التسهيل لعلوم التنزيل — ابن جُزَيِّ

عن الكتاب
﴿بلدا﴾ يعني مكة.
﴿آمنا﴾ أي : مما يصيب غيره من الخسف والعذاب، وقيل :﴿آمنا﴾ من إغارة الناس على أهله لأن العرب كان يغير بعضهم على بعض، وكانوا لا يتعرضون لأهل مكة، وهذا أرجح لقوله :﴿أولم نمكن لهم حرما آمنا﴾[القصص: ٥٧] ﴿ويتخطف الناس من حولهم﴾[العنكبوت: ٦٧].
فإن قيل : لم قال : في البقرة ﴿بلدا آمنا﴾ فعرف في إبراهيم، ونكر في البقرة ؟ أجيب عن ذلك بثلاثة أجوبة :
الجواب الأول : قاله أستاذنا الشيخ أبو جعفر بن الزبير وهو أنه تقدم في البقرة ذكر البيت في قوله :﴿القواعد من البيت﴾[البقرة: ١٢٧]، وذكر البيت يقتضي بالملازمة ذكر البلد الذي هو فيه، فلم يحتج إلى تعريف، بخلاف آية إبراهيم، فإنها لم يتقدم قبلها ما يقتضي ذكر البلد ولا المعرفة به، فذكره بلام التعريف.
الجواب الثاني : قاله السهيلي : وهو أن النبي ﷺ، كان بمكة حين نزلت آية إبراهيم لأنها مكية فلذلك قال فيه البلد بلام التعريف التي للحضور : كقولك : هذا الرجل، وهو حاضر، بخلاف آية البقرة، فإنها مدنية، ولم تكن مكة حاضرة حين نزولها فلم يعرفها بلام الحضور، وفي هذا نظر ؛ لأن ذلك الكلام حكاية عن إبراهيم عليه السلام، فلا فرق بين نزوله بمكة أو المدينة.
الجواب الثالث : قاله بعض المشارقة : أنه قال هذا بلد آمنا قبل أن يكون بلدا فكأنه قال : اجعل هذا الموضع بلدا آمنا وقال : هذا البلد بعد ما صار بلدا وهذا يقتضي أن إبراهيم دعا بهذا الدعاء مرتين، والظاهر أنه مرة واحدة حكى لفظه فيها على وجهين :
﴿من آمن﴾ بدل بعض من كل.
﴿ومن كفر﴾ أي : قال : الله وأرزق من كفر لأن الله يرزق في الدنيا المؤمن والكافر.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى