البحر المحيط في التفسير — أبو حيان الأندلسي

عن الكتاب
وجهة، قال قوم، منهم المازني والمبرد والفارسي : إن وجهة اسم للمكان المتوجه إليه، فعلى هذا يكون إثبات الواو أصلاً، إذ هو اسم غير مصدر.
قال سيبويه : ولو بنيت فعلة من الوعد لقلت وعدة، ولو بنيت مصدراً لقلت عدة.
وذهب قوم، منهم المازني، فيما نقل المهدوي إلى أنه مصدر، وهو الذي يظهر من كلام سيبويه.
قال، بعد ما ذكر حذف الواو من المصادر، وقد أثبتوا فقالوا : وجهة في الجهة، فعلى هذا يكون إثبات الواو شاذاً، منبهة على الأصل المتروك في المصادر.
والذي سوّغ عندي إقرار الواو، وإن كان مصدراً، أنه مصدر ليس بجار على فعله، إذ لا يحفظ وجه يجه، فيكون المصدر جهة.
قالوا : وعد يعد عدة، إذ الموجب لحذف الواو من عدة هو الحمل على المضارع، لأن حذفها في المضارع لعلة مفقودة في المصدر.
ولما فقد يجه، ولم يسمع، لم يحذف من وجهة، وإن كان مصدراً، لأنه ليس مصدراً ليجه، وإنما هو مصدر على حذف الزوائد، لأن الفعل منه : توجه واتجه.
فالمصدر الجاري هو التوجه والاتجاه، وإطلاقه على المكان المتوجه إليه هو من باب إطلاق المصدر على اسم المفعول.
الاستباق : افتعال من السبق، وهو الوصول إلى الشيء أولاً، ويكون افتعل منه، إما لموافقة المجرد، فيكون معناه ومعنى سبق واحداً، أو لموافقة تفاعل، فيكون استبق وتسابق بمعنى واحد.
الخيرات : جمع خيرة، ويحتمل أن يكون بناء على فعلة، أو بناء على فيعلة، فحذف منه، كالميتة واللينة.
وقد تقدّم القول في هذا الحذف، قالوا : رجل خير، وامرأة خيرة، كما قالوا : رجل شر، وامرأة شرّة، ولا يكونان إذ ذاك أفعل التفضيل.
﴿ولكل وجهة هو موليها﴾، لما ذكر القبلة التي أمر المسلمون بالتوجه إليها، وهي الكعبة، وذكر من تصميم أهل الكتاب على عدم اتباعها، وأن كلاً من طائفتي اليهود والنصارى مصممة على عدم اتباع صاحبها، أعلم أن ذلك هو بفعله، وأنه هو المقدر ذلك، وأنه هو موجه كل منهم إلى قبلته.
ففي ذلك تنبيه على شكر الله، إذ وفق المسلمين إلى اتباع ما أمر به من التوجه واختارهم لذلك.
وقرأ الجمهور : ولكل : منوناً، وجهة : مرفوعاً، هو موليها : بكسر اللام اسم فاعل.
وقرأ ابن عامر : هو مولاها، بفتح اللام اسم مفعول وهي، قراءة ابن عباس.
وقرأ قوم شاذاً : ولكل وجهة، بخفض اللام من كل من غير تنوين، وجهة : بالخفض منوناً على الإضافة، والتنوين في كل تنوين عوض من الإضافة، وذلك المضاف إليه كل المحذوف اختلف في تقديره.
فقيل : المعنى : ولكل طائفة من أهل الأديان.
وقيل : المعنى : ولكل أهل صقع من المسلمين وجهة من أهل سائر الآفاق، إلى جهة الكعبة، وراءها وقدّامها، ويمينها وشمالها، ليست جهة من جهاتها بأولى أن تكون قبلة من غيرها.
وقيل : المعنى : ولكل نبي قبلة، قاله ابن عباس.
وقيل : المعنى : ولكل ملك ورسول صاحب شريعة جهة قبلة، فقبلة المقربين العرش، وقبلة الروحانيين الكرسي، وقبلة الكروبيين البيت المعمور، وقبلة الأنبياء قبلك بيت المقدس، وقبلتك الكعبة، وقد اندرج في هذا الذي ذكرناه أن المراد بوجهه : قبلة، وهو قول ابن عباس، وهي قراءة أبيّ، قرأ : ولكل قبلة.
وقرأ عبد الله : ولكل جعلنا قبلة.
وقال الحسن : وجهة : طريقة، كما قال :﴿لكلّ جعلنا منكم شرعة ومنهاجاً﴾ أي لكل نبي طريقة.
وقال قتادة : وجهة : أي صلاة يصلونها، وهو من قوله : هو موليها عائد على كل على لفظه، لا على معناه، أي هو مستقبلها وموجه إليها صلاته التي يتقرب بها، والمفعول الثاني لموليها محذوف لفهم المعنى، أي هو موليها وجهه أو نفسه، قاله ابن عباس وعطاء والربيع، ويؤيد أن هو عائد على كل قراءة من قرأ : هو مولاها.
وقيل : هو عائد على الله تعالى، قاله الأخفش والزجاج، أي الله موليها إياه، اتبعها من اتبعها وتركها من تركها.
فمعنى هو موليها على هذا التقدير : شارعها ومكلفهم بها.
والجملة من الابتداء والخبر في موضع الصفة لوجهة.
وأما قراءة من قرأ : ولكل وجهة على الإضافة، فقال محمد بن جرير : هي خطأ، ولا ينبغي أن يقدم على الحكم في ذلك بالخطأ، لا سيما وهي معزوّة إلى ابن عامر، أحد القراء السبعة، وقد وجهت هذه القراءة.
قال الزمخشري : المعنى : ولكل وجهة الله موليها، فزيدت اللام لتقدمّ المفعول، كقولك : لزيد ضربت، ولزيد أبوه ضاربه.
انتهى كلامه، وهذا فاسد لأن العامل إذا تعدّى لضمير الاسم لم يتعدّ إلى ظاهره المجرور باللام.
لا يجوز أن يقول : لزيد ضربته، ولا : لزيد أنا ضاربه.
وعليه أن الفعل إذا تعدّى للضمير بغير واسطة.
كان قوياً، واللام إنما تدخل على الظاهر إذا تقدّم ليقويه لضعف وصوله إليه متقدماً، ولا يمكن أن يكون العامل قوياً ضعيفاً في حالة واحدة، ولأنه يلزم من ذلك أن يكون المتعدي إلى واحد يتعدى إلى اثنين، ولذلك تأوّل النحويون قوله هذا :
سراقة للقرآن يدرسه***
وليس نظير ما مثل به من قوله : لزيد ضربت، أي زيداً ضربت، لأن ضربت في هذا المثال لم يعمل في ضمير زيد، ولا يجوز أن يقدر عامل في لكل وجهة يفسره قوله موليها، كتقديرنا زيداً أنا ضاربه، أي اضرب زيداً أنا ضاربه، فتكون المسألة من باب الاشتغال، لأن المشتغل عنه لا يجوز أن يجر بحرف الجر.
تقول : زيداً مررت به، أي لابست زيداً، ولا يجوز : بزيد مررت به، فيكون التقدير : مررت بزيد مررت به، بل كل فعل يتعدى بحرف الجر، إذا تسلط على ضمير اسم سابق في باب الاشتغال، فلا يجوز في ذلك الاسم السابق أن يجر بحرف جر، ويقدر ذلك الفعل ليتعلق به حرف الجر، بل إذا أردت الاشتغال نصبته، هكذا جرى كلام العرب.
قال تعالى :﴿والظالمين أعدّ لهم عذاباً أليماً﴾ وقال الشاعر :
أثعلبة الفوارس أم رباحاعدلت به طهية والخشابا
وأما تمثيله : لزيد أبوه ضاربه، فتركيب غير عربي.
فإن قلت : لم لا تتوجه هذه القراءة على أن لكل وجهة في موضع المفعول الثاني لموليها، والمفعول الأول هو المضاف إليه اسم الفاعل الذي هو مولّ، وهو الهاء، وتكون عائدة على أهل القبلات والطوائف، وأنث على معنى الطوائف، وقد تقدم ذكرهم، ويكون التقدير : وكل وجهة الله مولّي الطوائف أصحاب القبلات ؟ فالجواب : أنه منع مع هذا التقدير نص النحويين على أن المتعدي إلى واحد هو الذي يجوز أن تدخل اللام على مفعوله، إذا تقدّم.
أما ما يتعدى إلى اثنين، فلا يجوز أن يدخل على واحد منهما اللام إذا تقدم، ولا إذا تأخر.
وكذلك ما يتعدى إلى ثلاثة.
ومولّ هنا اسم فاعل من فعل يتعدى إلى اثنين، فلذلك لا يجوز هذا التقدير.
وقال ابن عطية، في توجيه هذه القراءة : أي فاستبقوا الخيرات لكل وجهة ولاّكموها، ولا تعترضوا فيما أمركم بين هذه وهذه، أي إنما عليكم الطاعة في الجميع.
وقدم قوله : لكل وجهة على الأمر في قوله : فاستبقوا الخيرات، للاهتمام بالوجهة، كما تقدم المفعول.
انتهى كلام ابن عطية، وهو توجيه لا بأس به.
﴿فاستبقوا الخيرات﴾ : هذا أمر بالبدار إلى فعل الخير والعمل الصالح.
وناسب هذا أن من جعل الله له شريعة، أو قبلة، أو صلاة، فينبغي الاهتمام بالمسارعة إليها.
قال قتادة : الاستباق في أمر الكعبة رغماً لليهود بالمخالفة.
وقال ابن زيد : معناه : سارعوا إلى الأعمال الصالحة من التوجه إلى القبلة وغيره.
وقال الزمخشري : ويجوز أن يكون المعنى : فاستبقوا الفاضلات من الجهات، وهي الجهات المسامتة للكعبة، وإن اختلفت.
وذكرنا أن استبق بمعنى : تسابق، فهو يدل على الاشتراك.
﴿إنا ذهبنا نستبق﴾ أي نتسابق، كما تقول.
تضاربوا.
واستبق لا يتعدى، لأن تسابق لا يتعدى، وذلك أن الفعل المتعدي، إذا بنيت من لفظ، معناه : تفاعل للاشتراك، صار لازماً، تقول : ضربت زيداً، ثم تقول : تضاربنا، فلذلك قيل : إن إلى هنا محذوفة، التقدير : فاستبقوا إلى الخيرات.
قال الراعي :
ثنائي عليكم آل حرب ومن يملسواكم فإني مهتد غير مائل
يريد ومن يمل إلى سواكم ﴿أينما تكونوا يأت بكم الله جميعاً﴾ : هذه جملة تتضمن وعظاً وتحذيراً وإظهاراً لقدرته، ومعنى :﴿يأت بكم الله جميعاً﴾ : أي يبعثكم ويحشركم للثواب والعقاب، فأنتم لا تعجزونه، وافقتم أم خالفتم، ولذلك قال ابن عباس : يعني يوم القيامة.
وقيل : المعنى : أينما تكونوا من الجهات المختلفة يأت بكم الله جميعاً، أي يجمعكم ويجعل صلاتكم كلها إلى جهة واحدة، وكأنكم تصلون حاضري المسجد الحرام، قاله الزمخشري.
﴿إن الله على كل شيء قدير﴾ تقدم شرح هذه الجملة، وسيقت بعد الجملة الشرطية المتضمنة للبعث والجزاء، أي لا يستبعد إتيان الله تعالى بالأشلاء المتمزقة في الجهات المتعددة المتفرقة، فإن قدرة الله تتعلق بالممكنات، وهذا منها.
وقد تقدم لنا أن مثل هذه الجملة المصدرة بأن تجيء كالعلة لما قبلها، فكان المعنى : إتيان الله بكم جميعاً لقدرته على ذلك.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:وقد تضمنت هذه الآيات الكريمة مزيد التوكيد في الأمر بتولية وجهه من حيث خرج ﷺ شطر المسجد، وبتوليتهم وجوههم شطره للاعتناء بأمر نسخ القبلة، حيث كان النسخ صعباً على النفوس، حيث ألفوا أمراً، وأمروا بتركه والانتقال إلى غيره، وخصوصاً عند من لا يرى النسخ.
فلذلك كرر وأنه تعالى أمر بذلك وفعله لانتفاء حجج الناس، لأن ذلك، إذا كان بأمر منه تعالى، لم تبق لأحد حجة على ممتثل أمر الله، لأن أمر الله ثانياً، كأمره أولاً.
وهو قد أمر أولاً باستقبال بيت المقدس، وأمر آخراً باستقبال الكعبة.
فلا فرق بين الأمرين، ولا حجة لمن خالف.
واستثنى من الناس من ظلم، لأنه لا تنقطع حججه، وإن كانت باطلة، ولا تشغيباته وتمويهاته، لأنه قام به وصف يمنعه من إدراك الحق والبلج به، ثم أمرهم تعالى بخشيته، ونهاهم عن خشية الناس، لأنهم إذا خشوا الله تعالى امتثلوا أوامره واجتنبوا مناهيه.
وعطف على تلك العلة علة أخرى، وهي إتمام النعمة باستقبال الكعبة إذ في ذلك اتباع أبيكم إبراهيم، والرجوع إلى المألوف، ولتحصيل الهداية.
وشبه هذا الإتمام بإتمام نعمة إرسال الرسول منهم فيهم، إذ هذه النعمة هي الأصل، وهي منبع النعم والهداية، ثم وصف المرسل إليهم بتلك الأوصاف الجليلة التي رزقوا منها الحظ الأكمل، وهي تلاوة الكتاب عليهم :﴿أو لم يكفهم أنا أنزلنا عليك الكتاب يتلى عليهم﴾
فكيف بمزيد التزكية والتعليم اللذين بهما تحصل الطهارة من الأرجاس والحياة السرمدية في الناس ؟
أخو العلم حيّ خالد بعد موتهوأوصاله تحت التراب رميم

وقال آخر :
محل العلم لا يأوي تراباًولا يبلى على الزمن القديم
ثم أمرهم تعالى بالذكر لهذه النعم لئلا ينسوها، وبالشكر عليها لأن يزيدهم من النعم.
ثم نهاهم عن كفرانها، لأن كفران النعم يقتضي زوالها واستحقاق العذاب الشديد عليه.
ثم نادى من اتصف بالإيمان، وهو ثاني نداء للمؤمنين في هذه السورة، ليقبلوا على ما يأمرهم به.
فأمرهم بالاستعانة بالصبر والصلاة، لأن الاستعانة بهما تحصل سعادة الدنيا والآخرة.
ثم أخبر تعالى أنه مع من صبر ثم نهاهم عن أن يقولوا للشهداء إنهم أموات، وأخبر أنهم أحياء، فوجب تصديق ما أخبر به، وذكر أنا لا نشعر نحن بحياتهم.
ثم أخبر تعالى أنه يبتليهم بما يظهر منهم فيه الصبر، وهو شيء من البلايا التي ذكرها تعالى.
ثم أمر نبيه أن يبشر الصابرين على ما ابتلوا به المسلمين لقضاء الله اعتقاداً وقولاً صريحاً أنهم عبيد الله ومماليكه، وإليه مآبهم ومرجعهم، يتصرف فيهم كما أراد.
ثم ختم ذلك بأن من اتصف بهذا الوصف، فعليه من الله الصلاة والرحمة، وهو المهتدي الذي ثبتت هدايته ورسخت.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى