البحر المحيط في التفسير — أبو حيان الأندلسي
عن الكتاب
الحضور : الشهود، تقول منه : حضر بفتح العين، وفي المضارع : يحضر بضمهما، ويقال : حضر بكسر العين، وقياس المضارع أن يفتح فيه فيقال : يحضر، لكن العرب استغنت فيه بمضارع فعل المفتوح العين فقالت : حضر يحضر بالضم، وهي ألفاظ شذت فيها العرب، فجاء مضارع فعل المكسور العين على يفعل بضمها، قالوا : نعم ينعم، وفضل يفضل، وحضر يحضر، ومت تموت، ودمت تدوم، وكل هذه جاء فيها فعل بفتح العين، فلذلك استغنى بمضارعه عن مضارع فعل، كما استغنت فيه بيفعل بكسر العين عن يفعل بفتحها.
قالوا : ضللت بكسر العين، تضل بالكسر، لأنه يجوز فيه ضللت بفتح العين.
إسحاق : اسم أعجمي لا ينصرف للعلمية والعجمة الشخصية، وإسحاق : مصدر أسحق، ولو سميت به لكان مصروفاً، وقالوا في الجمع : أساحقة وأساحيق، وفي جمع يعقوب : يعاقبه ويعاقيب، وفي جمع إسرائيل : أسارلة.
وجوز الكوفيون في إبراهيم وإسماعيل : براهمة وسماعلة، والهاء بدل من الياء كما في زنادقة زناديق.
وقال أبو العباس : هذا الجمع خطأ، لأن الهمزة ليست زائدة، والجمع : أباره وأسامع، ويجوز : أباريه وأساميع، والوجه أن يجمع هذه جمع السلامة فيقال : إبراهيمون، وإسماعيلون، وإسحاقون، ويعقوبون.
وحكى الكوفيون أيضاً : براهم، وسماعل، وأساحق، ويعاقب، بغير ياء ولا هاء.
وقال الخليل وسيبويه : براهيم، وسماعيل.
وردّ أبو العباس على من أسقط الهمزة، لأن هذا ليس موضع زيادتها.
وأجاز ثعلب : براه، كما يقال في التصغير : بريه.
وقال أبو جعفر : الصفار : أما إسرائيل، فلا نعلم أحداً يجيز حذف الهمزة من أوله، وإنما يقال : أساريل.
وحكى الكوفيون : أسارلة وأسارل. انتهى.
وقد تقدّم لنا الكلام في شيء من نحو جمع هذه الأشياء، واستوفي النقل هنا.
﴿أم كنتم شهداء إذ حضر يعقوب الموت﴾ : نزلت في اليهود.
قالوا : ألست تعلم أن يعقوب يوم مات أوصى بنيه باليهودية ؟ قال الكلبي : لما دخل يعقوب مصر رآهم يعبدون الأوثان والنيرين، فجمع بنيه وخاف عليهم ذلك، فقال لهم : ما تعبدون من بعدي ؟ فأنزل الله هذه الآية إعلاماً لنبيه بما وصى به يعقوب، وتكذيباً لليهود.
وأم هنا منقطعة، تتضمن معنى بل وهمزة الاستفهام الدالة على الإنكار، والتقدير : بل أكنتم شهداء ؟ فمعنى الإضراب : الانتقال من شيء إلى شيء، لا أن ذلك إبطال لما قبله.
ومعنى الاستفهام هنا : التقريع والتوبيخ، وهو في معنى النفي، أي ما كنتم شهداء، فكيف تنسبون إليه ما لا تعلمون ؟ ولا شهدتموه أنتم ولا أسلافكم.
وقيل : أم هنا بمعنى : بل، والمعنى بل كنتم، أي كان أسلافكم، أو تنزلهم منزلة أسلافهم، إذ كان أسلافهم قد نقلوا ذلك إليهم، وفي إثبات ذلك إنكار عليهم ما نسبوه إلى يعقوب من اليهودية.
والخطاب في كنتم لمن كان بحضرة رسول الله ﷺ من أحبار اليهود والنصارى ورؤسائهم.
وقال ابن عطية : قال لهم على جهة التقرير والتوبيخ أشهدتم يعقوب وعلمتم بما أوصى، فتدّعون عن علم، أي لم تشهدوا، بل أنتم تفترون.
وأم تكون بمعنى ألف الاستفهام في صدر الكلام لغة يمانية.
انتهى ما ذكره.
ولم أقف لأحد من النحويين على أن أم يستفهم بها في صدر الكلام.
وأين ذلك ؟ وإذا صح النقل فلا مدفع فيه ولا مطعن.
وحكى الطبري أن أم يستفهم بها في وسط كلام قد تقدم صدره، وهذا منه.
ومنه :﴿أم يقولون افتراه﴾.
انتهى، وهذا أيضاً قول غريب.
وتلخص أن أم هنا فيها ثلاثة أقوال :( المشهور ) أنها هنا منقطعة بمعنى بل والهمزة.
( الثاني ) : أنها للإضراب فقط، بمعنى بل.
( الثالث ) : بمعنى همزة الاستفهام فقط.
وقال الزمخشري : الخطاب للمؤمنين بمعنى : ما شاهدتم ذلك، وإنما حصل لكم العلم به من طريق الوحي.
وقيل : الخطاب لليهود، لأنهم كانوا يقولون : ما مات نبي إلا على اليهودية، إلا أنهم لو شهدوه، ولو سمعوا ما قاله لبنيه، وما قالوه، لظهر لهم حرصه على ملة الإسلام، ولما ادعوا عليه اليهودية.
فالآية منافية لقولهم، فكيف يقال لهم :﴿أم كنتم شهداء﴾ ؟ ولكن الوجه أن تكون أم متصلة، على أن يقدر قبلها محذوف، كأنه قيل : أتدعون على الأنبياء اليهودية ؟ ﴿أم كنتم شهداء إذ حضر يعقوب الموت﴾ ؟ يعني أن أوائلكم من بني إسرائيل كانوا مشاهدين له، إذ أراد بنيه على التوحيد وملة الإسلام، فما لكم تدعون على الأنبياء ما هم منه برآء ؟ انتهى كلامه.
وملخصه : أنه جعل أم متصلة، وأنه حذف قبلها ما يعادلها، ولا نعلم أحداً أجاز حذف هذه الجملة، ولا يحفظ ذلك، لا في شعر ولا غيره، فلا يجوز : أم زيد ؟ وأنت تريد : أقام عمرو أم زيد ؟ ولا أم قام خالد ؟ وأنت تريد : أخرج زيد ؟ أم قام خالد ؟ والسبب في أنه لا يجوز الحذف.
إن الكلام في معنى : أي الأمرين وقع ؟ فهي في الحقيقة جملة واحدة.
وإما يحذف المعطوف عليه ويبقى المعطوف مع الواو والفاء، إذا دل على ذلك دليل نحو قولك : بلى وعمراً، جواباً لمن.
قال : ألم تضرب زيداً ؟ ونحو قوله تعالى :﴿أن اضرب بعصاك الحجر فانفجرت﴾ أي فضرب فانفجرت.
وندر حذف المعطوف عليه مع أو، نحو قوله :
فهل لك أو من والد لك قبلنا***
أراد : فهل لك من أخ أو من والد ؟ ومع حتى على نظر فيه في قوله :
فيا عجباً حتى كليب تسبني***
أي : يسبني الناس حتى كليب، لكن الذي سمع من كلام العرب حذف أم المتصلة مع المعطوف، قال :
يريد : أم غير رشد، فحذف لدلالة الكلام عليه، وإنما جاز ذلك لأن المستفهم عن الإثبات يتضمن نقيضه.
فالمعنى : أقام زيد أم لم يقم، ولذلك صلح الجواب أن يكون بنعم وبلا، فلذلك جاز ذلك في البيت في قوله : أرشد طلابها، أي أم غير رشد.
ويجوز حذف الثواني المقابلات إذ دل عليها المعنى.
ألا ترى إلى قوله :﴿تقيكم الحر﴾ كيف حذف والبرد ؟ إذ حضر العامل في إذ شهداء، وذلك على جهة الظرف، لا على جهة المفعول، كأنه قيل : حاضري كلامه في وقت حضور الموت، وكنى بالموت عن مقدّماته لأنه إذا حضر الموت نفسه لا يقول المحتضر شيئاً، ومنه :﴿ويأتيه الموت من كل مكان وما هو بميت﴾ أي ويأتيه دواعيه وأسبابه، وقال الشاعر :
وفي قوله : حضر، كناية غريبة، إنه غائب لا بد أن يقدم، ولذلك يقال في الدعاء : واجعل الموت خير غائب ننتظره.
وقرئ : حضر بكسر الضاد، وقد ذكرنا أن ذلك لغة، وأن مضارعها بضم الضاد شاذ، وقدم المفعول هنا على الفاعل للاعتناء.
﴿إذ قال لنبيه﴾، إذ : بدل من إذ في قوله : إذ حضر، فالعامل فيه إما شهداء العاملة في إذ الأولى على قول من زعم أن العامل في البدل العامل في المبدل منه، وإما شهداء مكررة على قول من زعم أن البدل على تكرار العامل.
وزعم القفال أن إذا وقت للحضور، فالعامل فيه حضر، وهو يؤول إلى اتحاد الظرفين، وإن اختلف عاملهما.
﴿ما تعبدون من بعدي﴾ ما : استفهام عما لا يعقل، وهو اسم تام منصوب بالفعل بعده.
فعلى قول من زعم أن ما مبهمة في كل شيء، يكون هنا يقع على من يعقل وما لا يعقل، لأنه قد عبد بنو آدم والملائكة والشمس والقمر وبعض النجوم والأوثان المنحوتة، وأما من يذهب إلى تخصيص ما بغير العاقل، فقيل : هو سؤال عن صفة المعبود، لأن ما يسأل بها عن الصفات تقول : ما زيد، أفقيه أم شاعر ؟ وقيل : سأل بما لأن المعبودات المتعارفة في ذلك الوقت كانت جمادات، كالأوثان والنار والشمس والحجارة، فاستفهم بما التي يستفهم بها عما لا يعقل.
وفهم عنه بنوه فأجابوه : بأنا لا نعبد شيئاً من هؤلاء.
وقيل : استفهم بما عن المعبود تجربة لهم، ولم يقل من لئلا يطرّق لهم الاهتداء، وإنما أراد أن يختبرهم وينظر ثبوتهم على ما هم عليه.
وظاهر الكلام أنه استفهم عن الذي يعبدون، أي العبادة المشروعة ؟ وقال القفال : دعاهم إلى أن لا يتحرّوا في أعمالهم غير وجه الله تعالى، ولم يخف عليهم الاشتغال بعبادة الأصنام، وإنما خاف عليهم أن تشغلهم دنياهم.
وفي ذلك دليل على أن شفقة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام على أولادهم كانت في باب الدين، وهمتهم مصروفة إليهم.
من بعدي : يريد من بعد موتي، وحكى أن يعقوب عليه السلام حين خير، كما يخير الأنبياء، اختار الموت وقال : أمهلوني حتى أوصي بني وأهلي، فجمعهم وقال لهم هذا القول.
﴿قالوا نعبد إلهك وإله آبائك إبراهيم وإسماعيل وإسحاق﴾ : هذه قراءة الجمهور.
وقرأ أبي : وإله إبراهيم، بإسقاط آبائك.
وقرأ ابن عباس، والحسن، وابن يعمر، والجحدري، وأبو رجاء : وإله أبيك.
فأما على قراءة الجمهور، فإبراهيم وما بعده بدل من آبائك، أو عطف بيان.
وإذا كان بدلاً، فهو من البدل التفصيلي، ولو قرئ فيه بالقطع، لكان ذلك جائزاً.
وأجاز المهدوي أن يكون إبراهيم وما بعده منصوباً على إضمار، أعني : وفيه دلالة على أن العم يطلق عليه أب.
وقد جاء في العباس : هذا بقية آبائي، وردّوا عليّ أبي، وأنا ابن الذبيحين، على القول الشهير : أن الذبيح هو إسحاق، وفيه دلالة على أن الجدّ يسمى أباً لقوله :﴿وإله آبائك إبراهيم﴾، وإبراهيم جدّ ليعقوب.
