الهداية الى بلوغ النهاية — مكي بن أبي طالب

عن الكتاب
[ قوله ](١)/ ( رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْهُمْ ) [ ١٢٨ ].
يعني [ محمداً عليه السلام(٢) ].
وقول إبراهيم وإسماعيل :( رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَكَ ) يدل على أن الإسلام والإيمان سواء، إذ لم يسألا إلا أعلى الرتب وأشرف المنازل، وهو الإيمان الذي هو الإسلام.
[ قال ](٣) مالك : " لما وقف إبراهيم على المقام أوحى الله إلى الجبال(٤) أن تأخري عنه، فتأخرت حتى أراه موضع(٥) المناسك وهو قوله :( وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا ) إلى قوله :( لَمِنَ الصَّالِحِينَ ). معناه أظهر لأعيننا(٦) مكان المناسك ان جعلته من رؤية العين.
وقيل : معناه عَلِّمناها وعَرِّفناها(٧).
والمناسك : مناسك الحج ومعالمه.
وقال قتادة : " فأراهما/ الله مناسكهما بالطواف بالبيت، والسعي بين الصفا والمروة والإفاضة من عرفات، ومن جمع، ورمي الجمار حتى أكمل لهما الدين(٨) " (٩).
قال(١٠) السدي : " لما فرغ إبراهيم ﷺ وعلى(١١) محمد من بنيان البيت، أمره الله [ أن ](١٢) ينادي، فقال :( وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالحَجِّ )(١٣)، فنادى بين أخشبي(١٤) مكة : يا أيها الناس، إن الله يأمركم أن تحجوا بيته. قال : فوقرت(١٥) في قلب كل مؤمن، فأجابه كل شيء سمعه(١٦) من جبل أو شجر أو دابة : لبيك، لبيك –أجابوه بالتلبية- : لبيك اللهم لبيك، فأتاه من أتاه. وأمره الله عز وجل أن يخرج إلى عرفات، ونعتها الله له فخرج. فلما بلغ الشجرة عند العقبة(١٧)، استقبله الشيطان يرده، فرماه بسبع(١٨) حصيات يكبر مع كل حصاة، فطار(١٩) اللعين فوقع على الجمرة الثانية [ أيضاً فصده ](٢٠)، فرماه وكبّر فطار(٢١) اللعين فوقع على الجمرة(٢٢) الثالثة فرماه وكبّر. فلما رأى أنه لا يطيقه(٢٣) انطلق حتى(٢٤) أتى ذا المجاز، ولم يدر(٢٥) إبراهيم ﷺ أين يذهب فلما أتى إبراهيم ﷺ ذا(٢٦) المجاز لم يعرفه فجازه، فسمي ذا المجاز. ثم انطلق، حتى وقع بعرفات فلما نظر إليها إبراهيم ﷺ عرف النعت، فقال : قد عرفت، فسمى ذلك المكان عرفات. فوقف(٢٧) إبراهيم ﷺ بعرفات(٢٨) حتى إذا أمسى(٢٩) ازدلف بجمع، فسميت المزدلفة. فوقف بجمع ثم أقبل حتى أتى الشيطان حيث لقيه أولاً فرماه بسبع حصيات، سبع حصيات، ثم أقام بمنى حتى فرغ من الحج " (٣٠).
وقيل : المناسك المذابح(٣١). فالمعنى على هذا : وأرنا كيف ننسك لك يا رب نسائكنا، فنذبحها لك.
قال عطاء(٣٢) : " مناسكنا ذبحنا " (٣٣). وعنه : " مذابحنا ". وكذلك قال مجاهد(٣٤).
وقيل : مناسكنا متعبداتنا. ومنه قيل للعابد ناسك(٣٥).
قال ابن عباس : " لما قال إبراهيم صلى الله عليه وسلم(٣٦) :( رَبَّنَا وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا )، أتاه [ جبريل ﷺ ](٣٧) وعلى محمد(٣٨) بهذا(٣٩) الحجر من الجنة الذي يقال له المقام –وهو(٤٠) ياقوتة بيضاء- فأقامه عليه. ثم رفعه إلى السماء حتى أشرف به على البلاد كلها. فأراه أعلام الحرم وجميع مناسك الحج لكها/ عرفات، والمزدلفة(٤١)، ومنى، وجميع المناسك. ثم قال له :( وَأَذِّنِ فِي النَّاسِ بِالحَجِّ ).
وواحد المناسك منسك مثل " مسجد ".
وقيل : منسك وكان يجب أن يكون على " مَنْسُك " بالضم لأنه من " فَعَلَ يَفْعُلُ " إلا أنه ليس في الكلام " مَفْعُلُ " (٤٢).
وقيل : المنسك الموضع الذي ينسك فيه لله عز وجل، ويتقرب فيه إليه سبحانه بما يرضيه من الأعمال الصالحة(٤٣).
وأصله الموضع الذي يعتاده الإنسان يفعل فيه الخير، ولذلك [ قيل : مناسك الحج لأنها مواضع(٤٤) ] قد اعتادها الناس لفعل الخير(٤٥).
ثم قال :( وَتُبْ عَلَيْنَا ) [ ١٢٧ ].
التوبة الرجوع من(٤٦) مكروه إلى محبوب، فتوبة العبد/ إلى ربه(٤٧) رجوعه مما هو عليه من المكروه بالندم عليه والإقلاع عنه والعزم على ترك العود فيه.
وتوبة الرب سبحانه على عبده عوده عليه بالعفو عنه عن جرمه وذنبه(٤٨).
- فإن قيل : وهل كانت لهما(٤٩) ذنوب فاحتاجا إلى مسألة ربهما التوبة ؟.
- فالجواب : أنه ليس أحد من خلق الله عز وجل إلا وله من العمل فيما بينه وبين ربه عز وجل ما يجب عليه الإنابة [ منه والتوبة، فخصا ](٥٠) الموضع الذي كانا(٥١) فيه بالدعاء ليستجاب لهما على طريق التبرك به، وليكون دعاؤهما في ذلك المكان سُنة لمن بعدهما، وليتخذ(٥٢) الناس بعدهما(٥٣) تلك البقعة موضع تنصل من الذنوب ورجوع عن المكروه(٥٤).
وقيل : عَنَيا بقولهما :( وَتُبْ(٥٥) عَلَيْنَا ) : وتب(٥٦) على الظلمة من ذريتنا الذين أعلمتنا أن منهم ظالماً(٥٧).
وقوله :( إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ ) [ ١٢٧ ].
معناه : إنك أنت العائد في الفضل على عبادك، المتفضل بالغفران لذنوبهم، الرحيم بهم.
ثم قال :( رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ ءَايَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الكِتَابَ وَالحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمُ ) [ ١٢٨ ].
هذه دعوة إبراهيم وإسماعيل صلى الله عليهما وسلم(٥٨) لنبينا محمد ﷺ.
وكان النبي [ عليه السلام يقول ](٥٩) : " أَنَا دَعْوَةُ أَبِي إِبْرَاهِيمَ وَبُشْرَى(٦٠) عِيسَى " (٦١).
قال قتادة : " [ فأجاب ](٦٢) الله دعوتهما، فبعث الله فيهم رسولاً من أنفسهم يعرفون وجهه ونسبه، يخرجهم من الظلمات إلى النور، وهو محمد ﷺ " (٦٣) قال الربيع :/ " فقيل لإبراهيم : قد استجيب لك، وهو في آخر الزمان " (٦٤).
وقوله :( يَتْلُوا عَلَيْهِمُ ءَايَاتِكَ ) [ ١٢٨ ].
من نعت(٦٥) الرسول(٦٦). أي : يقرأ عليهم كتابك، وكذلك ( وَيُعَلِّمُهُمُ ) ( وَيُزَكِّيهِمُ )، كله من نعت(٦٧) الرسول ﷺ.
والكتاب القرآن(٦٨).
قال قتادة : " الحكمة(٦٩) : السنة " (٧٠).
وقال ابن وهب : " قلت لمالك : ما الحكمة ؟ فقال : المعرفة في الدين والفقه(٧١) فيه والاتباع له " (٧٢).
وقال ابن زيد : " الحكمة. العقل(٧٣) في الدين " (٧٤).
ومعنى ( وَيُزَكِّيهِمُ ) : ويطهرهم من الشرك بك ويكثرهم بطاعتهم لك(٧٥).
ثم قال :( إِنَّكَ أَنْتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ ) [ ١٢٨ ].
أي : أنت(٧٦) القوي الذي لا يعجزه شيء المنيع الغالب. وأصل العزة المنع والغلبة(٧٧)، والعرب/ تقول : " مَنْ [ عزّ بَزّ ] (٧٨) "، أي : من غلب استلب(٧٩).
وقولهم : " أَدَامَ اللهُ عِزَّكَ " (٨٠)، أي : غلبتك وظفرك.
والحكيم الذي لا يدخل تدبيره خلل ولا زلل.
وقال الطبري : " الحكيم ذو الحكمة ".
وقيل : " الحكيم الحاكم " (٨١).
وقيل : " الحكيم : معناه المحكم، أي المحكم(٨٢) ما خلق " (٨٣).
وقال ابن عباس : " العليم الذي قد(٨٤) كمل في علمه، والحكيم الذي قد كمل في حكمته ".
١ - سقط من ع١، ع٢، ح..
٢ - في ع٣: محمد صلى الله عليه وسلم..
٣ - سقط من ع١، ع٢، ع٣..
٤ - في ق: الجبل..
٥ - في ع٢، ع٣: مواضع..
٦ - سقط من ع٣..
٧ - انظر: مجاز القرآن ١/٥٥، وتفسير الغريب ٧٤. وهو قول عطاء في جامع البيان ٣/٧٩..
٨ - في ع١، ق: للدين..
٩ - انظر: جامع البيان ٣/٧٦..
١٠ - في ع١، ح، ق: قال مالك: "لما وقف إبراهيم ﷺ على المقام أوحى الله تبارك وتعالى إلى الجبال أن تأخري عنه، فتأخرت حتى أراه مواضع المناسك، وهو قوله: (وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا) [البقرة: ١٢٨]. قال. وهذه زيادة مقحمة ومكررة في هذا الموضع. فقد تقدم هذا القول لمالك قبل قول قتادة. (راجع الصفحة السابقة)..
١١ - في ع٢، ع٣: على سيدنا..
١٢ - سقط من ع١، ع٢، ق، ع٣..
١٣ - الحج آية ٢٥..
١٤ - والأخشب الجبل. انظر: اللسان ١/٨٣٣..
١٥ - في ع٣: فوقعت..
١٦ - في ع٣: فسمعه. وهو تحريف..
١٧ - في ق: العقبة كلها..
١٨ - في ع٣: سبع..
١٩ - في ع٣: فصار. وهو تحريف..
٢٠ - في ع٣: بهذه..
٢١ - في ع٣: فصار. وهو تحريف..
٢٢ - قوله: "الثانية أيضاً... على الجمرة" ساقط من ق..
٢٣ - في ع٣: يضيقه..
٢٤ - في ح: حتى إذا..
٢٥ - في ع٣: يرد. وهو تحريف..
٢٦ - في ع٣: إذا. وهو تحريف..
٢٧ - في ع٣: فوقع..
٢٨ - سقط من ع٢..
٢٩ - في ع٣: مسى..
٣٠ - انظر: جامع البيان ٣/٧٦-٧٧، وتفسير ابن كثير ١/١٨٤..
٣١ - انظر: جامع البيان ٣/٧٧..
٣٢ - قوله: "كيف ننسك... قال عطاء" ساقط من ع٣..
٣٣ - في ع٣: ذابحنا. وانظر: قوله في تفسير الثوري ٤٩، وتفسير ابن كثير ١/١٣٣..
٣٤ - انظر: تفسيره ١/٣٩..
٣٥ - انظر: جامع البيان ٣/٨٠، وتفسير القرطبي ٢/١٢٨..
٣٦ - في ح: وسلم وعلى محمد..
٣٧ - في ع٣: حبل عليه السلام. وهو تحريف..
٣٨ - في ع٢، ع٣: سيدنا محمد..
٣٩ - في ع٣: بهذه..
٤٠ - في ع٣: هي..
٤١ - في ع٣: مزدلفة..
٤٢ - وهو قول النحاس كما في تفسير القرطبي ٢/١٢٨..
٤٣ - في ع٣: الصالحات. وانظر: هذا القول في جامع البيان ٣/٧٩، واللسان ٣/٦٢٨..
٤٤ - في ع٣: مناسك الحج لأنها مواضعها..
٤٥ - انظر: هذا التوجيه في جامع البيان ٣/٧٩، واللسان ٣/٦٢٨..
٤٦ - في ع٣: عن..
٤٧ - قوله: "إلى ربه" ساقط من ع٢، ع٣..
٤٨ - انظر: جامع البيان ٣/٨١..
٤٩ - في ع٣: لها. وهو خطأ..
٥٠ - في ع٣: والتوبة، فخص..
٥١ - في ع٢، ق: كان..
٥٢ - في ق: يتخذ..
٥٣ - قوله: "وليتخذ الناس بعدهما" ساقط من ع٣..
٥٤ - انظر: جامع البيان ٣/٨١..
٥٥ - في ع٣: وثب. وهو تصحيف..
٥٦ - في ع٣: وثب. وهو تصحيف..
٥٧ - انظر: جامع البيان ٣/٨١-٨٢..
٥٨ - في ع١، ق: السلام. وفي ح: سلم وعلى محمد..
٥٩ - في ع٣: صلى الله عليه وسلم..
٦٠ - في ع٣: بشراي. وهو تحريف..
٦١ - رواه الحاكم في المستدرك (٢/٦٠٠) وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي..
٦٢ - سقط من ع١..
٦٣ - انظر: جامع البيان ٣/٨٥..
٦٤ - انظر: جامع البيان ٣/٨٦، والدر المنثور ١/٣٣٤..
٦٥ - في ع٣: نعمة. وهو تحريف..
٦٦ - في ع٢: الرسل. وهو تحريف..
٦٧ - في ع٣: نعمة. وهو تحريف..
٦٨ - انظر: هذا التوجيه في تفسير القرطبي ٢/١٣١، وهو قول ابن زيد في جامع البيان ٣/٨٦..
٦٩ - في ق: الحكمة هي:.
٧٠ - انظر: المحرر الوجيز ١/٣٦١، وتفسير القرطبي ٢/١٣١..
٧١ - في ع٣: الفقه في الدين..
٧٢ - انظر: المحرر الوجيز ١/٣٦١، وتفسير القرطبي ٢/١٣١..
٧٣ - في ع٢: والعقل..
٧٤ - انظر: جامع البيان ٣/٨٧..
٧٥ - انظر: هذا المعنى في مجاز القرآن ١/٥٦، وجامع البيان ٣/٨٨..
٧٦ - في ق: أشد. وفي ع٣: إنك أنت..
٧٧ - انظر: مفردات الراغب ٣٤٤، واللسان ٢/٧٦٤..
٧٨ - في ع٢، ع٣: عزيز. وهو تصحيف..
٧٩ - انظر: مجمع الأمثال ٢/٣٠٧..
٨٠ - في ع٣: عزتك..
٨١ - انظر: تفسير القرطبي ٢/٢٨٧..
٨٢ - سقط قوله "أي المحكم" من ع٣..
٨٣ - انظر: تفسير القرطبي ٢/٢٨٧..
٨٤ - سقط من ع٣..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى