فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير — الشوكاني

عن الكتاب
قوله :﴿وَلِكُلّ﴾ بحذف المضاف إليه لدلالة التنوين عليه : أي : لكل أهل دين وجهة، والوجهة فعلة من المواجهة، وفي معناها الجهة، والوجه، والمراد القبلة : أي : أنهم لا يتبعون قبلتك، وأنت لا تتبع قبلتهم ﴿وَلِكُلّ وِجْهَةٌ﴾ إما بحق، وإما بباطل، والضمير في قوله :﴿هُوَ مُوَلّيهَا﴾ راجع إلى لفظ كل. والهاء في قوله :﴿مُوَلّيهَا﴾ هي : المفعول الأوّل، والمفعول الثاني محذوف أي : موليها وجهه. والمعنى : أن لكل صاحب ملة قبلة صاحب القبلة موليها وجهه، أو لكل منكم يا أمة محمد قبلة يصلي إليها من شرق، أو غرب، أو جنوب، أو شمال إذا كان الخطاب للمسلمين، ويحتمل أن يكون الضمير لله سبحانه، وإن لم يجر له ذكر، إذ هو معلوم أن الله فاعل ذلك، والمعنى : أن لكل صاحب ملة قبلة الله موليها إياه. وحكى الطبري أن قوماً قرءوا :«ولكل وجهة » بالإضافة، ونسب هذه القراءة أبو عمرو الداني إلى ابن عباس. قال في الكشاف : والمعنى : وكل وجهة الله موليها، فزيدت اللام لتقدم المفعول كقولك لزيد ضربت، ولزيد أبوه ضاربه. انتهى. وقرأ ابن عباس، وابن عامر :«مولاها » على ما لم يسمّ فاعله. قال الزجاج : والضمير على هذه القراءة لواحد : أي : ولكل واحد من الناس قبلة الواحد مولاها : أي : مصروف إليها. وقوله :﴿فَاسْتَبِقُوا الخَيْرَاتِ﴾ أي : إلى الخيرات على الحذف، والإيصال : أي : بادروا إلى ما أمركم الله من استقبال البيت الحرام كما يفيده السياق، وإن كان ظاهره الأمر بالاستباق إلى كل ما يصدق عليه أنه خير كما يفيده العموم المستفاد من تعريف الخيرات، والمراد من الاستباق إلى الاستقبال : الاستباق إلى الصلاة في أول وقتها. ومعنى قوله :﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا يَاتِ بِكُمُ الله﴾ أي : في أيّ : جهة من الجهات المختلفة تكونوا يأت بكم الله للجزاء يوم القيامة، أو يجمعكم جميعاً، ويجعل صلاتكم في الجهات المختلفة كأنها إلى جهة واحدة.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:وقد أخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله :﴿وَلِكُلّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلّيهَا﴾ قال : يعني بذلك أهل الأديان، يقول : لكل قبلة يرضونها. وأخرج ابن أبي حاتم عنه أنه قال في تفسير هذه الآية : صلوا نحو بيت المقدس مرة، ونحو الكعبة مرة أخرى. وأخرج أبو داود في ناسخه، عن قتادة نحوه. وأخرج ابن جرير، عن قتادة في قوله :﴿فَاسْتَبقُوا الخَيْرَاتِ﴾ يقول : لا تغلبنّ على قبلتكم. وأخرج ابن جرير، عن ابن زيد في قوله :﴿فَاسْتَبِقُوا الخَيْرَاتِ﴾ قال : الأعمال الصالحة. وأخرج ابن أبي حاتم، عن أبي العالية في قوله :﴿فَاسْتَبِقُوا الخَيْرَاتِ﴾ يقول : فسارعوا في الخيرات :﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا يَاتِ بِكُمُ الله جَمِيعًا﴾ قال : يوم القيامة. وأخرج ابن جرير، من طريق السدّي، عن ابن عباس، وابن مسعود، وناس من الصحابة قال : لما صرف النبي ﷺ نحو الكعبة بعد صلاته إلى بيت المقدس قال المشركون من أهل مكة : تحير على محمد دينه، فتوجه بقبلته إليكم، وعلم أنكم أهدى منه سبيلاً، ويوشك أن يدخل في دينكم، فأنزل الله :﴿لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلاَّ الذين ظَلَمُوا مِنْهُمْ فَلاَ تَخْشَوْهُمْ واخشونى﴾ وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، عن قتادة في قوله :﴿لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ﴾ قال : يعني بذلك أهل الكتاب حين صرف نبي الله إلى الكعبة قالوا : اشتاق الرجل إلى بيت أبيه، ودين قومه. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، عن مجاهد قال : حجتهم قولهم قد أحبّ قبلتنا، وأخرج أبو داود في ناسخه، وابن جرير، وابن المنذر عن قتادة، ومجاهد في قوله :﴿إِلاَّ الذين ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾ قال : الذين ظلموا منهم مشركو قريش أنهم سيحتجون بذلك عليكم، واحتجوا على نبيّ الله بانصرافه إلى البيت الحرام، وقالوا : سيرجع إلى ديننا كما رجع إلى قبلتنا، فأنزل الله في ذلك كله :﴿يَأَيُّهَا الذين ءامَنُوا استعينوا بالصبر والصلاة إِنَّ الله مَعَ الصابرين﴾ [البقرة: ١٥٣]. وأخرج ابن أبي حاتم، عن أبي العالية في قوله :﴿كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولاً منْكُمْ﴾ يعني محمداً ﷺ. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، عن مجاهد في قوله :﴿كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولاً منْكُمْ﴾ يقول : كما فعلت فاذكروني. وأخرج أبو الشيخ، والديلمي من طريق جويبر، عن الضحاك، عن ابن عباس قال : قال رسول الله ﷺ :﴿فاذكرونى أَذْكُرْكُمْ﴾ يقول : اذكروني يا معشر العباد بطاعتي أذكركم بمغفرتي». وأخرج الديلمي، وابن عساكر مثله مرفوعاً من حديث أبي هند الداري وزاد :«فمن ذكرني، وهو مطيع، فحق عليّ أن أذكره بمغفرتي، ومن ذكرني، وهو لي عاص، فحق عليّ أن أذكره بمقت». وأخرج عبد بن حميد، عن ابن عباس : يقول الله : ذكرى لكم خير من ذكركم لي. وقد ورد في فضل ذكر الله على الإطلاق، وفضل الشكر أحاديث كثيرة.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى