البحر المحيط في التفسير — أبو حيان الأندلسي

عن الكتاب
الحنف : لغة الميل، وبه سمي الأحنف لميل كان في إحدى قدميه عن الأخرى، قال الشاعر :
والله لولا حنف في رجلهما كان في صبيانكم من مثله
وقال ابن قتيبة : الحنف الاستقامة، وسمي الأحنف على سبيل التفاؤل، كما سمي اللديغ سليماً.
وقال القفال : الحنف لقب لمن دان بالإسلام كسائر ألقاب الديانات.
وقال عمر :
حمدت الله حين هدى فؤاديإلى الإسلام والدين الحنيفي
وقال الزجاج : الحنيف : المائل عما عليه العامّة إلى ما لزمه، وأنشد :
ولكنا خلقنا إذ خلقناحنيفاً ديننا عن كل دين
﴿وقالوا كونوا هوداً أو نصارى تهتدوا﴾ : الضمير عائد في قالوا على رؤساء اليهود الذين كانوا بالمدينة، وعلى نصارى نجران، وفيهم نزلت.
كعب بن الأشرف، ومالك بن الصيف، ووهب، وأبيّ بن ياس بن أخطب، والسيد، والعاقب وأصحابهما خاصموا المسلمين في الدين، كل فرقة تزعم أنها أحق بدين الله من غيرها، فأخبر الله عنهم وردّ عليهم.
وأو هنا للتفصيل، كأو في قوله :﴿وقالوا لن يدخل الجنة إلا من كان هوداً أو نصارى﴾ والمعنى : وقالت اليهود كونوا هوداً، وقالت النصارى : كونوا نصارى، فالمجموع قالوا للمجموع، لا أن كل فرد فرد أمر باتباع أي الملتين.
وقد تقدّم إيضاح ذلك وإشباع الكلام فيه في قوله :﴿وقالوا لن يدخل الجنة﴾.
﴿قل بل ملة إبراهيم﴾ : قرأ الجمهور : بنصب ملة بإضمار فعل.
أما على المفعول، أي بل نتبع ملة، لأن معنى قوله :﴿كونوا هوداً أو نصارى﴾ : اتبعوا اليهودية أو النصرانية.
وأما على أنه خبر كان، أي بل تكون ملة إبراهيم، أي أهل ملة إبراهيم، كما قال عدي بن حاتم، إني من دين، أي من أهل دين، قاله الزجاح.
وأما على أنه منصوب على الإعراء، أي الزموا ملة إبراهيم، قاله أبو عبيد.
وأما على أنه منصوب على إسقاط الخافض، أي نقتدي ملة، أي بملة، وهو يحتمل أن يكون خطاباً للكفار، فيكون المضمر اتبعوا، أو كونوا.
ويحتمل أن يكون من كلام المؤمنين، فيقدر بنتبع، أو تكون، أو نقتدي على ما تقدم تقديره.
وقرأ ابن هرمز الأعرج، وابن أبي عبلة :﴿بل ملة إبراهيم﴾، برفع ملة، وهو خبر مبتدأ محذوف، أي بل الهدى ملة، أو أمرنا ملته، أو نحن ملته، أي أهل ملته، أو مبتدأ محذوف الخبر، أي بل ملة إبراهيم حنيفاً ملتنا.
﴿حنيفاً﴾ : ذكروا أنه منصوب على الحال من إبراهيم، أي في حال حنيفيته، قاله المهدوي وابن عطية والزمخشري وغيرهم.
قال الزمخشري : كقولك رأيت وجه هند قائمة، وأنه منصوب بإضمار فعل، حكاه ابن عطية.
وقال : لأن الحال تعلق من المضاف إليه. انتهى.
وتقدير الفعل نتبع حنيفاً، وأنه منصوب على القطع، حكاه السجاوندي، وهو تخريج كوفي، لأن النصب على القطع إنما هو مذهب الكوفيين.
وقد تقدم لنا الكلام فيه، واختلاف الفراء والكسائي، فكان التقدير : بل ملة إبراهيم الحنيف، فلما نكره، لم يمكن اتباعه إياه، فنصبه على القطع.
أما الحال من المضاف إليه، إذا كان المضاف غير عامل في المضاف إليه قبل الإضافة، فنحن لا نجيزه، سواء كان جزءاً مما أضيف إليه، أو كالجزء، أو غير ذلك.
وقد أمعنا الكلام على ذلك في ( كتاب منهج المسالك ) من تأليفنا.
وأما النصب على القطع، فقد ردّ هذا الأصل البصريون.
وأما إضمار الفعل فهو قريب، ويمكن أن يكون منصوباً على الحال من المضاف، وذكر حنيفاً ولم يؤنث لتأنيث ملة، لأنه حمل على المعنى، لأن الملة هي الدين، فكأنه قيل : نتبع دين إبراهيم حنيفاً.
وعلى هذا خرجه هبة الله بن الشجري في المجلس الثالث من أماليه.
قال : قيل إن حنيفاً حال من إبراهيم، وأوجه من ذلك عندي أن يجعله حالاً من الملة، وإن خالفها بالتذكير، لأن الملة في معنى الدين.
ألا ترى أنها قد أبدلت من الدين في قوله جل وعز :﴿ديناً قيماً ملة إبراهيم﴾ فإذا جعلت حنيفاً حالاً من الملة، فالناصب له هو الناصب للملة، وتقديره : بل نتبع ملة إبراهيم حنيفاً، وإنما ضعف الحال من المضاف إليه، لأن العامل في الحال ينبغي أن يكون هو العامل في ذي الحال.
انتهى كلامه.
وتكون حالاً لازمة، لأن دين إبراهيم لم ينفك عن الحنيفية، وكذلك يلزم من جعل حنيفاً حالاً من إبراهيم أن يكون حالاً لازمة، لأن إبراهيم لم ينفك عن الحنيفية.
والحنيف : هو المائل عن الأديان كلها، قاله ابن عباس ؛ أو المائل عما عليه العامّة، قاله الزجاج، أو المستقيم، قاله ابن قتيبة ؛ أو الحاج، قاله ابن عباس أيضاً ؛ وابن الحنفية، أو المتبع، قاله مجاهد ؛ أو المخلص، قاله السدّي ؛ أو المخالف للكل، قاله ابن بحر ؛ أو المسلم، قاله الضحاك، قال : فإذا جمع الحنيف مع المسلم فهو الحاج، أو المختتن.
أو الحنف : هو الاختتان، وإقامة المناسك، وتحريم الأمّهات والبنات والأخوات والعمات والخالات، عشرة أقوال متقاربة في المعنى.
وإنما خص إبراهيم دون غيره من الأنبياء، وإن كانوا كلهم مائلين إلى الحق، مستقيمي الطريقة حنفاء، لأن الله اختص إبراهيم بالإمامة، لما سنه من مناسك الحج والختان، وغير ذلك من شرائع الإسلام، مما يقتدى به إلى قيام الساعة.
وصارت الحنيفية علماً مميزاً بين المؤمن والكافر.
وسمي بالحنيف : من اتبعه واستقام على هديه، وسمي المنكث على ملته بسائر أسماء الملل، فقيل : يهودي ونصراني ومجوسي، وغير ذلك من ضروب النحل.
﴿وما كان من المشركين﴾ : أخبر الله تعالى أنه لم يكن يعبد وثناً، ولا شمساً، ولا قمراً، ولا كوكباً، ولا شيئاً غير الله تعالى.
وكان في قوله :﴿بل ملة إبراهيم﴾ دليل على أن ملته مخالفة لملة اليهود والنصارى، ولذلك أضرب ببل عنهما، فثبت أنه لم يكن يهودياً ولا نصرانياً.
وكانت العرب ممن تدين بأشياء من دين إبراهيم، ثم كانت تشرك، فنفى الله عن إبراهيم أن يكون من المشركين.
وقيل : في الآية تعريض بأهل الكتاب وغيرهم، لأن كلاً منهم يدعي اتباع إبراهيم، وهو على الشرك، قاله الزمخشري.
فإشراك اليهود بقولهم : عزير ابن الله، وإشراك النصارى بقولهم :﴿المسيح ابن الله﴾، وإشراك غيرهما بعبادة الأوثان وغيرها.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:وقد تضمنت هذه الآيات الشريفة ما كان عليه الأنبياء عليهم الصلاة والسلام من الدعاء إلى الله تعالى، حتى جعلوا ذلك وصية يوصون بها واحداً بعد واحد.
فأخبر تعالى عن إبراهيم أنه أوصى بملته الحنيفية بنيه، وأن يعقوب أوصى بذلك، وقدّم بين يدي وصيته اختيار الله لهم هذا الدين، ليسهل عليهم اتباع ما اختاره الله لهم، ويحضهم على ذلك، وأمرهم أنهم لا يموتون إلا عليه، لأن الأعمال بخواتيمها.
ثم ذكر سؤال يعقوب لبنيه عما يعبدون بعد موته، فأجابوه بما قرّت به عينه من موافقته وموافقة آبائه الأنبياء من عبادة الله تعالى وحده، والانقياد لأحكامه.
وحكمة هذا السؤال أنه لما وصاهم بالحنيفية، استفسرهم عما تكن صدورهم، وهل يقبلون الوصية ؟ فأجابوه بقبولها وبموافقة ما أحبه منهم، ليسكن بذلك جأشه، ويعلم أنه قد خلف من يقوم مقامه في الدعاء إلى الله تعالى.
