تفسير القرآن العظيم — ابن كثير
عن الكتاب
فالقواعد : جمع قاعدة، وهي السارية والأساس، يقول تعالى : واذكر - يا محمد - لقومك بناء إبراهيم وإسماعيل، عليهما السلام، البيت، ورفْعَهما القواعدَ منه، وهما يقولان :﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ فهما في عمل صالح، وهما يسألان الله تعالى أن يتقبل منهما، كما روى ابن أبي حاتم من حديث محمد بن يزيد بن خنيس المكي، عن وهيب بن الورد : أنه قرأ :﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا﴾ ثم يبكي ويقول : يا خليل الرحمن، ترفع قوائم بيت الرحمن وأنت مُشْفق أن لا يتقبل منك. وهذا كما حكى الله تعالى عن حال المؤمنين المخلصين(١) في قوله تعالى :﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا﴾ أي : يعطون ما أعطوا من الصدقات والنفقات والقربات ﴿وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾
[المؤمنون: ٦٠] أي : خائفة ألا يتقبل منهم. كما جاء به الحديث الصحيح، عن عائشة، عن رسول الله ﷺ كما سيأتي في موضعه.
وقال بعض المفسرين : الذي كان يرفع القواعد هو إبراهيم، والداعي إسماعيل. والصحيح أنهما كانا يرفعان ويقولان، كما سيأتي بيانه.
وقد روى البخاري هاهنا حديثًا سنورده ثم نُتْبِعه بآثار متعلقة بذلك. قال البخاري، رحمه الله :
حدثنا عبد الله بن محمد، حدثنا عبد الرزاق، حدثنا مَعْمَر، عن أيوب السخيتاني(٢) وكثير بن كثير بن المطلب بن أبي وَدَاعة - يزيد أحدُهما على الآخر - عن سعيد بن جُبَير، عن ابن عباس، رضي الله عنهما، قال : أول ما(٣) اتخذ النساء المنْطَق من قبَل أم إسماعيل، عليهما(٤) السلام اتخذت منطقًا ليعفي أثرها على سارة. ثم جاء بها إبراهيم وبابنها إسماعيل، عليهما السلام، وهي ترضعه، حتى وضعهما عند البيت عند دوحة فوق زَمْزم في أعلى المسجد، وليس بمكة يومئذ أحد، وليس بها ماء فوضعهما هنالك، ووضع عندهما جرابًا فيه تمر وسِقَاء فيه ماء، ثم قَفَّى إبراهيم، عليه السلام، منطلقًا. فتبعته أم إسماعيل فقالت : يا إبراهيم، أين تذهب وتتركنا بهذا الوادي الذي ليس فيه إنس ولا شيء ؟ فقالت له ذلك مرارًا، وجعل لا يلتفت إليها. فقالت (٥) آلله أمرك بهذا ؟ قال : نعم. قالت : إذًا لا يضيعنا. ثم رجعت. فانطلق إبراهيم، عليه السلام، حتى إذا كان عند الثنية حيث لا يرونه، استقبل بوجهه البيت، ثم دعا بهؤلاء الدعوات، ورفع يديه، قال :﴿رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ﴾ [إبراهيم: ٣٧]، وجعلت أم إسماعيل ترضع إسماعيل، عليهما السلام، وتشرب من ذلك الماء، حتى إذا نفد ماء السقاء(٦) عطشت وعطش ابنها، وجعلت تنظر إليه يتلوى - أو قال : يتلبط - فانطلقت كراهية أن تنظر إليه، فوجدت الصفا أقربَ جبل في الأرض يليها(٧) فقامت عليه، ثم استقبلت الوادي تنظر هل ترى أحدًا ؟ فلم تر أحدًا. فهبطت من الصفا حتى إذا بلغت الوادي رفعت طَرْفَ درعها، ثم سعت سَعْيَ الإنسان المجهود حتى جاوزت الوادي. ثم أتت المروة، فقامت عليها ونظرت هل ترى أحَدًا ؟ فلم تر أحدًا. ففعلت ذلك سبع مرات، قال ابن عباس : قال النبي ﷺ :" فلذلك سعى الناس بينهما ".
فلما أشرفت على المروة سمعت صوتًا فقالت : صه، تريد نفسها، ثم تَسَمَّعت فسمعَت أيضًا. فقالت : قد أسمعت إن كان عندك غُوَاث فإذا هي بالمَلَك عند موضع زمزم، فبحث بعقبه - أو قال : بجناحه - حتى ظهر الماء، فجعلت تُحَوِّضُهُ، وتقول بيدها هكذا، وجعلت تغرف من الماء في سقائها وهو يفور بعدما تغرف. قال ابن عباس : قال النبي ﷺ :" يرحم الله أم إسماعيل، لو تركت زمزم - أو قال : لو لم تغرف من الماء - لكانت زمزم عينًا مَعينًا ".
قال : فشربت وأرضعت ولدها، فقال لها الملك : لا تخافي الضيعة ؛ فإن هاهنا بيتًا لله، عز وجل، يبنيه هذا الغلام وأبوه، وإن الله، عز وجل، لا يضيع أهله. وكان البيت مرتفعًا من الأرض كالرابية تأتيه السيول فتأخذ عن يمينه وعن شماله، فكانت كذلك حتى مرت بهم رفقة من جُرْهُم - أو أهل بيت من جُرْهم - مقبلين من طريق كَدَاء. فنزلوا في أسفل مكة، فرأوا طائرًا عائفًا، فقالوا : إن هذا الطائر ليدور على الماء، لعَهْدُنا بهذا الوادي وما فيه ماء. فأرسلوا جَرِيًّا أو جَرِيَّين، فإذا هم بالماء. فرجعوا فأخبروهم بالماء، فأقبلوا. قال : وأم إسماعيل عند الماء. فقالوا : أتأذنين لنا أن ننزل عندك ؟ قالت : نعم، ولكن لا حَقَّ لكم في الماء. قالوا : نعم.
قال ابن عباس(٨) فقال النبي ﷺ :" فألفى ذلك أم إسماعيل وهي تحب الأنس. فنزلوا، وأرسلوا إلى أهليهم فنزلوا معهم. حتى إذا كان بها أهل أبيات منهم وشب الغلامُ، وتعلم العربية منهم، وأنْفَسَهم وأعجبهم حين شب، فلما أدرك زوجوه امرأة منهم. وماتت أم إسماعيل، عليهما(٩) السلام، فجاء إبراهيم بعد ما تزوج إسماعيلُ ليطالع تَرْكَتَه. فلم يجد إسماعيل، فسأل امرأته عنه فقالت : خرج يبتغي لنا. ثم سألها عن عيشهم وهيئتهم، فقالت : نحن بشَرّ، نحن في ضيق وشدة. وشكت إليه. قال : فإذا جاء زوجك فاقرئي عليه السلام، وقولي له : يغير عتبة بابه. فلما جاء إسماعيل، عليه السلام، كأنه أنس شيئًا. فقال : هل جاءكم من أحد ؟ قالت : نعم، جاءنا شيخ كذا وكذا، فسأل(١٠) عنك، فأخبرته، وسألني كيف عيشنا ؟ فأخبرته أنا في جَهْد وشدَّة. قال : فهل أوصاك بشيء ؟ قالت : نعم، أمرني أن أقرأ عليك السلام، ويقول(١١) غَيِّرْ عتبة بابك. قال : ذاك أبي. وقد أمرني أن أفارقك، فالحقي بأهلك. فَطَلَّقَها وتزوج منهم بأخرى، فلبث عنهم إبراهيم ما شاء الله، ثم أتاهم بعد فلم يجده. فدخل على امرأته، فسألها عنه، فقالت : خرج يبتغي لنا. قال : كيف أنتم ؟
وسألها عن عيشهم وَهَيْئَتهم. فقالت : نحن بخير وسعة. وأثنت على الله، عز وجل. فقال : ما طعامكم ؟ قالت : اللحم. قال : فما شرابكم ؟ قالت : الماء. قال : اللهم بارك لهم في اللحم والماء ". قال النبي ﷺ :" ولم يكن لهم يومئذ حَب، ولو كان لهم، لدعا لهم فيه. قال : فهما لا يخلو عليهما أحد بغير مكة إلا لم يوافقاه ". قال :" فإذا جاء زوجك فاقرئي عليه السلام، ومُريه يُثَبِّت عتبة بابه، فلما جاء إسماعيل، عليه السلام، قال : هل أتاكم من أحد ؟ قالت : نعم، أتانا شيخ حسن الهيئة، وأثنت عليه(١٢) فسألني عنك، فأخبرته، فسألني : كيف عيشنا ؟ فأخبرته أنا بخير. قال : فأوصاك بشيء ؟ قالت : نعم، هو يقرأ عليك السلام، ويأمرك أن تثبت عتبة بابك. قال : ذاك أبي، وأنت العتبة، أمرني أن أمسكك. ثم لَبثَ عنهم ما شاء الله، عز وجل، ثم جاء بعد ذلك وإسماعيل يَبْرِي نَبْلا(١٣) له تحت دوحة قريبًا من زمزم، فلما رآه قام إليه، فصنعا كما يصنع الولد بالوالد، والوالد بالولد. ثم قال : يا إسماعيل، إن الله أمرني بأمر. قال : فاصنع ما أمرك ربك، عز وجل. قال : وتعينني ؟ قال : وأعينك. قال : فإن الله أمرني أن أبني هاهنا بيتًا - وأشار إلى أكَمَةٍ مرتفعة على ما حولها - قال : فعند ذلك رَفَعا القواعد من البيت فجعل(١٤) إسماعيل يأتي بالحجارة وإبراهيم يبني، حتى إذا ارتفع البناء جاء بهذا الحجر فوضعه له، فقام عليه وهو يبني، وإسماعيل يناوله الحجارة، وهما يقولان :﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ " قال :" فجعلا يبنيان حتى يدورا حول البيت، وهما يقولان :﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾(١٥).
[ ورواه عبد بن حميد عن عبد الرزاق به مطولا ](١٦).
ورواه ابن أبي حاتم، عن أبي عبد الله محمد بن حمَّاد الظهراني. وابن جرير، عن أحمد بن ثابت الرازي، كلاهما عن عبد الرزاق به مختصرًا(١٧).
وقال أبو بكر بن مَرْدُويه : حدثنا إسماعيل بن علي بن إسماعيل، حدثنا بشر بن موسى، حدثنا أحمد بن محمد الأزرقي، حدثنا مسلم بن خالد الزنجي، عن عبد الملك بن جُرَيج، عن كثير بن كثير، قال : كنت أنا وعثمان بن أبي سليمان، وعبد الله بن عبد الرحمن بن أبي حسين في ناس مع سعيد بن جبير، في أعلى المسجد ليلا فقال سعيد بن جبير : سلوني قبل أن لا تروني. فسألوه عن المقام. فأنشأ يحدثهم عن ابن عباس، فذكر الحديث بطوله.
ثم قال البخاري : حدثنا عبد الله بن محمد. حدثنا أبو عامر عبد الملك بن عمرو(١٨) حدثنا إبراهيم بن نافع، عن كثير بن كثير، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال : لما كان بين إبراهيم وبين أهله ما كان، خرج بإسماعيل وأم إسماعيل، ومعهم شَنَّة فيها ماء، فجعلت أم إسماعيل تشرب من الشنَّة، فيَدِرُّ لبنها على صبيها، حتى قدم مكة فوضعها تحت دوحة، ثم رجع إبراهيم إلى أهله، فاتبعته أم إسماعيل، حتى(١٩) بلغوا كَدَاء نادته(٢٠) من ورائه : يا إبراهيم، إلى من تتركنا ؟ قال : إلى الله، عز وجل. قالت : رضيت بالله. قال : فرجَعَتْ، فجعلت تشرب من الشنة، ويَدر لبنها على صَبيها حتى لما فَنِي الماء قالت : لو ذهبت فنظرت لعلي أحس أحدا. قال : فذهَبَتْ فصَعدت الصفا، فنظرت ونظرت هل تحس أحدًا، فلم تحس أحدًا. فلما بلغت الوادي سَعَت(٢١) حتى أتت المروة، ففعلت ذلك أشواطا ثم قالت : لو ذهبت فنظرت ما فعل، تعني الصبي، فذهبت فنظرت فإذا هو على حاله كأنه يَنْشَغُ للموت، فلم تقُرَّها نفسها، فقالت : لو ذهبت فنظرت لعلي أحس أحدًا. قال : فذهبت فصعدت الصفا، فنظرت ونَظرت فلم تُحس أحدًا، حتى أتمت سبعا، ثم قالت : لو ذهبت فنظرت ما فعل، فإذا هي بصوت، فقالت : أغثْ إن كان عندك خير. فإذا جبريل، عليه السلام، قال : فقال بعقبه هكذا، وغمز عَقِبَه على الأرض. قال : فانبثق الماء، فَدَهَشَتْ أم إسماعيل، فجعلت تحفر.
قال : فقال أبو القاسم ﷺ :" لو تركَتْه لكان الماء ظاهرًا(٢٢).
قال : فجعلت تشرب من الماء ويَدِرُّ لبنها على صَبِيِّها.
قال : فمر ناس من جُرْهم ببطن الوادي، فإذا هم بطير، كأنهم أنكروا ذلك، وقالوا : ما يكون الطير إلا على ماء فبعثوا رسولهم فَنَظَرَ، فإذا هو بالماء. فأتاهم فأخبرهم. فأتوا إليها فقالوا : يا أم إسماعيل، أتأذنين لنا أن نكون معك - ونسكن معك ؟ - فبلغ ابنها ونكح فيهم(٢٣) امرأة.
قال : ثم إنه بدا لإبراهيم صلى الله عليه وسلم(٢٤) فقال لأهله : إني مُطَّلع تَرْكَتي. قال : فجاء فسلم، فقال : أين إسماعيل ؟ قالت امرأته : ذهب يصيد. قال : قولي له إذا جاء : غير عتبة بيتك. فلما جاء أخبرته، قال : أنت ذَاكِ، فاذهبي إلى أهلك.
قال : ثم إنه بدا لإبراهيم، فقال لأهله : إني مُطَّلع تَرْكتي. قال : فجاء فقال : أين إسماعيل ؟ فقالت امرأته : ذهب يصيد. فقالت : أ
[المؤمنون: ٦٠] أي : خائفة ألا يتقبل منهم. كما جاء به الحديث الصحيح، عن عائشة، عن رسول الله ﷺ كما سيأتي في موضعه.
وقال بعض المفسرين : الذي كان يرفع القواعد هو إبراهيم، والداعي إسماعيل. والصحيح أنهما كانا يرفعان ويقولان، كما سيأتي بيانه.
وقد روى البخاري هاهنا حديثًا سنورده ثم نُتْبِعه بآثار متعلقة بذلك. قال البخاري، رحمه الله :
حدثنا عبد الله بن محمد، حدثنا عبد الرزاق، حدثنا مَعْمَر، عن أيوب السخيتاني(٢) وكثير بن كثير بن المطلب بن أبي وَدَاعة - يزيد أحدُهما على الآخر - عن سعيد بن جُبَير، عن ابن عباس، رضي الله عنهما، قال : أول ما(٣) اتخذ النساء المنْطَق من قبَل أم إسماعيل، عليهما(٤) السلام اتخذت منطقًا ليعفي أثرها على سارة. ثم جاء بها إبراهيم وبابنها إسماعيل، عليهما السلام، وهي ترضعه، حتى وضعهما عند البيت عند دوحة فوق زَمْزم في أعلى المسجد، وليس بمكة يومئذ أحد، وليس بها ماء فوضعهما هنالك، ووضع عندهما جرابًا فيه تمر وسِقَاء فيه ماء، ثم قَفَّى إبراهيم، عليه السلام، منطلقًا. فتبعته أم إسماعيل فقالت : يا إبراهيم، أين تذهب وتتركنا بهذا الوادي الذي ليس فيه إنس ولا شيء ؟ فقالت له ذلك مرارًا، وجعل لا يلتفت إليها. فقالت (٥) آلله أمرك بهذا ؟ قال : نعم. قالت : إذًا لا يضيعنا. ثم رجعت. فانطلق إبراهيم، عليه السلام، حتى إذا كان عند الثنية حيث لا يرونه، استقبل بوجهه البيت، ثم دعا بهؤلاء الدعوات، ورفع يديه، قال :﴿رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ﴾ [إبراهيم: ٣٧]، وجعلت أم إسماعيل ترضع إسماعيل، عليهما السلام، وتشرب من ذلك الماء، حتى إذا نفد ماء السقاء(٦) عطشت وعطش ابنها، وجعلت تنظر إليه يتلوى - أو قال : يتلبط - فانطلقت كراهية أن تنظر إليه، فوجدت الصفا أقربَ جبل في الأرض يليها(٧) فقامت عليه، ثم استقبلت الوادي تنظر هل ترى أحدًا ؟ فلم تر أحدًا. فهبطت من الصفا حتى إذا بلغت الوادي رفعت طَرْفَ درعها، ثم سعت سَعْيَ الإنسان المجهود حتى جاوزت الوادي. ثم أتت المروة، فقامت عليها ونظرت هل ترى أحَدًا ؟ فلم تر أحدًا. ففعلت ذلك سبع مرات، قال ابن عباس : قال النبي ﷺ :" فلذلك سعى الناس بينهما ".
فلما أشرفت على المروة سمعت صوتًا فقالت : صه، تريد نفسها، ثم تَسَمَّعت فسمعَت أيضًا. فقالت : قد أسمعت إن كان عندك غُوَاث فإذا هي بالمَلَك عند موضع زمزم، فبحث بعقبه - أو قال : بجناحه - حتى ظهر الماء، فجعلت تُحَوِّضُهُ، وتقول بيدها هكذا، وجعلت تغرف من الماء في سقائها وهو يفور بعدما تغرف. قال ابن عباس : قال النبي ﷺ :" يرحم الله أم إسماعيل، لو تركت زمزم - أو قال : لو لم تغرف من الماء - لكانت زمزم عينًا مَعينًا ".
قال : فشربت وأرضعت ولدها، فقال لها الملك : لا تخافي الضيعة ؛ فإن هاهنا بيتًا لله، عز وجل، يبنيه هذا الغلام وأبوه، وإن الله، عز وجل، لا يضيع أهله. وكان البيت مرتفعًا من الأرض كالرابية تأتيه السيول فتأخذ عن يمينه وعن شماله، فكانت كذلك حتى مرت بهم رفقة من جُرْهُم - أو أهل بيت من جُرْهم - مقبلين من طريق كَدَاء. فنزلوا في أسفل مكة، فرأوا طائرًا عائفًا، فقالوا : إن هذا الطائر ليدور على الماء، لعَهْدُنا بهذا الوادي وما فيه ماء. فأرسلوا جَرِيًّا أو جَرِيَّين، فإذا هم بالماء. فرجعوا فأخبروهم بالماء، فأقبلوا. قال : وأم إسماعيل عند الماء. فقالوا : أتأذنين لنا أن ننزل عندك ؟ قالت : نعم، ولكن لا حَقَّ لكم في الماء. قالوا : نعم.
قال ابن عباس(٨) فقال النبي ﷺ :" فألفى ذلك أم إسماعيل وهي تحب الأنس. فنزلوا، وأرسلوا إلى أهليهم فنزلوا معهم. حتى إذا كان بها أهل أبيات منهم وشب الغلامُ، وتعلم العربية منهم، وأنْفَسَهم وأعجبهم حين شب، فلما أدرك زوجوه امرأة منهم. وماتت أم إسماعيل، عليهما(٩) السلام، فجاء إبراهيم بعد ما تزوج إسماعيلُ ليطالع تَرْكَتَه. فلم يجد إسماعيل، فسأل امرأته عنه فقالت : خرج يبتغي لنا. ثم سألها عن عيشهم وهيئتهم، فقالت : نحن بشَرّ، نحن في ضيق وشدة. وشكت إليه. قال : فإذا جاء زوجك فاقرئي عليه السلام، وقولي له : يغير عتبة بابه. فلما جاء إسماعيل، عليه السلام، كأنه أنس شيئًا. فقال : هل جاءكم من أحد ؟ قالت : نعم، جاءنا شيخ كذا وكذا، فسأل(١٠) عنك، فأخبرته، وسألني كيف عيشنا ؟ فأخبرته أنا في جَهْد وشدَّة. قال : فهل أوصاك بشيء ؟ قالت : نعم، أمرني أن أقرأ عليك السلام، ويقول(١١) غَيِّرْ عتبة بابك. قال : ذاك أبي. وقد أمرني أن أفارقك، فالحقي بأهلك. فَطَلَّقَها وتزوج منهم بأخرى، فلبث عنهم إبراهيم ما شاء الله، ثم أتاهم بعد فلم يجده. فدخل على امرأته، فسألها عنه، فقالت : خرج يبتغي لنا. قال : كيف أنتم ؟
وسألها عن عيشهم وَهَيْئَتهم. فقالت : نحن بخير وسعة. وأثنت على الله، عز وجل. فقال : ما طعامكم ؟ قالت : اللحم. قال : فما شرابكم ؟ قالت : الماء. قال : اللهم بارك لهم في اللحم والماء ". قال النبي ﷺ :" ولم يكن لهم يومئذ حَب، ولو كان لهم، لدعا لهم فيه. قال : فهما لا يخلو عليهما أحد بغير مكة إلا لم يوافقاه ". قال :" فإذا جاء زوجك فاقرئي عليه السلام، ومُريه يُثَبِّت عتبة بابه، فلما جاء إسماعيل، عليه السلام، قال : هل أتاكم من أحد ؟ قالت : نعم، أتانا شيخ حسن الهيئة، وأثنت عليه(١٢) فسألني عنك، فأخبرته، فسألني : كيف عيشنا ؟ فأخبرته أنا بخير. قال : فأوصاك بشيء ؟ قالت : نعم، هو يقرأ عليك السلام، ويأمرك أن تثبت عتبة بابك. قال : ذاك أبي، وأنت العتبة، أمرني أن أمسكك. ثم لَبثَ عنهم ما شاء الله، عز وجل، ثم جاء بعد ذلك وإسماعيل يَبْرِي نَبْلا(١٣) له تحت دوحة قريبًا من زمزم، فلما رآه قام إليه، فصنعا كما يصنع الولد بالوالد، والوالد بالولد. ثم قال : يا إسماعيل، إن الله أمرني بأمر. قال : فاصنع ما أمرك ربك، عز وجل. قال : وتعينني ؟ قال : وأعينك. قال : فإن الله أمرني أن أبني هاهنا بيتًا - وأشار إلى أكَمَةٍ مرتفعة على ما حولها - قال : فعند ذلك رَفَعا القواعد من البيت فجعل(١٤) إسماعيل يأتي بالحجارة وإبراهيم يبني، حتى إذا ارتفع البناء جاء بهذا الحجر فوضعه له، فقام عليه وهو يبني، وإسماعيل يناوله الحجارة، وهما يقولان :﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ " قال :" فجعلا يبنيان حتى يدورا حول البيت، وهما يقولان :﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾(١٥).
[ ورواه عبد بن حميد عن عبد الرزاق به مطولا ](١٦).
ورواه ابن أبي حاتم، عن أبي عبد الله محمد بن حمَّاد الظهراني. وابن جرير، عن أحمد بن ثابت الرازي، كلاهما عن عبد الرزاق به مختصرًا(١٧).
وقال أبو بكر بن مَرْدُويه : حدثنا إسماعيل بن علي بن إسماعيل، حدثنا بشر بن موسى، حدثنا أحمد بن محمد الأزرقي، حدثنا مسلم بن خالد الزنجي، عن عبد الملك بن جُرَيج، عن كثير بن كثير، قال : كنت أنا وعثمان بن أبي سليمان، وعبد الله بن عبد الرحمن بن أبي حسين في ناس مع سعيد بن جبير، في أعلى المسجد ليلا فقال سعيد بن جبير : سلوني قبل أن لا تروني. فسألوه عن المقام. فأنشأ يحدثهم عن ابن عباس، فذكر الحديث بطوله.
ثم قال البخاري : حدثنا عبد الله بن محمد. حدثنا أبو عامر عبد الملك بن عمرو(١٨) حدثنا إبراهيم بن نافع، عن كثير بن كثير، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال : لما كان بين إبراهيم وبين أهله ما كان، خرج بإسماعيل وأم إسماعيل، ومعهم شَنَّة فيها ماء، فجعلت أم إسماعيل تشرب من الشنَّة، فيَدِرُّ لبنها على صبيها، حتى قدم مكة فوضعها تحت دوحة، ثم رجع إبراهيم إلى أهله، فاتبعته أم إسماعيل، حتى(١٩) بلغوا كَدَاء نادته(٢٠) من ورائه : يا إبراهيم، إلى من تتركنا ؟ قال : إلى الله، عز وجل. قالت : رضيت بالله. قال : فرجَعَتْ، فجعلت تشرب من الشنة، ويَدر لبنها على صَبيها حتى لما فَنِي الماء قالت : لو ذهبت فنظرت لعلي أحس أحدا. قال : فذهَبَتْ فصَعدت الصفا، فنظرت ونظرت هل تحس أحدًا، فلم تحس أحدًا. فلما بلغت الوادي سَعَت(٢١) حتى أتت المروة، ففعلت ذلك أشواطا ثم قالت : لو ذهبت فنظرت ما فعل، تعني الصبي، فذهبت فنظرت فإذا هو على حاله كأنه يَنْشَغُ للموت، فلم تقُرَّها نفسها، فقالت : لو ذهبت فنظرت لعلي أحس أحدًا. قال : فذهبت فصعدت الصفا، فنظرت ونَظرت فلم تُحس أحدًا، حتى أتمت سبعا، ثم قالت : لو ذهبت فنظرت ما فعل، فإذا هي بصوت، فقالت : أغثْ إن كان عندك خير. فإذا جبريل، عليه السلام، قال : فقال بعقبه هكذا، وغمز عَقِبَه على الأرض. قال : فانبثق الماء، فَدَهَشَتْ أم إسماعيل، فجعلت تحفر.
قال : فقال أبو القاسم ﷺ :" لو تركَتْه لكان الماء ظاهرًا(٢٢).
قال : فجعلت تشرب من الماء ويَدِرُّ لبنها على صَبِيِّها.
قال : فمر ناس من جُرْهم ببطن الوادي، فإذا هم بطير، كأنهم أنكروا ذلك، وقالوا : ما يكون الطير إلا على ماء فبعثوا رسولهم فَنَظَرَ، فإذا هو بالماء. فأتاهم فأخبرهم. فأتوا إليها فقالوا : يا أم إسماعيل، أتأذنين لنا أن نكون معك - ونسكن معك ؟ - فبلغ ابنها ونكح فيهم(٢٣) امرأة.
قال : ثم إنه بدا لإبراهيم صلى الله عليه وسلم(٢٤) فقال لأهله : إني مُطَّلع تَرْكَتي. قال : فجاء فسلم، فقال : أين إسماعيل ؟ قالت امرأته : ذهب يصيد. قال : قولي له إذا جاء : غير عتبة بيتك. فلما جاء أخبرته، قال : أنت ذَاكِ، فاذهبي إلى أهلك.
قال : ثم إنه بدا لإبراهيم، فقال لأهله : إني مُطَّلع تَرْكتي. قال : فجاء فقال : أين إسماعيل ؟ فقالت امرأته : ذهب يصيد. فقالت : أ
١ في أ، و: "الخلص"..
٢ في أ، و: "السختياني"..
٣ في جـ: "أول من"..
٤ في جـ: "عليه"..
٥ في أ: "فقالت له"..
٦ في أ، و: "نفد ما في السقاء"..
٧ في جـ: "إليها"..
٨ في ط: "عبد الله بن عباس"..
٩ في جـ، ط: "عليها"..
١٠ في جـ، ط: "فسألنا"..
١١ في أ: "يقول لك"..
١٢ في جـ: "وأثنت عليه خيرا"..
١٣ في جـ: "يبني له بيتا"..
١٤ في جـ: "قال: فجعل"..
١٥ صحيح البخاري برقم (٣٣٦٤)..
١٦ زيادة من و..
١٧ تفسير ابن أبي حاتم (١/٣٨١)..
١٨ في أ: "بن عمير"..
١٩ في جـ، ط: "حتى لما"..
٢٠ في جـ: "سألته"..
٢١ في جـ: "وسعت"..
٢٢ في جـ: "ظاهر"..
٢٣ في جـ: "منهم"..
٢٤ في جـ، أ: "عليه السلام"..
٢ في أ، و: "السختياني"..
٣ في جـ: "أول من"..
٤ في جـ: "عليه"..
٥ في أ: "فقالت له"..
٦ في أ، و: "نفد ما في السقاء"..
٧ في جـ: "إليها"..
٨ في ط: "عبد الله بن عباس"..
٩ في جـ، ط: "عليها"..
١٠ في جـ، ط: "فسألنا"..
١١ في أ: "يقول لك"..
١٢ في جـ: "وأثنت عليه خيرا"..
١٣ في جـ: "يبني له بيتا"..
١٤ في جـ: "قال: فجعل"..
١٥ صحيح البخاري برقم (٣٣٦٤)..
١٦ زيادة من و..
١٧ تفسير ابن أبي حاتم (١/٣٨١)..
١٨ في أ: "بن عمير"..
١٩ في جـ، ط: "حتى لما"..
٢٠ في جـ: "سألته"..
٢١ في جـ: "وسعت"..
٢٢ في جـ: "ظاهر"..
٢٣ في جـ: "منهم"..
٢٤ في جـ، أ: "عليه السلام"..