الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — الزمخشري

عن الكتاب
﴿مُسْلِمَيْنِ لَكَ﴾ مخلصين لك أوجهنا، من قوله :﴿أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١١٢] أو مستسلمين. يقال : أسلم له وسلم واستسلم، إذا خضع وأذعن. والمعنى : زدنا إخلاصاً أو إذعاناً لك. وقرىء :«مسلمين » على الجمع، كأنهما أرادا أنفسهما وهاجر، أو أجريا التثنية على حكم الجمع لأنها منه ﴿وَمِن ذُرّيَّتِنَا﴾ واجعل من ذرّيتنا ﴿أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ﴾ و ﴿مِنَ﴾ للتبعيض أو للتبيين، كقوله :﴿وَعَدَ الله الذين ءامَنُواْ مِنْكُمْ﴾ [النور: ٥٥].
فإن قلت : لم خصّا ذرّيتهما بالدعاء ؟ قلت : لأنهم أحق بالشفقة والنصيحة
﴿قُواْ أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً﴾ [التحريم: ٦]، ولأنّ أولاد الأنبياء إذا صلحوا صلح بهم غيرهم وشايعوهم على الخير. ألا ترى أن المقدّمين من العلماء والكبراء إذا كانوا على السداد، كيف يتسببون لسداد من وراءهم ؟ وقيل : أراد بالأمة أمة محمد ﷺ ﴿وَأَرِنَا﴾ منقول من رأى بمعنى أبصر أو عرّف. ولذلك لم يتجاوز مفعولين، أي وبصرنا متعبداتنا في الحج، أو وعرفناها. وقيل : مذابحنا. وقرىء :( وأرْنا ) بسكون الراء قياساً على فخذ في فخذ. وقد استرذلت، لأن الكسرة منقولة من الهمزة الساقطة دليل عليها، فإسقاطها إجحاف. وقرأ أبو عمرو بإشمام الكسرة. وقرأ عبد الله :«وأرهم مناسكهم ». ﴿وَتُبْ عَلَيْنَا﴾ ما فرط منا من الصغائر أو استتاباً لذرّيتهما ﴿وابعث فِيهِمْ﴾ في الأمة المسلمة ﴿رَسُولاً مّنْهُمْ﴾ من أنفسهم. وروى أنه قيل له : قد استجيب لك وهو في آخر الزمان، فبعث الله فيهم محمداً ﷺ. قال عليه الصلاة والسلام :" أنا دعوة أبي إبراهيم وبشرى أخي عيسى ورؤيا أمي ".

تفسير هذه الآية من كتب أخرى