وصدر سؤال يعقوب بتقريع اليهود والنصارى بأنهم ما كانوا شهدوا وصية يعقوب، إذ فاجأه مقدّمات الموت، فدعواهم اليهودية والنصرانية على إبراهيم ويعقوب وبنيهم باطلة، إذ لم يحضروا وقت الوصية، ولم تنبئهم بذلك توراتهم ولا إنجيلهم، فبطل قولهم، إذ لم يتحصل لا عن عيان ولا عن نقل، ولا ذلك من الأشياء التي يستدل عليها بالعقل.
ثم أخبر تعالى أن تلك الأمة قد مضت لسبيلها، وأنها رهينة بما كسبت، كما أنكم مرهونون بأعمالكم، وأنكم لا تسألون عنهم.
ثم ذكر تعالى ما هم عليه من دعوى الباطل.
والدعاء إليه، وزعمهم أن الهداية في اتباع اليهودية والنصرانية.
ثم أضرب عن كلامهم، وأخذ في اتباع ملة إبراهيم الحنيفية المباينة لليهودية والنصرانية والوثنية.
ثم أمرهم بأن يفصحوا بأنهم آمنوا بما أنزل إليهم وإلى إبراهيم ومن ذكر معه، فإن الإيمان بذلك هو الدين الحنيف، وأنهم منقادون لله اعتقاداً وأفعالاً.
ثم أخبر أن اليهود والنصارى، إن وافقواكم على ذلك الإيمان، فقد حصلت الهداية لهم، ورتب الهداية على ذلك الإيمان، فنبه بذلك على فساد ترتيب الهداية على اليهودية والنصرانية في قوله :﴿وقالوا كونوا هوداً أو نصارى تهتدوا﴾.
ثم أخبر تعالى أنهم إن تولوا فهم الأعداء المشاقون لك، وأنك لا تبالي بشقاقهم، لأن الله تعالى هو كافيك أمرهم، ومن كان الله كافيه فهو الغالب، ففي ذلك إشارة إلى ظهوره عليهم.
ثم ذكر أن صبغة الملة الحنيفية هي صبغة الله، وإذا كانت صبغة الله، فلا صبغة أحسن منها، وأن تأثير هذه الصبغة هو ظهورها عليهم بعبادة الله، تعالى، فقال :﴿ونحن له عابدون﴾.
ثم استفهمهم أيضاً على طريق التوبيخ والتقريع عن مجادلتهم في الله ولا يحسن النزاع فيه، لأن الله هو ربنا كلنا، فالذي يقتضيه العقل أنه لا يجادل فيه.
ثم ذكر أنه رب الجميع، وأشار إلى أنه يجازى الجميع بقوله :﴿ولنا أعمالنا ولكم أعمالكم﴾.
ثم ذكر ما انفردوا به من الإخلاص له، لأن اليهود والنصارى غير مخلصين له في العبادة.
ثم استفهمهم أيضاً على جهة التوبيخ والتقريع، عن مقالتهم في إبراهيم ومن ذكر معه، من أنهم كانوا يهوداً ونصارى، وأن دأبهم المجادلة بغير حق، فتارة في الله وتارة في أنبياء الله.
ثم بين أنهم لا علم عندهم بل الله هو أعلم به.
ثم بين أن تلك المقالة لم تكن عن دليل ولا شبهة، بل مجرد عناد، وأنهم كاتمون للحق، دافعون له، فقال ما معناه : لا أحد أظلم من كاتم شهادة استودعه الله إياها، والمعنى : لا أحد أظلم منكم في المجادلة في الله، وفي نسبة اليهودية والنصرانية لإبراهيم ومن ذكر معه، إذ عندهم الشهادة من الله بأحوالهم.
ثم هدّدهم بأن الله تعالى لا يغفل عما يعملون.
ثم ختم ذلك بأن تلك أمّة قد خلت منفردة بعملها، كما أنتم كذلك، وأنكم غير مسؤولين عما عملوه، وجاءت هذه الجمل من ابتداء ذكر إبراهيم إلى انتهاء الكلام فيه، على اختلاف معانيه وتعدّد مبانيه، كأنها جملة واحدة، في حسن مساقها ونظم اتساقها، مرتقية في الفصاحة إلى ذروة الإحسان، مفصحة أن بلاغتها خارجة عن طبع الإنسان، مذكرة قوله تعالى :﴿قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن﴾ جعلنا الله ممن هدى إلى عمل به وفهم، ووفى من تدبره أوفر سهم، ووقى في تفكره من خطأ ووهم.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى