البحر المحيط في التفسير — أبو حيان الأندلسي
عن الكتاب
﴿الذين آتيناهم الكتاب﴾ : هم علماء اليهود والنصارى، أو من آمن برسول الله ﷺ من اليهود، كابن سلام وغيره، أو من آمن به مطلقاً، أقوال.
والكتاب : التوراة، أو الإنجيل، أو مجموعهما، أو القرآن.
أقوال تنبني على من المراد بالذين آتيناهم، ولفظ آتيناهم أبلغ من أوتوا، لإسناد الإيتاء إلى الله تعالى، معبراً عنه بنون العظمة، وكذا ما يجيء من نحو هذا، مراداً به الإكرام نحو : هدينا، واجتبينا، واصطفينا.
قيل : ولأن أوتوا قد يستعمل فيما لم يكن له قبول، وآتيناهم أكثر ما يستعمل فيما له قبول نحو :﴿الذين آتيناهم الكتاب والحكم والنبوة﴾ وإذا أريد بالكتاب أكثر من واحد، فوحد، لأنه صرف إلى المكتوب المعبر عنه بالمصدر.
﴿يعرفونه﴾ : جملة في موضع الخبر عن المبتدأ الذي هو الذين آتيناهم، وجوز أن يكون الذين مجروراً على أنه صفة للظالمين، أو على أنه بدل من الظالمين، أو على أنه بدل من ﴿الذين أوتوا الكتاب﴾ في الآية التي قبلها، ومرفوعاً على أنه خبر مبتدأ محذوف، أي هم الذين، ومنصوباً على إضمار، أعني : وعلى هذه الأعاريب يكون قوله :﴿يعرفونه﴾، جملة في موضع الحال، إما من المفعول الأول في آتيناهم، أو من الثاني الذي هو الكتاب، لأن في يعرفونه ضميرين يعودان عليهما.
والظاهر هو الإعراب الأول، لاستقلال الكلام جملة منعقدة من مبتدأ وخبر، ولظاهر انتهاء الكلام عند قوله :﴿إنك إذاً لمن الظالمين﴾.
والضمير المنصوب في يعرفونه عائد على النبي ﷺ، قاله مجاهد وقتادة وغيرهما.
وروي عن ابن عباس، واختاره الزجاج، ورجحه التبريزي، وبدأ به الزمخشري فقال : يعرفونه معرفة جلية، يميزون بينه وبين غيره بالوصف المعين المشخص.
قال الزمخشري وغيره : واللفظ للزمخشري، وجاز الإضمار، وإن لم يسبق له ذكر، لأن الكلام يدل عليه ولا يلتبس على السامع، ومثل هذا الإضمار فيه تفخيم وإشعار بأنه لشهرته وكونه علماً معلوم بغير إعلام. انتهى.
وأقول : ليس كما قالوه من أنه إضمار قبل الذكر : بل هذا من باب الالتفات، لأنه قال تعالى :﴿قد نرى تقلب وجهك في السماء فلنولينك قبلة ترضاها فولِّ وجهك﴾ ثم قال :﴿ولئن أتيت الذين﴾ إلى آخر الآية، فهذه كلها ضمائر خطاب لرسول الله ﷺ، ثم التفت عن ضمير الخطاب إلى ضمير الغيبة.
وحكمة هذا الالتفات أنه لما فرغ من الإقبال عليه بالخطاب، أقبل على الناس فقال :﴿الذين آتيناهم الكتاب﴾ واخترناهم لتحمل العلم والوحي، يعرفون هذا الذي خاطبناه في الآي السابقة وأمرناه ونهيناه، لا يشكون في معرفته، ولا في صدق أخباره، بما كلفناه من التكاليف التي منها نسخ بيت المقدس بالكعبة، لما في كتابهم من ذكره ونعته، والنص عليه يجدونه مكتوباً عندهم في التوراة والإنجيل.
فقد اتضح بما ذكرناه أنه ليس من باب الإضمار قبل الذكر، وأنه من باب الالتفات، وتبينت حكمة الالتفات.
ويؤيد كون الضمير لرسول الله ﷺ ما روي أن عمر سأل عبد الله بن سلام، رضي الله عنهما، وقال : إن الله قد أنزل على نبيه :﴿الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه﴾ الآية، فكيف هذه المعرفة ؟ فقال عبد الله : يا عمر، لقد عرفته حين رأيته، كما أعرف ابني، ومعرفتي بمحمد ﷺ أشدّ من معرفتي بابني.
فقال عمر : وكيف ذلك ؟ فقال : أشهد أنه رسول الله حقاً، وقد نعته الله في كتابنا، ولا أدري ما يصنع النساء.
فقال عمر : وفقك الله يا ابن سلام فقد صدقت، وقد روي هذا الأثر مختصراً بما يرادف بعض ألفاظه ويقاربها، وفيه : فقبل عمر رأسه.
وإذا كان الضمير للرسول، فقيل : المراد معرفة الوجه وتميزه، لا معرفة حقيقة النسب.
وقيل : المعنى يعرفون صدقه ونبوّته.
وقيل : الضمير عائد على الحق الذي هو التحوّل إلى الكعبة، قاله ابن عباس وقتادة أيضاً، وابن جريج والربيع.
وقيل : عائد على القرآن.
وقيل : على العلم.
وقيل : على كون البيت الحرام قبلة إبراهيم ومن قبله من الأنبياء، وهذه المعرفة مختصة بالعلماء، لأنه قال :﴿الذين آتيناهم الكتاب﴾، فإن تعلقت المعرفة بالنبي ﷺ، فيكون حصولها بالرؤية والوصف، أو بالقرآن، فحصلت من تصديق كتابهم للقرآن، وبنبوّة محمد ﷺ وصفته، أو بالقبلة، أو التحويل، فحصلت بخبر القرآن وخبر الرسول المؤيد بالخوارق.
﴿كما يعرفون أبناءهم﴾، الكاف : في موضع نصب، على أنها صفة لمصدر محذوف تقديره عرفاناً مثل عرفانهم.
أبناءهم : أو في موضع نصب على الحال من ضمير المعرفة المحذوف، كان التقدير : يعرفونه معرفة مماثلة لمعرفة أبنائهم.
وظاهر هذا التشبيه أن المعرفة أريد بها معرفة الوجه والصورة، وتشبيهها بمعرفة الأبناء يقوي ذلك، ويقوي أن الضمير عائد على الرسول ﷺ، حتى تكون المعرفتان تتعلقان بالمحسوس المشاهد، وهو آكد في التشبيه من أن يكون التشبيه وقع بين معرفة متعلقها المعنى، ومعرفة متعلقها المحسوس.
وظاهر الأبناء الاختصاص بالذكور، فيكونون قد خصوا بذلك، لأنهم أكثر مباشرة ومعاشرة للآباء، وألصق وأعلق بقلوب الآباء.
ويحتمل أن يراد بالأبناء : الأولاد، فيكون ذلك من باب التغليب.
وكان التشبيه بمعرفة الأبناء آكد من التشبيه بالأنفس، لأن الإنسان قد يمر عليه برهة من الزمان لا يعرف فيها نفسه، بخلاف الأبناء، فإنه لا يمر عليه زمان إلا وهو يعرف ابنه.
﴿وإن فريقاً منهم ليكتمون الحق﴾ : أي من الذين آتيناهم الكتاب، وهم المصرّون على الكفر والعناد، من علماء اليهود النصارى، على أحسن التفاسير في الذين آتيناهم الكتاب، وأبعد من ذهب إلى أنه أريد بهذا الفريق جهال اليهود والنصارى، الذين قيل فيهم :﴿ومنهم أمّيون لا يعلمون الكتاب إلا أمانيّ﴾ للإخبار عن هذا الفريق أنهم يكتمون الحق وهم عالمون به، ولوصف الأمّيين هناك بأنهم لا يعلمون الكتاب إلا أمانيّ.
والحق المكتوم هنا هو نعت رسول الله ﷺ، قاله قتادة ومجاهد، والتوجه إلى الكعبة، أو أن الكعبة هي القبلة، أو أعم من ذلك، فيندرج فيه كل حق.
﴿وهم يعلمون﴾ : جملة حالية، أي عالمين بأنه حق.
ويقرب أن يكون حالاً مؤكدة، لأن لفظ يكتمون الحق يدل على علمه به، لأن الكتم هو إخفاء لما يعلم.
وقيل : متعلق العلم هو ما على الكاتم من العقاب، أي وهم يعلمون العقاب المرتب على كاتم الحق، فيكون إذ ذاك حالاً مبينة.
والكتاب : التوراة، أو الإنجيل، أو مجموعهما، أو القرآن.
أقوال تنبني على من المراد بالذين آتيناهم، ولفظ آتيناهم أبلغ من أوتوا، لإسناد الإيتاء إلى الله تعالى، معبراً عنه بنون العظمة، وكذا ما يجيء من نحو هذا، مراداً به الإكرام نحو : هدينا، واجتبينا، واصطفينا.
قيل : ولأن أوتوا قد يستعمل فيما لم يكن له قبول، وآتيناهم أكثر ما يستعمل فيما له قبول نحو :﴿الذين آتيناهم الكتاب والحكم والنبوة﴾ وإذا أريد بالكتاب أكثر من واحد، فوحد، لأنه صرف إلى المكتوب المعبر عنه بالمصدر.
﴿يعرفونه﴾ : جملة في موضع الخبر عن المبتدأ الذي هو الذين آتيناهم، وجوز أن يكون الذين مجروراً على أنه صفة للظالمين، أو على أنه بدل من الظالمين، أو على أنه بدل من ﴿الذين أوتوا الكتاب﴾ في الآية التي قبلها، ومرفوعاً على أنه خبر مبتدأ محذوف، أي هم الذين، ومنصوباً على إضمار، أعني : وعلى هذه الأعاريب يكون قوله :﴿يعرفونه﴾، جملة في موضع الحال، إما من المفعول الأول في آتيناهم، أو من الثاني الذي هو الكتاب، لأن في يعرفونه ضميرين يعودان عليهما.
والظاهر هو الإعراب الأول، لاستقلال الكلام جملة منعقدة من مبتدأ وخبر، ولظاهر انتهاء الكلام عند قوله :﴿إنك إذاً لمن الظالمين﴾.
والضمير المنصوب في يعرفونه عائد على النبي ﷺ، قاله مجاهد وقتادة وغيرهما.
وروي عن ابن عباس، واختاره الزجاج، ورجحه التبريزي، وبدأ به الزمخشري فقال : يعرفونه معرفة جلية، يميزون بينه وبين غيره بالوصف المعين المشخص.
قال الزمخشري وغيره : واللفظ للزمخشري، وجاز الإضمار، وإن لم يسبق له ذكر، لأن الكلام يدل عليه ولا يلتبس على السامع، ومثل هذا الإضمار فيه تفخيم وإشعار بأنه لشهرته وكونه علماً معلوم بغير إعلام. انتهى.
وأقول : ليس كما قالوه من أنه إضمار قبل الذكر : بل هذا من باب الالتفات، لأنه قال تعالى :﴿قد نرى تقلب وجهك في السماء فلنولينك قبلة ترضاها فولِّ وجهك﴾ ثم قال :﴿ولئن أتيت الذين﴾ إلى آخر الآية، فهذه كلها ضمائر خطاب لرسول الله ﷺ، ثم التفت عن ضمير الخطاب إلى ضمير الغيبة.
وحكمة هذا الالتفات أنه لما فرغ من الإقبال عليه بالخطاب، أقبل على الناس فقال :﴿الذين آتيناهم الكتاب﴾ واخترناهم لتحمل العلم والوحي، يعرفون هذا الذي خاطبناه في الآي السابقة وأمرناه ونهيناه، لا يشكون في معرفته، ولا في صدق أخباره، بما كلفناه من التكاليف التي منها نسخ بيت المقدس بالكعبة، لما في كتابهم من ذكره ونعته، والنص عليه يجدونه مكتوباً عندهم في التوراة والإنجيل.
فقد اتضح بما ذكرناه أنه ليس من باب الإضمار قبل الذكر، وأنه من باب الالتفات، وتبينت حكمة الالتفات.
ويؤيد كون الضمير لرسول الله ﷺ ما روي أن عمر سأل عبد الله بن سلام، رضي الله عنهما، وقال : إن الله قد أنزل على نبيه :﴿الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه﴾ الآية، فكيف هذه المعرفة ؟ فقال عبد الله : يا عمر، لقد عرفته حين رأيته، كما أعرف ابني، ومعرفتي بمحمد ﷺ أشدّ من معرفتي بابني.
فقال عمر : وكيف ذلك ؟ فقال : أشهد أنه رسول الله حقاً، وقد نعته الله في كتابنا، ولا أدري ما يصنع النساء.
فقال عمر : وفقك الله يا ابن سلام فقد صدقت، وقد روي هذا الأثر مختصراً بما يرادف بعض ألفاظه ويقاربها، وفيه : فقبل عمر رأسه.
وإذا كان الضمير للرسول، فقيل : المراد معرفة الوجه وتميزه، لا معرفة حقيقة النسب.
وقيل : المعنى يعرفون صدقه ونبوّته.
وقيل : الضمير عائد على الحق الذي هو التحوّل إلى الكعبة، قاله ابن عباس وقتادة أيضاً، وابن جريج والربيع.
وقيل : عائد على القرآن.
وقيل : على العلم.
وقيل : على كون البيت الحرام قبلة إبراهيم ومن قبله من الأنبياء، وهذه المعرفة مختصة بالعلماء، لأنه قال :﴿الذين آتيناهم الكتاب﴾، فإن تعلقت المعرفة بالنبي ﷺ، فيكون حصولها بالرؤية والوصف، أو بالقرآن، فحصلت من تصديق كتابهم للقرآن، وبنبوّة محمد ﷺ وصفته، أو بالقبلة، أو التحويل، فحصلت بخبر القرآن وخبر الرسول المؤيد بالخوارق.
﴿كما يعرفون أبناءهم﴾، الكاف : في موضع نصب، على أنها صفة لمصدر محذوف تقديره عرفاناً مثل عرفانهم.
أبناءهم : أو في موضع نصب على الحال من ضمير المعرفة المحذوف، كان التقدير : يعرفونه معرفة مماثلة لمعرفة أبنائهم.
وظاهر هذا التشبيه أن المعرفة أريد بها معرفة الوجه والصورة، وتشبيهها بمعرفة الأبناء يقوي ذلك، ويقوي أن الضمير عائد على الرسول ﷺ، حتى تكون المعرفتان تتعلقان بالمحسوس المشاهد، وهو آكد في التشبيه من أن يكون التشبيه وقع بين معرفة متعلقها المعنى، ومعرفة متعلقها المحسوس.
وظاهر الأبناء الاختصاص بالذكور، فيكونون قد خصوا بذلك، لأنهم أكثر مباشرة ومعاشرة للآباء، وألصق وأعلق بقلوب الآباء.
ويحتمل أن يراد بالأبناء : الأولاد، فيكون ذلك من باب التغليب.
وكان التشبيه بمعرفة الأبناء آكد من التشبيه بالأنفس، لأن الإنسان قد يمر عليه برهة من الزمان لا يعرف فيها نفسه، بخلاف الأبناء، فإنه لا يمر عليه زمان إلا وهو يعرف ابنه.
﴿وإن فريقاً منهم ليكتمون الحق﴾ : أي من الذين آتيناهم الكتاب، وهم المصرّون على الكفر والعناد، من علماء اليهود النصارى، على أحسن التفاسير في الذين آتيناهم الكتاب، وأبعد من ذهب إلى أنه أريد بهذا الفريق جهال اليهود والنصارى، الذين قيل فيهم :﴿ومنهم أمّيون لا يعلمون الكتاب إلا أمانيّ﴾ للإخبار عن هذا الفريق أنهم يكتمون الحق وهم عالمون به، ولوصف الأمّيين هناك بأنهم لا يعلمون الكتاب إلا أمانيّ.
والحق المكتوم هنا هو نعت رسول الله ﷺ، قاله قتادة ومجاهد، والتوجه إلى الكعبة، أو أن الكعبة هي القبلة، أو أعم من ذلك، فيندرج فيه كل حق.
﴿وهم يعلمون﴾ : جملة حالية، أي عالمين بأنه حق.
ويقرب أن يكون حالاً مؤكدة، لأن لفظ يكتمون الحق يدل على علمه به، لأن الكتم هو إخفاء لما يعلم.
وقيل : متعلق العلم هو ما على الكاتم من العقاب، أي وهم يعلمون العقاب المرتب على كاتم الحق، فيكون إذ ذاك حالاً مبينة.