوائب، وبَحَّرَ البحيرة وحَمَى الحامي، وَوَصَلَ الوصيلة، وغلب(٢٢) مكة، وقهر أهلها. وهم ولد إسماعيل ﷺ – وهو [ الذي قال فيه النبي ﷺ ](٢٣) : رَأَيْتُهُ فِي جَهَنَّمَ يَجرُّ قُصْبَهُ فِي النَّارِ " (٢٤) أي : أمعاءه.
قوله :( قَالَ وَمَن كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلاً ) [ ١٢٥ ].
ذلك إخبار من الله عز وجل لنبيه ﷺ قاله أبي بن كعب(٢٥). أي : أنا أرزق البر والفاجر فأمتع(٢٦) الفاجر قليلاً.
وقال ابن عباس : " هو(٢٧) من قول إبراهيم ﷺ سأل(٢٨) ربه عز وجل أن يرزق من كفر فيمتعه قليلاً " (٢٩).
ويجب على هذا التأويل وصل ألف " أَضْطَرُّهُ "، وفتح ألفَ أُمتِّعُهُ " (٣٠). ويجب أيضاً بناء الفعلين/ على السكون لأنه طلب كالأمر، ولأنه ؟ (٣١) سؤال من إبراهيم ﷺ لله عز وجل، وإن كان الخبر من عند الله سبحانه كانت الألف في " أمتعه " ألف المتكلم، وكذلك هي في " أضطره "، ويرتفع الفعلان لأنهما إخبار عن(٣٢) الله جل ذكره(٣٣).
ومعنى ( أَضْطَرُّهُ ) أكرهه وألجئه(٣٤) إلى ذلك.
١ - سقط من ع٣..
٢ - في ع١: تسأل..
٣ - في ق: فحرامهما. وهو تحريف. وانظر: هذا القول في جامع البيان ٣/٤٨..
٤ - في ق: يقول. وهو تصحيف..
٥ - في ع٣: رسول..
٦ - واللابة: الحَرَّة، وهي الأرض ذات حجارة سود كأنها أحرقت. انظر: اللسان ٧/٤٠٧..
٧ - انظر: صحيح مسلم ٢/٩٩١..
٨ - في ع٣: واحتاجوا بقول النبي صلى الله عليه وسلم..
٩ - في ع٢: أفتح. وهو تحريف..
١٠ - انظر: صحيح البخاري ٨/٣٨، وسنن ابن ماجه ٢/١٠٣٨، وسنن الترمذي ٣/١٧٣-١٧٤..
١١ - إبراهيم آية ٣٩..
١٢ - انظر: سنن ابن ماجه ٢/١٠٣٩، وجامع البيان ٣/٤٧..
١٣ - في ق: عليه أن..
١٤ - سقط من ع٣..
١٥ - انظر: جامع البيان ٣/٥٠..
١٦ - في ع٣: تعتد. وهو تحريف..
١٧ - انظر: المحرر الوجيز ١/٣٥٥..
١٨ - في ع٢: يزلوا. وهو تحريف..
١٩ - في ع٣: عمر. وهو تحريف..
٢٠ - في ع١: ابن. وهو تحريف..
٢١ - في ع٣: يحيى الجهرمي فعير. وهو تحريف..
٢٢ - في ع٢: علب. وهو تصحيف..
٢٣ - في ع٣: التي قال فيه النبي صلى الله عليه وسلم..
٢٤ - رواه البخاري. انظر: صحيحه ٥/١٩١..
٢٥ - انظر: جامع البيان ٣/٥٣، تفسير القرطبي ٢/١١٥..
٢٦ - في ع٣: فأمتنع. وهو تحريف..
٢٧ - سقط من ع٣..
٢٨ - سقط من ع٣..
٢٩ - معاني الفراء ١/٧٨، والمحرر الوجيز ١/٣٥٦، وتفسير القرطبي ٢/١١٩..
٣٠ - المصدر السابق..
٣١ - سقط من ع٣..
٣٢ - في ع٢، ع٣: من..
٣٣ - انظر: هذا التوجيه في معاني الأخفش ١/١٤٧-١٤٨، والمحتسب ١/١٠٥-١٠٦..
٣٤ - في ع٢، ع٣: ألجأه. وهو خطأ..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى