محتويات صفحة تفسير الآية

تجد في هذه الصفحة تفسير الآية ١٢٨ من سورة البقرة في ١٢٤ كتابًا من كتب التفسير، ومعاني غريب كلماتها، وإعرابها، وقراءات القراء العشرة فيها، و٢٥ قولًا من التفسير بالمأثور، وما يتصل بها من الموضوعات والوقفات والترجمات.

تفسير الآية ١٢٨ من سورة البقرة

١٢٤ كتابًا من كتب التفسير

جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري

عن الكتاب

القول في تأويل قوله تعالى :


﴿رَبّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرّيّتِنَآ أُمّةً مّسْلِمَةً لّكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَآ إِنّكَ أَنتَ التّوّابُ الرّحِيمُ﴾
وهذا أيضا خبر من الله تعالى ذكره عن إبراهيم وإسماعيل أنهما كانا يرفعان القواعد من البيت وهما يقولان :﴿رَبّنا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ﴾ يعنيان بذلك : واجعلنا مستسلمين لأمرك خاضعين لطاعتك، لا نُشْرِك معك في الطاعة أحدا سواك، ولا في العبادة غيرك. وقد دللنا فيما مضى على أن معنى الإسلام الخضوع لله بالطاعة.
وأما قوله :﴿وَمِنْ ذَرّيّتِنَا أُمّةً مُسْلِمَةً لَكَ﴾ فإنهما خَصّا بذلك بعض الذرية لأن الله تعالى ذكره قد كان أعلم إبراهيم خليله ﷺ قبل مسألته هذه أن من ذرّيته من لا ينال عهده لظلمه وفجوره، فخصا بالدعوة بعض ذرّيتهما. وقد قيل إنهما عنيا بذلك العرب. ذكر من قال ذلك :
حدثنا موسى بن هارون، قال : حدثنا عمرو بن حماد، قال : حدثنا أسباط، عن السدي :﴿وَمِنْ ذُرّيَتِنَا أمّةً مُسْلِمَةً لَكَ﴾ يعنيان العرب. وهذا قول يدلّ ظاهر الكتاب على خلافه لأن ظاهره يدل على أنهما دعوا الله أن يجعل من ذريتهما أهل طاعته وولايته والمستجيبين لأمره، وقد كان في ولد إبراهيم العرب وغير العرب، والمستجيب لأمر الله والخاضع له بالطاعة من الفريقين فلا وجه لقول من قال : عنى إبراهيم بدعائه ذلك فريقا من ولده بأعيانهم دون غيرهم إلا التحكم الذي لا يعجز عنه أحد. وأما الأمة في هذا الموضع، فإنه يعني بها الجماعة من الناس، من قول الله :﴿وَمِنْ قَوْمِ مُوسَى أمّةٌ يهْدُونَ بالحقّ﴾.

القول في تأويل قوله تعالى : وأرِنا مَناسِكَنا.


اختلفت القراء في قراءة ذلك، فقرأه بعضهم :﴿وأرنا مَناسِكَنا﴾ بمعنى رؤية العين، أي أظهرها لأعيننا حتى نراها. وذلك قراءة عامة أهل الحجاز والكوفة، وكان بعض من يوجّه تأويل ذلك إلى هذا التأويل يسكن الراء من «أرْنا »، غير أنه يُشِمّها كسرة.
واختلف قائل هذه المقالة وقراء هذه القراءة في تأويل قوله : مَناسِكَنا فقال بعضهم : هي مناسك الحجّ ومعالمه. ذكر من قال ذلك :
حدثنا بشر بن معاذ، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة قوله : وأرِنا مَناسِكَنا فأراهما الله مناسكهما الطواف بالبيت، والسعي بين الصفا والمروة، والإفاضة من عرفات، والإفاضة من جمع، ورمي الجمار، حتى أكمل الله الدين أو دينه.
حدثنا الحسن بن يحيى، قال : أخبرنا عبد الرزاق، قال : أخبرنا معمر عن قتادة في قوله :﴿وأرِنا مَناسِكَنا﴾ قال : أرنا نُسكنا وحَجّنا.
حدثنا موسى، قال : حدثنا عمرو، قال : حدثنا أسباط، عن السدي، قال : لما فرغ إبراهيم وإسماعيل من بنيان البيت أمره الله أن ينادي فقال :﴿وأَذّنْ فِي النّاسِ بالحَجّ﴾ فنادى بين أخشبي مكة : يا أيها الناس إن الله يأمركم أن تحجوا بيته. قال : فوقرت في قلب كل مؤمن، فأجابه كل من سمعه من جبل أو شجر أو دابة : لبيك لبيك فأجابوه بالتلبية : لبيك اللهمّ لبيك وأتاه من أتاه. فأمره الله أن يخرج إلى عرفات ونَعَتَها فخرج فلما بلغ الشجرة عند العقبة استقبله الشيطان، فرماه بسبع حَصَيَاتٍ يكبر مع كل حصاة، فطار فوقع على الجمرة الثانية أيضا، فصدّه فرماه وكبر، فطار فوقع على الجمرة الثالثة، فرماه وكبر. فلما رأى أنه لا يُطيقه، ولم يدر إبراهيم أين يذهب، انطلق حتى أتى ذا المجاز، فلما نظر إليه فلم يعرفه جاز فلذلك سمي ذا المجاز. ثم انطلق حتى وقع بعرفات، فلما نظر إليها عرف النعت، قال : قد عرفتُ فسميت عرفات. فوقف إبراهيم بعرفات. حتى إذا أمسى ازدلف إلى جمع، فسميت المزدلفة. فوقف بجمع. ثم أقبل حتى أتى الشيطان حيث لقيه أوّل مرّة فرماه بسبع حصيات سبع مرّات، ثم أقام بمنى حتى فرغ من الحجّ وأمرِه. وذلك قوله :﴿وأرنَا مَناسِكَنا﴾.
وقال آخرون ممن قرأ هذه القراءة : المناسك المذابح. فكان تأويل هذه الآية على قول من قال ذلك : وأرنا كيف نَنْسُكُ لك يا ربنا نسائكنا فنذبحها لك. ذكر من قال ذلك :
حدثنا محمد بن بشار، قال : حدثنا عبد الرحمن، قال : حدثنا سفيان، عن ابن جريج، عن عطاء :﴿وأرِنا مَناسِكَنا﴾ قال : ذَبْحَنا.
حدثنا الحسن بن يحيى، قال : حدثنا عبد الرزاق، قال : أخبرنا الثوري، عن ابن جريج، عن عطاء، قال : مذابحنا.
حدثني محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، قال : حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد مثله.
حدثنا المثنى، قال : حدثنا أبو حذيفة، قال : حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد مثله.
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : حدثني حجاج، عن ابن جريج، قال : قال عطاء : سمعت عبيد بن عمير يقول :﴿وأرِنا مَنَاسِكَنَا﴾ قال : أرنا مذابحنا.
وقال آخرون :﴿وأرْنا مَناسِكَنا﴾ بتسكين الراء. وزعموا أن معنى ذلك : وعلّمنا ودُلّنا عليها، لا أن معناها أرناها بالأبصار. وزعموا أن ذلك نظير قول حُطائط بن يَعْفر أخي الأسود بن يعفر :
أرينِي جَوَادا ماتَ هُزْلاً لأَنّنِي أرَى ما تَرَينَ أوْ بَخِيلاً مُخلّدا
يعني بقوله أريني : دليني عليه وعرّفيني مكانه، ولم يَعْنِ به رؤية العين. وهذه قراءة رُويت عن بعض المتقدّمين. ذكر من قال ذلك :
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : حدثني حجاج، عن ابن جريج، قال : قال عطاء :﴿أرِنا مَناسِكَنا﴾أخرجها لنا، علمناها.
حدثنا الحسن بن يحيى، قال : أخبرنا عبد الرزاق، قال : أخبرنا ابن جريج، قال : قال ابن المسيب : قال عليّ بن أبي طالب : لما فرغ إبراهيم من بناء البيت، قال : فعلت أي ربّ فأرنا مناسكنا، أبرزها لنا، علمناها فبعث الله جبريل فحجّ به.
والقول واحد، فمن كسر الراء جعل علامة الجزم سقوط الياء التي في قول القائل أرنيه أرنه، وأقرّ الراء مكسورة كما كانت قبل الجزم. ومن سكن الراء من «أرْنا » توهم أن إعراب الحرف في الراء فسكنها في الجزم كما فعلوا ذلك في لم يكن ولم يَكُ. وسواء كان ذلك من رؤية العين، أو من رؤية القلب. ولا معنى لفَرْقِ من فَرَق بين رؤية العين في ذلك ورؤية القلب.
وأما المناسك فإنها جمع «مَنْسِك »، وهو الموضع الذي ينسك لله فيه، ويتقرّب إليه فيه بما يرضيه من عمل صالح إما بذبح ذبيحة له، وإما بصلاة أو طواف أو سعي، وغير ذلك من الأعمال الصالحة ولذلك قيل لمشاعر الحجّ مناسكه، لأنها أمارات وعلامات يعتادها الناس، ويتردّدون إليها.
وأصل المَنْسِك في كلام العرب : الموضع المعتاد الذي يعتاده الرجل ويألفه، يقال : لفلان منسك، وذلك إذا كان له موضع يعتاده لخير أو شرّ ولذلك سميت المناسك مناسك، لأنها تُعتاد ويتردّد إليها بالحجّ والعمرة، وبالأعمال التي يتقرّب بها إلى الله. وقد قيل : إن معنى النسك : عبادة الله، وأن الناسك إنما سمي ناسكا بعبادة ربه، فتأوّل قائل هذه المقالة قوله : وأرِنا مَناسِكَنا وعَلّمْنا عبادتك كيف نعبدك، وأين نعبدك، وما يرضيك عنا فنفعله. وهذا القول وإن كان مذهبا يحتمله الكلام، فإن الغالب على معنى المناسك ما وصفنا قبل من أنها مناسك الحجّ التي ذكرنا معناها. وخرج هذا الكلام من قول إبراهيم وإسماعيل على وجه المسألة منهما ربهما لأنفسهما، وإنما ذلك منهما مسألة ربهما لأنفسهما وذرّيتهما المسلمين، فلما ضما ذريتهما المسلمين إلى أنفسهما صارا كالمخبرين عن أنفسهم بذلك. وإنما قلنا إن ذلك كذلك لتقدم الدعاء منهما للمسلمين من ذريتهما قَبْلُ في أوّل الآية، وتأخره بعد في الآية الأخرى.
فأما الذي في أول الآية فقولهما :﴿رَبّنا وَاجْعَلْنا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرّيّتِنَا أُمّةً مُسْلِمَةً لَكَ﴾. ثم جمعا أنفسهما والأمة المسلمة من ذريتهما في مسألتهما ربهما أن يريهم مناسكهم فقالا :﴿وأرِنا مَناسِكَنا﴾.
وأما التي في الآية التي بعدها :﴿رَبّنا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْهُمْ﴾ فجعلا المسألة لذريتهما خاصة. وقد ذكر أنها في قراءة ابن مسعود :«وأَرِهِمْ مَنَاسِكَهُمْ »، يعني بذلك : وأر ذريتنا المسلمة مناسكهم.

القول في تأويل قوله تعالى :﴿وَتُبْ عَلَيْنَا إِنّكَ أنْتَ التّوابُ الرّحِيمُ﴾.


أما التوبة فأصلها الأوبة من مكروه إلى محبوب، فتوبة العبد إلى ربه : أوبته مما يكرهه الله منه بالندم عليه والإقلاع عنه، والعزم على ترك العود فيه. وتوبة الربّ على عبده : عوده عليه بالعفو له عن جُرْمه والصفح له عن عقوبة ذنبه، مغفرةً له منه، وتفضلاً عليه.
فإن قال لنا قائل : وهل كان لهما ذنوب فاحتاجا إلى مسألة ربهما التوبة ؟ قيل : إنه ليس أحد من خلق الله إلا وله من العمل فيما بينه وبين ربه ما يجب عليه الإنابة منه والتوبة. فجائز أن يكون ما كان من قيلهما ما قالا من ذلك، وإنما خَصّا به الحال التي كانا عليها من رفع قواعد البيت، لأن ذلك كان أحرى الأماكن أن يستجيب الله فيها دعاءهما، وليجعلا ما فعلا من ذلك سنة يقتدي بها بعدهما، وتتخذ الناس تلك البقعة بعدهما موضع تَنَصّل من الذنوب إلى الله. وجائز أن يكونا عنيا بقولهما : وتب علينا وتب على الظلمة من أولادنا وذريتنا، الذين أعلمتنا أمرهم من ظلمهم وشركهم، حتى ينيبوا إلى طاعتك. فيكون ظاهر الكلام على الدعاء لأنفسهما، والمعنيّ به ذريتهما، كما يقال : أكرمني فلان في ولدي وأهلي، وبرّني فلان : إذا برّ ولده.
وأما قوله : إِنّكَ أنْتَ التواب الرّحِيمُ فإنه يعني به : إنك أنت العائد على عبادك بالفضل والمتفضل عليهم بالعفو والغفران، الرحيم بهم، المستنقذ من تشاء منهم برحمتك من هلكتك، المنجي من تريد نجاته منهم برأفتك من سخطك.
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا﴾


قال أبو جعفر: اختلفت القرأة في قراءة ذلك. (١) فقرأه بعضهم:"وأرنا مناسكنا" بمعنى رؤية العين، أي أظهرها لأعيننا حتى نراها. وذلك قراءة عامة أهل الحجاز والكوفة.
(١) في المطبوعة: "القراء"و"قراء"، ورددتها إلى ما درج عليه الطبري في عبارته. والقَرَأَة جمع قارئ، مثل حافظ وحفظة، كما سلف مرارا.
وكان بعض من يوجه تأويل ذلك إلى هذا التأويل، يسكن الراء من"أرنا"، غير أنه يشمها كسرة.
* * *
واختلف قائل هذه المقالة وقرأة هذه القراءة في تأويل قوله:"مناسكنا"
فقال بعضهم: هي مناسك الحج ومعالمه.
ذكر من قال ذلك:
٢٠٦٣- حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله:"وأرنا مناسكنا" فأراهما الله مناسكهما: الطواف بالبيت، والسعي بين الصفا والمروة، والإفاضة من عرفات، والإفاضة من جمع، ورمي الجمار، حتى أكمل الله الدين - أو دينه.
٢٠٦٤- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله:"وأرنا مناسكنا" قال، أرنا نسكنا وحجنا.
٢٠٦٥- حدثنا موسى قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط، عن السدي قال: لما فرغ إبراهيم وإسماعيل من بنيان البيت، أمره الله أن ينادي فقال: (وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ) [سورة الحج: ٢٧]، فنادى بين أخشبي مكة: (١) يا أيها الناس! إن الله يأمركم أن تحجوا بيته. قال: فوقرت في قلب كل مؤمن، فأجابه كل من سمعه من جبل أو شجر أو دابة:"لبيك لبيك". فأجابوه بالتلبية:"لبيك اللهم لبيك"، وأتاه من أتاه. فأمره الله أن يخرج إلى عرفات، ونعتها [له]، (٢) فخرج. فلما بلغ الشجرة عند العقبة، استقبله الشيطان، فرماه بسبع حصيات
(١) أخشبا مكة: هما الجبلان المطيفان بها، وهما: "أبو قبيس" و"الأحمر"، وهو مشرف وجهه على قعيقعان، والأخشب: كل جبل خشن غليظ، وفي الحديث: "لا تزول مكة حتى يزول أخشباها".
(٢) الزيادة بين القوسين، أظنها أحرى بالصواب.
يكبر مع كل حصاة، فطار فوقع على الجمرة الثانية أيضا، فصده، فرماه وكبر، فطار فوقع على الجمرة الثالثة، فرماه وكبر. فلما رأى أنه لا يطيقه، ولم يدر إبراهيم أين يذهب، انطلق حتى أتى"ذا المجاز"، فلما نظر إليه فلم يعرفه جاز، فلذلك سمي:"ذا المجاز". ثم انطلق حتى وقع بعرفات، فلما نظر إليها عرف النعت. قال: قد عرفت! فسميت:"عرفات". فوقف إبراهيم بعرفات، حتى إذا أمسى ازدلف إلى جمع، (١) فسميت"المزدلفة"، فوقف بجمع. ثم أقبل حتى أتى الشيطان حيث لقيه أول مرة فرماه بسبع حصيات سبع مرات، ثم أقام بمنى حتى فرغ من الحج وأمره. وذلك قوله:"وأرنا مناسكنا". (٢)
* * *
وقال آخرون - ممن قرأ هذه القراءة -"المناسك": المذابح. فكان تأويل هذه الآية، على قول من قال ذلك: وأرنا كيف ننسك لك يا ربنا نسائكنا، فنذبحها لك. (٣)
ذكر من قال ذلك:
٢٠٦٦- حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن قال، حدثنا سفيان، عن ابن جريج، عن عطاء:"وأرنا مناسكنا" قال: ذبحنا.
(١) ازدلف إلى الشيء: تقرب إليه ودنا منه. وجمع (بفتح الجيم وسكون الميم) هي"مزدلفة".
(٢) الأثر: ٢٠٦٥ سيأتي بعضه برقم: ٣٧٩٢ في هذا الجزء.
(٣) نسك ينسك (بضم السين) نسكا (بسكون السين) ذبح. والنسيكة: الذبيحة.
٢٠٦٧- حدثنا الحسن بن يحيى قال، حدثنا عبد الرزاق قال، أخبرنا الثوري، عن ابن جريج، عن عطاء قال: مذابحنا.
٢٠٦٧م- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد مثله.
٢٠٦٧م- حدثنا المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.
٢٠٦٧م- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج قال، قال عطاء: سمعت عبيد بن عمير يقول:"وأرنا مناسكنا" قال، أرنا مذابحنا.
* * *
وقال آخرون:"وأرنا مناسكنا" بتسكين"الراء"، (١) وزعموا أن معنى ذلك: وعلمنا، ودلنا عليها - لا أن معناه: أرناها بالأبصار. وزعموا أن ذلك نظير قول حُطائط بن يعفر، أخي الأسود بن يعفر: (٢)
ريني جوادا مات هزلا لعلنيأرى ما ترين أو بخيلا مخلدا (٣)
يعني بقوله:"أريني"، دليني عليه وعرفيني مكانه، ولم يعن به رؤية العين.
(١) كان في المطبوعة: "وقال آخرون"، واستظهرت من السياق أنها"وقرأ آخرون"، فلذلك أثبت ما استظهرت، فسيقول بعد: "وهذه قراءة رويت... ".
(٢) هما أخوان من بني نهشل بن دارم، جاهليان، أمهما رهم بنت العباب.
(٣) الشعر والشعراء: ٢٠١-٢٠٢، ٢١١ وفيه تحقيق عن اختلاف قديم في نسبته، ومجاز القرآن: ٥٥، والخزانة ١: ١٩٥-١٩٦ وفيهما مراجع كثيرة. روى البيت لحاتم الطائي، ولمعن بن أوس، وفي اللسان (أنن) و (علل) عن ابن برى وقال: "حطائط بن يعفر، ويقال هو لدريد"، وسيأتي في تفسير الطبري منسوبا لدريد بن الصمة (٧: ٢١٣ بولاق) مع اختلاف في رواية صدره: ذريني أطوف في البلاد لأنني
ولم أجد هذه الرواية في الكتب التي بين يدي، وأخشى أن يكون الطبري أو من أنشده البيت - قد وهم. فقول حطائط قبله أو بعده. ذريني أكن للمال ربا، ولا يكن... لي المال ربا، تحمدي غبه غدا
ذريني فلا أعيا بما حل ساحتيأسود فأكفي، أو أطيع المسودا
وهو يخاطب بهذه الأبيات أمه رهم بنت العباب، وكانت تلومه على جوده وإتلافه المال. والهزل (بفتح وسكون) والهزل (بضم فسكون) والهزال: هو نقيض السمن، مع الضعف والاسترخاء. وقوله: "لأنني" بفتح الهمزة بمعنى: "لعلني". من قولهم: "أن" بمعنى"عل"، و"لأن" بمعنى"لعل"، وأرى أن الهمزة منقلبة عن العين، والنون منقلبة عن اللام. وهما لغتان من لغات العرب. واجتمعتا في هذا اللفظ.
وهذه قراءة رويت عن بعض المتقدمين. (١)
ذكر من قال ذلك:
٢٠٦٨- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج قال، قال عطاء:"أرنا مناسكنا"، أخرجها لنا، علمناها.
٢٠٦٩- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا ابن جريج قال، قال ابن المسيب: قال علي بن أبي طالب: لما فرغ إبراهيم من بناء البيت، قال:"فعلت أي رب، فأرنا مناسكنا" -أبرزها لنا، علمناها- فبعث الله جبريل، فحج به.
* * *
قال أبو جعفر: والقول واحد، فمن كسر"الراء" جعل علامة الجزم سقوط"الياء" التي في قول القائل:"أرينه""أرنه"، (٢) وأقر الراء مكسورة كما كانت قبل الجزم. ومن سكن"الراء" من"أرنا"، توهم أن إعراب الحرف في"الراء"، فسكنها في الجزم، كما فعلوا ذلك في"لم يكن" و"لم يك". (٣).
وسواء كان ذلك من رؤية العين أو من رؤية القلب. ولا معنى لفرق من فرق بين رؤية العين في ذلك ورؤية القلب.
* * *
وأما"المناسك" فإنها جمع"منسك"، وهو الموضع الذي ينسك لله فيه، ويتقرب إليه فيه بما يرضيه من عمل صالح: إما بذبح ذبيحة له، وإما بصلاة أو طواف أو سعي، وغير ذلك من الأعمال الصالحة. ولذلك قيل لمشاعر الحج
(١) كان الأجود أن تكون هذه الجملة بعد قوله: "وقرأ آخرون: "وأرنا مناسكنا" بتسكين الراء". ولكن هكذا وقع في النسخ.
(٢) هكذا جاء في المطبوعة"أرينه"، وأظن صواب هذا الحرف"يرينيه"، مضارعا مرفوعا، ليستقيم مع قوله: "وأقر الراء مكسورة كما كانت قبل الجزم".
(٣) ظاهر كلام الطبري هنا يدل على أن قوله: "لم يك" بتسكين الكاف، على توهم أن إعراب هذه الكلمة في الكاف، فسكنها لما دخل عليها الجازم. ولم أجد هذا القول في كتاب مما بين يدي من الكتب، وأخشى أن يكون في نص الطبري في هذا المكان سقط لم أتبينه.
"مناسكه"، لأنها أمارات وعلامات يعتادها الناس، ويترددون إليها.
* * *
وأصل"المنسك" في كلام العرب: الموضع المعتاد الذي يعتاده الرجل ويألفه، يقال:"لفلان منسك"، وذلك إذا كان له موضع يعتاده لخير أو شر. ولذلك سميت"المناسك""مناسك"، لأنها تعتاد، ويتردد إليها بالحج والعمرة، وبالأعمال التي يتقرب بها إلى الله.
* * *
وقد قيل: إن معنى"النسك": عبادة الله. وأن"الناسك" إنما سمي"ناسكا" بعبادة ربه.
فتأول قائلو هذه المقالة. قوله:"وأرنا مناسكنا"، وعلمنا عبادتك، كيف نعبدك؟ وأين نعبدك؟ وما يرضيك عنا فنفعله؟
وهذا القول، وإن كان مذهبا يحتمله الكلام، فإن الغالب على معنى"المناسك" ما وصفنا قبل، من أنها"مناسك الحج" التي ذكرنا معناها.
* * *
وخرج هذا الكلام من قول إبراهيم وإسماعيل على وجه المسألة منهما ربهما لأنفسهما. وإنما ذلك منهما مسألة ربهما لأنفسهما وذريتهما المسلمين. فلما ضما ذريتهما المسلمين إلى أنفسهما، صارا كالمخبرين عن أنفسهما بذلك. (١) وإنما قلنا إن ذلك كذلك، لتقدم الدعاء منهما للمسلمين من ذريتهما قبل في أول الآية، وتأخره بعد في الآية الأخرى. فأما الذي في أول الآية فقولهما:"ربنا واجعلنا مسلمين لك ومن ذريتنا أمة مسلمة لك"، ثم جمعا أنفسهما والأمة المسلمة من ذريتهما، في مسألتهما ربهما أن يريهم مناسكهم فقالا"وأرنا مناسكنا". وأما التي في الآية التي بعدها:"ربنا وابعث فيهم رسولا منهم"، فجعلا المسألة لذريتهما خاصة.
(١) في المطبوعة: "عن أنفسهم بذلك"، والصواب ما أثبت.
وقد ذكر أنها في قراءة ابن مسعود:"وأرهم مناسكهم"، يعني بذلك وأر ذريتنا المسلمة مناسكهم.
* * *

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (١٢٨)﴾


قال أبو جعفر: أما"التوبة"، فأصلها الأوبة من مكروه إلى محبوب. فتوبة العبد إلى ربه، أوبته مما يكرهه الله منه، بالندم عليه، والإقلاع عنه، والعزم على ترك العود فيه. وتوبة الرب على عبده: عوده عليه بالعفو له عن جرمه، والصفح له عن عقوبة ذنبه، مغفرة له منه، وتفضلا عليه. (١)
* * *
فإن قال لنا قائل: وهل كان لهما ذنوب فاحتاجا إلى مسألة ربهما التوبة؟
قيل: إنه ليس أحد من خلق الله، إلا وله من العمل -فيما بينه وبين ربه- ما يجب عليه الإنابة منه والتوبة. فجائز أن يكون ما كان من قبلهما ما قالا من ذلك، وإنما خَصَّا به الحال التي كانا عليها، (٢) من رفع قواعد البيت. لأن ذلك كان أحرى الأماكن أن يستجيب الله فيها دعاءهما، وليجعلا ما فعلا من ذلك سنة يقتدى بها بعدهما، وتتخذ الناس تلك البقعة بعدهما موضع تنصل من الذنوب إلى الله. وجائز أن يكونا عنيا بقولهما:"وتب علينا"، وتب على الظلمة من أولادنا وذريتنا -الذين أعلمتنا أمرهم- من ظلمهم وشركهم، حتى ينيبوا إلى طاعتك. فيكون ظاهر الكلام على الدعاء لأنفسهما، والمعني به ذريتهما. كما
(١) انظر معنى"التوبة" فيما سلف ١: ٥٤٧/٢: ٧٢-٧٣.
(٢) في المطبوعة: "ما كان من قبلهما ما قالا من ذلك، وإنما خصا... "، وهو كلام فاسد والصواب ما أثبت. يجعل"قبلهما"، أي قولهما. وبحذف الواو من: "وإنما".

تفسير القرآن العظيم — ابن كثير

عن الكتاب
وقوله تعالى حكاية لدعاء إبراهيم وإسماعيل، عليهما السلام :﴿رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾
قال ابن جرير : يعنيان بذلك، واجعلنا مستسلمين(١) لأمرك، خاضعين لطاعتك، لا نشرك معك في الطاعة أحدًا سواك، ولا في العبادة غيرك.
وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي، حدثنا إسماعيل بن رجاء بن حيان الحِصْني القرشي، حدثنا معقل بن عبيد الله، عن عبد الكريم :﴿وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ﴾ قال : مخلصين لك، ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ﴾ قال : مخلصة.
وقال أيضا : حدثنا علي بن الحسين، حدثنا المقدمي، حدثنا سعيد بن عامر، عن سلام بن أبي مطيع في هذه الآية ﴿وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ﴾ قال : كانا مسلمين، ولكنهما سألاه الثبات.
وقال عكرمة :﴿رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ﴾ قال الله : قد فعلت. ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ﴾ قال الله : قد فعلت.
وقال السدي :﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ﴾ يعنيان العرب.
قال ابن جرير : والصواب أنه يعمُّ العرب وغيرهم ؛ لأن من ذرية إبراهيم بني إسرائيل، وقد قال الله تعالى :﴿وَمِنْ قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٩]
قلت : وهذا الذي قاله ابن جرير لا ينفيه السدي ؛ فإن تخصيصهم بذلك لا ينفي من عداهم، والسياق إنما هو في العرب ؛ ولهذا قال بعده :﴿رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ﴾ الآية، والمراد بذلك محمَّد ﷺ، وقد بعث فيهم كما قال تعالى :﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأمِّيِّينَ رَسُولا مِنْهُمْ﴾ [الجمعة: ٢] ومع هذا لا ينفي رسالته إلى الأحمر والأسود، لقوله تعالى :﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ [الأعراف: ١٥٨]، وغير ذلك من الأدلة القاطعة.
وهذا الدعاء من إبراهيم وإسماعيل، عليهما السلام، كما أخبر الله تعالى عن عباده المتقين المؤمنين، في قوله :﴿وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾ [الفرقان: ٧٤]. وهذا القدر مرغوب فيه شرعًا، فإن من تمام محبة عبادة الله تعالى أن يحب أن يكون من صلبه من يعبد الله وحده لا شريك له ؛ ولهذا لما قال الله تعالى لإبراهيم، عليه السلام :﴿إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا﴾ قال :﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾ وهو قوله :﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الأصْنَامَ﴾ [إبراهيم: ٣٥]. وقد ثبت في صحيح مسلم، عن أبي هريرة، رضي الله عنه، عن النبي ﷺ أنه قال :" إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث : صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له " (٢) " وأرنا مناسكنا " قال ابن جُريج، عن عطاء ﴿وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا﴾ أخرجها لنا، عَلِّمْنَاها(٣).
وقال مجاهد ﴿وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا﴾ مذابحنا. ورُوى عن عطاء أيضًا، وقتادة نحو ذلك.
وقال سعيد بن منصور : حدثنا عتاب بن بشير، عن خُصيف، عن مجاهد، قال : قال إبراهيم :" أرنا مناسكنا " فأتاه جبرائيل، فأتى به البيت، فقال : ارفع القواعد. فرفع القواعد وأتم البنيان، ثم أخذ بيده فأخرجه فانطلق به إلى الصفا، قال : هذا من شعائر الله. ثم انطلق به إلى المروة، فقال : وهذا من شعائر الله ؟. ثم انطلق به نحو(٤) مِنًى، فلما كان من العقبة إذا إبليس قائم عند الشجرة، فقال : كَبِّر وارمه. فكبر ورماه. ثم انطلق(٥) إبليس فقام عند الجمرة الوسطى، فلما جاز به(٦) جبريل وإبراهيم قال له : كبر وارمه. فكبر ورماه. فذهب إبليس وكان الخبيث أراد أن يُدْخِل في الحج شيئًا فلم يستطع، فأخذ بيد إبراهيم حتى أتى به المشعر الحرام، فقال : هذا المشعر الحرام. فأخذ بيد إبراهيم حتى أتى به عرفات. قال : قد عرفت ما أريتك ؟ قالها : ثلاث مرار. قال : نعم.
وروي عن أبي مِجْلز وقتادة نحو ذلك. وقال أبو داود الطيالسي : حدثنا حماد بن سلمة، عن أبي العاصم الغنوي، عن أبي الطفيل، عن ابن عباس، قال : إن إبراهيم لما أريَ أوامر المناسك، عرض له الشيطان عند المسعى، فسابقه إبراهيم، ثم انطلق به جبريل حتى أتى(٧) به منى، فقال : مُنَاخ الناس هذا. فلما انتهى إلى جمرة العقبة تعرض له الشيطان، فرماه بسبع حصيات حتى ذهب، ثم أتى به الجمرة الوسطى، فعرض له الشيطان فرماه بسبع حصيات، حتى ذهب، ثم أتى به الجمرة القصوى، فعرض له الشيطان، فرماه بسبع حصيات حتى ذهب، فأتى به جَمْعًا. فقال : هذا المشعر. ثم أتى به عرفة. فقال : هذه عرفة. فقال له جبريل : أعرفت ؟(٨).
١ في جـ، أ: "واجعلنا مسلمين"..
٢ صحيح مسلم برقم (١٦٣١)..
٣ في جـ، ط: "وعلمناها"..
٤ في أ: "إلى"..
٥ في جـ: "فانطلق"..
٦ في أ: "فلما حاذاه"، وفي و: "فلما حاذى به"..
٧ في جـ، ط: "حتى أراه"..
٨ مسند الطيالسي برقم (٢٦٩٧)..

تيسير الكريم الرحمن — السعدي

عن الكتاب
ودعوا لأنفسهما، وذريتهما بالإسلام، الذي حقيقته، خضوع القلب، وانقياده لربه المتضمن لانقياد الجوارح. ﴿وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا﴾ أي : علمناها على وجه الإراءة والمشاهدة، ليكون أبلغ. يحتمل أن يكون المراد بالمناسك : أعمال الحج كلها، كما يدل عليه السياق والمقام، ويحتمل أن يكون المراد ما هو أعم من ذلك وهو الدين كله، والعبادات كلها، كما يدل عليه عموم اللفظ، لأن النسك : التعبد، ولكن غلب على متعبدات الحج، تغليبا عرفيا، فيكون حاصل دعائهما، يرجع إلى التوفيق للعلم النافع، والعمل الصالح، ولما كان العبد - مهما كان - لا بد أن يعتريه التقصير، ويحتاج إلى التوبة قالا :﴿وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
{١٢٧ - ١٢٩} ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ * رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ * رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾.
أي: واذكر إبراهيم وإسماعيل، في حالة رفعهما القواعد من البيت الأساس، واستمرارهما على هذا العمل العظيم، وكيف كانت حالهما من الخوف والرجاء، حتى إنهما مع هذا العمل دعوا الله أن يتقبل منهما عملهما، حتى يحصل (١) فيه النفع العميم.
ودعوا لأنفسهما، وذريتهما بالإسلام، الذي حقيقته، خضوع القلب، وانقياده لربه المتضمن لانقياد الجوارح. ﴿وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا﴾ أي: علمناها على وجه الإراءة والمشاهدة، ليكون أبلغ. يحتمل أن يكون المراد بالمناسك: أعمال الحج كلها، كما يدل عليه السياق والمقام، ويحتمل أن يكون المراد ما هو أعم من ذلك وهو الدين كله، والعبادات كلها، كما يدل عليه عموم اللفظ، لأن النسك: التعبد، ولكن غلب على متعبدات الحج، تغليبا عرفيا، فيكون حاصل دعائهما، يرجع إلى التوفيق للعلم النافع، والعمل الصالح، ولما كان العبد - مهما كان - لا بد أن يعتريه التقصير، ويحتاج إلى التوبة قالا ﴿وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾.
﴿رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ﴾ أي: في ذريتنا ﴿رَسُولا مِنْهُمْ﴾ ليكون أرفع لدرجتهما، ولينقادوا له، وليعرفوه حقيقة المعرفة. ﴿يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ﴾ لفظا، وحفظا، وتحفيظا ﴿وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ معنى.
﴿وَيُزَكِّيهِمْ﴾ بالتربية على الأعمال الصالحة والتبري من الأعمال الردية، التي لا تزكي النفوس (٢) معها. ﴿إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ﴾ أي: القاهر لكل شيء، الذي لا يمتنع على قوته شيء. ﴿الْحَكِيمُ﴾ الذي يضع الأشياء مواضعها، فبعزتك وحكمتك، ابعث فيهم هذا الرسول. فاستجاب الله لهما، فبعث الله هذا الرسول الكريم، الذي رحم الله به ذريتهما خاصة، وسائر الخلق عامة، ولهذا قال عليه الصلاة والسلام: "أنا دعوة أبي إبراهيم ".
ولما عظم الله إبراهيم هذا التعظيم، وأخبر عن صفاته الكاملة قال تعالى:
(١) في ب: حتى يجعل.
(٢) في ب: النفس.
جميع كتب التفسير لهذه الآية (١٢٤ كتابًا)
جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري تفسير القرآن العظيم — ابن كثير تفسير القرآن العظيم — ابن كثير تيسير الكريم الرحمن — السعدي أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن — الشنقيطي - أضواء البيان أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير — أبو بكر الجزائري التفسير الميسر — مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور — حكمت بشير ياسين المختصر في تفسير القرآن الكريم — مركز تفسير للدراسات القرآنية تفسير مجاهد — مجاهد بن جبر غريب القرآن — زيد بن علي تفسير مقاتل بن سليمان — مقاتل بن سليمان تفسير الإمام مالك — مالك بن أنس معاني القرآن — الفراء معاني القرآن للفراء — الفراء مجاز القرآن — أبو عبيدة معمر بن المثنى مجاز القرآن — أبو عبيدة تفسير القرآن — الصنعاني معاني القرآن — الأخفش غريب القرآن — ابن قتيبة الدِّينَوري تفسير التستري — سهل التستري معاني القرآن وإعرابه للزجاج — الزجاج تفسير ابن أبي حاتم — ابن أبي حاتم الرازي تأويلات أهل السنة — أبو منصور المَاتُرِيدي بحر العلوم — أبو الليث السمرقندي تفسير القرآن العزيز — ابن أبي زَمَنِين الكشف والبيان عن تفسير القرآن — الثعلبي الهداية الى بلوغ النهاية — مكي بن أبي طالب النكت والعيون — الماوردي النكت والعيون — الماوردي تفسير القشيري — القشيري لطائف الإشارات — القشيري التفسير البسيط — الواحدي الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — الواحدي تفسير السمعاني — أبو المظفر السمعاني تفسير الراغب الأصفهاني — الراغب الأصفهاني أحكام القرآن — إلكيا الهراسي معالم التنزيل — البغوي معالم التنزيل — البغوي الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — الزمخشري المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز — ابن عطية إيجاز البيان عن معاني القرآن — بيان الحق النيسابوري أحكام القرآن — ابن الفرس تذكرة الاريب في تفسير الغريب — ابن الجوزي زاد المسير في علم التفسير — ابن الجوزي مفاتيح الغيب — فخر الدين الرازي تفسير العز بن عبد السلام — عز الدين بن عبد السلام أنوار التنزيل وأسرار التأويل — البيضاوي مدارك التنزيل وحقائق التأويل — أبو البركات النسفي التسهيل لعلوم التنزيل — ابن جُزَيِّ لباب التأويل في معاني التنزيل — الخازن البحر المحيط في التفسير — أبو حيان الأندلسي النهر الماد من البحر المحيط — أبو حيان الأندلسي الدر المصون في علوم الكتاب المكنون — السمين الحلبي اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحداد اليمني كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحداد اليمني تفسير ابن عرفة — ابن عرفة تفسير ابن عرفة — ابن عرفة التبيان في تفسير غريب القرآن — ابن الهائم تنوير المقباس من تفسير ابن عباس — الفيروزآبادي غرائب القرآن ورغائب الفرقان — نظام الدين القمي النيسابوري تفسير الجلالين — المَحَلِّي الجواهر الحسان في تفسير القرآن — الثعالبي نظم الدرر في تناسب الآيات والسور — برهان الدين البقاعي جامع البيان في تفسير القرآن — الإيجي محيي الدين الدر المنثور في التأويل بالمأثور — السُّيوطي الدر المنثور في التأويل بالمأثور — السُّيوطي الصراط المستقيم في تبيان القرآن الكريم — الكَازَرُوني فتح الرحمن في تفسير القرآن — مجير الدين العُلَيْمي السراج المنير في الإعانة على معرفة بعض معاني كلام ربنا الحكيم الخبير — الشربيني إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم — أبو السعود روح البيان — إسماعيل حقي التفسير المظهري — المظهري البحر المديد في تفسير القرآن المجيد — ابن عجيبة البحر المديد في تفسير القرآن المجيد — ابن عجيبة التفسير المظهري — محمد ثناء الله المظهري حاشية الصاوي على تفسير الجلالين — الصاوي فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير — الشوكاني فتح البيان في مقاصد القرآن — صديق حسن خان محاسن التأويل — جمال الدين القاسمي روح المعاني — الألوسي تفسير المنار — محمد رشيد رضا تفسير المنار — رشيد رضا تفسير المراغي — أحمد بن مصطفى المراغي تفسير المراغي — المراغي المصحف المفسّر — فريد وجدي التفسير القرآني للقرآن — عبد الكريم يونس الخطيب تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد من تفسير الكتاب المجيد — ابن عاشور زهرة التفاسير — محمد أبو زهرة زهرة التفاسير — أبو زهرة بيان المعاني — ملا حويش أوضح التفاسير — محمد عبد اللطيف الخطيب إعراب القرآن وبيانه — محيي الدين الدرويش التفسير الحديث — محمد عزة دروزة التفسير الحديث — دروزة تيسير التفسير — إبراهيم القطان تيسير التفسير — إبراهيم القطان صفوة البيان لمعاني القرآن — حسنين مخلوف الموسوعة القرآنية — إبراهيم الإبياري التيسير في أحاديث التفسير — المكي الناصري تفسير الشعراوي — الشعراوي تفسير الشعراوي — الشعراوي تفسير القرآن الكريم — ابن عثيمين تفسير القرآن الكريم — عبد الله محمود شحاتة التفسير الوسيط — محمد سيد طنطاوي التفسير المنير — وهبة الزحيلي التفسير الوسيط — وهبة الزحيلي حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن — محمد الأمين الهرري فتح الرحمن في تفسير القرآن — تعيلب التفسير الشامل — أمير عبد العزيز الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور — بشير ياسين التفسير الميسر — التفسير الميسر المنتخب في تفسير القرآن الكريم — المنتخب أيسر التفاسير — أسعد حومد التفسير الميسر — مجموعة من المؤلفين التفسير الواضح — محمد محمود حجازي المنتخب في تفسير القرآن الكريم — مجموعة من المؤلفين تفسير سفيان الثوري — عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي تفسير غريب القرآن - الكواري — كَامِلَة بنت محمد الكَوارِي صفوة التفاسير — محمد علي الصابوني كتاب نزهة القلوب — أبى بكر السجستاني كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحدادي اليمني معاني الكلمات من كتاب السراج في بيان غريب القرآن — محمد الخضيري

غريب الكلمات ومعانيها

معاني الكلمات الغريبة في الآية

السراج في بيان غريب القرآن
وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا
بَصِّرْنَا بِمَعَالِمِ عِبَادَتِنَا لَكَ.

إعراب الآية ١٢٨ من سورة البقرة

من كتاب: إعراب القرآن

على السؤال والطلب والأصل اضطرره ثم أدغم ففتح لالتقاء الساكنين لخفّة الفتحة ويجوز الكسر. قال أبو جعفر: وهذه القراءة شاذة ونسق الكلام والتفسير جميعا يدلّان على غيرها، أمّا نسق الكلام فإنّ الله جلّ وعزّ خبّر عن إبراهيم صلّى الله عليه وسلّم أنه قال: رَبِّ اجْعَلْ هذا بَلَداً آمِناً ثم جاء بقوله ولم يفصل بينه بقال، ثم قال فكان هذا جوابا من الله جلّ وعزّ ولم يقل- بعد: - قال إبراهيم. وأما التفسير فقد صحّ عن ابن عباس وسعيد بن جبير «١» ومجاهد ومحمد بن كعب وهذا لفظ ابن عباس دعا إبراهيم صلّى الله عليه وسلّم لمن آمن دون الناس خاصة فأعلم الله جلّ وعزّ أنه يرزق من كفر كما يرزق من آمن وأنه يمتّعه قليلا ثمّ يضطرّه إلى عذاب النار. قال أبو جعفر: وقال الله جلّ وعزّ: كُلًّا نُمِدُّ هؤُلاءِ وَهَؤُلاءِ مِنْ عَطاءِ رَبِّكَ [الإسراء: ٢٠] وقال: وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ [هود: ٤٨] وقال أبو إسحاق: إنما علم إبراهيم صلّى الله عليه وسلّم أنّ في ذرّيته كفارا فخصّ المؤمنين لأن الله جلّ وعزّ قال له: لا يَنالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ [البقرة: ١٢٤].

[سورة البقرة (٢) : الآيات ١٢٧ الى ١٢٨]

وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْراهِيمُ الْقَواعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْماعِيلُ رَبَّنا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (١٢٧) رَبَّنا وَاجْعَلْنا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنا مَناسِكَنا وَتُبْ عَلَيْنا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (١٢٨)
الْقَواعِدَ الواحدة قاعدة، والواحدة من قوله الْقَواعِدُ مِنَ النِّساءِ [النور:
٦٠]، قاعد، وَإِسْماعِيلُ عطف على إبراهيم، رَبَّنا تَقَبَّلْ مِنَّا قال الأخفش: الذي قال «ربّنا تقبل منّا» إسماعيل، وغيره يقول: هما جميعا قالا. قال الفراء: وفي قراءة عبد الله ويقولان ربّنا تقبّل منّا وأرنا مناسكنا «٢» ويبعد وأرنا «٣» بإسكان الراء لأن الأصل:
أرينا، حذفت الياء لأنه أمر وألقيت حركة الهمزة على الراء وحذفت الهمزة فإن حذفت الكسرة كان ذلك إجحافا، وليس هذا مثل فخذ لأن الكسرة في أرنا تدلّ على الهمزة وليست الكسرة في فخذ دالة على شيء، ولكن يجوز حذفها على بعد لأنها مستثقلة كما أنّ الكسرة في فخذ مستثقلة. قال الأخفش: واحد المناسك منسك مثل مسجد ويقال:
منسك. قال أبو جعفر: يقال: نسك ينسك فكان يجب على هذا أن يقال: منسك إلا أنه ليس في كلام العرب مفعل.

[سورة البقرة (٢) : آية ١٢٩]

رَبَّنا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١٢٩)
يَتْلُوا في موضع نصب لأنه نعت لرسول أي رسولا تاليا، ويجوز في غير
(١) سعيد بن جبير بن هشام الأسدي الكوفي التابعي الجليل. عرض على ابن عباس وعرض عليه أبو عمرو (ت ٩٥ هـ). ترجمته في غاية النهاية ١/ ٣٠٥.
(٢) انظر المحتسب ١/ ١٠٨، ومعاني القرآن للفراء ١/ ٧٨.
(٣) انظر تيسير الداني ٦٦.
الإعراب الكامل من جميع الكتب مع تحليل الكلمات ←

القراءات في الآية ١٢٨ من سورة البقرة

اختلاف القراء العشرة في كلمات الآية

وَأَرِنَا

(وَأَرْنا) بإسكان الراء

البزي عن ابن كثير قنبل عن ابن كثير السوسي عن أبي عمرو روح عن يعقوب رويس عن يعقوب

(وَأرنا) باختلاس كسرة الراء

الدوري عن أبي عمرو

(وَأَرِنا) بكسرة خالصة للراء

خلف عن حمزة إدريس عن خلف إسحاق عن خلف ابن جمّاز عن أبي جعفر ابن وردان عن أبي جعفر الدوري عن الكسائي أبو الحارث عن الكسائي خلاد عن حمزة قالون عن نافع حفص عن عاصم شعبة عن عاصم ابن ذكوان عن ابن عامر هشام عن ابن عامر ورش عن نافع
صفحة القراءات الكاملة لهذه الآية ←

الموضوعات القرآنية للآية ١٢٨ من سورة البقرة

١٨ موضوعًا تتناولها هذه الآية

أقوال المفسرين في الآية — التفسير بالمأثور

٢٥ قولًا من موسوعة التفسير بالمأثور

تفسير الآية

١٨ قولًا
١
عن إسماعيل السُّدِّيّ -من طريق أسْباط- قال: لَمّا فرغ إبراهيم وإسماعيل من بُنْيان البيت أمره الله أن ينادي، فقال: ﴿وأَذِّنْ فِي النّاسِ بِالحَجِّ﴾ [الحج:٢٧]، فنادى بين أخْشَبَيْ مكة: يا أيها الناس، إنّ الله يأمركم أن تَحُجُّوا بيتَه. قال: فوَقَرَتْ في قلب كُلِّ مؤمن، فأجابه كلُّ شيء سمعه من جبل أو شجر أو دابَّة: لبيك لبيك. فأجابوه بالتلبية: لبيك اللهم لبيك. وأَتاه من أتاه، فأمره الله أن يخرج إلى عرفات، ونعتها، فخرج، فلَمّا بلغ الشجرة عند العقبة استقبله الشيطان، فَرَدَّه، فرماه بسبع حَصَيات، يُكَبِّر مع كل حَصاة، فطار، فوقع على الجمرة الثانية أيضًا، فصَدَّه، فرماه، وكَبَّر، فطار فوقع على الجمرة الثالثة، فرماه، وكَبَّر، فلما رأى أنه لا يطيقه، ولم يدرِ إبراهيم أين يذهب؛ انطلق حتى أتى ذا المَجاز، فلَمّا نظر إليه فلم يَعْرِفْه جازَ، فلذلك سُمِّي: ذا المجاز. ثم انطلق حتى وقع بعرفات، فلما نظر إليها عرف النعت، قال: قد عرفتُ. فسُمِّيَت: عرفات. فوقف إبراهيم بعرفات، حتى إذا أمسى ازْدَلَف إلى جَمْع، فسميت: المزدلفة. فوقف بجَمْع، ثم أقبل حتى أتى الشيطان حيث لقيه أول مرة، فرماه بسبع حصيات سبع مرات، ثم أقام بمنى حتى فرغ من الحجِّ وأَمْرِه، وذلك قوله: ﴿وأرنا مناسكنا﴾١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٢‏/‏٥٦٧.
٢
قال مقاتل بن سليمان: ﴿ومن ذريتنا أمة مسلمة لك وأرنا مناسكنا﴾ يعني: علِّمنا مناسكنا، نظيرها: ﴿بما أراك الله﴾ [النساء:١٠٥]، يعني: بما علَّمك الله، ونظيرها: ﴿ولما يعلم الله﴾ [آل عمران:١٤٢، التوبة:١٦]، يعني: يرى الله، ونظيرها أيضًا: ﴿ويرى الذين أوتوا العلم﴾ [سبأ:٦] يعني: ويعلم، ونظيرها: ﴿فليعلمن الله الذين صدقوا﴾، يعني: ولَيَرَيَنَّ الله، ﴿وليعلمن الكاذبين﴾ [العنكبوت:٣]، يعني: ويرى. ﴿أرنا مناسكنا﴾ فنصلي لك، ﴿وتب علينا﴾ يعني إبراهيم وإسماعيل: أنفسَهما، ﴿إنك أنت التواب الرحيم﴾ ففعل الله عز وجل ذلك به، فنزل جبريل عليه السلام، فانطلق بإبراهيم ﷺ إلى عرفات وإلى المشاعر لِيُرِيَه ويعلمه كيف يسأل ربه، فلما أراه الله المناسك والمشاعر علم أنّ الله عز وجل سيجعل في ذريتهما أمة مسلمة١
التخريج
  1. ١تفسير مقاتل بن سليمان ١‏/‏١٣٩.
٣
عن زُهَيْر بن محمد -من طريق عثمان بن ساجٍ- قال: لَمّا فرغ إبراهيم من البيت الحرام قال: أيْ ربِّ، قد فعلتُ، فأرِنا مناسكنا. فبعث الله إليه جبريل، فحج به، حتى إذا جاء يوم النحر عرض له إبليس، فقال: احصِبْ. فحَصَب سبع حصيات، ثم الغد، ثم اليوم الثالث، فملأ ما بين الجبلين، ثم علا على ثَبِير، فقال: يا عباد الله، أجيبوا ربكم. فسمع دعوتَه مَن بين الأبحر مِمَّن في قلبه مثقال ذرة من إيمان، قالوا: لبيك اللهم لبيك. قال: ولم يزل على وجه الأرض سبعة مسلمون فصاعدًا، ولولا ذلك لأُهلكت الأرض ومَن عليها. قال: وأول مَن أجاب إبراهيم حين أذن بالحج أهلُ اليمن١
التخريج
  1. ١أخرجه الأزرقي ١‏/‏٣٧.
٤
قال مالك بن أنس: وبلغني: أنّ الله -تبارك وتعالى- لَمّا أن أراد أن يُري إبراهيم موضع المناسك أوحى إلى الجبال أن تنحني له، فنِيخَت له، حتى أراه مواضع المناسك، فهو قول إبراهيم في كتاب الله تعالى: ﴿وأرنا مناسكنا﴾١
التخريج
  1. ١المدونة للإمام مالك ص٤٥٦.
٥
عن حسين بن القاسم، قال: سمعت بعض أهل العلم يقول:... ولَمّا قال إبراهيم عليه السلام: ربَّنا، أرِنا مناسكنا. نزل إليه جبريل، فذهب به، فأراه المناسك، ووَقَفَه على حدود الحرم، فكان إبراهيم يَرْضِم الحجارة، ويَنصِب الأعلام، ويحثي عليها التراب، فكان جبريل يَقِفُه على الحدود١٢
التخريج
  1. ١أخرجه الأزرقي في تاريخ مكة ١‏/‏٣٥٧-٣٥٨.
تعليقات المحققين
  1. ٢علَّقَ ابن جرير (٤/٥٧٠ بتصرف) على تلك الآثار مُبَيِّنًا معنى المناسك، فقال: «أما المناسك فإنها جمع مَنسَك: وهو الموضع الذي يُنسَكُ لله فيه، ويُتَقَرَّبُ إليه فيه بما يُرْضِيهِ مِن عمل صالح؛ إمّا بذبح ذبيحة له، وإمّا بصلاة أو طواف أو سعي، وغير ذلك من الأعمال الصالحة، ولذلك قيل لمشاعر الحجِّ: مَناسِكُه؛ لأنّها أمارات وعَلامات يَعْتادُها الناس ويتردَّدون إليها. وقد قيل: إنّ معنى النُّسُك: عبادةُ الله، وأنّ النّاسِك إنّما سُمِّيَ ناسِكًا بعبادة ربِّه، فتَأَوَّل قائل هذه المقالة قولَه: ﴿وأَرِنا مَناسِكَنا﴾: وعَلِّمْنا عِبادتك كيف نعبدك، وأين نعبدك، وما يُرْضِيكَ عنّا فنفعله. وهذا القول وإن كان مَذْهَبًا يَحْتَمِلُه الكلامُ فإنّ الغالب على معنى المناسك ما وصَفْنا قبلُ مِن أنّها مَناسِك الحجِّ التي ذَكَرْنا معناها».
٦
عن علي بن أبي طالب -من طريق سعيد بن المسيب- قال: لَمّا فرغ إبراهيم من بناء البيت قال: قد فعلتُ، أيْ ربِّ، فأرِنا مناسكنا؛ أبْرِزْها لنا، علِّمْناها. فبعث الله جبريل، فحَجَّ به١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٢‏/‏٥٦٩.
٧
عن عبد الله بن عباس، قال: كان المقام في أصل الكعبة، فقام عليه إبراهيم، فتَفَرَّجَتْ عنه هذه الجبال؛ أبُو قُبَيْس وضواحيه إلى مابينه وبين عرفات، فأُري مناسكه حتى انتهى إليه، فقيل: عرفت؟ قال: نعم. فسُمِّيَتْ: عرفات١
التخريج
  1. ١عزاه السيوطي إلى ابن المنذر.
٨
عن عبد الله بن عباس -من طريق سالم بن أبي الجَعْد- قال: إنّ إبراهيم لَمّا أُري المناسك عرض له الشيطان عند المسعى، فسابقه إبراهيم، فسبقَه إبراهيمُ، ثم انطلق به جبريل حتى أراه منى، فقال: هذا مُناخ١ الناس. فلَمّا انتهى إلى جَمْرَة العَقَبة [تَعَرَّض] له الشيطان، فرماه بسبع حَصَيات حتى ذهب، ثم أتى به جمرة الوسطى، فعرض له الشيطان، فرماه بسبع حَصَيات حتى ذهب، ثم أتى به جمرة القُصْوى، فعرض له الشيطان، فرماه بسبع حَصَيات حتى ذهب، فأتى به جَمْعًا، فقال: هذا المَشْعَر. ثم أتى به عرفة، فقال: هذه عرفة. فقال له جبريل: أعرفت؟ قال: نعم. ولذلك سُمِّيَتْ: عرفة. أتدري كيف كانت التلبية؟ إنّ إبراهيم لَمّا أُمِر أن يُؤَذِّن في الناس بالحج؛ أُمِرَت الجبال فخَفَضَت رُؤُوسَها، ورُفِعَت له القرى، فأَذَّن في الناس بالحج٢
التخريج
  1. ١المناخ: مبرك الإبل، وهو الموضع الذي تناخ فيه الإبل. التاج (نيخ).
  2. ٢أخرجه الطيالسي (٢٨٢٠)، والبيهقي في الشعب (٤٠٧٧)، وأحمد ٤‏/‏٤٣٦-٤٣٧ (٢٧٠٧، ٢٧٠٨). وعزاه السيوطي إلى ابن أبي حاتم.
٩
عن ابن جُرَيْج، قال لي عطاء: سمعت عبيد بن عمير يقول: ﴿وأرنا مناسكنا﴾، قال: مذابحنا١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٢‏/‏٥٦٩.
١٠
عن مجاهد بن جبر -من طريق ابن أبي نَجِيح- في قوله: ﴿وأرنا مناسكنا﴾، قال: مذابحنا١
التخريج
  1. ١تفسير مجاهد ص٢١٤، وأخرجه الأزرقي ١‏/‏٣٦، وابن أبي حاتم ١‏/‏٢٣٥.
١١
عن مجاهد بن جبر -من طريق خُصَيْف- قال: قال إبراهيم: ربنا أرِنا مناسكنا. فأخذ جبريل عليه السلام بيده، فذهب به حتى أتى به البيت، قال: ارفع القواعد. فرفع إبراهيم القواعد، وأتم البنيان، فذهب به إلى الصفا، فقال: هذا من شعائر الله. ثم ذهب به إلى المروة، فقال: وهذا من شعائر الله. ثم أخذ بيده، فذهب به نحو منى، فإذا هو بإبليس عند العقبة، عند الشجرة، فقال له جبريل: كبِّر، وارْمِه. فكبَّر، ورمى، فذهب إبليس حتى قام عند الجمرة الوسطى، فحاذى به جبريل وإبراهيم، فقال جبريل: كبِّر، وارمِه. فكبَّر، ورمى، فذهب إبليس حتى أتى الجمرة القُصْوى، فقال له جبريل: كبِّر، وارمه. فكبَّر، ورمى، فذهب إبليس، وكان الخبيث أراد أن يُدْخِل في الحجِّ شيئًا فلم يستطع، فذهب حتى أتى به المَشْعَر الحرام، فقال: هذا المَشْعَر الحرام. ثم ذهب حتى أتى به عرفات، فقال: هذه عرفات، قد عرفتَ ما أرَيْتُكَ؟ قال: نعم -ثلاث مرات-. قال: فأذِّن في الناس بالحج. قال: وكيف أُؤَذِّن؟ قال: قل: يا أيها الناس، أجيبوا ربكم -ثلاث مرات-. فأجاب العِباد: لبيك اللهم ربنا لبيك -مرتين-. فمَن أجاب إبراهيم يومئذ من الخلق فهو حاجٌّ١
التخريج
  1. ١أخرجه سعيد بن منصور (٢٢٠ - تفسير)، والأزرقي ١‏/‏٣٥، وابن أبي حاتم ١‏/‏٢٣٥.
١٢
عن مجاهد بن جبر، قال: قال الله لإبراهيم عليه السلام: قُمْ، فابْنِ لي بيتًا. قال: أيْ رَبِّ، أين؟ قال: سأخبرك. فبعث الله إليه سحابة لها رأس، فقالت: يا إبراهيم، إنّ ربك يأمرك أن تَخُطَّ قَدْر هذه السحابة. قال: فجعل إبراهيم ينظر إلى السحابة ويَخُطُّ، فقال الرأس: قد فعلتَ؟ قال: نعم. فارتفعت السحابة، فحفر إبراهيم، فأبْرَز عن أساس ثابت من الأرض، فبنى إبراهيم، فلما فرغ قال: أيْ رَبِّ، قد فعلتُ، فأرِنا مناسكنا. فبعث الله إليه جبريل يحج به، حتى إذا جاء يوم النحر عرض له إبليس، فقال له جبريل: احْصِبْ. فحَصَب بسبع حَصَيات، ثم الغد، ثم الغد، ثم اليوم الرابع، ثم قال: اعْلُ ثَبِيرًا. فَعَلا ثَبِيرًا، فقال: أيْ عباد الله، أجيبوا، أيْ عباد الله، أطيعوا الله. فسمع دعوتَه ما بين الأبحر مِمَّن في قلبه مثقال ذرة من الإيمان. فقالوا: لبيك اللهم لبيك، أطعناك، اللهم أطعناك. وهي التي آتى الله إبراهيم في المناسك: لبيك اللهم لبيك. ولم يزل على الأرض سبعة مسلمون فصاعدًا، لولا ذلك هلكت الأرض ومن عليها١. (١‏/‏٧١٤)
التخريج
  1. ١عزاه السيوطي إلى الجندي.
١٣
عن أبي مِجْلَز [لاحق بن حميد] -من طريق التَّيْمِيّ- في قوله تعالى: ﴿وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل﴾، قال: لَمّا فرغ من البيت جاءه جبريل عليه السلام، فأراه الطواف بالبيت -وأَحْسَبُه قال: والصفا والمروة-، ثم انطلقا إلى العَقَبَة، فعرض لهما الشيطان، قال: فأخذ جبريل عليه السلام سبع حَصَيات، وأعطى إبراهيم عليه السلام سبع حَصَيات، فرمى، وكَبَّر، وقال لإبراهيم: ارْمِ، وكَبِّر. قال: فرَمَيا، وكَبَّرا معَ كل رَمْيَة، حتى أفَل الشيطان، ثم انطلقا إلى الجمرة الوسطى، فعرض لهما الشيطان، فأخذ جبريل عليه السلام سبع حَصَيات، وأعطى إبراهيم عليه السلام سبع حَصَيات، فرَمَيا، وكَبَّرا مع كل رَمْيَة، حتى أفَل الشيطان، ثم أتَيا الجمرة القُصْوى، قال: فعرض لهما الشيطان. قال: فأخذ جبريل عليه السلام سبع حَصَيات، وأعطى إبراهيم عليه السلام سبع حَصَيات، وقال: ارْمِ، وكَبِّر. فرمَيا، وكَبَّرا مع كل رَمْيَة، حتى أفَل الشيطان، ثم أتى به إلى منى، فقال: ههنا يَحْلِق الناس رؤوسهم. ثم أتى به جمعًا، فقال: هاهنا يجمع الناس الصلاةَ. ثم أتى به عرفات، فقال: عرفتَ؟ قال: نعم. قال: فمِن ثَمَّ سُمِّيت: عرفات١
التخريج
  1. ١أخرجه عبد بن حميد -كما في فتح الباري ٣‏/‏٤٤٠-، وابن أبي شيبة (القسم الأول من الجزء الرابع) ص٣٧٥.
١٤
قال الحسن البصري: إنّ جبريل أرى رسولَ الله ﷺ المناسك كلها، ولكنه أصْل ٌعن إبراهيم عليه السلام١
التخريج
  1. ١ذكره يحيى بن سلام -كما في تفسير ابن أبي زمنين ١‏/‏١٧٩-.
١٥
قال عطاء بن أبي رباح -من طريق حَجّاج، عن ابن جُرَيج-: ‹وأَرْنا مَناسِكَنا›: أخْرِجْها لنا، عَلِّمْناها١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٢‏/‏٥٦٩، وابن أبي حاتم ١‏/‏٢٣٤.
١٦
عن عطاء بن أبي رباح -من طريق سفيان، عن ابن جُرَيْج- ﴿وأرنا مناسكنا﴾، قال: مذابحنا١٢
التخريج
  1. ١أخرجه سفيان الثوري في تفسيره ص٤٩، و عبد الرزاق ١‏/‏٥٩، وابن جرير ٢‏/‏٥٦٨. وعلَّقه ابن أبي حاتم ١‏/‏٢٣٥.
تعليقات المحققين
  1. ٢علَّقَ ابن جرير (٢/٥٦٨) على قول عطاء هذا، وقول مجاهد السابق بقوله: «تأويل الآية على قول مَن قال ذلك: وأرِنا كيف نَنسُك لك -يا ربنا- نَسائِكَنا؛ فنذبحها لك».
١٧
عن قتادة بن دِعامة، نحو ذلك١
التخريج
  1. ١علَّقه ابن أبي حاتم ١‏/‏٢٣٥.
١٨
عن قتادة بن دِعامة، في قوله: ﴿وأرنا مناسكنا﴾، قال: أراهما الله مناسكهما؛ الموقف بعرفات، والإفاضة من جَمْع، ورمي الجمار، والطواف بالبيت، والسعي بين الصفا والمروة١
التخريج
  1. ١أخرجه عبد الرزاق ١‏/‏٥٩ من طريق معمر مختصرًا بلفظ: أرِنا مَنسكنا وحَجَّنا. وذكره يحيى بن سلام -كما في تفسير ابن أبي زمنين ١‏/‏١٧٨-، وابن جرير ٢‏/‏٥٦٧ من طريق سعيد مطولًا ومن طريق معمر مختصرًا. وعزاه السيوطي إلى عبد بن حميد.

تفسير

٦ أقوال
١
عن سَلّام بن أبي مُطِيع -من طريق سعيد بن عامر- في هذه الآية: ﴿ربنا واجعلنا مسلمين لك﴾، قال: كانا مُسْلِمَيْن، ولكن سَأَلاه الثَّبات١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي حاتم ١‏/‏٢٣٤.
٢
عن إسماعيل السُّدِّي -من طريق أسْباط- في قوله: ﴿ومن ذريتنا أمة مسلمة لك﴾، يَعْنِيان: العرب١٢
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٢‏/‏٥٦٥، وابن أبي حاتم ١‏/‏٢٣٤.
تعليقات المحققين
  1. ٢انتَقَدَ ابنُ جرير (٢/٥٦٦)، وابنُ عطية (١/٣٥٠) أن يكونَ المراد بقوله: ﴿ومن ذريتنا أمة مسلمة لك﴾ العربَ خاصةً، كما قالَ السُّدِّيُّ؛ لمخالفته ظاهر الكتاب، ودلالة الواقع، فقال ابنُ جرير: «هذا قول يَدُلُّ ظاهرُ الكتاب على خِلافه؛ لأن ظاهره يدل على أنَّهُما دَعَوا اللهَ أن يجعل من ذريتهما أهل طاعته وولايته، والمستجيبين لأمره، وقد كان في ولد إبراهيم العرب وغير العرب، والمستجيب لأمر الله والخاضع له بالطاعة من الفريقين، فلا وجه لقول من قال: عنى إبراهيم بدعائه ذلك فريقًا من ولده بأعيانهم دون غيرهم، إلا التحكم الذي لا يعجز عنه أحد». وقال ابنُ عطية: «وهو ضعيف؛ لأنه دَعْوَتُه ظَهَرَتْ في العرب، وفيمن آمن مِن غيرهم». واسْتَدْرَكَ ابنُ كثير (٢/٩٤) معتمدًا على السّياق على كلام ابن جرير قائلًا: «وهذا الذي قاله ابن جرير لا ينفيه السدي؛ فإن تخصيصهم بذلك لا ينفي من عَداهم، والسياق إنما هو في العرب، ولهذا قال بعده: ﴿رَبَّنا وابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آياتِكَ ويُعَلِّمُهُمُ الكِتابَ والحِكْمَةَ ويُزَكِّيهِمْ﴾ الآية، والمراد بذلك محمد ﷺ، وقد بعث فيهم، كما قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنهُمْ﴾ [الجمعة:٢]، ومع هذا لا ينفي رسالته إلى الأحمر والأسود؛ لقوله تعالى: ﴿قل يا أيُّها النّاسُ إنِّي رَسُولُ اللَّهِ إلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ [الأعراف:١٥٨]، وغير ذلك من الأدلة القاطعة».
٣
عن عبد الكريم بن مالك الجزري -من طريق مَعْقِل بن عُبَيْد الله- ﴿ومن ذريتنا أمة مسلمة لك﴾، قال: مُخْلِصَة١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي حاتم ١‏/‏٢٣٤ (١٢٤٨).
٤
عن عكرمة مولى ابن عباس -من طريق ابن أبي نَجِيح- قال: قال إبراهيم: تجعلنا مسلمين لك؟ قال الله: نعم. قال إبراهيم: ﴿ومن ذريتنا أمة مسلمة لك﴾؟ فقال الله: نعم١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي حاتم ١‏/‏٢٣٤.
٥
عن عبد الكريم بن مالك الجزري -من طريق مَعْقِل بن عُبَيْد الله- في قوله تعالى: ﴿ربنا واجعلنا مسلمين﴾، قال: مُخْلِصَين١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي حاتم ١‏/‏٢٣٤.
٦
قال مقاتل بن سليمان: ثُمَّ قالا: ﴿ربنا واجعلنا مسلمين لك﴾، يعني: مُخْلِصَيْن لك١
التخريج
  1. ١تفسير مقاتل بن سليمان ١‏/‏١٣٩.

قراءات

قول واحد
١
قال عطاء بن أبي رباح -من طريق حَجّاج، عن ابن جُرَيج-: ﴿أرْنا مَناسِكَنا﴾١: أخْرِجْها لنا، عَلِّمْناها٢
التخريج
  1. ٢أخرجه ابن جرير ٢‏/‏٥٦٩، وابن أبي حاتم ١‏/‏٢٣٤. قرأ ابن كثير، ويعقوب، بإسكان الراء، وبه قرأ أبو عمرو من روايتيه في وجه، والوجه الثاني له اختلاسها، وقرأ الباقون بكسرها. انظر: النشر ٢‏/‏٢٢٢، والإتحاف ص١٩٣.
تعليقات المحققين
  1. ١ذَهَبَ ابن جرير (٢/٥٧٠) معتمدًا على اللغة إلى أنّ تأويل ﴿أرنا﴾ بكسر الراء وتسكينها واحد، وأنه لا معنى لفرقِ مَن فرَّق بين رؤية العين في ذلك ورؤية القلب، فقال: «والقول عندي في ذلك: أنّ تأويل ﴿أرنا﴾ بكسر الراء وتسكينها واحد، فمَن كسر الراء جعل علامة الجزم سقوط الياء التي في قول القائل: أرينه - أرنه، وأَقَرَّ الراء مكسورة كما كانت قبل الجزم. ومن سكن الراء من ‹أرْنا› تَوَهَّم أنّ إعراب الحرف في الراء، فسَكَّنَها في الجزم، كما فعلوا ذلك في: لم يكنْ - ولم يكُ. وسواء كان ذلك من رؤية العين أو من رؤية القلب». وقال ابنُ عطية (١/٣٥١): «قالت طائفة: ﴿أرنا﴾ من رؤية البصر. وقالت طائفة: من رؤية القلب. وهو الأصح».
التفسير بالمأثور لسورة البقرة كاملة ←

وقفات تدبرية في الآية ١٢٨ من سورة البقرة

١٤ وقفةً في هذه الآية

  • { وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم } يفرغان من بناء أعظم بيوت الله في الأرض ويسألان ربهما التوبة ما أجمل الأدب مع الله .

    — عبدالله بلقاسم

  • الدعاء للذرية بالصلاح شأن الأنبياء " ربنا واجعلنا مسلمين لك ومن ذريتنا أمة مسلمة لك".

    — نوال العيد

  • الاستغفار بعد الفراغ من العبادة هو شأن الصالحين، فالخليل وابنه قالا -بعد بناء البيت -: (وَتُبْ عَلَيْنَا) ، وأمرنا به عند الانتهاء من الصلاة: (فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلاَةَ فَاذْكُرُواْ اللّهَ)، وبينت السنة أنه البدء بالاستغفار، وكذا أمرنا به بعد الإفاضة من عرفة، فما أحوجنا إلى تذكر منة الله علينا بالتوفيق للعبادة، واستشعار تقصيرنا الذي يدفعنا للاستغفار.

    — عمر المقبل

  • إبراهيم وابنه عليهما السلام يرفعان قواعد البيت ويقولان .. "وتب علينا.." فما أحوجنا لهذا الدعاء.. ربنا تب علينا إنك أنت التواب الرحيم..

    — محاسن التاويل

  • مجالس في تدبر القران تدبر أية 128 سورة البقرة

    — خالد السبت

  • سورة البقرة (128)

    — محمد الربيعة

  • برنامج هدى للناس سورة البقرة أية 124

    — العباس الحازمي

  • ينبغي للإنسان ان يشمل ذريته في الدعاء لان الذرية الصالحة من آثار الإنسان الصالحة {ومن ذريتنا أمة مسلمة لك } وقال إبراهيم عليه السلام { واجنبني وبني ان نعبد الأصنام } فصلاح الذرية له شأن كبير بالنسبة للانسان

    — محمد بن صالح ابن عثيمين

  • يفرغان من اعظم طاعة ثم يسألان الله التوبة فكيف بالمذنبين ؟!

    — موقع حصاد

  • " و تب علينا " مهما عظُم ما تقدمه من صالحات فلا تغتر بل أشعر نفسك بالتقصير و أتبعه بالاستغفار ، فهكذا كان صفوة الخلق.

    — مجالس التدبر

  • قال الطبري رحمه الله في تفسير آية {وَتُبْ عَلَيْنَا}أَمّا التّوبَة فأصلها الْأَوْبة من مكروه إلى محبوب..إنَّه ليس أحد من خَلْق اللَّه إلا وَله منْ العمل فيما بَيْنه وبين رَبّه ما يجب عليه الإِنابة منه والتوبة) لو فقه المفسرون هذه المعاني وعلّموها وعملوا بها لتحقق الأثر بإذن الله

    — ابتسام الجابري

  • من أحكام القران الآية 128*129

    — محمد بن صالح ابن عثيمين

ووقفتانِ أخرى لهذه الآية في الوقفات التدبرية.

ترجمات معاني الآية ١٢٨ من سورة البقرة

ترجمة معاني الآية إلى ٦٠ لغةً

(128) Our Lord, and make us Muslims [in submission] to You and from our descendants a Muslim nation [in submission] to You. And show us our rites [of worship] and accept our repentance. Indeed, You are the Accepting of Repentance, the Merciful.
— الترجمة الإنجليزية - صحيح انترناشونال