فتح البيان في مقاصد القرآن — صديق حسن خان

عن الكتاب
﴿ربنا وابعث فيهم رسولا منهم يتلوا عليهم آياتك ويعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم إنك أنت العزيز الحكيم، ومن يرغب عن ملة إبراهيم إلا من سفه نفسه ولقد اصطفيناه في الدنيا وإنه في الآخرة لمن الصالحين﴾.
﴿وتب علينا﴾ أي تجاوز عنا والمراد بالتوبة التثبيت، لأنهما معصومان لا ذنب لهما وقيل المراد وتب على الظلمة منا ﴿إنك أنت التواب﴾ أي المتجاوز عن عباده ﴿الرحيم﴾ بهم.
﴿ربنا وابعث فيهم رسولا منهم﴾ ضمير فيهم راجع إلى الأمة المسلمة المذكورة سابقا وقرأ أبي في آخرهم ويحتمل أن يكون الضمير راجعا إلى الذرية وهم العرب من ولد إسماعيل، وقد أجاب الله لإبراهيم عليه السلام هذه الدعوة فبعث في ذريته رسولا منهم وهو محمد ﷺ، وقد أخبر عن نفسه أنه دعوة إبراهيم كما أخرجه أحمد من حديث العرباض ابن سارية(١) وغيره(٢) ومراده هذه الدعوة، وقد أجمع على ذلك المفسرون، لأن إبراهيم إنما دعا لذريته وهو بمكة ولم يبعث من ذريته بمكة غير محمد ﷺ، فدل على أن المراد به محمد ﷺ، والرسول هو المرسل، قال ابن الأنباري : يشبه أن يكون أصله ناقة مرسال ومرسلة إذا كانت سهلة السير ماضية أمام النوق، ويقال جاء القوم أرسالا أي بعضهم في إثر بعض.
﴿يتلو عليهم آياتك﴾ وهو القرآن ﴿ويعلمهم الكتاب﴾ أي معاني الكتاب من دلائل التوحيد والنبوة والأحكام الشرعية، والكتاب هو القرآن
﴿والحكمة﴾ أي ويعلمهم الحكمة وهي الإصابة في القول والعمل، ووضع كل شيء موضعه، والمراد بالحكمة هنا المعرفة بالدين والفقه في التأويل والفهم للشريعة، وقال قتادة : هي السنة وقيل هي الفصل بين الحق والباطل، وقال ابن قتيبة : هي العلم والعمل، ولا يكون الرجل حكيما حتى يجمعهما، وقال ابن دريد : كل كلمة وعظتك أو دعتك إلى مكرمة أو نهتك عن قبيح فهي حكمة، وقيل أن المراد بالآيات ظاهر الألفاظ، والكتاب معانيها، والحكمة الحكم وهو مراد الله بالخطاب وقيل غير ذلك ﴿ويزكيهم﴾ التزكية التطهير من الشرك وسائر المعاصي ﴿إنك أنت العزيز الحكيم﴾ أي الذي لا يعجزه شيء قاله ابن كيسان، وقال الكسائي : العزيز الغالب والحكيم العالم.
١ أحمد ابن حنبل ٤/١٢٧-١٢٨ ٥/٢٦٢..
٢ قوله تعالى: ﴿ربنا وابعث لنا فيهم رسولا منهم﴾ في الهاء والميم من ﴿فيهم﴾ قولان. أحدهما: أنها تعود على الذرية، قاله مقاتل والفراء: على أهل مكة في قوله، ﴿وارزق أهله﴾ والمراد بالرسول: محمد ﷺ وقد روى أبو أمامة عن النبي ﷺ أنه قال: يا رسول الله ما كان بدء أمرك؟ قال: ﴿دعوة أبي إبراهيم، وبشرى وعيسى، ورأت أمي أنه خرج منها نور أضاءت له قصور الشام﴾ رواه أبو داوود الطيالي وأحمد في ﴿المسند﴾ عن أبي أمامة وفي مسنده الفرج بن فضالة وهو ضعيف وجاء الحديث بمعناه في ﴿مسند أحمد﴾ عن العرباض بن سارية، وقد صححه الشيخ أحمد شاكر..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى