التفسير الوسيط — محمد سيد طنطاوي

عن الكتاب
ولقد كذبهم الله - تعالى - تكذيباً مؤكداً في دعواهم أنهم مصلحون فقال :﴿ألا إِنَّهُمْ هُمُ المفسدون ولكن لاَّ يَشْعُرُونَ﴾. فأنت ترى أن القرآن الكريم قد وضع في الرد عليهم جملة صدرها بأداة الاستفتاح إيذاناً بأن ما قالوه يجب أن يهمل إهمالاً، بل يجب أن يكون وصفهم بالإِفساد قضية مبتدأة مقررة حتى يتلقاها السامع وهو منتبه النفس، حاصر الذهن.
ثم أكد الجملة بعدة تأكيدات منها : وصل " ألا " " بإن " الدالة على تأكيد الخبر وتحقيقه، ومنها تأكيد الضمير بضمير منفصل حتى يتم التصاق الخبر بالمبتدأ، ومنها اسمية الجملة، ومنها إفادة قصرهم على الإِفساد في مقابل تأكيدهم أنهم هم المصلحون.
ولما كان هذا الرد المؤكد عليهم يستدعي عجباً، لأنهم زعموا أنهم لا حال لهم إلا الاصلاح، مع أنهم في الحقيقة لا حال لهم إلا الإفساد، لما كان الأمر كذلك، فقد أزال القرآن هذا العجب بقوله :﴿ولكن لاَّ يَشْعُرُونَ﴾. أي : أنهم ما قالوه إلا عن غباء استولى على إحساسهم، ونفي عنهم الشعور بما يصدر عنهم من الفساد، فأمسوا لا يدركون من شأن أنفسهم شيئاً، ومن أسوأ ألوان الجهل أن يكون الإِنسان مفسداً ولا يشعر بذلك، مع أن أثر فساده ظاهر في العيان، مرئى لكل ذي حس. فعدم شعورهم بالفساد الواقع منهم منبئ باختلاف آلات إدراكهم، حتى صاروا يحسبون الفساد صلاحاً، والشر خيراً. وليس عدم شعورهم رافعاً العقاب عنهم، لأن الجاهل لا يعذر بجهله خصوصاً إذا كان جهله يزول بأدنى تأمل لوضوح الأدلة، وسطوع البراهين.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:وإنما قال في الآية السابقة " ولكن لا يشعرون " وقال في هذه الآية ﴿ولكن لاَّ يَعْلَمُونَ﴾ لأن الآية السابقة وصفتهم بالإِفساد، وهو من المحسوسات التي تدرك بأدنى نظر فيناسبه نفى الشعور الذي هو الإدراك بالمشاعر : الحواس، أما هذه الآية فقد وصفتهم بالسفه، وهو ضعف الرأي والجهل بالأمور، وهذا لا يدركه الشخص في نفسه إلا يعد نظر وإمعان فكر. فيناسبه نفي العلم.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى