مفاتيح الغيب — فخر الدين الرازي

عن الكتاب
قوله تعالى :﴿ولكل وجهة هو موليها فاستبقوا الخيرات أينما تكونوا يأت بكم الله جميعا إن الله على كل شيء قدير﴾.
اعلم أنهم اختلفوا في المراد بقوله :﴿ولكل﴾ وفيه مسألتان :
المسألة الأولى : إنما قال :﴿ولكل﴾ ولم يقل لكل قوم أو أمة لأنه معروف المعنى عندهم فلم يضر حذف المضاف إليه وهو كثير في كلامهم كقوله :﴿لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا﴾.
المسألة الثانية : ذكروا فيه أربعة أوجه ( أحدها ) : أنه يتناول جميع الفرق، أعني المسلمين واليهود والنصارى والمشركين، وهو قول الأصم، قال : لأن في المشركين من كان يعبد الأصنام ويتقرب بذلك إلى الله تعالى كما حكى الله تعالى عنهم في قوله :﴿هؤلاء شفعاؤنا عند الله﴾ ( وثانيها ) : وهو قول أكثر علماء التابعين، أن المراد أهل الكتاب وهم : المسلمون واليهود والنصارى، والمشركون غير داخلين فيه ( وثالثها ) قال بعضهم : المراد لكل قوم من المسلمين وجهة أي جهة من الكعبة يصلي إليها : جنوبية أو شمالية، أو شرقية أو غربية، واحتجوا على هذا القول بوجهين ( الأول ) : قوله تعالى :﴿هو موليها﴾ يعني الله موليها وتولية الله لم تحصل إلا في الكعبة، لأن ما عداها تولية الشيطان ( الثاني ) : أن الله تعالى عقبه بقوله :﴿فاستبقوا الخيرات﴾ والظاهر أن المراد من هذه الخيرات ما لكل أحد من جهة، والجهات الموصوفة بالخيرية ليست إلا جهات الكعبة. ( ورابعها ) : قال آخرون : ولكل وجهة أي لكل واحد من الرسل وأصحاب الشرائع جهة قبلة، فقبلة المقربين : العرش، وقبلة الروحانيين : الكرسي، وقبلة الكروبيين : البيت المعمور، وقبلة الأنبياء الذين قبلك بيت المقدس، وقبلتك الكعبة.
أما قوله تعالى :﴿وجهة﴾ ففيه مسألتان :
المسألة الأولى : قرئ :﴿ولكل وجهة﴾ على الإضافة والمعنى : وكل وجهة هو موليها فزيدت اللام لتقدم المفعول كقولك : لزيد ضربت، ولزيد أبوه ضارب.
المسألة الثانية : قال الفاء : وجهة، ووجه بمعنى واحد، واختلفوا في المراد فقال الحسن : المراد المنهاج والشرع، وهو كقوله تعالى :﴿لكل أمة جعلنا منسكا﴾ ﴿لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا﴾ والمراد منه أن للشرائع مصالح، فلا جرم اختلفت الشرائع بحسب اختلاف الأشخاص، وكما اختلف بحسب اختلاف الأشخاص لم يبعد أيضا اختلافها بحسب اختلاف الزمان بالنسبة إلى شخص واحد، فلهذا صح القول بالنسخ والتغيير، وقال الباقون : المراد منه أمر القبلة، لأنه تقدم قوله تعالى :﴿فول وجهك شطر المسجد الحرام﴾ فهذه الوجهة يجب أن تكون محمولة على ذلك.
أما قوله :﴿هو موليها﴾ ففيه وجهان ( الأول ) : أنه عائد إلى الكل، أي ولكل أحد وجهة هو مولي وجهه إليها ( الثاني ) : أنه عائد إلى اسم الله تعالى، أي الله تعالى يوليها إياه، وتقدير الكلام على الوجه الأول أن نقول : أن لكل منكم وجهة أي جهة من القبلة هو موليها، أي هو مستقبلها. ومتوجه إليها لصلاته التي هو متقرب بها إلى ربه، وكل يفرح بما هو عليه ولا يفارقه، فلا سبيل إلى اجتماعكم على قبلة واحدة، مع لزوم الأديان المختلفة :﴿فاستبقوا الخيرات﴾ أي فالزموا معاشر المسلمين قبلتكم فإنكم على خيرات من ذلك في الدنيا والآخرة، أما في الدنيا فلشرفكم بقبلة إبراهيم وأما في الآخرة فللثواب العظيم الذي تأخذونه على انقيادكم لأوامره فإن إلى الله مرجعكم، وأينما تكونوا من جهات الأرض يأت بكم الله جميعا في صعيد القيامة، فيفصل بين المحق منكم والمبطل، حتى يتبين من المطيع منكم ومن العاصي، ومن المصيب منكم ومن المخطئ، إنه على ذلك قادر، ومن قال بهذا التأويل قال : المراد أن لكل من أهل الملل وجهة قد اختارها، إما بشريعة وإما بهوى، فلستم تؤخذون بفعل غيركم، فإنما لهم أعمالهم ولكم أعمالكم، وإما تقرير الكلام على الوجه الثاني أعني أن يكون الضمير في قوله :﴿هو موليها﴾ عائدا إلى الله تعالى فههنا وجهان ( الأول ) : أن الله تعالى عرفنا أن كل واحدة من هاتين القبلتين اللتين هما بيت المقدس والكعبة جهة يوليها الله تعالى عباده، إذا شاء يفعله على حسب ما يعلمه صلاحا فالجهتان من الله تعالى وهو الذي ولى وجوه عباده إليهما، فاستبقوا الخيرات بالانقياد لأمر الله في الحالتين، فإن انقيادكم خيرات لكم، ولا تلتفتوا إلى مطاعن هؤلاء الذين يقولون :﴿ما ولاهم عن قبلتهم﴾ فإن الله يجمعكم وهؤلاء السفهاء جميعا في عرصة القيامة، فيفصل بينكم ( الثاني ) : أنا إذا فسرنا قوله :﴿ولكل وجهة﴾ بجهات الكعبة ونواحيها، كان المعنى : ولكل قوم منكم معاشر المسلمين وجهة، أي ناحية من الكعبة :﴿فاستبقوا الخيرات﴾ بالتوجه إليها من جميع النواحي، فإنها وإن اختلفت بعد أن تؤدي إلى الكعبة فهي كجهة واحدة ولا يخفى على الله نياتهم فهو يحشرهم جميعا ويثيبهم على أعمالهم.
أما قوله تعالى :﴿هو موليها﴾ أي هو موليها وجهه فاستغنى عن ذكر الوجه، قال الفراء : أي مستقبلها وقال أبو معاذ : موليها على معنى متوليها يقال : قد تولاها ورضيها وأتبعها، وفي قراءة عبد الله بن عامر النخعي :﴿هو مولاها﴾ وهي قراءة ابن عباس وأبي جعفر ومحمد بن علي الباقر وفي قراءة الباقين :﴿موليها﴾ ولقراءة ابن عامر معنيان ( أحدهما ) : أن ما وليته فقد ولاك، لأن معنى وليته أي جعلته بحيث تليه وإذا صار هذا بحيث يلي ذلك فذاك أيضا، يلي هذا، فإذن قد ولى كل واحد منهما الآخر وهو كقوله تعالى :﴿فتلقى آدم من ربه كلمات﴾ و﴿لا ينال عهدي الظالمين﴾ والظالمون، وهذا قول الفراء ( والثاني ) :﴿هو موليها﴾ أي قد زينت له تلك الجهة وحببت إليه، أي صارت بحيث يحبها ويرضاها.
أما قوله :﴿فاستبقوا الخيرات﴾ فمعناه الأمر بالبدار إلى الطاعة في وقتها، واعلم أن أداء الصلاة في أول الوقت عند الشافعي رضي الله عنه أفضل، خلافا لأبي حنيفة، واحتج الشافعي بوجوه :( أولها ) أن الصلاة خير لقوله ﷺ :( الصلاة خير موضوع ) وإذا كان كذلك وجب أن يكون تقديمه أفضل لقوله تعالى :﴿فاستبقوا الخيرات﴾ وظاهر الأمر للوجوب، فإذا لم يتحقق فلا أقل من الندب ( وثانيها ) : قوله ﴿سابقوا إلى مغفرة من ربكم﴾ ومعناه إلى ما يوجب المغفرة والصلاة مما يوجب المغفرة فوجب أن تكون المسابقة إليها مندوبة. ( وثالثها ) قوله تعالى :﴿والسابقون السابقون أولئك المقربون﴾ ولا شك أن المراد منه السابقون في الطاعات، ولا شك أن الصلاة من الطاعات، وقوله تعالى :﴿أولئك المقربون﴾ يفيد الحصر، فمعناه أنه لا يقرب عند الله إلا السابقون وذلك يدل على أن كمال الفضل منوط بالمسابقة ( ورابعها ) قوله تعالى :﴿وسارعوا إلى مغفرة من ربكم﴾ والمعنى : وسارعوا إلى ما يوجب المغفرة، ولا شك أن الصلاة كذلك، فكانت المسارعة بها مأمورة ( وخامسها ) : أنه مدح الأنبياء المتقدمين بقوله تعالى :﴿إنهم كانوا يسارعون في الخيرات﴾ ولا شك أن الصلاة من الخيرات، لقوله عليه السلام :( خير أعمالكم الصلاة ) ( وسادسها ) : أنه تعالى ذم إبليس في ترك المسارعة فقال :﴿ما منعك ألا تسجد إذ أمرتك﴾ وهذا يدل على أن ترك المسارعة موجب للذم ( وسابعها ) : قوله تعالى :﴿حافظوا على الصلوات﴾ والمحافظة لا تحصل إلا بالتعجيل، ليأمن الفوت بالنسيان وسائر الأشغال. ( وثامنها ) قوله تعالى : حكاية عن موسى عليه السلام :﴿وعجلت إليك رب لترضى﴾ فثبت أن الاستعجال أولى ( وتاسعها ) : قوله تعالى :﴿لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل أولئك أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا﴾ فبين أن المسابقة سبب لمزيد الفضيلة فكذا في هذه الصورة ( وعاشرها ) : ما روى عمر وجرير بن عبد الله وأنس وأبو محذورة عن النبي ﷺ أنه قال :( الصلاة في أول الوقت رضوان الله وفي آخره عفو الله ) قال الصديق رضي الله عنه : رضوان الله أحب إلينا من عفوه. قال الشافعي رضي الله عنه : رضوان الله إنما يكون للمحسنين والعفو يوشك أن يكون عن المقصرين فإن قيل هذا احتجاج في غير موضعه لأنه يقتضي أن يأثم بالتأخير، وأجمعنا على أنه لا يأثم فلم يبق إلا أن يكون معناه أن الفعل في آخر الوقت يوجب العفو عن السيئات السابقة، وما كان كذلك فلا شك أنه يوجب رضوان الله، فكان التأخير موجبا للعفو والرضوان، والتقديم موجبا للرضوان دون العفو فكان التأخير أولى قلنا : هذا ضعيف من وجوه ( الأول ) : أنه لو كان كذلك لوجب أن يكون تأخير المغرب أفضل وذلك لم يقله أحد. ( الثاني ) : أنه عدم المسارعة الامتثال يشبه عدم الالتفات، وذلك يقتضي العقاب، إلا أنه لما أتى بالفعل بعد ذلك سقط ذلك الاقتضاء ( الثالث ) : أن تفسير أبي بكر الصديق رضي الله عنه يبطل هذا التأويل الذي ذكروه.
الحادي عشر : روي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه عن النبي ﷺ أنه قال :( يا علي ثلاث لا تؤخرها : الصلاة إذا أتت، والجنازة إذا حضرت، والأيم إذا وجدت لها كفؤا ).
الثاني عشر : عن ابن مسعود أنه سأل الرسول ﷺ فقال : أي الأعمال أفضل ؟ فقال : الصلاة لميقاتها الأول.
الثالث عشر : روى أبو هريرة عن النبي ﷺ أنه قال :( إن الرجل ليصلي الصلاة وقد فاته من أول الوقت ما هو خير له من أهله وماله ).
الرابع عشر : قال عليه السلام :( من سن سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة ) فمن كان أسبق في الطاعة كان هو الذي سن عمل الطاعة في ذلك الوقت، فوجب أن يكون ثوابه أكثر من ثواب المتأخر.
الخامس عشر : إنا توافقنا على أن أحد أسباب الفضيلة فيما بين الصحابة المسابقة إلى الإسلام حتى وقع الخلاف الشديد بين أهل السنة وغيرهم أن أبا بكر أسبق إسلاما أم عليا، وما ذاك إلا اتفاقهم على أن المسابقة في الطاعة توجب مزيد الفضل وذلك يدل على قولنا.
السادس عشر : قوله عليه السلام في خطبة له :( وبادروا بالأعمال الصالحة قبل أن تشتغلوا ) ولا شك أن الصلاة من الأعمال الصالحة.
السابع عشر : أن تعجيل حقوق الآدميين أفضل من تأخيرها، فوجب أن يكون الحال في أداء حقوق الله تعالى كذلك، والجامع بينهما رعاية معنى التعظيم.
الثامن عشر : أن المبادرة والمسارعة إلى الصلاة إظهار للحرص على الطاعة، والولوع بها، والرغبة فيها وفي التأخير كسل عنها، فيكون الأول أولى.
التاسع عشر : أن الاحتياط في تعجيل الصلاة لأنه إذا أداها في أول الوقت تفرغت ذمته، فإذا أخر فربما عرض له شغل فمنعه عن أدائها فيبقى الواجب في ذمته، فالوجه الذي يحصل فيه الاحتياط لا شك أنه أولى.
العشرون : أجمعنا في صوم رمضان أن تعجيله أفضل من تأخيره وذلك لأن المريض يجوز له أن يفطر ويؤخر الصوم، ويجوز له أن يعجل ويصوم في الحال، ثم أجمعنا على أن التعجيل في الصوم أفضل على ما قال :﴿وأن تصوموا خير لكم﴾ فوجب أيضا أن يكون التعجيل في الصلاة أولى فإن قيل : تنتقض هذه الدلائل القياسية بالظهر في شدة الحر، أو بما إذا حصل له رجاء إدراك الجماعة أو وجود الماء قلنا : التأخير ثبت في هذه المواضع لأمور عارضة، وكلامنا في مقتضى الأصل.
الحادي والعشرون : المسارعة إلى الامتثال أحسن في العرف من ترك المسارعة، فوجب أن يكون في الشرع كذلك لقوله عليه السلام :( ما رآه المسلمون حسنا فهو عند الله ح

تفسير هذه الآية من كتب أخرى