وقد استدل ابن عباس بذلك وبقوله :﴿واتبعت ملة آبائي إبراهيم وإسحاق ويعقوب﴾ على توريث الجدّ دون الإخوة، وإنزاله منزلة الأب في الميراث، عند فقد الأب، وأن لا يختلف حكمه وحكم الأب في الميراث، إذا لم يكن أب، وهو مذهب الصديق وجماعة من الصحابة، رضوان الله عليهم أجمعين، وهو قول أبي حنيفة.
وقال زيد بن ثابت : هو بمنزلة الإخوة، ما لم تنقصه المقاسمة من الثلث، فيعطى الثلث، ولم ينقص منه شيئاً، وبه قال مالك وأبو يوسف والشافعي.
وقال علي : هو بمنزلة أحد الإخوة، ما لم تنقصه المقاسمة من السدس، فيعطى السدس، ولم ينقص منه شيئاً، وبه قال ابن أبي ليلى، وحجج هذه الأقوال في كتب الفقه.
وأما قراءة أبيّ فظاهرة، وأما على قراءة ابن عباس، ومن ذكر معه، فالظاهر أن لفظ أبيك أريد به الإفراد ويكون إبراهيم بدلاً منه، أو عطف بيان.
وقيل : هو جمع سقطت منه النون للإضافة، فقد جمع أب على أبين نصباً وجراً، وأبون رفعاً، حكى ذلك سيبويه، وقال الشاعر :
فلما تبين أصواتنا***
بكين وفدّيننا بالأبينا
وعلى هذا الوجه يكون إعراب إبراهيم مثل إعرابه حين كان جمع تكسير.
وفي إجابتهم له بإظهار الفعل تأكيد لما أجابوه به، إذ كان يجوز أن يقال : قالوا إلهك، فتصريحهم بالفعل تأكيد في الجواب أنه مطابق للسؤال، أعني في العامل الملفوظ به في السؤال.
وإضافة الإله إلى يعقوب فيه دليل على اتحاد معبود السائل والمجيب لفظاً.
وفي قوله : وإله آبائك دليل على اتحاد المعبود أيضاً من حيث اللفظ، وإنما كرر لفظ وإله، لأنه لا يصح العطف على الضمير المجرور إلا بإعادة جاره، إلا في الشعر، أو على مذهب من يرى ذلك، وهو عنده قليل.
فلو كان المعطوف عليه ظاهراً، لكان حذف الجار، إذا كان اسماً، أولى من إثباته، لما يوهم إثباته من المغايرة.
فإن حذفه يدل على الاتحاد.
وبدأ أولا
قالوا : ضللت بكسر العين، تضل بالكسر، لأنه يجوز فيه ضللت بفتح العين.
إسحاق : اسم أعجمي لا ينصرف للعلمية والعجمة الشخصية، وإسحاق : مصدر أسحق، ولو سميت به لكان مصروفاً، وقالوا في الجمع : أساحقة وأساحيق، وفي جمع يعقوب : يعاقبه ويعاقيب، وفي جمع إسرائيل : أسارلة.
وجوز الكوفيون في إبراهيم وإسماعيل : براهمة وسماعلة، والهاء بدل من الياء كما في زنادقة زناديق.
وقال أبو العباس : هذا الجمع خطأ، لأن الهمزة ليست زائدة، والجمع : أباره وأسامع، ويجوز : أباريه وأساميع، والوجه أن يجمع هذه جمع السلامة فيقال : إبراهيمون، وإسماعيلون، وإسحاقون، ويعقوبون.
وحكى الكوفيون أيضاً : براهم، وسماعل، وأساحق، ويعاقب، بغير ياء ولا هاء.
وقال الخليل وسيبويه : براهيم، وسماعيل.
وردّ أبو العباس على من أسقط الهمزة، لأن هذا ليس موضع زيادتها.
وأجاز ثعلب : براه، كما يقال في التصغير : بريه.
وقال أبو جعفر : الصفار : أما إسرائيل، فلا نعلم أحداً يجيز حذف الهمزة من أوله، وإنما يقال : أساريل.
وحكى الكوفيون : أسارلة وأسارل. انتهى.
وقد تقدّم لنا الكلام في شيء من نحو جمع هذه الأشياء، واستوفي النقل هنا.
﴿أم كنتم شهداء إذ حضر يعقوب الموت﴾ : نزلت في اليهود.
قالوا : ألست تعلم أن يعقوب يوم مات أوصى بنيه باليهودية ؟ قال الكلبي : لما دخل يعقوب مصر رآهم يعبدون الأوثان والنيرين، فجمع بنيه وخاف عليهم ذلك، فقال لهم : ما تعبدون من بعدي ؟ فأنزل الله هذه الآية إعلاماً لنبيه بما وصى به يعقوب، وتكذيباً لليهود.
وأم هنا منقطعة، تتضمن معنى بل وهمزة الاستفهام الدالة على الإنكار، والتقدير : بل أكنتم شهداء ؟ فمعنى الإضراب : الانتقال من شيء إلى شيء، لا أن ذلك إبطال لما قبله.
ومعنى الاستفهام هنا : التقريع والتوبيخ، وهو في معنى النفي، أي ما كنتم شهداء، فكيف تنسبون إليه ما لا تعلمون ؟ ولا شهدتموه أنتم ولا أسلافكم.
وقيل : أم هنا بمعنى : بل، والمعنى بل كنتم، أي كان أسلافكم، أو تنزلهم منزلة أسلافهم، إذ كان أسلافهم قد نقلوا ذلك إليهم، وفي إثبات ذلك إنكار عليهم ما نسبوه إلى يعقوب من اليهودية.
والخطاب في كنتم لمن كان بحضرة رسول الله ﷺ من أحبار اليهود والنصارى ورؤسائهم.
وقال ابن عطية : قال لهم على جهة التقرير والتوبيخ أشهدتم يعقوب وعلمتم بما أوصى، فتدّعون عن علم، أي لم تشهدوا، بل أنتم تفترون.
وأم تكون بمعنى ألف الاستفهام في صدر الكلام لغة يمانية.
انتهى ما ذكره.
ولم أقف لأحد من النحويين على أن أم يستفهم بها في صدر الكلام.
وأين ذلك ؟ وإذا صح النقل فلا مدفع فيه ولا مطعن.
وحكى الطبري أن أم يستفهم بها في وسط كلام قد تقدم صدره، وهذا منه.
ومنه :﴿أم يقولون افتراه﴾.
انتهى، وهذا أيضاً قول غريب.
وتلخص أن أم هنا فيها ثلاثة أقوال :( المشهور ) أنها هنا منقطعة بمعنى بل والهمزة.
( الثاني ) : أنها للإضراب فقط، بمعنى بل.
( الثالث ) : بمعنى همزة الاستفهام فقط.
وقال الزمخشري : الخطاب للمؤمنين بمعنى : ما شاهدتم ذلك، وإنما حصل لكم العلم به من طريق الوحي.
وقيل : الخطاب لليهود، لأنهم كانوا يقولون : ما مات نبي إلا على اليهودية، إلا أنهم لو شهدوه، ولو سمعوا ما قاله لبنيه، وما قالوه، لظهر لهم حرصه على ملة الإسلام، ولما ادعوا عليه اليهودية.
فالآية منافية لقولهم، فكيف يقال لهم :﴿أم كنتم شهداء﴾ ؟ ولكن الوجه أن تكون أم متصلة، على أن يقدر قبلها محذوف، كأنه قيل : أتدعون على الأنبياء اليهودية ؟ ﴿أم كنتم شهداء إذ حضر يعقوب الموت﴾ ؟ يعني أن أوائلكم من بني إسرائيل كانوا مشاهدين له، إذ أراد بنيه على التوحيد وملة الإسلام، فما لكم تدعون على الأنبياء ما هم منه برآء ؟ انتهى كلامه.
وملخصه : أنه جعل أم متصلة، وأنه حذف قبلها ما يعادلها، ولا نعلم أحداً أجاز حذف هذه الجملة، ولا يحفظ ذلك، لا في شعر ولا غيره، فلا يجوز : أم زيد ؟ وأنت تريد : أقام عمرو أم زيد ؟ ولا أم قام خالد ؟ وأنت تريد : أخرج زيد ؟ أم قام خالد ؟ والسبب في أنه لا يجوز الحذف.
إن الكلام في معنى : أي الأمرين وقع ؟ فهي في الحقيقة جملة واحدة.
وإما يحذف المعطوف عليه ويبقى المعطوف مع الواو والفاء، إذا دل على ذلك دليل نحو قولك : بلى وعمراً، جواباً لمن.
قال : ألم تضرب زيداً ؟ ونحو قوله تعالى :﴿أن اضرب بعصاك الحجر فانفجرت﴾ أي فضرب فانفجرت.
وندر حذف المعطوف عليه مع أو، نحو قوله :
فهل لك أو من والد لك قبلنا***
أراد : فهل لك من أخ أو من والد ؟ ومع حتى على نظر فيه في قوله :
فيا عجباً حتى كليب تسبني***
أي : يسبني الناس حتى كليب، لكن الذي سمع من كلام العرب حذف أم المتصلة مع المعطوف، قال :
| دعاني إليها القلب إني لأمرها | سميع فما أدرى أرشد طلابها |
فالمعنى : أقام زيد أم لم يقم، ولذلك صلح الجواب أن يكون بنعم وبلا، فلذلك جاز ذلك في البيت في قوله : أرشد طلابها، أي أم غير رشد.
ويجوز حذف الثواني المقابلات إذ دل عليها المعنى.
ألا ترى إلى قوله :﴿تقيكم الحر﴾ كيف حذف والبرد ؟ إذ حضر العامل في إذ شهداء، وذلك على جهة الظرف، لا على جهة المفعول، كأنه قيل : حاضري كلامه في وقت حضور الموت، وكنى بالموت عن مقدّماته لأنه إذا حضر الموت نفسه لا يقول المحتضر شيئاً، ومنه :﴿ويأتيه الموت من كل مكان وما هو بميت﴾ أي ويأتيه دواعيه وأسبابه، وقال الشاعر :
| وقل لهم بادروا العذر والتمسوا | قولاً يبرئكم إني أنا الموت |
وقرئ : حضر بكسر الضاد، وقد ذكرنا أن ذلك لغة، وأن مضارعها بضم الضاد شاذ، وقدم المفعول هنا على الفاعل للاعتناء.
﴿إذ قال لنبيه﴾، إذ : بدل من إذ في قوله : إذ حضر، فالعامل فيه إما شهداء العاملة في إذ الأولى على قول من زعم أن العامل في البدل العامل في المبدل منه، وإما شهداء مكررة على قول من زعم أن البدل على تكرار العامل.
وزعم القفال أن إذا وقت للحضور، فالعامل فيه حضر، وهو يؤول إلى اتحاد الظرفين، وإن اختلف عاملهما.
﴿ما تعبدون من بعدي﴾ ما : استفهام عما لا يعقل، وهو اسم تام منصوب بالفعل بعده.
فعلى قول من زعم أن ما مبهمة في كل شيء، يكون هنا يقع على من يعقل وما لا يعقل، لأنه قد عبد بنو آدم والملائكة والشمس والقمر وبعض النجوم والأوثان المنحوتة، وأما من يذهب إلى تخصيص ما بغير العاقل، فقيل : هو سؤال عن صفة المعبود، لأن ما يسأل بها عن الصفات تقول : ما زيد، أفقيه أم شاعر ؟ وقيل : سأل بما لأن المعبودات المتعارفة في ذلك الوقت كانت جمادات، كالأوثان والنار والشمس والحجارة، فاستفهم بما التي يستفهم بها عما لا يعقل.
وفهم عنه بنوه فأجابوه : بأنا لا نعبد شيئاً من هؤلاء.
وقيل : استفهم بما عن المعبود تجربة لهم، ولم يقل من لئلا يطرّق لهم الاهتداء، وإنما أراد أن يختبرهم وينظر ثبوتهم على ما هم عليه.
وظاهر الكلام أنه استفهم عن الذي يعبدون، أي العبادة المشروعة ؟ وقال القفال : دعاهم إلى أن لا يتحرّوا في أعمالهم غير وجه الله تعالى، ولم يخف عليهم الاشتغال بعبادة الأصنام، وإنما خاف عليهم أن تشغلهم دنياهم.
وفي ذلك دليل على أن شفقة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام على أولادهم كانت في باب الدين، وهمتهم مصروفة إليهم.
من بعدي : يريد من بعد موتي، وحكى أن يعقوب عليه السلام حين خير، كما يخير الأنبياء، اختار الموت وقال : أمهلوني حتى أوصي بني وأهلي، فجمعهم وقال لهم هذا القول.
﴿قالوا نعبد إلهك وإله آبائك إبراهيم وإسماعيل وإسحاق﴾ : هذه قراءة الجمهور.
وقرأ أبي : وإله إبراهيم، بإسقاط آبائك.
وقرأ ابن عباس، والحسن، وابن يعمر، والجحدري، وأبو رجاء : وإله أبيك.
فأما على قراءة الجمهور، فإبراهيم وما بعده بدل من آبائك، أو عطف بيان.
وإذا كان بدلاً، فهو من البدل التفصيلي، ولو قرئ فيه بالقطع، لكان ذلك جائزاً.
وأجاز المهدوي أن يكون إبراهيم وما بعده منصوباً على إضمار، أعني : وفيه دلالة على أن العم يطلق عليه أب.
وقد جاء في العباس : هذا بقية آبائي، وردّوا عليّ أبي، وأنا ابن الذبيحين، على القول الشهير : أن الذبيح هو إسحاق، وفيه دلالة على أن الجدّ يسمى أباً لقوله :﴿وإله آبائك إبراهيم﴾، وإبراهيم جدّ ليعقوب.
وقد استدل ابن عباس بذلك وبقوله :﴿واتبعت ملة آبائي إبراهيم وإسحاق ويعقوب﴾ على توريث الجدّ دون الإخوة، وإنزاله منزلة الأب في الميراث، عند فقد الأب، وأن لا يختلف حكمه وحكم الأب في الميراث، إذا لم يكن أب، وهو مذهب الصديق وجماعة من الصحابة، رضوان الله عليهم أجمعين، وهو قول أبي حنيفة.
وقال زيد بن ثابت : هو بمنزلة الإخوة، ما لم تنقصه المقاسمة من الثلث، فيعطى الثلث، ولم ينقص منه شيئاً، وبه قال مالك وأبو يوسف والشافعي.
وقال علي : هو بمنزلة أحد الإخوة، ما لم تنقصه المقاسمة من السدس، فيعطى السدس، ولم ينقص منه شيئاً، وبه قال ابن أبي ليلى، وحجج هذه الأقوال في كتب الفقه.
وأما قراءة أبيّ فظاهرة، وأما على قراءة ابن عباس، ومن ذكر معه، فالظاهر أن لفظ أبيك أريد به الإفراد ويكون إبراهيم بدلاً منه، أو عطف بيان.
وقيل : هو جمع سقطت منه النون للإضافة، فقد جمع أب على أبين نصباً وجراً، وأبون رفعاً، حكى ذلك سيبويه، وقال الشاعر :
فلما تبين أصواتنا***
بكين وفدّيننا بالأبينا
وعلى هذا الوجه يكون إعراب إبراهيم مثل إعرابه حين كان جمع تكسير.
وفي إجابتهم له بإظهار الفعل تأكيد لما أجابوه به، إذ كان يجوز أن يقال : قالوا إلهك، فتصريحهم بالفعل تأكيد في الجواب أنه مطابق للسؤال، أعني في العامل الملفوظ به في السؤال.
وإضافة الإله إلى يعقوب فيه دليل على اتحاد معبود السائل والمجيب لفظاً.
وفي قوله : وإله آبائك دليل على اتحاد المعبود أيضاً من حيث اللفظ، وإنما كرر لفظ وإله، لأنه لا يصح العطف على الضمير المجرور إلا بإعادة جاره، إلا في الشعر، أو على مذهب من يرى ذلك، وهو عنده قليل.
فلو كان المعطوف عليه ظاهراً، لكان حذف الجار، إذا كان اسماً، أولى من إثباته، لما يوهم إثباته من المغايرة.
فإن حذفه يدل على الاتحاد.
وبدأ أولا