المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز — ابن عطية

عن الكتاب
وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعًا إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ( ١٤٨ )
وقوله تعالى :﴿ولكل وجهة﴾ الآية، الوجهة : فعلة من المواجهة كالقبلة، وقوله :﴿هو﴾ عائد على اللفظ المفرد في ﴿كل﴾، والمراد به الجماعات.
المعنى : لكل صاحب ملة وجهة هو موليها نفسه، قاله الربيع وعطاء وابن عباس، وقرأ ابن عباس وابن عامر وحده من السبعة ﴿هو مولاها﴾(١)، وقالت طائفة : الضمير في ﴿هو﴾ عائد على الله تعالى، والمعنى : الله موليها إياهم، وقالت فرقة : المعنى في الآية أن للكل ديناً وشرعاً وهو دين الله وملة محمد وهو موليها إياهم اتبعها من اتبعها وتركها من تركها، وقال قتادة : المراد بالآية أن الصلاة إلى الشام ثم الصلاة إلى الكعبة لكل واحدة منهما وجهة الله موليها إياهم، وحكى الطبري أن قوماً قرؤوا ﴿ولكل وجهة﴾ بإضافة كل إلى وجهة، وخطأها الطبري.
قال القاضي أبو محمد : وهي متجهة، أي فاستبقوا الخيرات لكل وجهة ولاكموها، ولا تعترضوا فيما أمركم من هذه وهذه، أي إنما عليكم الطاعة في الجميع(٢)، وقدم قوله :﴿لكل وجهة﴾ على الأمر في قوله :﴿فاستبقوا﴾ للاهتمام بالوجهة كما يقدم المفعول، وذكر أبو عمرو الداني هذه القراءة عن ابن عباس رضي الله عنه وسلمت الواو في وجهة ولم تجر كعدة وزنة لأن ﴿وجهة﴾ ظرف وتلك مصادر فسلمت للفرق، وأيضاً فليكمل بناء الهيئة كالجلسة(٣)، قال أبو علي : ذهب قوم أنه مصدر شذ عن القياس فسلم، ومال قوم إلى أنه اسم ليس بمصدر.
قال غير أبي علي : وإذا أردت المصدر قلت جهة.
قال القاضي أبو محمد : وقد يقال الجهة في الظرف، وحكى الطبري عن منصور(٤) أنه قال : نحن نقرؤها «ولكلٍّ جعلنا قبلة يرضونها ».
ثم أمر تعالى عباده باستباق الخيرات(٥) والبدار إلى سبيل النجاة، ثم وعظهم بذكر الحشر موعظة تتضمن وعيداً وتحذيراً.
وقوله :﴿يأتِ بكم الله جميعاً﴾ يعني به البعث من القبور، ثم اتصف الله تعالى بالقدرة على كل شيء مقدور عليه لتناسب الصفة مع ما ذكر من الإتيان بهم.
١ - فتكون اسم مفعول على هذه القراءة..
٢ - توجيهه لقراءة الإضافة التي خطأها الطبري رحمه الله – بأنها مرتبطة بما بعدها توجيه مقبول وصحيح، وقد بيّن ذلك في سبكه لها، كما بيّن أنها قراءة ابن عباس رضي الله عنه نقلا عن أبي عمرو الداني..
٣ - الوجهة: كل مكان استقبلته، وتحذف الواو فيقال: جهة كعدة وقد قيل: إن وجهة مصدر خرج عن القياس، وقيل: ظرف مكان، والجهة كذلك تكون مصدرا، وقد تكون ظرفا..
٤ - لعله منصور بن المعتمر السلمي أبو عتاب الكوفي، صام أربعين سنة، وقام ليلها، وتوفي سنة ١٣٢ هـ ونرجح ذلك لأن جرير بن عبد الحميد الضبي الكوفي يروي عنه..
٥ - استَبَقَ – لا تتعدى لأنها بمعنى تسابق، فهي في الآية على تقدير إلى، أو على تضمين معنى الابتدار، والخيرات سائر أنواع الطاعات، ومنها المسارعة إلى الصلاة واستقبال الكعبة..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى