غرائب القرآن ورغائب الفرقان — نظام الدين القمي النيسابوري
عن الكتاب
القراءات :﴿أرنا﴾ وبابه ساكنة الراء : ابن كثير ورويس قياساً على كسرة فخذ إذ تسكن فيقال " فخذ ". وقرأ أبو عمرو بالاختلاس طلباً للخفة وحذراً من الإجحاف ﴿ويعلمهم﴾ بالاختلاس : ابن عباس، وكذلك كل فعل مستقبل مجموع حيث وقع. وروى ابن رومي عن ابن عباس
﴿يكلمنا﴾ و﴿تعدنا﴾ وكل كلمة تضمنت جمعين من الأسماء باختلاس مثل ﴿في أعينكم﴾ ﴿وأسلحتكم﴾ ﴿وأمتعتكم﴾ و﴿أوصى﴾ من الإيصاء : أبو جعفر ونافع وابن عامر. الباقون ﴿وصى﴾ بالتشديد. ﴿شهداء إذ﴾ عاصم وحمزة وعلي وخلف وابن عامر. والباقون ﴿شهداء يذ﴾ وكذلك ما أشبهه في كل القرآن.
الوقوف :﴿وإسماعيل﴾ ( ط ) لإضمار القول أي يقولان ومحله نصب على الحال ﴿منا﴾ ( ط ) للابتداء بأن ولجواز الوصل وجه لطيف على تقدير فإنك أو لأنك ﴿العليم﴾ ( ه ) ﴿مسلمة لك﴾ ( ص ) لعطف المتفقين ﴿علينا﴾ ( ط ) وقد ذكر ﴿الرحيم﴾ ( ه ) ﴿ويزكيهم﴾ ( ط ) ﴿الحكيم﴾ ( ه )
﴿نفسه﴾ ( ط ) للفصل بين الاستفهام والإخبار ﴿في الدنيا﴾ ( ج ) لعطف الجملتين ﴿الصالحين﴾ ( ه ) ﴿أسلم﴾ ( ط ) لأن قوله " قال " عامل " إذ " وإلا وجب أن يقال " فقال " وإلا انقطع النظم ﴿العالمين﴾ ( ه ) ﴿ويعقوب﴾ ( ط ) لإرادة القول على الأصح، ومن وصل جعل الوصية في معنى القول ﴿مسلمون﴾ ( ط ) لأن " أم " بمعنى همزة الاستفهام للإنكار ﴿الموت﴾ ( لا ) لأن " إذ " بدل من " إذ " الأولى و " إذ " الأولى ظرف ﴿شهدا﴾ و " اذ " الثانية ظرف ﴿حضر﴾ ومن قطعها عن الأول فوقف على الموت وجعل ﴿قالوا﴾ عاملاً ولم يقف على ﴿بعدي﴾ فله وجه لا يتضح لأن الإنكار متوجه على قولهم : إن يعقوب أوصى بنيه باليهودية لا على أن يعقوب قد مات ﴿من بعدي﴾ ( ط ) ﴿واحداً﴾ ( ج ) لعطف الجملتين المختلفتين والوصل أجوز على جعل الواو حالاً ﴿مسلمون﴾ ( ه ) ﴿قد خلت﴾ ( ج ) لأن ما بعدها تصلح صفة للأمة وتصلح استئنافاً وهو واضح لعطف ﴿ولكم ما كسبتم﴾ عليها ﴿ولكم ما كسبتم﴾ ( ج ) لعطف الجملتين المختلفتين ﴿يعملون﴾ ( ه ).
النوع الثاني ﴿ربنا واجعلنا مسلمين لك﴾ فإن أريد بالإسلام الدين والاعتقاد توجه الطلب إلى الثبات والدوام أي ثبتنا على ذلك وإلا كان تحصيلاً للحاصل بالنسبة إليهما وقتئذ، وإن أريد الاستسلام والخضوع والإذعان الكلي والرضا بكل ما قدر وأمر فتوجه الطلب إلى هذه الأمور أنفسها غير مفيد لأنها أمور خارجة عن الضبط لا تتيسر إلا بمجرد تيسير الله وتوفيقه بخلاف أصل الإسلام الذي وقع به التكليف فإنه مضبوط. وقد يظن أن للعبد اختياراً فيه وإن كان اختياره على تقدير ثبوته ينتهي إلى مسبب الأسباب. وقوله ﴿واجعلنا﴾ إما معطوف على ﴿تقبل﴾ وقوله ﴿إنك أنت السميع العليم﴾ ﴿ربنا﴾ اعتراض للتأكيد وإما معطوف على محذوف أي ربنا افعل هذا واجعلنا. ﴿ومن ذريتنا﴾ من للتبعيض كما في قوله ﴿ومن ذريتي﴾ [البقرة: ١٢٤].
والأمة الجماعة من الناس، وقيل أراد أمة محمد ﷺ ﴿مسلمة﴾ يحتمل ههنا أصل الإسلام والزيادة عليه أيضاً. وقيل : أسلم مطلقاً يفيد الإيمان والاعتقاد ومعدى باللام معناه الاستسلام والانقياد الكلي. طلب الإسلام لهم بعد ما طلب لهم الإمامة إظهاراً للشفقة. فالشفيق بسوء الظن مولع، ويحتمل أن يكون هذا الدعاء بياناً لما أجمل هناك فيكونان واحداً. وتخصيص الذرية بالدعاء من بين الخلائق لأنهم أحق بالنصيحة وأقوم ﴿قوا أنفسكم وأهليكم ناراً﴾ [التحريم: ٦] ولأنهم أئمة بصلاحهم يصلح غيرهم وفي سدادهم يكون سداد من وراءهم. ولقد استجاب الله دعاءه فلم يزل في ذريتهما من يعبد الله وحده لا يشرك به شيئاً، ولم يزل الرسل من ذرية إبراهيم، وقد كان في الجاهلية زيد بن عمرو ابن نفيل وقس بن ساعدة. ويقال عبد المطلب بن هاشم جد رسول الله ﷺ على دين الحق قائلين بالإبداء والإعادة والثواب والعقاب يوحدون الله ولا يأكلون الميتة ولا يعبدون الأوثان ﴿وأرنا﴾ إن كان منقولاً عن رؤية العلم فمعناه علمنا أن شرائع حجنا كيف هي إذ أمرتنا ببناء البيت لنحجه وندعو الناس إلى حجه، وإن كان منقولاً عن رؤية البصر - وهو الأظهر - ولذلك لم يتجاوز مفعولين ظاهراً. فالمعنى بصرنا متعبداتنا في الحج. قال الحسن : إن جبريل أرى إبراهيم المناسك كلها حتى بلغ عرفات فقال : يا إبراهيم أعرفت ما أريتك من المناسك ؟ قال : نعم، فسميت عرفات. فلما كان يوم النحر أراد أن يزور البيت عرض له إبليس فسد عليه الطريق، فأمر جبريل أن يرميه بسبع حصيات ففعل فذهب الشيطان، ثم عرض له في اليوم الثاني والثالث والرابع وكل ذلك يأمره جبريل برمي الحصيات. وقيل : المراد العلم والرؤية معاً لأن الحج لا يتم إلا بأمور بعضها يعلم ولا يرى، وبعضها لا يتم الغرض منه إلا بالرؤية، فوجب حمل اللفظ على الأمرين جميعاً وليس ببعيد، فإن اللفظ المشترك يصح إطلاقه على معنييه معاً وكذلك مدلولا الحقيقة والمجاز يصح إرادتهما معاً من لفظ واحد كالعقد والوطء من النكاح. غاية ما في الباب أن يكون هذا الإطلاق مجازاً، ومن الناس من يحمل المناسك على المذابح. فقد يسمى الذبح للتقرب نسكاً والذبيحة نسيكة، وليس لهذا التخصيص وجه فإن الذبح إنما يسمى نسكاً لدخوله تحت أصل معنى النسك وهو التعبد، فحمل المناسك على جميع أعمال الحج أولى قال ﷺ " خذوا عني مناسككم لعلي لا ألقاكم بعد عامي هذا " بل لا يبعد أن يحمل على جميع ما شرعه الله لإبراهيم أي علمنا كيف نعبدك ومتى وأين نعبدك، وبماذا نتقرب إليك حتى نخدمك بذلك خدمة العبد لمولاه ؟ ﴿وتب علينا﴾ التوبة منهما محمولة على ما عسى أن يكون فرط منهما من الصغائر عند من يجوّزها على الأنبياء، وعلى ترك الأولى ونحو ذلك عند غيرهم، ويمكن أن تكون التوبة منهما تصويراً لأنفسهما بصورة النادم العازم على التحرز تشدداً في الانصراف عما لا يليق بهما. قال ﷺ " يا أيها الناس توبوا إلى الله فإني أتوب في اليوم مائة مرة " وأيضاً لعلهما استتابا لذريتهما لعلمهما بأن فيهم ظالمين لقوله تعالى ﴿لا ينال عهدي الظالمين﴾ وذلك لغاية شفقتهما عليهم. وباقي مباحث التوبة، قد مر في قصة آدم فليتذكر.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: التأويل : من قوله ﴿وإذ ابتلى﴾ البلاء للولاء كاللهب للذهب فأصدقهم ولاء أشدهم بلاء ﴿وإذ ابتلى﴾ الخليل بكلمات هي أحكام النبوة الخصال العشر في جسده ولوازم الرسالة الصبر عند صدمات المكروهات وفقدان المألوفات. وموجبات الخلة التبري عما سوى الخليل ﴿إني بريء مما تشركون﴾ [الأنعام: ٧٨] وعداوة غير الخليل ﴿فإنهم عدو لي إلا رب العالمين﴾ [الشعراء: ٧٧] ورفع الوسائط حيث قال له جبريل في الهواء هل لك من حاجة ؟ فقال : أما إليك فلا والتسليم أسلمت لرب العالمين، والرضا بما أمر به عند ذبح الولد ﴿فلما أسلما وتله للجبين﴾ [الصافات: ١٠٣] بخلاف ما قال نوح
﴿إن ابني من أهلي﴾
[هود: ٤٥] فلا جرم زيد له في الاصطفاء وشرف بكرامة الإمامة والاقتداء به
﴿وإذ جعلنا البيت﴾ [البقرة: ١٢٥] بيت القلب كما جاء " أن الله تعالى أوحى إلى داود فرغ لي بيتاً أسكن فيه فقال : وكيف يا رب ؟ فقال : فرغ لي قلبك " أي جعلنا القلب الإنساني مثابة للناس ترجعون إليه يا طلابي وزواري كما ترجعون إلى الكعبة في الصورة، ومأمناً للسالك من تصرفات الشيطان ومكايده حين بلغ منزل القلب، لأن القلب خزانة الحق محروسة من دخول الشيطان. وإنما جولان لص الشيطان في ميادين الصدور كقوله ﴿يوسوس في صدور الناس﴾ [الناس: ٥] ﴿واتخذوا﴾ [البقرة: ١٢٥] عند الوصول إلى كعبة القلب ﴿من مقام إبراهيم﴾ [البقرة: ١٢٥] وهو الخلة قبلة توجهكم ليكون قصدكم إلي لا إلى غيري كما قال إبراهيم ﴿إني ذاهب إلى ربي سيهدين﴾ [الصافات: ٩٩] ﴿وعهدنا إلى إبراهيم وإسماعيل﴾ [البقرة: ١٢٥] في الميثاق ﴿أن طهرا﴾ القلب من أدناس تعلقات الكونين وأوضار ملاحظة الأغيار ﴿للطائفين﴾
[البقرة: ١٢٥] وهي واردات الأحوال ﴿والعاكفين﴾ [البقرة: ١٢٥] وهي الملكات والمقامات ﴿والركع السجود﴾ [البقرة: ١٢٥] وهي صفات القلب المطهرة من الإرادة والصدق والإخلاص والتواضع والخوف والرجاء والتسليم والرضا والتوكل. وجملة هذه الصفات العبودية ﴿وإذ قال إبراهيم﴾ [البقرة: ١٢٦] الآية لما أهبط آدم الروح إلى الأرض الجسد وفقد ما كان يجد من روائح ألطاف الحق في جنة حظيرة القدس استوحش، فأنزل الله تعالى ياقوتة القلب من جنة حظيرة القدس له بابان شرقي إلى حظيرة رب العالمين تطلع منها شوارق الألطاف، وباب غربي إلى عالم الجسد وفيه قناديل العقل، وأنزل حجر الذرة المخاطبة بخطاب ﴿ألست بربكم﴾ [الأعراف: ١٧٢] منوراً بنور جواب ﴿بلى﴾ قد ألقم كتاب العهد يوم الميثاق وهو يمين الله في أرضه، فلما كان طوفان آفات الصفات البشرية من الطفولية إلى البلوغ، وفار تنور الشهوات رفع بيت معمور القلب إلى السماء الرابعة يعني حجب أستار خواص العناصر الأربع، وخبئ حجر الذرة في أبي قبيس صفات النفس، فلما أمر إبراهيم الروح بعد البلوغ ببناء بيت القلب وعمارته من خمس أجبل أركان الإسلام وقد اهتدى إلى موضع بيت القلب بدلالة بيت السكينة ﴿هو الذي أنزل السكينة في قلوب المؤمنين﴾
[الفتح: ٤] فجعل إسماعيل النفس المطمئنة يجيء بأحجار أعمال الشريعة من جبال أركان الإسلام ويناولها إبراهيم الروح وهو يبني إلى أن بلغ موضع الحجر فنودي من أبي قبيس الهوى إن لك عندي وديعة فخذها. فخلص حجر الذرة من أستار صفات النفس والهوى فوضعه مكانه، وكان أبيض فلما لمسته حيض اللذات الدنيوية ومشركو الشهوات النفسانية في جاهلية الطفولية اسودَّ، فلما فرغا من رفع قواعد بيت القلب سألا ربهما الاستسلام لأحكامه الظاهرة الشرعية والباطنة التي جف القلم بها في الأزل، وكذا لذريتهما المتولدات من الصفات الروحانية والنفسانية وأن يبعث فيهم رسولاً منهم لا من الخارج، فمن لم يكن له في القلب رسول وارد من الحق وهو السر لم يسمع كلام الرسول لخارجي. ثم إن إبراهيم الروح يوصي لمتولداته من القلب وصفاته والسر وصفاته والنفس وصفاتها والقوى البشرية والحواس الخمس والأعضاء والجوارح كلها ملته. وفي الآيات إشارة إلى أنه تعالى إذا تجلى لروح عبد مخلص متضرع إليه محب له، ظهرت آثار أنوار تجليه على قلبه وسره ونفسه وقواه وحواسه وجميع أعضائه ويخضعون له بكليتهم فيعبدون إلهاً أحداً لا متفرقاً من الهوى والدنيا والآخرة والله ولي التوفيق.
﴿يكلمنا﴾ و﴿تعدنا﴾ وكل كلمة تضمنت جمعين من الأسماء باختلاس مثل ﴿في أعينكم﴾ ﴿وأسلحتكم﴾ ﴿وأمتعتكم﴾ و﴿أوصى﴾ من الإيصاء : أبو جعفر ونافع وابن عامر. الباقون ﴿وصى﴾ بالتشديد. ﴿شهداء إذ﴾ عاصم وحمزة وعلي وخلف وابن عامر. والباقون ﴿شهداء يذ﴾ وكذلك ما أشبهه في كل القرآن.
الوقوف :﴿وإسماعيل﴾ ( ط ) لإضمار القول أي يقولان ومحله نصب على الحال ﴿منا﴾ ( ط ) للابتداء بأن ولجواز الوصل وجه لطيف على تقدير فإنك أو لأنك ﴿العليم﴾ ( ه ) ﴿مسلمة لك﴾ ( ص ) لعطف المتفقين ﴿علينا﴾ ( ط ) وقد ذكر ﴿الرحيم﴾ ( ه ) ﴿ويزكيهم﴾ ( ط ) ﴿الحكيم﴾ ( ه )
﴿نفسه﴾ ( ط ) للفصل بين الاستفهام والإخبار ﴿في الدنيا﴾ ( ج ) لعطف الجملتين ﴿الصالحين﴾ ( ه ) ﴿أسلم﴾ ( ط ) لأن قوله " قال " عامل " إذ " وإلا وجب أن يقال " فقال " وإلا انقطع النظم ﴿العالمين﴾ ( ه ) ﴿ويعقوب﴾ ( ط ) لإرادة القول على الأصح، ومن وصل جعل الوصية في معنى القول ﴿مسلمون﴾ ( ط ) لأن " أم " بمعنى همزة الاستفهام للإنكار ﴿الموت﴾ ( لا ) لأن " إذ " بدل من " إذ " الأولى و " إذ " الأولى ظرف ﴿شهدا﴾ و " اذ " الثانية ظرف ﴿حضر﴾ ومن قطعها عن الأول فوقف على الموت وجعل ﴿قالوا﴾ عاملاً ولم يقف على ﴿بعدي﴾ فله وجه لا يتضح لأن الإنكار متوجه على قولهم : إن يعقوب أوصى بنيه باليهودية لا على أن يعقوب قد مات ﴿من بعدي﴾ ( ط ) ﴿واحداً﴾ ( ج ) لعطف الجملتين المختلفتين والوصل أجوز على جعل الواو حالاً ﴿مسلمون﴾ ( ه ) ﴿قد خلت﴾ ( ج ) لأن ما بعدها تصلح صفة للأمة وتصلح استئنافاً وهو واضح لعطف ﴿ولكم ما كسبتم﴾ عليها ﴿ولكم ما كسبتم﴾ ( ج ) لعطف الجملتين المختلفتين ﴿يعملون﴾ ( ه ).
النوع الثاني ﴿ربنا واجعلنا مسلمين لك﴾ فإن أريد بالإسلام الدين والاعتقاد توجه الطلب إلى الثبات والدوام أي ثبتنا على ذلك وإلا كان تحصيلاً للحاصل بالنسبة إليهما وقتئذ، وإن أريد الاستسلام والخضوع والإذعان الكلي والرضا بكل ما قدر وأمر فتوجه الطلب إلى هذه الأمور أنفسها غير مفيد لأنها أمور خارجة عن الضبط لا تتيسر إلا بمجرد تيسير الله وتوفيقه بخلاف أصل الإسلام الذي وقع به التكليف فإنه مضبوط. وقد يظن أن للعبد اختياراً فيه وإن كان اختياره على تقدير ثبوته ينتهي إلى مسبب الأسباب. وقوله ﴿واجعلنا﴾ إما معطوف على ﴿تقبل﴾ وقوله ﴿إنك أنت السميع العليم﴾ ﴿ربنا﴾ اعتراض للتأكيد وإما معطوف على محذوف أي ربنا افعل هذا واجعلنا. ﴿ومن ذريتنا﴾ من للتبعيض كما في قوله ﴿ومن ذريتي﴾ [البقرة: ١٢٤].
والأمة الجماعة من الناس، وقيل أراد أمة محمد ﷺ ﴿مسلمة﴾ يحتمل ههنا أصل الإسلام والزيادة عليه أيضاً. وقيل : أسلم مطلقاً يفيد الإيمان والاعتقاد ومعدى باللام معناه الاستسلام والانقياد الكلي. طلب الإسلام لهم بعد ما طلب لهم الإمامة إظهاراً للشفقة. فالشفيق بسوء الظن مولع، ويحتمل أن يكون هذا الدعاء بياناً لما أجمل هناك فيكونان واحداً. وتخصيص الذرية بالدعاء من بين الخلائق لأنهم أحق بالنصيحة وأقوم ﴿قوا أنفسكم وأهليكم ناراً﴾ [التحريم: ٦] ولأنهم أئمة بصلاحهم يصلح غيرهم وفي سدادهم يكون سداد من وراءهم. ولقد استجاب الله دعاءه فلم يزل في ذريتهما من يعبد الله وحده لا يشرك به شيئاً، ولم يزل الرسل من ذرية إبراهيم، وقد كان في الجاهلية زيد بن عمرو ابن نفيل وقس بن ساعدة. ويقال عبد المطلب بن هاشم جد رسول الله ﷺ على دين الحق قائلين بالإبداء والإعادة والثواب والعقاب يوحدون الله ولا يأكلون الميتة ولا يعبدون الأوثان ﴿وأرنا﴾ إن كان منقولاً عن رؤية العلم فمعناه علمنا أن شرائع حجنا كيف هي إذ أمرتنا ببناء البيت لنحجه وندعو الناس إلى حجه، وإن كان منقولاً عن رؤية البصر - وهو الأظهر - ولذلك لم يتجاوز مفعولين ظاهراً. فالمعنى بصرنا متعبداتنا في الحج. قال الحسن : إن جبريل أرى إبراهيم المناسك كلها حتى بلغ عرفات فقال : يا إبراهيم أعرفت ما أريتك من المناسك ؟ قال : نعم، فسميت عرفات. فلما كان يوم النحر أراد أن يزور البيت عرض له إبليس فسد عليه الطريق، فأمر جبريل أن يرميه بسبع حصيات ففعل فذهب الشيطان، ثم عرض له في اليوم الثاني والثالث والرابع وكل ذلك يأمره جبريل برمي الحصيات. وقيل : المراد العلم والرؤية معاً لأن الحج لا يتم إلا بأمور بعضها يعلم ولا يرى، وبعضها لا يتم الغرض منه إلا بالرؤية، فوجب حمل اللفظ على الأمرين جميعاً وليس ببعيد، فإن اللفظ المشترك يصح إطلاقه على معنييه معاً وكذلك مدلولا الحقيقة والمجاز يصح إرادتهما معاً من لفظ واحد كالعقد والوطء من النكاح. غاية ما في الباب أن يكون هذا الإطلاق مجازاً، ومن الناس من يحمل المناسك على المذابح. فقد يسمى الذبح للتقرب نسكاً والذبيحة نسيكة، وليس لهذا التخصيص وجه فإن الذبح إنما يسمى نسكاً لدخوله تحت أصل معنى النسك وهو التعبد، فحمل المناسك على جميع أعمال الحج أولى قال ﷺ " خذوا عني مناسككم لعلي لا ألقاكم بعد عامي هذا " بل لا يبعد أن يحمل على جميع ما شرعه الله لإبراهيم أي علمنا كيف نعبدك ومتى وأين نعبدك، وبماذا نتقرب إليك حتى نخدمك بذلك خدمة العبد لمولاه ؟ ﴿وتب علينا﴾ التوبة منهما محمولة على ما عسى أن يكون فرط منهما من الصغائر عند من يجوّزها على الأنبياء، وعلى ترك الأولى ونحو ذلك عند غيرهم، ويمكن أن تكون التوبة منهما تصويراً لأنفسهما بصورة النادم العازم على التحرز تشدداً في الانصراف عما لا يليق بهما. قال ﷺ " يا أيها الناس توبوا إلى الله فإني أتوب في اليوم مائة مرة " وأيضاً لعلهما استتابا لذريتهما لعلمهما بأن فيهم ظالمين لقوله تعالى ﴿لا ينال عهدي الظالمين﴾ وذلك لغاية شفقتهما عليهم. وباقي مباحث التوبة، قد مر في قصة آدم فليتذكر.
﴿إن ابني من أهلي﴾
[هود: ٤٥] فلا جرم زيد له في الاصطفاء وشرف بكرامة الإمامة والاقتداء به
﴿وإذ جعلنا البيت﴾ [البقرة: ١٢٥] بيت القلب كما جاء " أن الله تعالى أوحى إلى داود فرغ لي بيتاً أسكن فيه فقال : وكيف يا رب ؟ فقال : فرغ لي قلبك " أي جعلنا القلب الإنساني مثابة للناس ترجعون إليه يا طلابي وزواري كما ترجعون إلى الكعبة في الصورة، ومأمناً للسالك من تصرفات الشيطان ومكايده حين بلغ منزل القلب، لأن القلب خزانة الحق محروسة من دخول الشيطان. وإنما جولان لص الشيطان في ميادين الصدور كقوله ﴿يوسوس في صدور الناس﴾ [الناس: ٥] ﴿واتخذوا﴾ [البقرة: ١٢٥] عند الوصول إلى كعبة القلب ﴿من مقام إبراهيم﴾ [البقرة: ١٢٥] وهو الخلة قبلة توجهكم ليكون قصدكم إلي لا إلى غيري كما قال إبراهيم ﴿إني ذاهب إلى ربي سيهدين﴾ [الصافات: ٩٩] ﴿وعهدنا إلى إبراهيم وإسماعيل﴾ [البقرة: ١٢٥] في الميثاق ﴿أن طهرا﴾ القلب من أدناس تعلقات الكونين وأوضار ملاحظة الأغيار ﴿للطائفين﴾
[البقرة: ١٢٥] وهي واردات الأحوال ﴿والعاكفين﴾ [البقرة: ١٢٥] وهي الملكات والمقامات ﴿والركع السجود﴾ [البقرة: ١٢٥] وهي صفات القلب المطهرة من الإرادة والصدق والإخلاص والتواضع والخوف والرجاء والتسليم والرضا والتوكل. وجملة هذه الصفات العبودية ﴿وإذ قال إبراهيم﴾ [البقرة: ١٢٦] الآية لما أهبط آدم الروح إلى الأرض الجسد وفقد ما كان يجد من روائح ألطاف الحق في جنة حظيرة القدس استوحش، فأنزل الله تعالى ياقوتة القلب من جنة حظيرة القدس له بابان شرقي إلى حظيرة رب العالمين تطلع منها شوارق الألطاف، وباب غربي إلى عالم الجسد وفيه قناديل العقل، وأنزل حجر الذرة المخاطبة بخطاب ﴿ألست بربكم﴾ [الأعراف: ١٧٢] منوراً بنور جواب ﴿بلى﴾ قد ألقم كتاب العهد يوم الميثاق وهو يمين الله في أرضه، فلما كان طوفان آفات الصفات البشرية من الطفولية إلى البلوغ، وفار تنور الشهوات رفع بيت معمور القلب إلى السماء الرابعة يعني حجب أستار خواص العناصر الأربع، وخبئ حجر الذرة في أبي قبيس صفات النفس، فلما أمر إبراهيم الروح بعد البلوغ ببناء بيت القلب وعمارته من خمس أجبل أركان الإسلام وقد اهتدى إلى موضع بيت القلب بدلالة بيت السكينة ﴿هو الذي أنزل السكينة في قلوب المؤمنين﴾
[الفتح: ٤] فجعل إسماعيل النفس المطمئنة يجيء بأحجار أعمال الشريعة من جبال أركان الإسلام ويناولها إبراهيم الروح وهو يبني إلى أن بلغ موضع الحجر فنودي من أبي قبيس الهوى إن لك عندي وديعة فخذها. فخلص حجر الذرة من أستار صفات النفس والهوى فوضعه مكانه، وكان أبيض فلما لمسته حيض اللذات الدنيوية ومشركو الشهوات النفسانية في جاهلية الطفولية اسودَّ، فلما فرغا من رفع قواعد بيت القلب سألا ربهما الاستسلام لأحكامه الظاهرة الشرعية والباطنة التي جف القلم بها في الأزل، وكذا لذريتهما المتولدات من الصفات الروحانية والنفسانية وأن يبعث فيهم رسولاً منهم لا من الخارج، فمن لم يكن له في القلب رسول وارد من الحق وهو السر لم يسمع كلام الرسول لخارجي. ثم إن إبراهيم الروح يوصي لمتولداته من القلب وصفاته والسر وصفاته والنفس وصفاتها والقوى البشرية والحواس الخمس والأعضاء والجوارح كلها ملته. وفي الآيات إشارة إلى أنه تعالى إذا تجلى لروح عبد مخلص متضرع إليه محب له، ظهرت آثار أنوار تجليه على قلبه وسره ونفسه وقواه وحواسه وجميع أعضائه ويخضعون له بكليتهم فيعبدون إلهاً أحداً لا متفرقاً من الهوى والدنيا والآخرة والله ولي التوفيق.