الكشف والبيان عن تفسير القرآن — الثعلبي

عن الكتاب
﴿وَتُبْ عَلَيْنَآ﴾ تجاوز عنّا وارجع علينا بالرأفة والرحمة. ﴿إِنَّكَ أَنتَ التَّوَّابُ﴾ المتجاوز الرجّاع بالرحمة على عبادك. ﴿الرَّحِيمُ﴾. ﴿رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ﴾ أي في الأمّة المسلمة من ذريّة إبراهيم وإسماعيل.
وقيل : في أهل مكّة ﴿رَسُولاً﴾ أي مرسلاً وهو فعُول من الرسالة.
وقال ابن الأنباري : يشبه أن يكون أصله من قولهم ناقة مرسال ورسله إذا كانت سهلة السّير ماضية أمام النواق.
ويقال للجماعة المهملة المرسلة : رسْل وجمعه أرسال.
ويقال : جاء القوم ارسالاً أيّ : بعضهم في أثر بعض، ومنه قيل للّبن رُسلاً لأنّه يرسل من الضّرع. ﴿يَتْلُواْ﴾ يقرأ ﴿عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ﴾ كتابك جمع الآية وهي العلامة.
وقيل : الآية جماعة الحروف.
وقال الشيباني : هي قولهم : خرج القوم بمافيهم أي بجماعتهم. ﴿وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ فقال بعضهم : الآية هاهنا الكتاب فنسّق عليه خلاف اللفظين كقول الحطيئة :
ألا حبّذا هند وأرض بها هندوهند تفصيل اتى من دونها النّأي والبعد
مجاهد : يعني الحكمة فهم القرآن.
مقاتل : هي مواعظ القرآن وما فيه من الأحكام وبيان الحلال والحرام.
ابن قتيبة : هي العلم والعمل ولا يسمّى الرّجل حكيماً حتّى يجمعهما.
وعن أبي بكر محمّد بن الحسن البريدي : كلّ كلمة وعظتك أو زجرتك أو دعتك إلى مكرمة أو نهتك عن قبيح فهي حكمة وحكم، ومنه قول النبيّ ﷺ :" إنّ من الشّعر لحكمة ".
وعن أبي جعفر محمّد بن يعقوب : الحكمة كلّ صواب من القول ورّث فعلاً صحيحاً أو حالاً صحيحاً.
يحيى بن معاذ : الحكمة جند من جنود الله يرسلها إلى قلوب العارفين حتّى يروّح عنها وهج الدّنيا، وقيل : هي وضع الأشياء مواضعها، وقيل : الحكمة والحكم كلّما وجب عليك فعله.
قال الشاعر :
قد قلت قولاً لم يعنّف قائلهالصمت حكم وقليل فاعله
أي واجب العمل بالصمت.
وقيل : هي الشرك والذّنوب، وقيل : أخذ زكاة أموالهم.
وقال ابن كيسان : يشهد لهم يوم القيامة بالعدالة إذا شهدوا الأنبياء بالبلاغ، دليله قوله تعالى :﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِّتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً﴾ [البقرة: ١٤٣]. ﴿إِنَّكَ أَنتَ العَزِيزُ﴾ ابن عبّاس : العزيز الّذي لا يوجد مثله، بيانه قوله :﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١].
الكلبي : العزيز المنتقم ممّن يشاء بيانه قوله ﴿وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ﴾ [آل عمران: ٤].
الكسائي : العزيز الغالب بيانه قوله ﴿وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ﴾ [ص: ٢٣] : أي غلبني.
وقيل في المثل : من عزيز.
ابن كيسان : العزيز الّذي لا يعجزه شيء بيانه قوله :﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِن شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلاَ فِي الأَرْضِ﴾ [فاطر: ٤٤].
المفضَّل بن سلمة : العزيز المنيع الّذي لا تناله الأيدي فلا يردّ له أمر ولا يغلب فيما أراد بيانه قوله :﴿إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ﴾ [هود: ١٠٧].
وقيل : بمعنى المعزّ فعيل بمعنى مفعل بيانه قوله ﴿وَتُعِزُّ مَن تَشَآءُ﴾ [آل عمران: ٢٦].
وقيل : هو القوي بيانه قوله ﴿فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ﴾ [يس: ١٤] أي قوّينا. فأصل العزّة في اللّغة الشدّة يقال تعزز لحم النّاقة إذا إشتدّ ويقال : عزّ عليّ أي شقّ عليّ وأشتد، وأنشد أبو عمرو :
أجد إذا ضمرت تعزّز لحمهاوإذا نشد بتسعها لا تيئس
فاستجاب الله دعاء إبراهيم وبعث فيهم محمّداً سيّد الأنبياء ولذلك قال رسول الله ﷺ :" إنّي عبد الله في أُمّ الكتاب لخاتم النبييّن وإنّ آدم لمجدل في طينة وسوف أنبئكم بذلك دعوة إبراهيم وبشارة عيسى ( عليهما السلام ) قومه، ورؤيا أْمي التي رأت إنّه خرج منها نور أضاءت له قصور الشام وكذلك ترى أمّهات النبييّن ".
سعيد بن سويد عن العرباض بن سارية قال : قال رسول الله ﷺ في قوله تعالى :﴿وَمَن يَرْغَبُ عَن مِّلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلاَّ مَن سَفِهَ نَفْسَهُ﴾ الآية.
وذلك إن عبد الله بن سلام دعا إبني أخيه سلمة ومهاجر إلى الإسلام فقال لهما : قد علمتما إنّ الله عزّ وجلّ قال في التوراة : إنّي باعث من ولد إسماعيل نبياً إسمه أحمد فمن آمن به فقد اهتدى ورشد ومن لم يؤمن به فهو ملعون، فأسلم سلمة وأبى مهاجراً أن يسلم فأنزل الله تعالى :﴿وَمَن يَرْغَبُ عَن. .﴾.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى