اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي
عن الكتاب
جمهور القراء على تنوين " كلّ "، وتنوينهُ للعوض من المضاف إليه، والجار خبر مقدم، و " وِجْهَة " مبتدأ مؤخر.
واختلف في المضاف إليه " كل " المحذوف.
فقيل : تقديره : ولكل طائفة من أهل الأديان [ يعني : أن الله يفعل ما يعلمه صلاحاً، فالجهات من الله تعالى وهو الذي ولَّى وجوه عباده إليها فانقادوا لأمر الله تعالى، فإن انقيادكم خيرات لكم، ولا تلتفتوا إلى طعن هؤلاء، وقولهم :" ما ولاّهم عن قبلتهم أي التي كانوا عليها " فإن الله يجمعهم وإياكم في القيامة ](١).
وقيل : ولكل أهل موضع من المسلمين وِجْهَتُه إلى جهة الكعبة يميناً وشمالاً ووراء وقدّام [ فهي كجهة واحدة، ولا يخفى على الله نيّاتهم ؛ فهو يحشرهم جميعاً ويثيبهم على أعمالهم(٢) ]. وفي " وجهة " قولان :
أحدهما : ويعزى للمبرد، والفارسي، والمازني في أحد قوليه : أنها اسم المكان المتوجه إليه، وعلى هذا يكون إثبات " الواو " قياساً إذ هي غير مصدر.
قال سيبويه ولو بنيت " فِعْلَة " من الوعد لقلت : وعدة، ولو بنيت مصدراً لقلت : عدة.
والثاني : أنه مصدر، ويعزى للمازني، وهو ظاهر كلام سيبويه، فإنه قال بعد ذكر حذف " الواو " من المصادر :" وقد أثبتوا فقالوا : وجهة في الجهة " وعلى هذا يكون إثبات " الواو " شاذَاً مَنْبَهَةٌ على ذلك الأصل المتروك في " عدة " ونحوها، والظاهر أن الذي سوغ إثبات " الواو " وإن كانت مصدراً أنها مصدر جاءت على حذف الزوائد ؛ إذ الفعل المسموع من هذه المادة تَوَجَّه واتَّجَهَ، ومصدرهما التوجه والاتجاه، ولم يسمع في فعله :" وَجَهَ يَجِهُ " ك " وعد يَعِدُ "، وكان الموجب لحذف " الواو " من عدة وزنة الحمل على المضارع لوقوع الواو بين ياء وكسرة، وهنا لم يسمع فيه مضارع يحمل مصدره عليه، فلذلك قلت : إن " وِجْهَة " مصدر على حذف الزوائد ل " توجه " أو " اتجه "، وقد ألم أبو البقاء بشيء من هذا.
قال القرطبي : الوِجْهَة وزنها فِعْلَة من المُوَاجهة.
والوجهة والجهة والوجه بمعنى واحد، والمراد القِبْلة، أي : أنهم لا يتبعون قبلتك، وأنت لا تتبع قبلتهم، ولكل وجهة : إما بحق، وإما بهوى.
قال أبو العباس المقرئ : ورد لفظ الوجه في القرآن الكريم على أربعة أضرب : الأول : بمعنى الملّة، قال تبارك وتعالى :﴿وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا﴾ أي : ملّة.
الثاني : بمعنى الإخلاص في العمل، قال تعالى :
﴿إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ﴾ [الأنعام: ٧٩] أي : أخلصت عملي، ومثله :
﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِيناً مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لله وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾
[النساء: ١٢٢] أي : أخلص عمله لله.
الثالث : بمعنى الرِّضَا، قال تعالى :
﴿وَلاَ تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾
[الأنعام: ٥٢] أي : رضاه، ومثله :
﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ﴾ [الكهف: ٢٨] الآية الكريمة، ومثله :
﴿وَمَآ آتَيْتُمْ مِّن رِّباً لِّيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلاَ يَرْبُو عِندَ اللَّهِ وَمَآ آتَيْتُمْ مِّن زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ﴾ [الروم: ٢٩] أي : رضاه.
الرابع : الوجه هو الله تعالى كقوله تعالى :
﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١١٥]، ومثله :
﴿إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ﴾ [الإنسان: ٩]، وقوله :
﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ﴾ [القصص: ٨٨] أي : إلاّ إياه.
قوله تعالى :" هُوَ مُوَلِّيهَا " جملة مبتدأ وخبر في محلّ رفع ؛ لأنها صفة ل " وجهة " [ وهي قراءة الجمهور ](٣)واختلف في " هو " على قولين :
أحدهما : أنه يعود على لفظ " كلّ " لا على معناها، ولذلك أفرد [ قال القرطبي : ولو كان على المعنى لقال : هم مولوها وجوههم فالهاء والألف مفعول أول(٤) ]. والمفعول الثاني محذوف لفهم المعنى تقديره : هو موليها وجهه أو نفسه، ويؤيد هذا قراءة ابن عامر(٥) :" مُوَلاَّها " على ما لم يسم فاعله.
والثاني : أنه يعود على الله - تعالى - أي : الله مولّي القبلة إياه، أي ذلك الفريق.
وقرأ الجمهور :" مُوَليها " على اسم فاعل، وقد تقدم أنه حذف أحد مفعوليه، وقرأ ابن عامر - ويعزى لابن عباس - " مُوَلاَّها " على اسم المفعول، وفيه ضمير مرفوع قائم مقام الفاعل والثاني : هو الضمير المتصل به وهو " ها " العائد على الوجهة.
وقيل : على التولية ذكره أبو البقاء، وعلى هذه القراءة يتعيّن عود " هو " إلى الفريق ؛ إذ يستحيل في المعنى عوده على الله تعالى. [ ولقراءة ابن عامر معنيان :
أحدهما : ما وليته فقد ولاّك ؛ لأن معنى وليته أي : جعلته بحيث يليه، وإذا صار بحيث يلي ذاك، فذاك أيضاً يلي هذا، فإذاً قد يفيد كل واحد منهما الآخر.
فهو كقوله تعالى :﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ﴾ [البقرة: ٣٧] فهذا قول الفراء.
الثاني :" هُوَ مُوَلِّيها " أي : قد زينت لك تلك الجهة أي صارت بحيث تتبعها وترضاها ](٦).
وقرأ بعضهم(٧) :" وَلَكُلِّ وجهة " بالإضافة، ويعزى لابن عامر، واختلفوا فيها على ثلاثة أقوال :
أحدها، وهو قول الطبري : أنها خطأ، وهذا ليس بشيء ؛ إذ الإقدام على تخطئة ما ثبت عن الأئمة لا يسهل.
[ قال ابن عطية : وخطأها الطبري وهي متّجهة أي : فاستبقوا الخيرات لكل وجهة ولاكموها، ولا تعترضوا فيما أمركم من هذه وهذه أي : إنما عليكم الطاعة في الجميع وقدم قوله :" ولكلٍّ وجهةٌ " على الأمر في قوله :" فَاسْتَبقوا الخيرات " للاهتمام بالوجهة كما يقدم المفعول.
وذكر أبو عمرو الدَّاني هذه القراءة عن ابن عَبَّاس(٨) ].
والثاني : وهو قول الزمخشري وأبي البقاء أن " اللام " زائدة في الأصل.
قال الزمخشري : المعنى وكلّ وجهة اللَّهُ مولّيها، فزيدت " اللام " لتقدم المفعول، كقولك : لزيد ضربت، ولزيد أبوه ضاربه.
قال أبو حيان : وهذا فاسد ؛ لأن العامل إذا تعدَّى لضمير الاسم لم يتعد إلى ظاهره المجرور ب " اللام " لا تقول : لزيد ضربته، ولا : لزيد أنا ضاربه، لئلا يلزم أحد محذورين، وهما : إما لأنه يكون العامل قوياً ضعيفاً. [ وذلك أنه من حيث تعدّى للضمير بنفسه يكون قويّاً ومن حيثُ تعدى للظاهر ب " اللام " يكون ضعيفاً(٩) ]، وإما لأنه يصير المتعدي لواحد متعدياً لاثنين، ولذلك تأول النحويون ما يوهم ذلك وهو قوله :[ البسيط ].
على أن الضمير في " يدرسه " للمصدر أي : يدرس الدرس لا للقرآن ؛ لأن الفعل قد تعدى إليه.
وأما تمثيله بقوله :" لزيد ضربت "، فليس نظير الآية ؛ لأنه لم يتعدّ في هذا المثال إلى ضميره، ولا يجوز أن تكون المسألة من باب الاشتغال، فتقدر عاملاً في :" لكل وجهة " يفسره " موليها " ؛ لأن الاسم المشتغل عنه إذا كان ضميره مجروراً بحرف ينتصب ذلك الاسم بفعل يوافق العامل الظاهر في المعنى، ولا يجوز جر المشتغل عنه إذا كان ضميره مجروراً بحرف تقول : زيداً مررت به، أي : لابست زيداً مررت به، ولا يجوز : لزيد مررت به.
قال تعالى :﴿وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ﴾ [الإنسان: ٣١]، وقال :[ الوافر ]
فأتى بالمشتغل عنه منصوباً، وأما تمثيله بقوله : لزيد أبوه ضاربه، فتركيب غير عربي.
الثالث : أن " لكلّ وجهة " متعلق بقوله :﴿فَاسْتَبِقُوا الخَيْرَاتِ﴾ أي : فاستبقوا الخيرات لكل وجهة، وإنما قدم على العامل للاهتمام به، كما تقدم المفعول، كا ذكره ابن عطية.
ولا يجوز أن توجه هذه القراءة على أن " لكل وجهة " في موضع المفعول الثاني ل " مولّيها "، والمفعول الأول هو المضاف إليه اسم الفاعل الذي هو " مولّ "، وهو " ها "، وتكون عائدة على الطوائف، ويكون التقدير : وكلَّ وجهة اللَّهُ مولِّي الطوائف أصحاب القِبْلاَت، وزيدت " اللام " في المفعول لتقدمه، ويكون العامل فرعاً ؛ لأن النحويين نصُّوا على أنه لا يجوز زيادة " اللام " للتقوية إلا في المتعدي لواحد فقط، و " مولّ " مما يتعدّى لاثنين، فامتنع ذلك فيه، وهذا المانع هو الذي منع من الجواب عن الزمخشري فيما اعترض به أبو حيان عليه من كون الفعل إذا تعدى للظاهر، فلا يتعدى لضميره، وهو أنه كان يمكن أن يجاب عنه بأن الضمير المتصل ب " مول " ليس بضمير المفعول، بل ضمير المصدر وهو التَّولية، يكون المفعول الأول محذوفاً والتقدير : الله مولي التولية كلَّ وجهةٍ أَصْحَابَها، فلما قدم المفعول على العامل قوي ب " اللام " لولا أنهم نصوا على المنع من زيادتها في المتعدي لاثنين وثلاثة.
قوله تعالى :" فَاسْتَبِقُوا الخَيْرَاتِ " " الخيرات " منصوبة على إسقاط حرف الجر، التقدير : إلى الخيرات، كقول الراعي :[ الطويل ]
أي : إلى سواكم، وذلك لأن " استبق " : إما بمعنى سبق المجرد، أو بمعنى : تسابق [ لا جائز أن يكون بمعنى : سبق ؛ لأن المعنى ليس على اسبقوا الخيرات، فبقي أن يكون بمعنى : تسابق ](١٣)ولا يتعدى بنفسه.
و " الخيرات " جمع : خيرة، وفيها احتمالان.
أحدهما : أن تكون مخففة من " خَيِّرة " بالتشديد بوزن " فَيْعِلة " نحو : مَيْت في مَيِّت.
والثاني : أن تكون غير مخففة، بل تثبت على " فَعْلَة " بوزن " جَفْنَة "، يقال : رجل خير وامرأة خير، وعلى كلا التقديرين فليسا للتفضيل.
والسبق : الوصول إلى الشيء أولاً، وأصله التقدم في السير، ثم تجوز به في كل ما تقدم.
من قال : إنَّ الصلاة في أول الوقت أفضل استدل(١٤)بقوله :" فَاسْتَبِقُوا الخَيْرَاتِ " ؛ قال : لأن الصلاة خير لقوله عليه الصلاة والسلام " خَيْرُ أَعْمَالِكُمْ الصَّلاَةُ(١٥) " وظاهر الأمر بالسبق للوجوب، فإذا لم يتحقق فلا أقل من الندب.
وأيضاً قوله تعالى :
﴿سَابِقُواْ إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ﴾ [الحديد: ٢١] ومعناه : إلى ما يوجب المغفرة، والصلاة مما يوجب المغفرة، فوجب أن تكون المسابقة إليها مندوبة.
وأيضاً قوله تعالى :﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ أُوْلَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ﴾
[الواقعة: ١٠ - ١١].
والمراد منه : السابقون في الطاعات، والصلاة من الطاعات، وأيضاً أنه مدح الأنبياء المقدمين بقوله تعالى :﴿إِنَّهُمْ كَانُواْ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ﴾ [الأنبياء: ٩٠]، والصلاة من الخيرات، كما بَيّنا.
وأيضاً أنه تعالى ذم إبْليس في ترك المُسَارعة فقال :﴿مَا مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ﴾ [الأعراف: ١٢].
وأيضاً قوله تعالى :﴿حَافِظُواْ عَلَى الصَّلَوَاتِ﴾ [البقرة: ٢٣٨] والمحافظة لا تحصل إلا بالتَّعْجيل، ليأمن الفوت بالنسيان.
وأيضاً قوله تعالى حكاية عن موسى عليه السلام :﴿وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى﴾ [طه: ٨٤] فثبت أن الاستعجال أولى.
وأيضاً قوله تعالى :{ لاَ يَسْتَوِي مِنكُم مّ
واختلف في المضاف إليه " كل " المحذوف.
فقيل : تقديره : ولكل طائفة من أهل الأديان [ يعني : أن الله يفعل ما يعلمه صلاحاً، فالجهات من الله تعالى وهو الذي ولَّى وجوه عباده إليها فانقادوا لأمر الله تعالى، فإن انقيادكم خيرات لكم، ولا تلتفتوا إلى طعن هؤلاء، وقولهم :" ما ولاّهم عن قبلتهم أي التي كانوا عليها " فإن الله يجمعهم وإياكم في القيامة ](١).
وقيل : ولكل أهل موضع من المسلمين وِجْهَتُه إلى جهة الكعبة يميناً وشمالاً ووراء وقدّام [ فهي كجهة واحدة، ولا يخفى على الله نيّاتهم ؛ فهو يحشرهم جميعاً ويثيبهم على أعمالهم(٢) ]. وفي " وجهة " قولان :
أحدهما : ويعزى للمبرد، والفارسي، والمازني في أحد قوليه : أنها اسم المكان المتوجه إليه، وعلى هذا يكون إثبات " الواو " قياساً إذ هي غير مصدر.
قال سيبويه ولو بنيت " فِعْلَة " من الوعد لقلت : وعدة، ولو بنيت مصدراً لقلت : عدة.
والثاني : أنه مصدر، ويعزى للمازني، وهو ظاهر كلام سيبويه، فإنه قال بعد ذكر حذف " الواو " من المصادر :" وقد أثبتوا فقالوا : وجهة في الجهة " وعلى هذا يكون إثبات " الواو " شاذَاً مَنْبَهَةٌ على ذلك الأصل المتروك في " عدة " ونحوها، والظاهر أن الذي سوغ إثبات " الواو " وإن كانت مصدراً أنها مصدر جاءت على حذف الزوائد ؛ إذ الفعل المسموع من هذه المادة تَوَجَّه واتَّجَهَ، ومصدرهما التوجه والاتجاه، ولم يسمع في فعله :" وَجَهَ يَجِهُ " ك " وعد يَعِدُ "، وكان الموجب لحذف " الواو " من عدة وزنة الحمل على المضارع لوقوع الواو بين ياء وكسرة، وهنا لم يسمع فيه مضارع يحمل مصدره عليه، فلذلك قلت : إن " وِجْهَة " مصدر على حذف الزوائد ل " توجه " أو " اتجه "، وقد ألم أبو البقاء بشيء من هذا.
قال القرطبي : الوِجْهَة وزنها فِعْلَة من المُوَاجهة.
والوجهة والجهة والوجه بمعنى واحد، والمراد القِبْلة، أي : أنهم لا يتبعون قبلتك، وأنت لا تتبع قبلتهم، ولكل وجهة : إما بحق، وإما بهوى.
فصل في لفظ الوجه
قال أبو العباس المقرئ : ورد لفظ الوجه في القرآن الكريم على أربعة أضرب : الأول : بمعنى الملّة، قال تبارك وتعالى :﴿وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا﴾ أي : ملّة.
الثاني : بمعنى الإخلاص في العمل، قال تعالى :
﴿إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ﴾ [الأنعام: ٧٩] أي : أخلصت عملي، ومثله :
﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِيناً مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لله وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾
[النساء: ١٢٢] أي : أخلص عمله لله.
الثالث : بمعنى الرِّضَا، قال تعالى :
﴿وَلاَ تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾
[الأنعام: ٥٢] أي : رضاه، ومثله :
﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ﴾ [الكهف: ٢٨] الآية الكريمة، ومثله :
﴿وَمَآ آتَيْتُمْ مِّن رِّباً لِّيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلاَ يَرْبُو عِندَ اللَّهِ وَمَآ آتَيْتُمْ مِّن زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ﴾ [الروم: ٢٩] أي : رضاه.
الرابع : الوجه هو الله تعالى كقوله تعالى :
﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١١٥]، ومثله :
﴿إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ﴾ [الإنسان: ٩]، وقوله :
﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ﴾ [القصص: ٨٨] أي : إلاّ إياه.
قوله تعالى :" هُوَ مُوَلِّيهَا " جملة مبتدأ وخبر في محلّ رفع ؛ لأنها صفة ل " وجهة " [ وهي قراءة الجمهور ](٣)واختلف في " هو " على قولين :
أحدهما : أنه يعود على لفظ " كلّ " لا على معناها، ولذلك أفرد [ قال القرطبي : ولو كان على المعنى لقال : هم مولوها وجوههم فالهاء والألف مفعول أول(٤) ]. والمفعول الثاني محذوف لفهم المعنى تقديره : هو موليها وجهه أو نفسه، ويؤيد هذا قراءة ابن عامر(٥) :" مُوَلاَّها " على ما لم يسم فاعله.
والثاني : أنه يعود على الله - تعالى - أي : الله مولّي القبلة إياه، أي ذلك الفريق.
وقرأ الجمهور :" مُوَليها " على اسم فاعل، وقد تقدم أنه حذف أحد مفعوليه، وقرأ ابن عامر - ويعزى لابن عباس - " مُوَلاَّها " على اسم المفعول، وفيه ضمير مرفوع قائم مقام الفاعل والثاني : هو الضمير المتصل به وهو " ها " العائد على الوجهة.
وقيل : على التولية ذكره أبو البقاء، وعلى هذه القراءة يتعيّن عود " هو " إلى الفريق ؛ إذ يستحيل في المعنى عوده على الله تعالى. [ ولقراءة ابن عامر معنيان :
أحدهما : ما وليته فقد ولاّك ؛ لأن معنى وليته أي : جعلته بحيث يليه، وإذا صار بحيث يلي ذاك، فذاك أيضاً يلي هذا، فإذاً قد يفيد كل واحد منهما الآخر.
فهو كقوله تعالى :﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ﴾ [البقرة: ٣٧] فهذا قول الفراء.
الثاني :" هُوَ مُوَلِّيها " أي : قد زينت لك تلك الجهة أي صارت بحيث تتبعها وترضاها ](٦).
وقرأ بعضهم(٧) :" وَلَكُلِّ وجهة " بالإضافة، ويعزى لابن عامر، واختلفوا فيها على ثلاثة أقوال :
أحدها، وهو قول الطبري : أنها خطأ، وهذا ليس بشيء ؛ إذ الإقدام على تخطئة ما ثبت عن الأئمة لا يسهل.
[ قال ابن عطية : وخطأها الطبري وهي متّجهة أي : فاستبقوا الخيرات لكل وجهة ولاكموها، ولا تعترضوا فيما أمركم من هذه وهذه أي : إنما عليكم الطاعة في الجميع وقدم قوله :" ولكلٍّ وجهةٌ " على الأمر في قوله :" فَاسْتَبقوا الخيرات " للاهتمام بالوجهة كما يقدم المفعول.
وذكر أبو عمرو الدَّاني هذه القراءة عن ابن عَبَّاس(٨) ].
والثاني : وهو قول الزمخشري وأبي البقاء أن " اللام " زائدة في الأصل.
قال الزمخشري : المعنى وكلّ وجهة اللَّهُ مولّيها، فزيدت " اللام " لتقدم المفعول، كقولك : لزيد ضربت، ولزيد أبوه ضاربه.
قال أبو حيان : وهذا فاسد ؛ لأن العامل إذا تعدَّى لضمير الاسم لم يتعد إلى ظاهره المجرور ب " اللام " لا تقول : لزيد ضربته، ولا : لزيد أنا ضاربه، لئلا يلزم أحد محذورين، وهما : إما لأنه يكون العامل قوياً ضعيفاً. [ وذلك أنه من حيث تعدّى للضمير بنفسه يكون قويّاً ومن حيثُ تعدى للظاهر ب " اللام " يكون ضعيفاً(٩) ]، وإما لأنه يصير المتعدي لواحد متعدياً لاثنين، ولذلك تأول النحويون ما يوهم ذلك وهو قوله :[ البسيط ].
| ٨٤٠ - هَذَا سُرَاقَةُ لِلْقُرآنِ يَدْرُسُهُ | وَالْمَرْءُ عِنْدَ الرُّشَا إِنْ يَلْقَهَا ذِيْبُ(١٠) |
وأما تمثيله بقوله :" لزيد ضربت "، فليس نظير الآية ؛ لأنه لم يتعدّ في هذا المثال إلى ضميره، ولا يجوز أن تكون المسألة من باب الاشتغال، فتقدر عاملاً في :" لكل وجهة " يفسره " موليها " ؛ لأن الاسم المشتغل عنه إذا كان ضميره مجروراً بحرف ينتصب ذلك الاسم بفعل يوافق العامل الظاهر في المعنى، ولا يجوز جر المشتغل عنه إذا كان ضميره مجروراً بحرف تقول : زيداً مررت به، أي : لابست زيداً مررت به، ولا يجوز : لزيد مررت به.
قال تعالى :﴿وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ﴾ [الإنسان: ٣١]، وقال :[ الوافر ]
| ٨٤١ - أَثَعْلَبَةَ الْفَوارِسِ أَمْ رِيَاحاً | عَدَلْتَ بِهِمْ طُهَيَّةَ وَالْخِشَابَا(١١) |
الثالث : أن " لكلّ وجهة " متعلق بقوله :﴿فَاسْتَبِقُوا الخَيْرَاتِ﴾ أي : فاستبقوا الخيرات لكل وجهة، وإنما قدم على العامل للاهتمام به، كما تقدم المفعول، كا ذكره ابن عطية.
ولا يجوز أن توجه هذه القراءة على أن " لكل وجهة " في موضع المفعول الثاني ل " مولّيها "، والمفعول الأول هو المضاف إليه اسم الفاعل الذي هو " مولّ "، وهو " ها "، وتكون عائدة على الطوائف، ويكون التقدير : وكلَّ وجهة اللَّهُ مولِّي الطوائف أصحاب القِبْلاَت، وزيدت " اللام " في المفعول لتقدمه، ويكون العامل فرعاً ؛ لأن النحويين نصُّوا على أنه لا يجوز زيادة " اللام " للتقوية إلا في المتعدي لواحد فقط، و " مولّ " مما يتعدّى لاثنين، فامتنع ذلك فيه، وهذا المانع هو الذي منع من الجواب عن الزمخشري فيما اعترض به أبو حيان عليه من كون الفعل إذا تعدى للظاهر، فلا يتعدى لضميره، وهو أنه كان يمكن أن يجاب عنه بأن الضمير المتصل ب " مول " ليس بضمير المفعول، بل ضمير المصدر وهو التَّولية، يكون المفعول الأول محذوفاً والتقدير : الله مولي التولية كلَّ وجهةٍ أَصْحَابَها، فلما قدم المفعول على العامل قوي ب " اللام " لولا أنهم نصوا على المنع من زيادتها في المتعدي لاثنين وثلاثة.
قوله تعالى :" فَاسْتَبِقُوا الخَيْرَاتِ " " الخيرات " منصوبة على إسقاط حرف الجر، التقدير : إلى الخيرات، كقول الراعي :[ الطويل ]
| ٨٤٢ - ثَنَائِي عَلَيْكُمْ آلَ حَرْبٍ وَمَنْ يَمِلْ | سِوَاكُمْ فَإِنِّي مُهْتَدٍ غَيرُ مَائلِ(١٢) |
و " الخيرات " جمع : خيرة، وفيها احتمالان.
أحدهما : أن تكون مخففة من " خَيِّرة " بالتشديد بوزن " فَيْعِلة " نحو : مَيْت في مَيِّت.
والثاني : أن تكون غير مخففة، بل تثبت على " فَعْلَة " بوزن " جَفْنَة "، يقال : رجل خير وامرأة خير، وعلى كلا التقديرين فليسا للتفضيل.
والسبق : الوصول إلى الشيء أولاً، وأصله التقدم في السير، ثم تجوز به في كل ما تقدم.
فصل في المسابقة إلى الصلاة
من قال : إنَّ الصلاة في أول الوقت أفضل استدل(١٤)بقوله :" فَاسْتَبِقُوا الخَيْرَاتِ " ؛ قال : لأن الصلاة خير لقوله عليه الصلاة والسلام " خَيْرُ أَعْمَالِكُمْ الصَّلاَةُ(١٥) " وظاهر الأمر بالسبق للوجوب، فإذا لم يتحقق فلا أقل من الندب.
وأيضاً قوله تعالى :
﴿سَابِقُواْ إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ﴾ [الحديد: ٢١] ومعناه : إلى ما يوجب المغفرة، والصلاة مما يوجب المغفرة، فوجب أن تكون المسابقة إليها مندوبة.
وأيضاً قوله تعالى :﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ أُوْلَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ﴾
[الواقعة: ١٠ - ١١].
والمراد منه : السابقون في الطاعات، والصلاة من الطاعات، وأيضاً أنه مدح الأنبياء المقدمين بقوله تعالى :﴿إِنَّهُمْ كَانُواْ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ﴾ [الأنبياء: ٩٠]، والصلاة من الخيرات، كما بَيّنا.
وأيضاً أنه تعالى ذم إبْليس في ترك المُسَارعة فقال :﴿مَا مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ﴾ [الأعراف: ١٢].
وأيضاً قوله تعالى :﴿حَافِظُواْ عَلَى الصَّلَوَاتِ﴾ [البقرة: ٢٣٨] والمحافظة لا تحصل إلا بالتَّعْجيل، ليأمن الفوت بالنسيان.
وأيضاً قوله تعالى حكاية عن موسى عليه السلام :﴿وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى﴾ [طه: ٨٤] فثبت أن الاستعجال أولى.
وأيضاً قوله تعالى :{ لاَ يَسْتَوِي مِنكُم مّ
١ - سقط في ب..
٢ - سقط في ب..
٣ - سقط في ب..
٤ - سقط في ب..
٥ - انظر السبعة: ١٧١، والكشف: ١/٢٦٧، والحجة للقراء السبعة: ٢/ ٢٣٠، والعنوان: ٧٢، وحجة القراءات: ١١٧، وشرح الطيبة: ٤/٧٤، ٧٥، وشرح شعلة: ٢٧٨، وإتحاف فضلاء البشر: ١/٤٢٢..
٦ - سقط في ب..
٧ - وقد نسبها في الشواذ ص ١٠ لابن عباس.
انظر المحرر الوجيز: ١/٢٢٤، والبحر المحيط: ١/ ٦١١، والدر المصون: ١/٤٠٥..
٨ - سقط في ب..
٩ - سقط في أ..
١٠ -ينظر خزانة الأدب: ٢/٣، ٥/٢٢٦، ٩/٤٨، ٦١، ٥٤٧، والدرر: ٤/١٧١، ورصف المباني: ص ٢٤٧، ٣١٥، وشرح التصريح: ١/٣٢٦، وشرح شواهد المغني: ٥٨٧، والكتاب: ٣/٦٧، ولسان العرب (سرق)، والمقرب: ١/١١٥، وهمع الهوامع: ٢/٣٣، والدر المصون: ١/٤٠٦..
١١ - البيت لجرير ينظر ديوانه: ص ٨١٤، والكتاب: ١/١٠٢، وشرح أبيات سيبويه: ١/٢٨٨، وشرح التصريح: ١/٣٠٠، والمقاصد النحوية: ٢/٥٣٣، وخزانة الأدب: ١١/٦٩، ولسان العرب (خشب)، (طها)، وجمهرة اللغة: ص ٢٩٠، والأزهية: ص ١١٤، وأمالي المرتضى: ٢/٥٧، وأوضح المسالك: ٢/١٦٦، والرد على النحاة: ص ١٠٥، وشرح الأشموني: ١/ ١٩٠، والدر المصون: ١/٤٠٦..
١٢ - ينظر البحر المحيط: ١/٦١٢، الدر المصون: ١/٤٠٧..
١٣ - سقط في أ..
١٤ - في أ: استدلوا..
١٥ - أخرجه ابن ماجه (١/١٠٢) رقم (٢٧٩) وأحمد (٥/٢٨٠) وابن عبد البر في "الاستذكار" (١/٢٦٢) والدارمي (١/١٦٨) والبيهقي (١/٨٢، ٤٥٧) والحاكم (١/٣٠) والطبراني في "الكبير" (٢/٩٨)، (٧/٢٨) وفي "الأوسط" (١/١١)، (٢/٨٨) والطيالسي (٤٦- منحة) والخطيب (١/٢٩٣).
وذكره الهندي في "كنز العمال" (٥٤٧٤) والمنذري في "الترغيب والترهيب" (١/١٦٢) وانظر الدر المنثور (١/ ٢٩٦)..
٢ - سقط في ب..
٣ - سقط في ب..
٤ - سقط في ب..
٥ - انظر السبعة: ١٧١، والكشف: ١/٢٦٧، والحجة للقراء السبعة: ٢/ ٢٣٠، والعنوان: ٧٢، وحجة القراءات: ١١٧، وشرح الطيبة: ٤/٧٤، ٧٥، وشرح شعلة: ٢٧٨، وإتحاف فضلاء البشر: ١/٤٢٢..
٦ - سقط في ب..
٧ - وقد نسبها في الشواذ ص ١٠ لابن عباس.
انظر المحرر الوجيز: ١/٢٢٤، والبحر المحيط: ١/ ٦١١، والدر المصون: ١/٤٠٥..
٨ - سقط في ب..
٩ - سقط في أ..
١٠ -ينظر خزانة الأدب: ٢/٣، ٥/٢٢٦، ٩/٤٨، ٦١، ٥٤٧، والدرر: ٤/١٧١، ورصف المباني: ص ٢٤٧، ٣١٥، وشرح التصريح: ١/٣٢٦، وشرح شواهد المغني: ٥٨٧، والكتاب: ٣/٦٧، ولسان العرب (سرق)، والمقرب: ١/١١٥، وهمع الهوامع: ٢/٣٣، والدر المصون: ١/٤٠٦..
١١ - البيت لجرير ينظر ديوانه: ص ٨١٤، والكتاب: ١/١٠٢، وشرح أبيات سيبويه: ١/٢٨٨، وشرح التصريح: ١/٣٠٠، والمقاصد النحوية: ٢/٥٣٣، وخزانة الأدب: ١١/٦٩، ولسان العرب (خشب)، (طها)، وجمهرة اللغة: ص ٢٩٠، والأزهية: ص ١١٤، وأمالي المرتضى: ٢/٥٧، وأوضح المسالك: ٢/١٦٦، والرد على النحاة: ص ١٠٥، وشرح الأشموني: ١/ ١٩٠، والدر المصون: ١/٤٠٦..
١٢ - ينظر البحر المحيط: ١/٦١٢، الدر المصون: ١/٤٠٧..
١٣ - سقط في أ..
١٤ - في أ: استدلوا..
١٥ - أخرجه ابن ماجه (١/١٠٢) رقم (٢٧٩) وأحمد (٥/٢٨٠) وابن عبد البر في "الاستذكار" (١/٢٦٢) والدارمي (١/١٦٨) والبيهقي (١/٨٢، ٤٥٧) والحاكم (١/٣٠) والطبراني في "الكبير" (٢/٩٨)، (٧/٢٨) وفي "الأوسط" (١/١١)، (٢/٨٨) والطيالسي (٤٦- منحة) والخطيب (١/٢٩٣).
وذكره الهندي في "كنز العمال" (٥٤٧٤) والمنذري في "الترغيب والترهيب" (١/١٦٢) وانظر الدر المنثور (١/ ٢٩٦)..