كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحداد اليمني

عن الكتاب
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ﴾؛ أي وابعث في ذرِّيتنا الأمَّةَ المسلمةَ؛ أي ذريَّة إبراهيمَ وإسماعيل من أهلِ مكَّة.
﴿رَسُولاً مِّنْهُمْ﴾ أي من أهل نَسَبهِمْ.
﴿يَتْلُواْ عَلَيْهِمْ آيَٰتِكَ﴾؛ أي يقرأُ عليهم كتابَكَ.
﴿وَيُعَلِّمُهُمُ ٱلْكِتَٰبَ﴾؛ الذي ينْزلُ عليه ومعانيه.
﴿وَٱلْحِكْمَةَ﴾؛ أي فِقْهَ الحلالِ والحرام. وقال مجاهدُ: (فَهْمُ الْقُرْآنِ). وقال مقاتلُ: (هِيَ مَوَاعِظُ الْقُرْآنِ وَبَيَانُ الْحَلاَلِ وَالْحَرَامِ). وقال ابنُ قتيبةَ: (هِيَ الْعِلْمُ وَالْعَمَلُ، وَلاَ يُسَمَّى الرَّجُلُ حَكِيْماً حَتَّى يَجْمَعَهُمَا). وقال بعضُهم: كلُّ حكمةٍ وَعَظَتْكَ أو زَجَرَتْكَ أو دَعَتْكَ إلى مَكْرَمَةٍ أو نَهَتْكَ عن قبيحٍ فهي حِكْمَةٌ؛ وقيل: الحكمةُ وضعُ الأشياءِ في مواضِعها. وقيل: هي السُّنَّةُ البَيِّنَةُ. قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَيُزَكِّيهِمْ﴾؛ أي يطهِّرهم من الكفرِ والفواحش والدَّنَسِ والذنوب. وقيل: يصلِحُهم بأخذِ زكاةِ أموالِهم. وقال ابنُ كيسان: (أنْ يَشْهَدَ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بالْعَدَالَةِ إذَا شَهِدُواْ لِلأَنْبِيَاءِ بالْبَلاَغِ). قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾؛ الْعَزِيْزُ: هُوَ الْمَنِيْعُ الذي لا يغلِبُه شيءٌ. وَالْحَكِيْمُ: الذي يَحْكُمُ ما يريدُ. وقال ابنُ عباس: (الْعَزِيْزُ: الَّذِي لاَ يُوجَدُ مِثْلُهُ) دليلهُ قوله:﴿ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ﴾[الشورى: ١١].
وقال الكلبيُّ: (الْعَزِيْزُ: الْمُنْتَقِمُ مِمَّنْ أسَاءَ) دليلهُ قَوْلُهُ تَعَالَى:﴿ وَٱللَّهُ عَزِيزٌ ذُو ٱنْتِقَامٍ ﴾[آل عمران: ٤].
وقال الكسائيُّ: (الْعَزِيْزُ: الْغَالِبُ) دليلهُ قوله:﴿ وَعَزَّنِي فِي ٱلْخِطَابِ ﴾[ص: ٢٣] أي غَلَبي. وقال ابنُ كيسان: (الْعَزِيْزُ: الَّذِي لاَ يُعْجِزُهُ شَيْءٌ). وقال المفضَّلُ: (الْعَزِيْزُ: الْمُمْتَنِعُ الَّذِي لاَ تَنَالُهُ الأَيْدِي؛ وَلاَ يُرَدُّ لَهُ أمْرٌ؛ وَلاَ غَالِبَ لَهُ فِيْمَا أرَادَ). وقيل: العزيزُ: هو القويُّ ذو القدرة؛ دليلهُ قوله:﴿ فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ ﴾[يس: ١٤] أي قَوَّيْنَا. وأصلُ العِزَّةِ في اللغةِ: الشِّدَّةُ؛ يُقَالُ: عَزَّ عَلَيَّ كَذَا؛ إذا شَقَّ. والمرادُ بالرسولِ في هذه الآية مُحَمَّدٌ صلى الله عليه وسلم. وبالكتاب القرآنُ. روي أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال:" أنَا إنَّمَا دَعْوَةُ أبي إبْرَاهِيْمَ، وَبُشْرَى أخِي عِيْسَى "يعني قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿رَبَّنَا وَٱبْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْهُمْ﴾ وقوله:﴿ وَمُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِن بَعْدِي ٱسْمُهُ أَحْمَدُ ﴾[الصف: ٦] فاستجاب الله دعاء إبراهيم عليه السلام وبعثَ فيهم مُحَمَّداً سيِّدَ الأنبياءِ؛ لذلك قالَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم:" إنِّي عَبْدُ اللهِ وَخَاتَمُ النَّبيِّيْنَ وَإنَّ آدَمَ لَمُنْجَدِلٌ فِي طِيْنَتِهِ ".

تفسير هذه الآية من كتب أخرى