زاد المسير في علم التفسير — ابن الجوزي

عن الكتاب
قوله تعالى :﴿رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ﴾ قال الزجاج : المسلم في اللغة : الذي قد استسلم لأمر الله، وخضع. والمناسك : المتعبدات. فكل متعبد منسك ومنسك، ومنه قيل للعابد : ناسك. وتسمى الذبيحة المتقرب بها إلى الله، عز وجل : النسيكة. وكأن الأصل في النسك إنما هو من الذبيحة لله تعالى.
قوله تعالى :﴿وأرنا مناسكنا﴾ أي : مذابحنا. قاله مجاهد. وقال غيره : هي جميع أفعال الحج. وقرأ ابن كثير :﴿وَأَرِنَا﴾ بجزم الراء. و﴿رَبّ أَرِنِي﴾ [الأعراف: ١٤٣]. و﴿أَرِنَا الَّلذِينَ أَضَلَّانَا﴾ [فصلت: ٢٩]. وقرأ نافع، وحمزة، والكسائي ﴿أَرِنَا﴾ بكسر الراء في جميع ذلك. وقرأ أبو بكر عن عاصم وابن عامر كذلك، إلا أنهما أسكنا الراء من ﴿أَرِنَا اللَّذَيْنِ﴾ وحدها. قال الفراء : أهل الحجاز يقولون :﴿أَرِنَا﴾ وكثير من العرب يجزم الراء، فيقول :﴿أَرِنَا مَنَاسِكَنَا﴾ وقرأ بها بعض الثقات. وأنشد بعضهم :
قالت سليمى اشتر لنا دقيقاواشتر فعجل خادما لبيقا
وأنشدني الكسائي :
ومن يتق فإن الله معهورزق الله مؤتاب وغادي
قال قتادة : أراهما الله مناسكهما : الموقف بعرفات، والإفاضة من جمع، ورمي الجمار، والطواف، والسعي. وقال أبو مجلز : لما فرغ إبراهيم من البيت أتاه جبريل، فأراه الطواف، ثم أتى به جمرة العقبة، فعرض له الشيطان، فاخذ جبريل سبع حصيات، وأعطى إبراهيم سبعا، وقال له : ارم وكبر، فرميا وكبرا مع كل رمية حتى غاب الشيطان. ثم أتى به جمرة الوسطى، فعرض لهما الشيطان، فأخذ جبريل سبع حصيات، وأعطى إبراهيم سبع حصيات، فقال : ارم وكبر، فرميا وكبرا مع كل رمية حتى غاب الشيطان. ثم أتى به الجمرة القصوى، فعرض لهما الشيطان،
فأخذ جبريل سبع حصيات، وأعطى إبراهيم سبع حصيات. فقال له : ارم وكبر، فرميا وكبرا مع كل رمية حتى غاب الشيطان، ثم أتى به منى، فقال : هاهنا يحلق الناس رؤوسهم، ثم أتى به جمعا، فقال : هاهنا يجمع الناس، ثم أتى به عرفة، فقال : أعرفت ؟ قال : نعم. قال : فمن ثم سميت عرفات.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى