البحر المحيط في التفسير — أبو حيان الأندلسي
عن الكتاب
والصبغ : المصبوغ به، والصبغ : المصدر، وهو تغيير الشيء بلون من الألوان، وفعله على فعل بفتح العين، ومضارعه المشهور فيه يفعل بضمها، والقياس الفتح إذ لامه حرف حلق.
وذكر لي عن شيخنا أبي العباس أحمد بن يوسف بن علي الفهري، عرف بالليلى، وهو شارح الفصيح، أنه ذكر فيه صنم الباء في المضارع والفتح والكسر.
﴿صبغة الله﴾ : أي دين الله، قاله ابن عباس وسمي صبغة لظهور أثر الدين على صاحبه، كظهور أثر الصبغ على الثوب، ولأنه يلزمه ولا يفارقه، كالصبغ في الثوب، أو فطرة الله، قاله مجاهد ومقاتل ؛ أو خلقة الله، قاله الزجاج وأبو عبيد ؛ أو سنة الله، قاله أبو عبيدة ؛ أو الإسلام، قاله مجاهد أيضاً ؛ أو جهة الله يعني القبلة، قاله ابن كيسان ؛ أو حجة الله على عباده، قاله الأصم : أو الختان، لأنه يصبغ صاحبه بالدم.
والنصارى إذا ولد لهم مولود غمسوه في السابع في ماء يقال له المعمودية، فيتطهر عندهم ويصير نصرانياً.
استغنوا به عن الختان، فردّ الله عليهم بقوله :﴿صبغة الله﴾، أو الاغتسال للدّخول في الإسلام عوضاً عن ماء المعمودية، حكاه الماوردي ؛ أو القربة إلى الله، حكاه ابن فارس في المجمل ؛ أو التلقين، يقال : فلان يصبغ فلاناً في الشيء، أي يدخله فيه ويلزمه إياه، كما يجعل الصبغ لازماً للثوب.
وهذه أقوال متقاربة، والأقرب منها هو الدين والملة، لأن قبله :﴿قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا﴾ الآية.
وقد تضمنت هذه الآية أصل الدين الحنيفي، فكنى بالصبغة عنه، ومجازه ظهور الأثر، أو ملازمته لمن ينتحله.
فهو كالصبغ في هذين الوصفين، كما قال.
وكذلك الإيمان، حين تخالط بشاشة القلوب.
والعرب تسمي ديانة الشخص لشيء، واتصافه به صبغة.
قال بعض شعراء ملوكهم :
وقد روي عن ابن عباس أن الأصل في تسمية الدين صبغة : أن عيسى حين قصد يحيى بن زكريا فقال : جئت لأصبغ منك، وأغتسل في نهر الأردن.
فلما خرج، نزل عليه روح القدس، فصارت النصارى يفعلون ذلك بأولادهم في كنائسهم، تشبيهاً بعيسى، ويقولون : الآن صار نصرانياً حقاً.
وزعموا أن في الإنجيل ذكر عيسى بأنه الصابغ.
ويسمون الماء الذي يغمسون فيه أولادهم : المعمودية، بالدال، ويقال : المعمورية بالراء.
قال : ويسمون ذلك الفعل التغميس، ومنهم من يسميه الصبغ، فردّ الله ذلك بقوله :﴿صبغة الله﴾.
وقال الراغب : الصبغة إشارة إلى ما أوجده في الناس من بدائه العقول التي ميزنا بها عن البهائم، ورشحنا بها لمعرفته ومعرفة طلب الحق، وهو المشار إليه بالفطرة.
وسمي ذلك بالصبغة من حيث إن قوى الإنسان، إذا اعتبرت، جرت مجرى الصبغة في المصبوغ، ولما كانت النصارى، إذا لقنوا أولادهم النصرانية يقولون : نصرناه، فقال : إن الإيمان بمثل ما آمنتم به صبغة الله.
وقرأ الجمهور : صبغة الله بالنصب، ومن قرأ برفع ملة، قرأ برفع صبغة، قاله الطبري.
وقد تقدّم أن تلك قراءة الأعرج وابن أبي عبلة.
فأما النصب، فوجه على أوجه، أظهرها أنه منصوب انتصاب المصدر المؤكد عن قوله :﴿قولوا آمنا بالله﴾.
وقيل : عن قوله :﴿ونحن له مسلمون﴾.
وقيل : عن قوله :﴿فقد اهتدوا﴾ وقيل : هو نصب على الإغراء، أي الزموا صبغة الله.
وقيل : بدل من قوله :﴿ملةم إبراهيم﴾، أما الإغراء فتنافره آخر الآية وهو قوله :﴿ونحن له عابدون﴾، إلا إن قدر هناك قول، وهو إضمار، لا حاجة تدعو إليه، ولا دليل من الكلام عليه.
وأما البدل، فهو بعيد، وقد طال بين المبدل منه والبدل بجمل، ومثل ذلك لا يجوز.
والأحسن أن يكون منتصباً انتصاب المصدر المؤكد عن قوله :﴿قولوا آمنا﴾، فإن كان الأمر للمؤمنين، كان المعنى : صبغنا الله بالإيمان صبغة، ولم يصبغ صبغتكم.
وإن كان الأمر لليهود والنصارى، فالمعنى : صبغنا الله بالإيمان صبغة لا مثل صبغتنا، وطهرنا به تطهيراً لا مثل تطهيرنا.
ونظير نصب هذا المصدر نصب قوله :﴿صنع الله الذي أتقن كل شيء﴾ إذ قبله :﴿وترى الجبال تحسبها جامدة وهي تمر مر السحاب﴾ معناه : صنع الله ذلك صنعه، وإنما جيء بلفظ الصبغة على طريق المشاكلة، كما تقول لرجل يغرس الأشجار : اغرس كما يغرس فلان، يريد رجلاً يصطنع الكرم.
وأما قراءة الرفع، فذلك خبر مبتدأ محذوف، أي ذلك الإيمان صبغة الله.
﴿ومن أحسن من الله صبغة﴾ : هذا استفهام ومعناه : النفي، أي ولا أحد أحسن من الله صبغة.
وأحسن هنا لا يراد بها حقيقة التفضيل، إذ صبغة غير الله منتف عنها الحسن، أو يراد التفضيل، باعتبار من يظن أن في صبغة غير الله حسناً، لا أن ذلك بالنسبة إلى حقيقة الشيء.
وانتصاب صبغة هنا على التمييز، وهو من التمييز المنقول من المبتدأ.
وقد ذكرنا أن ذلك غريب، أعني نص النحويين على أن من التمييز المنقول تمييزاً نقل من المبتدأ، والتقدير : ومن صبغته أحسن من صبغة الله.
فالتفضيل إنما يجري بين الصبغتين، لا بين الصابغين.
﴿ونحن له عابدون﴾ : متصل بقوله :﴿آمنا بالله﴾، ومعطوف عليه.
قال الزمخشري : وهذا العطف يرد قول من زعم أن صبغة الله بدل من ملة، أو نصب على الإغراء، بمعنى : عليكم صبغة الله، لما فيه من فك النظم وإخراج الكلام عن التئامه واتساقه.
وانتصابها يعني : صبغة الله على أنها مصدر مؤكد، هو الذي ذكره سيبويه، والقول ما قالت حذام. انتهى.
وتقديره : في الإغراء عليكم صبغة الله ليس بجيد، لأن الإغراء، إذ كان بالظرف والمجرور، لا يجوز حذف ذلك الظرف ولا المجرور، ولذلك حين ذكرنا وجه الإغراء قدرناه بالزموا صبغة الله.
وتقدم الكلام على العبادة في قوله :﴿إياك نعبد﴾ وأما هنا فقيل : عابدون موحدون، ومنه :﴿وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون﴾ أي ليوحدون.
وقيل : مطيعون متبعون ملة إبراهيم وصبغة الله.
وقيل : خاضعون مستكينون في اتباع ملة إبراهيم، غير مستكبرين، وهذه أقوال متقاربة.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: وقد تضمنت هذه الآيات الشريفة ما كان عليه الأنبياء عليهم الصلاة والسلام من الدعاء إلى الله تعالى، حتى جعلوا ذلك وصية يوصون بها واحداً بعد واحد.
فأخبر تعالى عن إبراهيم أنه أوصى بملته الحنيفية بنيه، وأن يعقوب أوصى بذلك، وقدّم بين يدي وصيته اختيار الله لهم هذا الدين، ليسهل عليهم اتباع ما اختاره الله لهم، ويحضهم على ذلك، وأمرهم أنهم لا يموتون إلا عليه، لأن الأعمال بخواتيمها.
ثم ذكر سؤال يعقوب لبنيه عما يعبدون بعد موته، فأجابوه بما قرّت به عينه من موافقته وموافقة آبائه الأنبياء من عبادة الله تعالى وحده، والانقياد لأحكامه.
وحكمة هذا السؤال أنه لما وصاهم بالحنيفية، استفسرهم عما تكن صدورهم، وهل يقبلون الوصية ؟ فأجابوه بقبولها وبموافقة ما أحبه منهم، ليسكن بذلك جأشه، ويعلم أنه قد خلف من يقوم مقامه في الدعاء إلى الله تعالى.
وصدر سؤال يعقوب بتقريع اليهود والنصارى بأنهم ما كانوا شهدوا وصية يعقوب، إذ فاجأه مقدّمات الموت، فدعواهم اليهودية والنصرانية على إبراهيم ويعقوب وبنيهم باطلة، إذ لم يحضروا وقت الوصية، ولم تنبئهم بذلك توراتهم ولا إنجيلهم، فبطل قولهم، إذ لم يتحصل لا عن عيان ولا عن نقل، ولا ذلك من الأشياء التي يستدل عليها بالعقل.
ثم أخبر تعالى أن تلك الأمة قد مضت لسبيلها، وأنها رهينة بما كسبت، كما أنكم مرهونون بأعمالكم، وأنكم لا تسألون عنهم.
ثم ذكر تعالى ما هم عليه من دعوى الباطل.
والدعاء إليه، وزعمهم أن الهداية في اتباع اليهودية والنصرانية.
ثم أضرب عن كلامهم، وأخذ في اتباع ملة إبراهيم الحنيفية المباينة لليهودية والنصرانية والوثنية.
ثم أمرهم بأن يفصحوا بأنهم آمنوا بما أنزل إليهم وإلى إبراهيم ومن ذكر معه، فإن الإيمان بذلك هو الدين الحنيف، وأنهم منقادون لله اعتقاداً وأفعالاً.
ثم أخبر أن اليهود والنصارى، إن وافقواكم على ذلك الإيمان، فقد حصلت الهداية لهم، ورتب الهداية على ذلك الإيمان، فنبه بذلك على فساد ترتيب الهداية على اليهودية والنصرانية في قوله :﴿وقالوا كونوا هوداً أو نصارى تهتدوا﴾.
ثم أخبر تعالى أنهم إن تولوا فهم الأعداء المشاقون لك، وأنك لا تبالي بشقاقهم، لأن الله تعالى هو كافيك أمرهم، ومن كان الله كافيه فهو الغالب، ففي ذلك إشارة إلى ظهوره عليهم.
ثم ذكر أن صبغة الملة الحنيفية هي صبغة الله، وإذا كانت صبغة الله، فلا صبغة أحسن منها، وأن تأثير هذه الصبغة هو ظهورها عليهم بعبادة الله، تعالى، فقال :﴿ونحن له عابدون﴾.
ثم استفهمهم أيضاً على طريق التوبيخ والتقريع عن مجادلتهم في الله ولا يحسن النزاع فيه، لأن الله هو ربنا كلنا، فالذي يقتضيه العقل أنه لا يجادل فيه.
ثم ذكر أنه رب الجميع، وأشار إلى أنه يجازى الجميع بقوله :﴿ولنا أعمالنا ولكم أعمالكم﴾.
ثم ذكر ما انفردوا به من الإخلاص له، لأن اليهود والنصارى غير مخلصين له في العبادة.
ثم استفهمهم أيضاً على جهة التوبيخ والتقريع، عن مقالتهم في إبراهيم ومن ذكر معه، من أنهم كانوا يهوداً ونصارى، وأن دأبهم المجادلة بغير حق، فتارة في الله وتارة في أنبياء الله.
ثم بين أنهم لا علم عندهم بل الله هو أعلم به.
ثم بين أن تلك المقالة لم تكن عن دليل ولا شبهة، بل مجرد عناد، وأنهم كاتمون للحق، دافعون له، فقال ما معناه : لا أحد أظلم من كاتم شهادة استودعه الله إياها، والمعنى : لا أحد أظلم منكم في المجادلة في الله، وفي نسبة اليهودية والنصرانية لإبراهيم ومن ذكر معه، إذ عندهم الشهادة من الله بأحوالهم.
ثم هدّدهم بأن الله تعالى لا يغفل عما يعملون.
ثم ختم ذلك بأن تلك أمّة قد خلت منفردة بعملها، كما أنتم كذلك، وأنكم غير مسؤولين عما عملوه، وجاءت هذه الجمل من ابتداء ذكر إبراهيم إلى انتهاء الكلام فيه، على اختلاف معانيه وتعدّد مبانيه، كأنها جملة واحدة، في حسن مساقها ونظم اتساقها، مرتقية في الفصاحة إلى ذروة الإحسان، مفصحة أن بلاغتها خارجة عن طبع الإنسان، مذكرة قوله تعالى :﴿قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن﴾ جعلنا الله ممن هدى إلى عمل به وفهم، ووفى من تدبره أوفر سهم، ووقى في تفكره من خطأ ووهم.
وذكر لي عن شيخنا أبي العباس أحمد بن يوسف بن علي الفهري، عرف بالليلى، وهو شارح الفصيح، أنه ذكر فيه صنم الباء في المضارع والفتح والكسر.
﴿صبغة الله﴾ : أي دين الله، قاله ابن عباس وسمي صبغة لظهور أثر الدين على صاحبه، كظهور أثر الصبغ على الثوب، ولأنه يلزمه ولا يفارقه، كالصبغ في الثوب، أو فطرة الله، قاله مجاهد ومقاتل ؛ أو خلقة الله، قاله الزجاج وأبو عبيد ؛ أو سنة الله، قاله أبو عبيدة ؛ أو الإسلام، قاله مجاهد أيضاً ؛ أو جهة الله يعني القبلة، قاله ابن كيسان ؛ أو حجة الله على عباده، قاله الأصم : أو الختان، لأنه يصبغ صاحبه بالدم.
والنصارى إذا ولد لهم مولود غمسوه في السابع في ماء يقال له المعمودية، فيتطهر عندهم ويصير نصرانياً.
استغنوا به عن الختان، فردّ الله عليهم بقوله :﴿صبغة الله﴾، أو الاغتسال للدّخول في الإسلام عوضاً عن ماء المعمودية، حكاه الماوردي ؛ أو القربة إلى الله، حكاه ابن فارس في المجمل ؛ أو التلقين، يقال : فلان يصبغ فلاناً في الشيء، أي يدخله فيه ويلزمه إياه، كما يجعل الصبغ لازماً للثوب.
وهذه أقوال متقاربة، والأقرب منها هو الدين والملة، لأن قبله :﴿قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا﴾ الآية.
وقد تضمنت هذه الآية أصل الدين الحنيفي، فكنى بالصبغة عنه، ومجازه ظهور الأثر، أو ملازمته لمن ينتحله.
فهو كالصبغ في هذين الوصفين، كما قال.
وكذلك الإيمان، حين تخالط بشاشة القلوب.
والعرب تسمي ديانة الشخص لشيء، واتصافه به صبغة.
قال بعض شعراء ملوكهم :
| وكل أناس لهم صبغة | وصبغة همدان خير الصبغ |
| صبغنا على ذاك أبناءنا | فأكرم بصبغتنا في الصبغ |
فلما خرج، نزل عليه روح القدس، فصارت النصارى يفعلون ذلك بأولادهم في كنائسهم، تشبيهاً بعيسى، ويقولون : الآن صار نصرانياً حقاً.
وزعموا أن في الإنجيل ذكر عيسى بأنه الصابغ.
ويسمون الماء الذي يغمسون فيه أولادهم : المعمودية، بالدال، ويقال : المعمورية بالراء.
قال : ويسمون ذلك الفعل التغميس، ومنهم من يسميه الصبغ، فردّ الله ذلك بقوله :﴿صبغة الله﴾.
وقال الراغب : الصبغة إشارة إلى ما أوجده في الناس من بدائه العقول التي ميزنا بها عن البهائم، ورشحنا بها لمعرفته ومعرفة طلب الحق، وهو المشار إليه بالفطرة.
وسمي ذلك بالصبغة من حيث إن قوى الإنسان، إذا اعتبرت، جرت مجرى الصبغة في المصبوغ، ولما كانت النصارى، إذا لقنوا أولادهم النصرانية يقولون : نصرناه، فقال : إن الإيمان بمثل ما آمنتم به صبغة الله.
وقرأ الجمهور : صبغة الله بالنصب، ومن قرأ برفع ملة، قرأ برفع صبغة، قاله الطبري.
وقد تقدّم أن تلك قراءة الأعرج وابن أبي عبلة.
فأما النصب، فوجه على أوجه، أظهرها أنه منصوب انتصاب المصدر المؤكد عن قوله :﴿قولوا آمنا بالله﴾.
وقيل : عن قوله :﴿ونحن له مسلمون﴾.
وقيل : عن قوله :﴿فقد اهتدوا﴾ وقيل : هو نصب على الإغراء، أي الزموا صبغة الله.
وقيل : بدل من قوله :﴿ملةم إبراهيم﴾، أما الإغراء فتنافره آخر الآية وهو قوله :﴿ونحن له عابدون﴾، إلا إن قدر هناك قول، وهو إضمار، لا حاجة تدعو إليه، ولا دليل من الكلام عليه.
وأما البدل، فهو بعيد، وقد طال بين المبدل منه والبدل بجمل، ومثل ذلك لا يجوز.
والأحسن أن يكون منتصباً انتصاب المصدر المؤكد عن قوله :﴿قولوا آمنا﴾، فإن كان الأمر للمؤمنين، كان المعنى : صبغنا الله بالإيمان صبغة، ولم يصبغ صبغتكم.
وإن كان الأمر لليهود والنصارى، فالمعنى : صبغنا الله بالإيمان صبغة لا مثل صبغتنا، وطهرنا به تطهيراً لا مثل تطهيرنا.
ونظير نصب هذا المصدر نصب قوله :﴿صنع الله الذي أتقن كل شيء﴾ إذ قبله :﴿وترى الجبال تحسبها جامدة وهي تمر مر السحاب﴾ معناه : صنع الله ذلك صنعه، وإنما جيء بلفظ الصبغة على طريق المشاكلة، كما تقول لرجل يغرس الأشجار : اغرس كما يغرس فلان، يريد رجلاً يصطنع الكرم.
وأما قراءة الرفع، فذلك خبر مبتدأ محذوف، أي ذلك الإيمان صبغة الله.
﴿ومن أحسن من الله صبغة﴾ : هذا استفهام ومعناه : النفي، أي ولا أحد أحسن من الله صبغة.
وأحسن هنا لا يراد بها حقيقة التفضيل، إذ صبغة غير الله منتف عنها الحسن، أو يراد التفضيل، باعتبار من يظن أن في صبغة غير الله حسناً، لا أن ذلك بالنسبة إلى حقيقة الشيء.
وانتصاب صبغة هنا على التمييز، وهو من التمييز المنقول من المبتدأ.
وقد ذكرنا أن ذلك غريب، أعني نص النحويين على أن من التمييز المنقول تمييزاً نقل من المبتدأ، والتقدير : ومن صبغته أحسن من صبغة الله.
فالتفضيل إنما يجري بين الصبغتين، لا بين الصابغين.
﴿ونحن له عابدون﴾ : متصل بقوله :﴿آمنا بالله﴾، ومعطوف عليه.
قال الزمخشري : وهذا العطف يرد قول من زعم أن صبغة الله بدل من ملة، أو نصب على الإغراء، بمعنى : عليكم صبغة الله، لما فيه من فك النظم وإخراج الكلام عن التئامه واتساقه.
وانتصابها يعني : صبغة الله على أنها مصدر مؤكد، هو الذي ذكره سيبويه، والقول ما قالت حذام. انتهى.
وتقديره : في الإغراء عليكم صبغة الله ليس بجيد، لأن الإغراء، إذ كان بالظرف والمجرور، لا يجوز حذف ذلك الظرف ولا المجرور، ولذلك حين ذكرنا وجه الإغراء قدرناه بالزموا صبغة الله.
وتقدم الكلام على العبادة في قوله :﴿إياك نعبد﴾ وأما هنا فقيل : عابدون موحدون، ومنه :﴿وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون﴾ أي ليوحدون.
وقيل : مطيعون متبعون ملة إبراهيم وصبغة الله.
وقيل : خاضعون مستكينون في اتباع ملة إبراهيم، غير مستكبرين، وهذه أقوال متقاربة.
فأخبر تعالى عن إبراهيم أنه أوصى بملته الحنيفية بنيه، وأن يعقوب أوصى بذلك، وقدّم بين يدي وصيته اختيار الله لهم هذا الدين، ليسهل عليهم اتباع ما اختاره الله لهم، ويحضهم على ذلك، وأمرهم أنهم لا يموتون إلا عليه، لأن الأعمال بخواتيمها.
ثم ذكر سؤال يعقوب لبنيه عما يعبدون بعد موته، فأجابوه بما قرّت به عينه من موافقته وموافقة آبائه الأنبياء من عبادة الله تعالى وحده، والانقياد لأحكامه.
وحكمة هذا السؤال أنه لما وصاهم بالحنيفية، استفسرهم عما تكن صدورهم، وهل يقبلون الوصية ؟ فأجابوه بقبولها وبموافقة ما أحبه منهم، ليسكن بذلك جأشه، ويعلم أنه قد خلف من يقوم مقامه في الدعاء إلى الله تعالى.
وصدر سؤال يعقوب بتقريع اليهود والنصارى بأنهم ما كانوا شهدوا وصية يعقوب، إذ فاجأه مقدّمات الموت، فدعواهم اليهودية والنصرانية على إبراهيم ويعقوب وبنيهم باطلة، إذ لم يحضروا وقت الوصية، ولم تنبئهم بذلك توراتهم ولا إنجيلهم، فبطل قولهم، إذ لم يتحصل لا عن عيان ولا عن نقل، ولا ذلك من الأشياء التي يستدل عليها بالعقل.
ثم أخبر تعالى أن تلك الأمة قد مضت لسبيلها، وأنها رهينة بما كسبت، كما أنكم مرهونون بأعمالكم، وأنكم لا تسألون عنهم.
ثم ذكر تعالى ما هم عليه من دعوى الباطل.
والدعاء إليه، وزعمهم أن الهداية في اتباع اليهودية والنصرانية.
ثم أضرب عن كلامهم، وأخذ في اتباع ملة إبراهيم الحنيفية المباينة لليهودية والنصرانية والوثنية.
ثم أمرهم بأن يفصحوا بأنهم آمنوا بما أنزل إليهم وإلى إبراهيم ومن ذكر معه، فإن الإيمان بذلك هو الدين الحنيف، وأنهم منقادون لله اعتقاداً وأفعالاً.
ثم أخبر أن اليهود والنصارى، إن وافقواكم على ذلك الإيمان، فقد حصلت الهداية لهم، ورتب الهداية على ذلك الإيمان، فنبه بذلك على فساد ترتيب الهداية على اليهودية والنصرانية في قوله :﴿وقالوا كونوا هوداً أو نصارى تهتدوا﴾.
ثم أخبر تعالى أنهم إن تولوا فهم الأعداء المشاقون لك، وأنك لا تبالي بشقاقهم، لأن الله تعالى هو كافيك أمرهم، ومن كان الله كافيه فهو الغالب، ففي ذلك إشارة إلى ظهوره عليهم.
ثم ذكر أن صبغة الملة الحنيفية هي صبغة الله، وإذا كانت صبغة الله، فلا صبغة أحسن منها، وأن تأثير هذه الصبغة هو ظهورها عليهم بعبادة الله، تعالى، فقال :﴿ونحن له عابدون﴾.
ثم استفهمهم أيضاً على طريق التوبيخ والتقريع عن مجادلتهم في الله ولا يحسن النزاع فيه، لأن الله هو ربنا كلنا، فالذي يقتضيه العقل أنه لا يجادل فيه.
ثم ذكر أنه رب الجميع، وأشار إلى أنه يجازى الجميع بقوله :﴿ولنا أعمالنا ولكم أعمالكم﴾.
ثم ذكر ما انفردوا به من الإخلاص له، لأن اليهود والنصارى غير مخلصين له في العبادة.
ثم استفهمهم أيضاً على جهة التوبيخ والتقريع، عن مقالتهم في إبراهيم ومن ذكر معه، من أنهم كانوا يهوداً ونصارى، وأن دأبهم المجادلة بغير حق، فتارة في الله وتارة في أنبياء الله.
ثم بين أنهم لا علم عندهم بل الله هو أعلم به.
ثم بين أن تلك المقالة لم تكن عن دليل ولا شبهة، بل مجرد عناد، وأنهم كاتمون للحق، دافعون له، فقال ما معناه : لا أحد أظلم من كاتم شهادة استودعه الله إياها، والمعنى : لا أحد أظلم منكم في المجادلة في الله، وفي نسبة اليهودية والنصرانية لإبراهيم ومن ذكر معه، إذ عندهم الشهادة من الله بأحوالهم.
ثم هدّدهم بأن الله تعالى لا يغفل عما يعملون.
ثم ختم ذلك بأن تلك أمّة قد خلت منفردة بعملها، كما أنتم كذلك، وأنكم غير مسؤولين عما عملوه، وجاءت هذه الجمل من ابتداء ذكر إبراهيم إلى انتهاء الكلام فيه، على اختلاف معانيه وتعدّد مبانيه، كأنها جملة واحدة، في حسن مساقها ونظم اتساقها، مرتقية في الفصاحة إلى ذروة الإحسان، مفصحة أن بلاغتها خارجة عن طبع الإنسان، مذكرة قوله تعالى :﴿قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن﴾ جعلنا الله ممن هدى إلى عمل به وفهم، ووفى من تدبره أوفر سهم، ووقى في تفكره من خطأ ووهم.